📱

Get Our Mobile App

Take your business learning on the go!

Download on the App StoreGet it on Google Play

كيف بنى عثمان بن عفان ثروته الهائلة؟ لماذا كان من أذكى المستثمرين في التاريخ؟

المخبر الاقتصادي - Mokhbir Eqtisadi19:24

Transcription

من 1400 سنة قبل ما يبقى في بنوك ولا بورصة، وقبل ما حد يعرف حاجة عن الاستراتيجيات الاستثمارية والمالية الحديثة والمصطلحات الاقتصادية المعروفة دلوقتي، في راجل كان عايش وقتها عمل حاجة لو وارن بافت، حكيم وول ستريت، واحد من أغنى أغنياء العالم وأذكى مستثمريه، كان شافها كان هيقف يسقف له ويتعلم منه.

الراجل ده قرر في قلب أزمة اقتصادية طاحنة إنه ما يضاربش بأسعار السلع، ولا يجتنز الذهب والفضة، ولا يشتري عقار فاخر، ولا أرض زراعية. ولكنه قرر يشتري بئر مياه. للوهلة الأولى ممكن تقول دي مجرد صدقة وعمل خيري، لكن خليني أقول لك إن الصفقة دي بكل المقاييس الاقتصادية الحديثة كانت واحدة من أذكى الصفقات الاستثمارية في تاريخها، وإن الشخص ده كان عنده عقلية اقتصادية سبق عصرها بقرون، لأن بئر الميه ده غير اقتصاد مدينة بالكامل.

الراجل ده هو سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه. ورغم إن واحد من أغنى رجال العرب في التاريخ، لكن قصته الاقتصادية ما حدش بيحكيها. كلنا عارفين إنه ثالث الخلفاء الراشدين، وعارفين إنه جهز جيش العسرة زي ما هنشوف بعد شوية. بس السؤال اللي ناس كتير مش بتسأله هو: إزاي بنى ثروته أصلاً؟ وإيه الاستراتيجية الاقتصادية اللي خلته مش مجرد تاجر غني بس، ولكن واحد من أذكى المستثمرين في تاريخ البشرية؟

أنتم عارفين يا إخوانا سيدنا عثمان بن عفان لسه عنده أصول شغالة لحد النهارده. بئر روما في المدينة لسه لسه بتطلع ميه من 1400 سنة، ومزرعة نخل باسمه بيتباع تمرها ورعها بيروح لمصالح المسجد النبوي وللفقراء والمساكين، وحساب وقفي باسمه في تعويضات عن أراضي كانت جنب الحرم النبوي، واسمه مكتوب ضمن مؤسسي شركة جبل عمر العقارية جنب الحرم المكي. يعني راجل استشهد من 14 قرن ولسه بيكسب فلوس ولسه بيتصدق.

في حلقة النهارده المهمة جداً جداً هنعرف مع بعض إزاي سيدنا عثمان بن عفان بنى ثروته الضخمة وإمبراطوريته التجارية في بيئة تجارية شرسة في مكة وظروف صحراوية قاسية زي الجزيرة العربية. وهل كان مجرد تاجر محظوظ وشاطر بيعرف يبيع ويشتري، ولا كان مستثمر استراتيجي بيفكر للمستقبل؟ وليه اختار يستثمر في أصل زي بير ميه بدل ما يضاعف فلوسه في التجارة السريعة اللي كان أستاذ فيها؟ وإزاي الفلوس عنده تحولت من أداة لتكوين ثروة شخصية لأداة لبناء مجتمع ودولة.

أهلاً بكم في الحلقة العاشرة من سلسلة "اقتصاد الحضارة الإسلامية". أنا أشرف إبراهيم.

المخبل الاقتصادي: قوموا استغفروا ربكم، ثم توبوا إليه، ثم توبوا إليه. يرسل السماء عليكم مدراراً ويزددكم قوة إلى قوتكم.

