Transcription
وسيئات أعمالنا. من يهدي الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا.
وأصلي وأسلم على سيدنا محمد سيد الأولين والآخرين وحبيب رب العالمين وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين. نخلص النية لله. كنا في آخر ما شرحناه البارحة قول الله عز وجل: "إنا نحن نحيي الموتى ونكتب آثارهم وما قدموا". ونكتب، قدموا، ما قدموا وآثارهم. "وكل شيء أحصيناه في إمام مبين". هذه الأخيرة لم نبينها. ها قوله تعالى: "وكل شيء أحصيناه"، أي عددناه وبيناه، "في إمام مبين". الإمام المبين هو اللوح المحفوظ. اللوح المحفوظ، لأن الإمام هو الذي يؤتم به، أليس كذلك؟ وبما أن اللوح المحفوظ يؤمّه الملائكة، يقصدونه لينظروا فيه الأوامر والمهام التي يأمرهم الله عز وجل بها ليفعلوها من المهمات في هذه السنة، سمي إماماً. ثم إن هذا الإمام وصفه ربنا عز وجل بأنه مبين. ما معنى مبين ها هنا؟ أنه أحاط هذا الكتاب بكل ما هو كائن في الدنيا إلى يوم القيامة. فيه ما يقع في هذا العالم، في هذا الكون إلى نهاية الدنيا. لأن الله عز وجل حين خلق اللوح المحفوظ والقلم الأعلى، أمر الله سبحانه وتعالى القلم الأعلى أن يجري على اللوح المحفوظ من غير أن يمسه ملك، لأن الملائكة لم يكونوا خلقوا وقتئذ. فأمر الله تعالى القلم الأعلى أن يجري على اللوح المحفوظ بما هو كائن إلى يوم القيامة. فكل شيء يقع في هذا الكون جملة وتفصيلاً مستطر في هذا اللوح المحفوظ، الإمام المبين. وهذا يفهمنا أحبابنا في الله أن ربنا سبحانه وتعالى عالم بما كان وبما يكون وبما لا يكون. الشيء الذي لا يكون الله تعالى يعلم أنه لا يكون. وبما يكون، يعني في مستقبل الزمان. الآن نحن بالنسبة لمن مات قبلنا من مئات السنين مستقبل، وما سيأتي على الناس بعدنا مستقبل بالنسبة إلينا. كل ذلك علمه ربنا عز وجل بعلمه الأزلي الأبدي جملة وتفصيلاً، وهو محصٍ مستطر في هذا الإمام المبين.
الآن أحبابنا ربنا عز وجل يذكر لنا قصة أصحاب القرية. قال ربنا عز وجل: "واضرب لهم مثلاً أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون". من هؤلاء؟ ومن هم؟ من هم أصحاب القرية؟ وما هي هذه القرية؟ القرية قيل إنها أنطاكية، وهذه أنطاكية هي مدينة مشهورة تقع في لواء إسكندرون. وكان أهلها كفاراً، وهذا إنما حصل زمان سيدنا عيسى عليه الصلاة والسلام حين كان على الأرض حياً. أرسل سيدنا عيسى عليه الصلاة والسلام إلى هذه القرية أنطاكية رجلين دعاة من قبله، مرسلين من قبله ليبلغوا دين الإسلام لأهل هذه القرية. فإذا هما مرسلان من قبل رسول الله سيدنا عيسى بن مريم عليه وعلى أمه السلام. ما الذي حصل؟ دعوهما إلى دين الله عز وجل وإلى عبادته وتوحيده وأن لا يشرك به شيء. فقاموا عليهم يؤذونهم ويضربونهم لأنهم جاؤوهم بما لم تألفه نفوسهم. وكان ملك هذه القرية يعبد الأصنام والعياذ بالله. وهكذا حين تأتي الناس غالباً بما لم تألفه نفوسهم، تجد كثيراً منهم يصدون عن سبيلك ولا يقبلون الحق الذي جئت به لكونه لم تألفه نفوسهم. وأنتم كلكم تعرفون كم تعرض نبينا عليه الصلاة والسلام حين دعا أهل مكة للإيمان بإله واحد لا شريك له، قاموا عليه يؤذونه ويضربونه ويشتمونه وينعتونه بأنه ساحر ومجنون وكاهن إلى غير ذلك. ولهذا أهل العلم يقولون: ترك المألوف أشد من الضرب بالسيوف. لأنهم ألفوا عبادة الأصنام، ألف الواحد منهم أن يعبد صنماً على هواه، حتى إن منهم من كان يصنع صنمه بيده على ما تخيله من صورة وهيئة، ثم يعكف على عبادته. وهذا كان مشتهراً. هؤلاء أصحاب القرية كانوا عباد أصنام. دعاهم هذان الرجلان المرسلان من قبل سيدنا عيسى إلى الإيمان بالله، فأبوا وآذوهما، آذاهما وضربوهما. ثم إنهما مرا بعالم حبيب النجار. فدعواه إلى الإسلام وبيّن له الدلائل على حقيته. لا إله إلا الله. فآمن، آمن حبيب النجار ولله الحمد والفضل. طلب آية دليلاً على صدق ما جاء به. فقال: "نحن نشفي المرضى بإذن الله". قال لهما: "عندي ولد مضى عليه عامان وهو ملقى على الفراش، طريح الفراش، رأى مريضاً". فجاء ولده، ثم مسحا عليه فبرا بإذن الله عز وجل. فكان هذا سبب إسلامهما وإسلامه وإيمانه. فشاع الخبر، خبر أن هناك اثنين يبرئ الأكمة ويشفيان بإذن الله عز وجل. شاع الخبر بين أهل هذه المدينة. فاستدعاهما الملك، والملك عابد صنم. فغضب عليهما غضبة بعد أن بيّنا له أنهما مرسلان من قبل عيسى عليه الصلاة والسلام ليدعوا الناس إلى توحيد الله وأن لا يشرك به شيء. لم يعجبه ذلك، فاستشاط غضباً. ثم إنه أمر بسجنهما. عندئذ سيدنا عيسى عليه الصلاة والسلام عزز بثالث. عزز بثالث، يعني قوى الدعوة إلى الحق برجل ثالث وهو المسمى شمعون. لكن شمعون إنما فعل طريقة أخرى تختلف عن طريقة الرجلين المسجونين. الآن صار يتقرب من جلساء الملك، يتقرب منهم ويكلمهم ويلاطفهم، فكانهم أحبوه، فأدخلوه على الملك. فصار يكلم الملك بلين حتى أحبه هذا الملك. ثم إنه في يوم قال لهذا الملك: "سمعت أنك قد حبست رجلين، فهل سمعت منهما؟" قال: "لا، حملني الغضب على أن أتابع معهما الكلام، فأمرت بسجنهما". فقال هذا شمعون للملك: "لو أنك أرسلتهما واستمعت إلى كلامهما". هذا شمعون لم يقل أنا مرسل من قبل عيسى كما أرسل عيسى هذين الرجلين، إنما يعني تخفى وتنكر ولم يظهر ذلك. فأخرج هذين الرجلين من السجن، ثم سمع لهما الكلام. فقالا له: "نحن نبرئ الأكمة". الأكمة هو الذي ولد أعمى من حيث الولادة هو أعمى، لأن الأطباء يقولون من ولد أعمى هذا لا مجال لأن يرجع إليه بصره. أما الذي أصابه العمى الطارئ، يعني كان بصيراً فعُمي، هذا يمكن علاجه. فكان عيسى عليه الصلاة والسلام يبرئ الأكمة ويشفي المرضى بإذن الله. وأعطى الله سبحانه وتعالى هذين الرجلين كرامة، كرامة مثل التي أعطاها سيدنا عيسى عليه الصلاة والسلام. ولكن الخارق