Transcription
[موسيقى] بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين. الإخوة الكرام، لكم التحايا الطيبة، وأهلًا وسهلًا بكم.
في الحلقة السابقة، وبعد أن فرغنا من القواعد العامة التي تحكم منظومة الرسم القرآني، ندخل في هذه الحلقة، بإذن الله، والحلقات التي تليها بشيء من التفصيل. ولكننا سنقف عند قاعدة واحدة هي التي سنُهتم بها بالشرح والتفصيل، وهي اختلاف رسم الكلمات ذات المنطوق الواحد من سياق إلى سياقه. بمعنى مبسط: الكلمة المنطوق اللفظي لها واحد، ولكن رسمت بشكل مختلف من سياق إلى سياق آخر في القرآن الكريم. هل السؤال الذي يفرض نفسه: هل لهذا الرسم المختلف دلالات في المعنى؟ أم أن الأمر اعتباطي، أو عشوائي، أو بالمصادفة، أم خطأ من الخطاطين إن كان هناك خطاطون أصلًا؟
فمثلاً، كلمة "الأعلى" على سبيل المثال. كلمة "الأعلى" جاءت وصفًا لسيدنا موسى في مباراته ومناظرته مع السحرة، قال تعالى: "قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى". وفي سورة أخرى، الله سبحانه وتعالى يصف نفسه بأنه الأعلى: "سبح اسم ربك الأعلى". هنا، المنطوق اللفظي لكلمة "الأعلى" واحد، ولكن "الأعلى" هنا وصف لسيدنا موسى: "قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى"، وهنا وصف لله تعالى. انظروا إلى دقة متناهية، يستحيل أن يكون هذا الخطاب وهذا السياق بشريًا. لو أن هذه الكلمة رسمت بنفس الشكل، لاصبح هنالك تشابه في العلوم بين علوم موسى وعلو الله سبحانه وتعالى. ولذلك، هنا اختلف الرسم. إذا ذهبت إلى كلمة "الأعلى" التي جاءت وصفًا لموسى، ستجد علامة إشارة الفنجري على الألف المقصور، إشارة إلى أن العلوم محدودة ومقصورة، هو علوم موسى في هذه المباراة أو في هذه المناظرة على السحرة، ولكنه ليس علوم مطلقة. بينما كلمة "الأعلى" عندما جاءت وصفًا لله تعالى، ستجد الألف المقصور ما عليها حاجة، أو في خطاط عادي، بينتبه للدقة دي. نحن الآن ماذا؟ ندخل في الشرح والمعنى. هذا على سبيل المثال، عشان نحن، أو لكي نعلم ماذا يعني اختلاف رسم الكلمات ذات المنطوق الواحد.
الآن نأتي في هذه القاعدة، سنتناول اختلافات الحروف. مثلاً، إثبات الحرف أحيانًا، وحذف الحرف أحيانًا أخرى. قال تعالى في سورة طه: "يومئذ يتبعون الداعيَ الأصوات". كلمة "الأصوات" هنا، ستجد الألف مثبتة. وفي سورة لقمان، قوله تعالى: "وَأَغْضَبْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الأصْواتِ صَوْتُ الْحَمِيرِ". "أنكر الأصوات"، الأصوات هنا في سورة لقمان ستجدها من غير ألف، وإنما هو الفنجري. ما هو الفرق بين أصوات الحمير والأصوات التي خشعت للرحمن يوم القيامة؟ أين فارق الدلالة؟ نحن هنا لسنا للشرح، الشرح سياتي لاحقًا، نحن هنا لكي يقف المشاهد الكريم إلى الرسم، كيف يختلف الرسم.
كذلك قوله تعالى: "انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً". سورة الإسراء 48. تجد الألف في كلمة "الأمثال" واضحة، ونفس التركيب اللساني لهذه الآية ستجده في سورة الفرقان: "انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً". نفس التركيبة اللغوية، ولكن "الأمثال" هنا جاءت بألف المد مثبتة، وفي الآية الأخرى من سورة الفرقان، جاءت الألف محذوفة، وإنما مستبدلة بالفنجري. ما هذا؟ ما هذا أيضًا؟ نأتي الآن إلى الاختلاف الآخر في نفس هذا المحور: تحول الهمزة أو الألف إلى واو.
طيب، قال تعالى: "لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ لِيَبْلُغْ فَهُوَ ما هُوَ بِبالِغِهِ، وَما دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ". همزة على السطر. "وَما دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ، تَأْتِيكُمْ رَسُولُكُمْ بِالْبَيِّناتِ، قالُوا بَلَى، قالُوا فَادْعُوا". كلمة "دعاه" هنا تختلف الرسم عن الأولى، وإنما توجد الهمزة على الواو. ومثلاً، "الضعفاء" جاءت أربع مرات في القرآن الكريم، في موضعين نجد الهمزة على السطر، وفي موضعين نجد الهمزة على واو. عندما رسمت الهمزة على واو، تصف الضعف في الآخرة والعيادة بالله. وعندما رسمت الألف على الصدر في القرآن الكريم، ولا يمكن أن يحصر. نحن هنا لبيان، أو لتمليك المعلومة، ومنبع الفكرة للمشاهد الكريم.
كذلك تحول الألف إلى واو: "قَالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ افْتُونِي فِي أَمْرِي حَتَّى تَشْهَدُونَ". "ملكة سبا يا أَيُّهَا الْمَلَأُ"، نجد أن الألف على واو. الألف على واو. أما إذا نظرنا إلى كلمة "الملا" عند الملك في سورة يوسف: "وَقالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَاناً يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ، وَسَبْعُ سَنَبَلاتٍ خُضْرٍ". "يا أَيُّهَا الْمَلَأُ افْتُونِي فِي رُؤْيايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيا". نجد "الملا" في سورة يوسف على لسان الملك، جاءت بالألف الممدودة العادية التي نعرفها كما في الإملاء. بينما "الملا" في سورة النمل على لسان ملكة سبا، تحول الألف الممدودة إلى ألف مقصورة. "وَأَلْفُ يا سَيِّدِي لَدَى الْبابِ، وَأَلْفُ يا سَيِّدَها لَدَى الْبابِ". بنجد الألف. "وَإِذا الْقُلُوبُ إِلَى الْحَناجِرِ كَاظِمِينَ، ما لِظَالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ". "وَإِذا الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ". في البيان المشاهد. كلمة "رأى" في القرآن الكريم وردت في أحد عشر سياق، الهمزة على السطر، وبعدها ألف مد مخالفة لما نفعل نحن، أو لما نكتبه نحن في الإملاء العادية. 11 موضع، وهي تتحدث عن الرؤية البصرية. "فَلَمَّا رَأَى كَوْكَباً، فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً، فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ، فَلَمَّا رَأَتْ، رَأَى قَمِيصَهُ قَدِمَ مِنْ دُبُرٍ، رَأَى، رَأَى، رَأَى". تتحدث عن ماذا؟ تتحدث عن الرؤية بالبصر. ولكن في موضعين فقط في سورة النجم، جاءت كلمة "رأى" كما نكتبها في الإملاء العادية بالألف المقصورة. ما هذا؟ له دلالات عظيمة جدًا، وسنتطرق لها لاحقًا عندما نأتي عن الحديث عن سورة النجم.
الأحبة الكرام، إلى أن ألتقي بكم في الحلقة القادمة، أترككم في حفظ الله ورعايته. السلام عليكم ورحمة الله. [موسيقى]