لو عايز تتابع اللي بيحصل في الأسواق المالية أول بأول وتحافظ على فلوسك، فإحنا أنشأنا مجتمع "المخبل برو". ومخبر برو هو مساحة احترافية بتجمع المستثمرين والمهتمين بالأسواق في مكان واحد بهدف الفهم قبل القرار والتحليل قبل المخاطرة. مخبر برو بيقدم محتوى تحليلي منضبط وبيشرح اللي بيحصل في الأسواق وليه بيحصل، من غير وعود سريعة ولا توصيات مباشرة. هدف المخبر برو هو بناء عقلية استثمارية واعية وتطوير أدوات القراءة أو التحليل، مع نقاشات حقيقية وتجارب عملية تساعدك تاخد قراراتك وأنت فاهم الصورة كاملة، مش مجرد متابع للأخبار وخلاص. هتلاقي رابط لمخبر برو تحت الفيديو والتعليقات.

قبل ما نفهم عبقرية عثمان الاقتصادية ونعرف أكتر عن عثمان المستثمر، لازم نفهم البيئة اللي طلع منها والسوق اللي اتربى فيه. مكة قبل الإسلام يا إخوانا ما كانتش مجرد مدينة دينية فيها الكعبة وخلاص. كانت واحدة من أهم المراكز التجارية في شبه الجزيرة العربية كلها. موقعها الجغرافي كان على طريق التجارة الدولي، وبالتالي فكانت مركز تجاري وإقليمي عالمي. كانت ملتقى قوافل بتيجي من اليمن محملة ببهارات الهند وأقمشة الشرق، ورايحة للشام اللي هي بوابة أوروبا وقتها أو الإمبراطورية الرومانية. المنافسة فيها كانت شرسة والبقاء للأقوى والأذكى.

سيدنا عثمان بن عفان ورث التجارة عن أبوه عفان بن أبي العاص، وعفان كان واحد من أشهر التجار في الجاهلية، والقوافل بتاعته كانت بتجوب الشام ومصر، حتى إنه مات في رحلة تجارية للشام. وده بيأكد إن التجارة مع الشام ومصر كانت النشاط الأساسي للعيلة. وبالتالي دخل عثمان الابن السوق كلاعب ثقيل. ما كانش مجرد وارث ثروة، ولكنه كان مستثمر بيفهم قيمة الأموال وإزاي يديرها.

قبيلة قريش اللي منها عثمان كانت مسيطرة على التجارة دي. ورحلة الشتاء والصيف اللي القرآن الكريم ذكرها ما كانتش رحلة سياحية، دي كانت قوافل تجارية ضخمة فيها بضايع بملايين لو حسبناها بفلوس النهارده: عطور وبخور وحرير وتوابل وجلود وغيرها. والنظام الاقتصادي في مكة كان قايم على حاجة شبه الشركات الاستثمارية اللي بنشوفها النهارده. التاجر الكبير كان بياخد فلوس من مستثمرين صغيرين يشتري بيها بضاعة ويسافر بيها يبيعها ويرجع يوزع الأرباح. وده اللي بنسميه النهارده المضاربة في الفقه الإسلامي، واللي هي أصلاً نموذج أولي لصناديق الاستثمار الحديثة.

سيدنا عثمان بن عفان اتربى في البيئة دي. ما كانش بيتعلم اقتصاد من كتب، ولكن بيتعلمه من الشارع ومن السوق ومن القوافل دي. وده اللي خلى عنده حاسة استثمارية واقتصادية ما كانتش عند غيره.

لكن الأهم إن عثمان كان عنده دستور خاص بيه في البزنس. الفرق بينه وبين أي تاجر تاني في مكة إنه ما كانش بيفكر في الصفقة الواحدة. كان بيفكر في السلسلة. إيه الكلام ده؟ بصوا، التاجر العادي كان بيشتري بضاعة يبيعها، ياخد ربحه ويروح يصرفه. حلو. عثمان لأ. كان بياخد أرباحه ويرجع يدورها في تجارة تانية. وده اللي بنسميه النهارده في الاقتصاد الحديث "إعادة استثمار الأرباح". كل ربح بيجي، جزء كبير منه بيرجع تاني للسوق علشان يكبر رأس المال. ودي العقلية اللي بتحول التجارة الصغيرة لشركة عملاقة. ده الفرق بين شخص بيجمع فلوس أو بيسترزق، وبين شخص بيبني إمبراطورية. الفرق إنه بيعرف يعيد استثمار أرباحه.