للعاده إذا جرى على يد نبي نسميه معجزة، والخارق إذا أجراه الله تعالى على يد ولي نسميه كرامة. هذا الفرق، وإلا فهذا خارق للعاده وهذا خارق للعاده. فقال الملك عندئذ: "بما أنكما تشفيان المرضى وتبرئان الأكمة، لا نؤمن لكم حتى ترون، حتى ترون ذلك بأم العين". قال الملك: "عندي غلام مات منذ رجل، يعني شاب مات منذ سبعة أيام، حتى روحت وانثنت ريحه، ظهرت ريحه بعد موته سبعة أيام، شاد في مقتبل العمر، ولم أدفنه حتى يجيء أبوه، وأبوه كان في سفر، أبوه كان رئيس الدهاقين، أصحاب الزراعة. إذا أحييتموه كما تزعمان بإذن الله نؤمن لكم". فمسحا على هذا الميت، فقام بإذن الله. ثم إنه تكلم وقال للملك: "آمنوا بالله ورسوله، وإني حين مت أحْياني هذا وهذا، رأيت أودية في النار، ثم إني رأيت هؤلاء الثلاثة، مين الرجلان وشمعون، هؤلاء الثلاثة من أهل الجنة". فازداد يقين هذا الملك، فآمن. لكن قسماً من أهل هذه القرية صدهم العناد والكبر عن الإيمان. هذه قصة أصحاب القرية سنقرأ الآيات وسنعلق عليها إن شاء الله تعالى.
"واضرب لهم مثلاً أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون". ذكرنا لكم أن هذه القرية كان أهلها عباد أصنام، وهي أنطاكية. "إذ جاءها المرسلون"، يعني رسل سيدنا عيسى عليه الصلاة والسلام. ليش أقول رسل سيدنا عيسى ولا أقول هم مرسلون كما أن عيسى مرسل حقاً؟ لأن بين عيسى وبين نبينا عليه الصلاة والسلام لا يوجد أنبياء ولا رسل. لأن نبينا عليه الصلاة والسلام قال في سيدنا عيسى: "أنا أولى الناس بعيسى بن مريم، ليس بيني وبينه نبي". لذلك قالوا: هؤلاء المرسلون ليسوا مرسلين من الله، إنما هم مرسلون من قبل سيدنا عيسى، كما يرسل الواحد منا إنساناً إلى ملك أو ملك يرسل إنساناً إلى شخص. فنقول: أقول هذا رسول الملك. "إذ جاءها المرسلون". "إذ أرسلنا إليهم اثنين". هذان الرجلان اللذان ذكرت لكما قصتهم. "فكذبوهما". يعني الملك وأهل أنطاكية كذبوا هذين الرجلين المرسلين من قبل سيد سيدنا عيسى. "فعززنا بثالث". التعزيز هو القوة. وانتبهوا أحبابنا كيف أن الله تعالى قال: "فعززنا بثالث". أي قوى الله عز وجل دعوة هذين الرجلين برجل ثالث. لذلك لم يقل: "فعززناهما"، لأن التعزيز ليس راجعاً للرجلين، إنما التعزيز راجع إلى الدعوة التي يحملانها ويدعوان إليها. فلذلك قال: "فعززنا بثالث". ولم يقل: "فعززناهما". إذاً هنا التعزيز معناه التقوي. معناه، معناه الله تعالى قوى دعوة هذين الرجلين برجل ثالث. هو اسمه شمعون. اسمه شمعون. يعني شمعون لم يظهر ما أظهره هذان الرجلان إلا بعد أن أحيا ذلك الميت للحيلة التي استعملها والتنكر الذي استعمله له حتى يتقرب من هذا الملك. فقالوا بعد أن آمن هذا الملك بعد إحياء هذا الميت: "فقالوا، الآن صاروا ثلاثة، أليس كذلك؟" يعني اثنين وشمعون. لذلك جاء ربنا عز وجل بصيغة الجمع. "فقالوا: إنا إليكم لمرسلون". يعني لتبليغكم أمور دينكم. كمان برجع بأكد أنا هذه "إن" تفيد التأكيد. ثم الجملة الاسمية "إنا إليكم مرسلون" هذه جملة اسمية، والجملة الاسمية أيضاً تفيد الثبات والتوكيد. قالوا، يعني أصحاب القرية مكذبين للثلاثة، ثلاثة الدعاة المرسلين: "ما أنتم إلا بشر مثلنا". ما الذي حمل هؤلاء الصادين عن الإيمان إلى تركهم الإيمان؟ أنهم رأوا أن هؤلاء بشر مثلهم، فكيف نصدق أنهم مرسلون؟ وهذه الكلمة أحبابنا يعني قالها كفار مكة بعد ذلك. قالوها لنبينا عليه الصلاة والسلام كما في قوله تعالى: "وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق، لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيراً". يعني قالوا لو كان رسولاً لما كان بشرياً يأكل ويمشي في الأسواق، كانهم توهموا أن الرسول لا بد أن يكون ملكاً من الملائكة. ملكاً من الملائكة. ربنا سبحانه وتعالى بين لنا أيضاً بقوله: "ولو جعلناه ملكاً لجعلناه رجلاً". قال تعالى: "ولو جعلناه ملكاً لجعلناه رجلاً". ليش؟ نريد أن نفهم. إذاً الشبهة والاستشكال الذي دخل على قلوبهم أنه كيف يكون رسولاً بشرياً يأكل الطعام كما نأكل ويمشي في الأسواق، يقصد الحاجات. كانهم تخيلوا أن الرسول لا بد أن يكون ملكاً من الملائكة. لو كانوا ملائكة لأرسل الله تعالى إليهم ملكاً، وبما أنهم بشر أرسل الله تعالى لهم بشرياً يكون من جنسهم ليفقهوا عنه الأحكام وليتلقوها عنه، ويكون هذا النبي أو هذا الرسول نشأ فيما بينهم، يعرفون صدقه ويعرفون أمانته ويعرفون صيانته ويعرفون نسبه. وهذه كلها دواعي لأن يؤمنوا. ثم لو أرسله الله تعالى ملكاً، كيف سيرونه؟ والملائكة أجسام نورانية، أجسام نورانية ليست أجساماً كثيفة كالبشر. ثم إنهم لو أروا رؤية الملك لا يرونه إلا متشكلاً، يرونه إلا متشكلاً بصورة رجل. الملائكة أحبابنا ليسوا ذكوراً وليسوا إناثاً، ولكن الملك كجبريل عليه السلام كان يأتي رسولنا عليه الصلاة والسلام أحياناً بهيئة وصورة رجل، بهيئة وصورة رجل من أي؟ من غير أن تركب فيه الشهوة. الملائكة يتشكلون ويتصورون بصور الرجال، ولا يتشكلون بصور الإناث. بل إن ربنا سبحانه وتعالى رد قول كفار مكة الذين زعموا أن الملائكة بنات الله. قال ربنا عز وجل: "وجعلوا وقال وقال وقال". قال ربنا عز وجل: "الملائكة، وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً". وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً، يعني سموهم إناثاً. هنا ربنا عز وجل يقول: "ولو جعلناه ملكاً لجعلناه رجلاً". يعني معناه كيف سيرونه لو كان، لو كان هذا النذير ملكاً، لابد أنه سيتشكل. إن كان ملكاً بهيئة رجل، رجعنا إلى صدكم الأول وامتناعكم الأول بترككم الإيمان به لأنه رجل يأكل ويمشي في الأسواق. على أن الملائكة لا تأكل ولا تشرب. عرفتم الأمر يا أحبابنا؟ فـ "قالوا: ما أنتم إلا بشر مثلنا، وما أنزل الرحمن من شيء". يعني الله على زعمهم لم ينزل وحياً. ينكرون أن يرسل الله تعالى نبياً وهو عيسى عليه الصلاة والسلام الذي أرسل هؤلاء الثلاثة. "إن أنتم إلا تكذبون". انتبهوا إلى هذه الصيغة. معناه كلامكم كله ليس فيه شيء من الصدق. هذا قولهم لهؤلاء الثلاثة. "إن أنتم إلا ليس قولكم إلا كذباً". هذا يدل على أنهم اتهموهم، اتهموهم بالكذب ولم يصدقوهم في شيء مما قالوه. انتبهوا بما أجابوهم. قالوا: "ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون". هذه "ربنا يعلم" إنما هي شيء يشبه القسم، ليس قسماً، إنما هو شيء يشبه القسم. لماذا أحالوا علم رسالتهم وإرسالهم إلى ربنا سبحانه وتعالى؟ لأن عيسى هو الذي أرسلهم، ومن الذي أرسل عيسى؟ ربنا سبحانه وتعالى. فكان الله تعالى هو الذي أرسل هؤلاء الثلاثة. إذاً "ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون". هذه قلت: "يعلم ربنا يعلم" شبيهة بالقسم، ليست قسماً. لأن معنى قولهم: "ربنا يعلم" تأكيد منهم أنهم صادقون في دعوتهم. وكأنهم يقولون لهم: إن كذبتمونا، فكأنكم تكذبون ربنا عز وجل، لأن ربنا عز وجل الذي أرسلنا يعلم أننا لمرسلون. لذلك تكذيبكم لنا تكذيب للذي أرسلنا وهو الله العالم بأننا مرسلون إليكم. انتبهتم يا أحبابنا؟ لذلك لا يجوز للإنسان أن يشهد الله تعالى على شيء كذب. لا يجوز للإنسان أن يقول: أشهد الله أني فعلت كذا وهو كاذب في قوله، لأن هذا مرجعه إلى أن الله تعالى لا يعلم الشيء على ما هو عليه، فيه نسبة التجهيل إلى ربنا سبحانه وتعالى. لذلك قالوا: "ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون". انتبهوا، أنا ذكرت هذا لكم البارحة أن "إن" تفيد التأكيد. هنا زادوا تأكيداً على ما مر قبل قليل. قبل قليل قالوا: "إنا إليكم مرسلون" فيها تأكيد واحد، ثم الجملة الاسمية التي تفيد التأكيد. لكن هنا زادوا مؤكداً ثالثاً: "إنا إليكم لمرسلون". هذه اللام تفيد التأكيد، والجملة الاسمية هي المؤكد الثالث. لماذا زادوا في المؤكدات؟ لأنهم بالغوا في تكذيب هؤلاء الثلاثة، فناسب أن يزيدوا في التأكيد. "إنا إليكم لمرسلون". "وما علينا إلا البلاغ المبين". معناه نحن ليس علينا هداكم، ليس في أيدينا قلوبكم. إن أراد ربنا عز وجل أن يهديكم هداكم، وإلا غاية الذي يجب علينا أن ندعوكم إلى دين الله. ما علينا إلا البلاغ. نحن علينا أن ندعو إلى دين الله، هذا الذي أوجب ربنا عز وجل علينا. أما هداية قلوبكم فليست إلينا. هذا يشبه قول الله تعالى لنبينا عليه الصلاة والسلام: "ليس عليك هداهم". ليس عليك هداهم، معناه أنت عليك أن تدعوهم، أما اهتداؤهم أو إباؤهم إلى الله إذا شاء. يشرح صدورهم للاهتداء والإيمان، وإذا شاء أبقاها مقفلة. أبقاها مقفلة. "أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها؟". القلب المقفل لا يفتحه إلا الذي أقْفَله وهو الله سبحانه وتعالى. طيب قوله تعالى: "ليس عليك هداهم". نحن نقول: الهداية جاءت في القرآن على ضربين، على نوعين. هداية بمعنى دلالة للناس على سبيل الهدى وطريق الهدى وطريق الحق، وهذا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولكل داع إلى هذا الدين، ولكل داع إلى هذا الدين. يعني من يدل الناس على دين الله، نستطيع أن نقول في حقه إنه هاد للناس. ما معنى هاد للناس؟ معناه يدلهم على ما ينفعهم في دينهم. وتأتي كلمة الهداية في القرآن بمعنى خلق الاهتداء. خلق الاهتداء، وهذا خلق الاهتداء ليس إلا لله سبحانه وتعالى، ليس إلا لله سبحانه. انتبهوا مثلاً قول الله تعالى عن نبينا عليه الصلاة والسلام: "وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم". وإنك يعني يا محمد صلى الله عليه وسلم لتهدي. أضاف إليه الهداية على أي معنى؟ على معنى أنك تدل الناس على السبيل المنجية لهم في الآخرة، الإسلام. طيب في قوله تعالى: "إنك لا تهدي من أحببت، ولكن الله يهدي من يشاء". هنا قد يستشكل بعض الناس هذا الأمر. انتبهوا. أولاً أثبت له شو؟ الهداية. هنا نفاها عنه. إذاً أثبت الهداية لنبينا عليه الصلاة والسلام ثم نفيها عنه، كل من جهة منفكة عن الأخرى. كل له جهة غير الجهة الأخرى. جهة الإثبات جهة غير جهة النفي. قوله تعالى: "إنك لا تهدي من أحببت". هذا نفي صحيح. لا تهديه من أحببت. ما معناه؟ معناه أنك يا محمد لا تخلق الاهتداء في قلب من أحببت له الاهتداء. هذا المنفي. هذه جهة. قضية الإثبات قال تعالى: "وإنك لتهدي". أثبت له أنه هاد. "إنك لتهدي إلى صراط مستقيم". هنا إثبات الهداية له وأنه داع إلى الهدى من طريق دلالته للناس وإرشاده للناس إلى سبيل الاهتداء. هذه جهة غير جهة خلق الاهتداء. خلق الاهتداء راجع إلى الله. أما دلالته عليه الصلاة والسلام للناس إلى دين الله، فهذه وظيفته بما أنه نبي الله، رسول الله، فهذا الذي قد يشكل على بعض الناس يزول بإيضاح الجهة التي لأجلها مرة أضيفت الهداية إليه ومرة أخرى نفيت عنه. فـ "ما علينا إلا البلاغ المبين". نحن فقط أمرنا أن ندعوكم إلى دين الله. أما قلوبكم واهتداء قلوبكم فليس إلينا. "لئن لم تنتهوا لنرجمنكم وليمسنكم منا عذاب أليم". تهديد. تهديد من هؤلاء الذين لم يؤمنوا أنهم سيرجموهم بالحجارة. "لئن لم تنتهوا". إذا لم تتركوا هذه الدعوة التي تدعون إليها، "لنرجمانكم". وليمسنكم منا عذاب أليم. طيب لو أنهم رجموهم فماتوا، ما عادوا يحسون بالعذاب الأليم، أليس كذلك؟ نعم. لكن الظاهر أن المقصود رجمهم إياهم لا إلى درجة الموت، حتى يحسوا ويمسهم هذا العذاب الأليم. لأن الإنسان إذا مات بسبب الرجم لا يعد يحس بألم تعذيبه، أليس كذلك؟ آه. الشاة إذا ذبحت وسلخت وقطعت قطعاً، هل تحس بالألم؟ ألم السكين التي تقطع لحمها؟ خلص انتهى. لأن التعذيب إيلام للحي. كلامنا عما يقع فيما بين الناس في الدنيا. لذلك قالوا: "لنرجمانكم وليمسنكم منا عذاب أليم". طيب لو كان هذا الرجم إلى درجة الموت لفات إحساسهم بهذا العذاب الأليم. وهذا الذي قاله بعض المفسرين. قالوا: يعني المرسلون الثلاثة للكفرة: "طائركم معكم". "أأن ذكرتم؟ أنتم بل أنتم قوم مسرفون". قالوا: "طائركم معكم". ما المقصود؟ هؤلاء الكفار كانوا يتطيرون ويتشاءمون من هؤلاء المرسلين. لأن منهم من يقول من المفسرين من يقول: أصابهم الجذام، وقيل قحطوا ولم ينزل عليهم مطر زماناً، فتطيروا بهؤلاء المرسلين الثلاثة. ما معناه تطيروا؟ يعني تشاءموا. الطيرة التشاؤم من وين جاية هي؟ لأنهم كانوا في الماضي إذا أرادوا حاجة، تم تجارة أو زواجاً أو نحو ذلك، يمسك واحد منهم الطائر حي ثم يتركه. فإذا ذهب ناحية اليمين يقول: هذا الزواج ناجح، هذه التجارة رابحة. وإذا جه ذهب الطائر ناحية ناحية اليسار، قعدوا عن الحاجة التي عزموا عليها، يتشائمون. نحن في بلادنا نستعمل مثل هذا في الأمثال أحياناً. يقدم إنسان يقول له قائل حين يراه: "خير يا طير". ما بنقولها؟ ما هي؟ آه. إذا هذا لها ذلك الأصل. فهنا معنى "طائركم معكم"، يعني تشاءموا بهم. تشاءموا بهم. لماذا؟ لأنهم قحطوا أو لأنهم أصابهم الجذام، فاجابهم هؤلاء الثلاثة المسلمون: "طائركم معكم". سبب شؤمكم معكم أنتم، لا نحن سبب. سبب ذلك ما هو شؤمهم؟ ما هو سبب شؤمهم؟ كفرهم بالله، كفرهم بالله وامتناعهم الدخول في الإسلام. هو سبب ما أصابهم، لا نحن الذين دعوناكم إلى ما فيه فلاحكم ونجاحكم. "أأن ذكرتم؟" إذا وعظناكم ودعوناكم إلى دين الإسلام، هل هذا سبب التشاؤم الذي أصابكم؟ هذا خير محض. دعوتنا لكم إلى الدين خير محض، لا يكون هذا سبب شؤم. إنما سبب شؤمكم هو كفركم وامتناعكم من الدخول في دين الإسلام. "بل أنتم قوم مسرفون". مسرفون على أنفسكم. المسرف هو الذي تجاوز الحد. المسرف هو الذي تجاوز الحد. مشان هيك إذا كنت عم تتوضأ مثلاً أنت وبحاجة لتستعمل إنينة مي صغيرة. آه. ليش تستعمل عشرين لتر؟ هذا اسمه إسراف. إسراف تجاوزت الحد في الماء للوضوء. طب هنا ما معنى قولهم: "بل أنتم قوم مسرفون"؟ أي أسرفتم على أنفسكم، تجاوزتم الحد في ضلالكم وشرككم، فأنتم متمادون في غيكم، مجاوزون في العصيان. فمن ثم جاءكم هذا الشؤم الذي تشاءمتم به. وقيل من المفسرين من يقول: "بل أنتم قوم مسرفون" لأن الكلام جرى بينهم باللسان. هذه المحاورات كانت بشو؟ باللسان. يكلمونهم فيردون عليهم إلى أن وصلوا إلى حد تهديدهم بشو؟ بالرجم وبالعذاب الأليم. إذا تجاوزوا القول إلى شو؟ إلى الفعل. شو هو هذا الفعل؟ الرجم بالحجارة. فبما أنهم تجاوزوا إلى الرجم بالحجارة سموهم قوماً مسرفين. فإذا هي محتملة لهذا ومحتملة لهذا المعنى. نسأل الله تعالى أن يوفقنا جميعاً لرضاه وأن يصلح أحوالنا ويقبلنا بقبول حسن. اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك وتقبل منا صلاتنا وصيامنا وصالح أعمالنا. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.