تخيل معايا واحد النهارده بيشتغل في التجارة وكل شهر بيحقق أرباح. الأغلبية بتاخد الأرباح دي وتصرفها: يشتري عربية جديدة وشقة أحسن وأكل في مطاعم غالية ومدلع نفسه. لكن المستثمر الذكي بياخد جزء كبير من أرباحه ويحطه في استثمار جديد. وده بالظبط اللي عثمان كان بيعمله قبل ما الاقتصاد الحديث يخترع المصطلح ده أصلاً.

من ضمن القواعد المكتوبة في دستور البزنس الخاص بسيدنا عثمان، قاعدة "أعالج ولا أزدري ربحاً". يعني إيه الكلام ده؟ يعني ما فيش صفقة صغيرة فيها ربح قليل هيتبط عليها أو هيتكبر عليها وبالتالي مش هيعملها. لأ. كانت عقليته ما فيهاش الغرور التجاري اللي ممكن يضيع فرص كتير. الراجل ما كانش بيقول: "والله الصفقة دي صغيرة وما تستاهلش وقتي". لأنه كان فاهم إن كل ربح مهما كان صغير ليه قيمة. الناس اللي بتحتقر الأرباح الصغيرة بتخسر زباين كتير، ولكن الشخص اللي بيقول: "أهلاً وسهلاً بأي ربح حلال" بيبني سمعة كويسة وبيكسب ثقة العملاء وبيزود احتمالية إنهم يرجعوا ويشتروا منه تاني.

تفتكروا مين تاني من أغنياء الصحابة والعالم كله وقتها برضه كان ماشي بنفس فلسفة سيدنا عثمان؟ سيدنا عبد الرحمن بن عوف. علشان كده لما اتسأل عن سر غناه قال: "كنت إذا أعطيت أقل الربح رضيت". وسيدنا عثمان نفسه كان بيقول عن سيدنا عبد الرحمن بن عوف: "ماله الحلال صفو، والطعم منه فيها العافية والبركة". والاثنين على فكرة شاركوا بعض في التجارة. وإحنا كنا عملنا حلقة عن سيدنا عبد الرحمن بن عوف، وهي الحلقة السابعة من سلسلة "اقتصاد الحضارة الإسلامية". لو ما شفتوهاش ضروري تشوفوها.

من القواعد العبقرية التانية اللي لاحظناها في شخصيته، عقلية سيدنا عثمان بن عفان إنه ما كانش بيشتري البضاعة ويبيعها زي ما هي. لأ. كان بيعالجها. ولو في فرصة لتطوير الجودة بيستثمر فيها. بيصلح البضاعة ويشوف إيه اللي ناقصها بحيث يطورها، ولو في طريقة أحسن لتقديمها يطبقها. وبالتالي بيزود قيمتها. دي بالظبط فكرة الاستثمار في القيمة اللي مستثمر زي وارن بافت بنى عليها ثروته. عثمان كان بيعرف إن فيه فرق بين السعر والقيمة، وكان بيستفيد من الفرق ده.

ومن أهم مميزات استثماراته إنها كانت متنوعة. ما كانش بيحط كل فلوسه في سلعة واحدة أو قطاع واحد. كان بيوزع استثماراته بحيث لو حصلت أزمة في قطاع ما يخسرش كل حاجة. والتنويع هنا بيقلل المخاطر بشكل كبير جداً. كان بينوع بضاعته نفسها وبيتاجر في أنواع كتير من السلع، وكان بينوع خطوط التجارة بتاعته. فكان تاجر في البر من خلال قوافل للشام ومصر، وتاجر في البحر من خلال السفن التجارية اللي بتروح لمناطق جغرافية تانية أبعد. وكان بينوع الاستثمار نفسه أو فئات الأصول: من التجارة للعقارات للمضاربة أو الشركات التجارية لغيرها.

ورغم إنه كان بيعتمد على إجراء ووكلاء لإدارة استثماراته المهولة دي، إلا إنه كان بيقف عليها بنفسه وبياخد القرارات الاستراتيجية بنفسه. والأهم من كل اللي فات ده إن عثمان كان عنده حاجة نادرة جداً ما كانتش موجودة في معظم التجار وهي السمعة الطيبة. الناس كانت بتثق فيه ثقة مطلقة. وفي عالم التجارة السمعة دي أغلى من أي بضاعة. لما الناس هتثق فيك هيدوك فلوسهم تستثمرها، وهيبيعوا لك بالآجل وهيشتغلوا منك من غير ما يقلبوا ويفتشوا في بضاعتك زي ما كان بيحصل وقتها. وده اللي اسمه النهارده "رأس المال الاجتماعي".

ولو تابعنا قصص بناء الإمبراطوريات التجارية الناجحة هنلاقي معظمها بيرتكز على المبادئ اللي فاتت دي. من خلال القواعد دي ثروة سيدنا عثمان نامت بشكل كبير. بنتكلم عن أرقام فلكية بمقاييس الزمن وقتها. وفقاً للمصادر التاريخية الموثوقة، سيدنا عثمان بن عفان ترك ثروة وقت وفاته قدرت بحوالي 30 مليون درهم فضة و150 ألف دينار ذهب، وأسطول من 1000 جمل تجاري، و200 ألف دينار صداقات وأوقاف وأراضي وعقارات في المدينة ووادي القرى وحنين وغيرها، ده غير أعداد كبيرة غير محددة من المعشية والخيل. دي كلها ثروة تخليه قطعاً واحد من أغنى رجال العالم في عصره.

سيدنا عثمان بن عفان ما كانش بيجمع المال وخلاص، وإنما كان فاهم وظيفة المال الحقيقية. فقدر يحولها لأداة يساهم بيها في بناء المجتمع المسلم اللي حواليه وفي تأسيس الدولة الإسلامية الوليدة. وإحنا هنا هنتكلم على موقفين اتنين بس ونحللهم مع بعض بمنظور اقتصادي علشان تعرفوا عقليته دي كانت سابقة عصره إزاي.

لما المسلمين هاجروا للمدينة، المدينة قابلتهم مشكلة وجودية خطيرة جداً وهي ندرة المياه. مياه المدينة ما كانتش بنفس جودة مياه مكة اللي هم متعودين عليها، وكان فيه بئر واحد بس مياه عذبة وحلوة اسمه بئر روما. البئر ده كان ملك لراجل يهودي بيبيع الميه للمسلمين بسعر غالي جداً، والموضوع طبعاً كان مرهق اقتصادياً واجتماعياً. كل يوم الناس بتدفع فلوس علشان تشتري ميه تشرب، علشان تشتري واحد من أهم أساسات الحياة، إن لم يكن أهمها. وفيه ناس فقيرة مش قادرة تدفع أصلاً. حضرتك متخيل شخص محتكر أهم مورد في المدينة والحياة كلها عموماً هو الميه؟ الموضوع عامل بالظبط لو واحد النهارده ماسك شركة الميه الوحيدة في بلد كاملة وبيبيعها للناس بأسعار عالية جداً.

هنا النبي صلى الله عليه وسلم تدخل وطرح صفقة أو فرصة استثمارية لا تعوض، فقال: "من يشتري بئر روما فيجعل دلوه مع دلاء المسلمين وله الجنة". يعني مين يشتري البئر ده ويخليها متاحة للناس، ومقابل ده له الجنة. كتير من الصحابة الأغنياء سمعوا العرض ده، ومنهم سيدنا عثمان. لكن عثمان ما فكرش في الموضوع بس من ناحية الوعد الأخروي بالجنة، ولكنه حلل الصفقة بعقلية اقتصادية فذة.

دلوقتي إحنا عندنا أصل هو بئر الميه ده. مش مجرد سلعة بتتباع وتخلص، ده أصل استراتيجي وبنية تحتية أساسية للحياة. قيمة البئر مش بس في الميه اللي بتطلع منه، ولكن قيمته في استمراريته وتأثيره على حياة الناس كلها. والمشكلة الاقتصادية واضحة في احتكار لمورد أساسي واستغلال حاجة الناس ليه. وبالتالي الاحتكار عامل أزمة اجتماعية واقتصادية بتزيد يوم بعد يوم.

سيدنا عثمان كان ممكن يعرض على النبي صلى الله عليه وسلم إنه يوزع جزء من ثروته على الناس بشكل منتظم علشان يشتروا الميه بدل شراء البئر بالكامل. لكن ده ما كانش الحل الأفضل. سيدنا عثمان وقبله النبي صلى الله عليه وسلم كانوا عارفين إن الحل الجذري للأزمة هو كسر الاحتكار عن طريق شراء الأصل نفسه.

سيدنا عثمان راح لليهودي وبدأ يتفاوض معاه بذكاء شديد. في البداية اشترى نص البئر، بمعنى عثمان ياخد مياه البئر في يوم واليهودي في يوم تاني. هنا الناس كانت بتملى الميه ببلاش في يوم عثمان بس وتخزنها ليومين. فالراجل اليهودي ما بقاش حد يشتري منه الميه. فاضطر يبيع نص البئر التاني لعثمان. سيدنا عثمان دفع في البئر ده حوالي 35 ألف درهم، وده مبلغ ضخم جداً وقتها، ووقفه للمسلمين. ما حطش عليه رسوم تشغيل ولا حاول يرجع تكلفته، لأنه فاهم إن دي مش مجرد صفقة تجارية، دي صفقة لبناء أمة بكاملها، والأهم صفقة مقابلها الجنة.

اللي عمله عثمان كان شيء عبقري بمعايير الاقتصاد الحديث، واللي بنسميه النهارده "الاستثمار ذو الأثر" والاستثمار في الأصول الاستراتيجية أو البنية التحتية. وده نوع الاستثمار مش بيديك أرباح نقدية مباشرة، ولكنه بيبني قاعدة اقتصادية قوية لمجتمع كامل. استثمار في النظام البيئي الاقتصادي كله. الميه المجانية معناها إن الناس هتيجي تعيش في المدينة وتكون مرتاحة، وبالتالي التجارة هتنشط والزراعة هتزدهر والحياة هتقوم بشكل كامل.

أما الموقف التاني بقى اللي هنتكلم عنه، فده حصل في السنة التاسعة من الهجرة وتحديداً في غزوة تبوك. وهي آخر غزوات النبي صلى الله عليه وسلم. وقتها وصلت أخبار إن الروم بيجهزوا جيش ضخم علشان يهاجموا الدولة الإسلامية في المدينة. وفي الوقت ده المسلمين كانوا في أزمة اقتصادية حقيقية، لأنهم كانوا بيمروا بوقت صعب جداً من كل النواحي. الجو نفسه كان ملتهب أشد شهور الصيف، وكان فيه قحط وجذب في المدينة، والمسافة اللي محتاجين يتحركوا ليها لمواجهة الروم بين المدينة ودمشق كانت طويلة جداً. والمسلمين وقتها كانوا بيعانوا من قلة المال والدواب، وهجوم الروم المنتظر ده كان جاي كمان في توقيت الحصاد، وده وقت الناس ما بتحبش تسيب محصولها فيه.

في نفس الوقت الجيش الإسلامي كان محتاج تمويل ضخم، لأنه كان أكبر جيش هيكونه النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام. بنتكلم عن حوالي 30 ألف مقاتل، فمحتاجين جمال وخيول وأسلحة وملابس. ومعن الظروف دي كلها هي اللي خلت الجيش يسمى بـ "جيش العسرة". النبي صلى الله عليه وسلم حث الناس على التبرع لتجهيز الجيش. وهنا سيدنا عثمان بن عفان مول جزء ضخم من الحملة العسكرية دي.

تقديرات حجم التمويل ده في كتب التاريخ متفاوته، لأن التجهيز ده تم على مراحل. بعض الروايات بتقول إنه جهز ثلث الجيش ده لوحده. والحد الأدنى اللي ذكر في كتب التاريخ كان في "البداية والنهاية" لابن كثير و"الكامل في التاريخ" لابن الأثير، وهو إن سيدنا عثمان جهز جيش العسرة بـ 300 بعير بأقابها وأحلاسها، بمعنى كانت مجهزة بالكامل للركوب والقتال، بالإضافة لـ 1000 دينار ذهب كان جابهم أصابهم في حجر النبي صلى الله عليه وسلم. وكل ده بفلوس النهارده يساوي ملايين الدولارات.

السؤال الاقتصادي المهم هنا: ليه عمل كده؟ من منظور اقتصادي بحت، ممكن قرار إنك تدي جزء كبير من ثروتك في حاجة مالهاش عائد نقدي يبان غير عقلاني. لكن في الحقيقة هو قرار عقلاني جداً بجانب دوافع الدينيه الأساسية والأهم، واللي هي مفهومة لمعظمنا. قرار سيدنا عثمان كان استثمار في الأمن القومي. الفكرة ببساطة إن كل ثروته دي ما كانتش هتنجو لفترة طويلة لو الدولة الإسلامية الوليدة نفسها انهارت أو اتهزمت. فحماية الدولة الوليدة هنا كانت حماية للاقتصاد الإسلامي الناشئ وحماية للسوق الإسلامية اللي لسه طالعة وحماية لثروته نفسها. هنا عثمان قدم نموذج فريد في التمويل الاستراتيجي وسبق مليارديرات كتير فهموا إن الثروة الحقيقية مش في الأرقام اللي عندك، ولكن في التأثير الاجتماعي اللي بتعمله وتسيبه بالثروة دي.

قصة سيدنا عثمان بن عفان الاقتصادية مش مجرد حكاية من التراث، دي نظرية اقتصادية متكاملة. نظرية بتقول إن الثروة الحقيقية مش في حجم الأموال اللي بتجمعها، ولكن في كيفية توظيف الأموال دي. سيدنا عثمان علمنا إن المال له وظيفتين أساسيتين: الأولى هي النمو عن طريق إعادة استثمار الأرباح وتنمية رأس المال باستمرار. والوظيفة الثانية هي التأثير عن طريق توجيه رأس المال ده للاستثمار في مشاريع بتحل مشاكل المجتمع وبتبني بنية تحتية قوية وبتحمي الكيان الأكبر اللي كلنا جزء منه.

في عصرنا الحالي اللي مليان نقاشات عن مسؤولية الشركات الاجتماعية وعن الاستثمار الأخلاقي وعن دور رأس المال في حل مشاكل العالم، قصة عثمان بن عفان بتقدم نموذج عملي مبهر عمره 1400 سنة، لكنه صالح للتطبيق النهارده وبكرة وفي المستقبل.

في النهاية عندي سؤال لحضراتكم: سيدنا عثمان بن عفان عنده حساب بنكي لسه شغال باسمه لحد النهارده بعد 1400 سنة بيصرف منه على الفقراء والمساكين وأعمال البر والخير. لو لا قدر الله مت بكره وكلنا هنموت، اللي هيفضل شغال باسمك؟ هتابع كل إعجاباتكم في التعليقات.

في النهاية، ريت لو عجبتكم الحلقة اعملوا لايك وشير واشتركوا في القناة لو كنتم لسه مش مشتركين، وأهم حاجة تحكوا لأصحابكم وحبايبكم عننا، يمكن يستفيدوا. سلام.