Transcription
[موسيقى] بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين. الأخوة الكرام، طابت أوقاتكم بكل خير، وأهلًا وسهلًا بكم مجددًا. وفي هذه المناسبة، بإذن الله وحوله وقوته، سأناقش معكم بعض، لا أقول كل، بعض الروايات، والتي كرست لمفهوم خاطئ، إن لم يكن كارثيًا، في قضية القضاء والقدر، وولدت الكثير جدًّا من المفاهيم التي كانت مرتعًا خصيبًا للدعوة إلى الإلحاد. وهذا لا يعني أنني أنسب الخطأ إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وإنما هو معلم البشرية، وعلمك ما لم تكن تعلم، وكان فضل الله عليك عظيمًا. وعندما أريد مناقشة هذه الروايات، أنا لا أنسب الخطأ، كما قلت لكم، للنبي، وإنما نريد أن نعرض هذه الروايات على ضوء نصوص كتاب الله سبحانه وتعالى، بناءً على هذه المفاهيم التي قدمناها حول المشيئة وحول الإرادة.
فالاشكالية قد تكون في اللفظ الذي ورد على لسان الصحابي، لأن معظم الروايات لم يأتِ الملفوظ أو المنطوق النبوي ذاته. يعني باختصار يا جماعة، نحن لو لمّنا في الملفوظ والمنطوق النبوي، مستحيل تكون عندنا مشكلة في متون الروايات. أغلب الروايات، إن لم يكن جلها، نقلت إلينا بالمفهوم والمعنى، ليس المنطوق. لأن المنطوق النبوي يكون منضبطًا مئة بالمئة مع مصطلح القرآن الكريم. أما الصحابي، فإنه يسمع الرواية من النبي عليه الصلاة والسلام، ثم بعد ذلك يفهمها، فينقلها للراوي الذي يليه، بناءً على ما فهمه هو من النبي عليه الصلاة والسلام. ولذلك يستخدم مصطلحاته هو، وهذه المصطلحات لا يمكن أن تكون دقيقة. وقد توسعت في هذا المضمار في الحلقات الفردية، عندما قلت لكم: لا يمكن أن يرد على لسان النبي أن يقول: من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت. لأن الحلف في القرآن هو الإيمان الكاذب، ذلك كفارة إيمانكم إذا حلفتم، وإنما الإيمان الصادق في القرآن يسمى قسمًا. وبالتالي، الرواية الصحيحة: من كان قاسمًا فليقسم بالله أو ليصمت.
كذلك ذكرت لكم: لا يمكن أن ترد كلمة سنة على لسان النبي. يعني لا يمكن أن يسمي النبي أقواله سنة، لأنه يعلم أن السنة جاءت في القرآن منسوبة إلى الله، إلى الله سبحانه وتعالى، وهي تعني القانون الثابت الذي لا يتبدل ولا يتحول ولا يتغير. وبالتالي، حيثما وجدت رواية فيها كلمة: عليكم بسنتي، أعلم تمامًا أنها منقولة بالمعنى، وفيها مشكلة. لأنني أجد رواية أخرى يقول فيها النبي: نظر الله وجه امرئ سمع مقالتي فوعاها فادّاها كما سمعها، فرّض مبلغ أوعى من سامع. انظروا: قال: مقالتي، لم يقل سنتي، ولم يقل حديثي. لأن كلمة حديث هي وصف لسان القرآن. الله نزل أحسن الحديث كتابًا متشابها مثاني، لعلك ضاخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفًا، أفبهذا الحديث أنتم مدهنون؟ فكيف نسميها الآحاديث النبوية؟ مجرد التسمية البناء من الأساس في مشكلة، لا يمكن أن تسمى الآحاديث النبوية، لأن الحديث هو حديث الله. وذكرت لكم أن الله عندما وصف كتابه بأنه حديث، لأنه يمتلك صفة التحديث الذاتي عبر تطور الزماني والمكان. لا أريد أن استطرد في هذا الموضوع، وقد ذكرتُه لكم من قبل. والآن سنقف على بعض، ربما رواية أو روايتين، من الروايات التي تكرس لمفهوم القضاء والقدر بتصور خاطئ، قد يكون كارثيًا.
أولًا، رواية عبد الله بن مسعود رضي الله عنه المشهورة: قال حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق: قال إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، يعني أربعين يومًا، أربعين يومًا، ثم علقة أربعين يومًا، ثم مضغة أربعين يومًا، 120 يومًا، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله ملكًا فينفخ فيه الروح. هنا في بعض الإشكالية الروح، لكن نتجاوزها. فيؤمر بأربع كلمات، اللي هو من الملك، فيقال له: اكتب. يلا يا جماعة نخط مية خط بكلمة اكتب، لأنه هي مركزية الرواية اللي أنا ناقشها معكم. فيقال له: اكتب عمله ورزقه واجله وشقي أو سعيد. ثم ينفخ فيه الروح، فهو الذي لا إله غيره. يتواصل الحديث: إن الرجل منكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبين الجنة إلا ذراع، دلالة على قرب المسافة، ما شرط يكون الذراع يعني بالمقص 30 سم، فيسبق عليه الكتاب، كلمة يكتب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، ويعمل حتى ما يكون بينه وبين النار إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها. أي ملحد، الحد بسبب الرواية بهذا المنطوق، هو معذور، لأنه لا يمكن أن تنسجم مع القرآن الكريم، ولا يمكن أن تنسجم مع فلسفة القرآن الكريم، وللعدل الإلهي، ولا منطقية السنن الكونية. تخيل أنت 120 يوم، موضوعك انتهى. أتحسب أنت عمرك من لحظة الإخصاب؟ من لحظة الإخصاب في البويضة، أنت في الرحم بعد 120 يوم، أمرك انتهى، أجلك وعملك، عملك، عملك، هتعمل شنو؟ ورزقك هتكسب كم؟ وشقي أم سعيد؟
فالاشكالية يا جماعة الخير هي في كلمة يكتب، لأن هذه الأمور إذا كانت مكتوبة، أي أن الله أمر الملك فكتب، كتب فلان شقي، إذا لا يمكن أن تعدل هذه النتيجة، ما مكتوبة، خلاص، فيصبح الأمر قد حسم، وكل ما نفعله في هذه الدنيا من الأعمال والقربات ومن المعاصي إنما هي مسرحية ساذجة. تعالى الله عن ذلك، علوم كبيرة، أنا أعني ما أقول، مسرحية ساذجة وسخيفة. إذا كان أنت 120 في بطن أمك كتب عليك الشقاء، طيب أنا أعمل شنو عشان أعدل النتيجة دي؟ ما حد تتعدل. طيب أكسل، أجيب المخدة وأنوم، خلاص انتهى الموضوع. لذلك يا جماعة، مثل هذه الروايات كرست للكسل، يعني حتى الشخص المائل إلى الكفر بتحبطه، ما هو خلاص الأمر انتهى، شنو فلسفة الموازين يوم القيامة؟ ميزان ليه؟ سؤال أبسط أسئلة المنطق، نضع الموازين القسط ليوم القيامة، وضع لك موازين ليه، والموضوع انتهى، 120 يوم في بطن أمك؟ أنا أقول هذه الرواية بهذا اللفظ، يستحيل بهذا اللفظ أن تصح عن النبي عليه الصلاة والسلام. أنا هنا لا أناقش قضية الجرح والتعديل إطلاقًا. إشكالية الرواية هي في كلمة اكتب، فأنا أقول هذه الرواية لو صحت عن النبي، أن كلمة اكتب لم ترد فيها. وكذلك الجزئية الأخيرة: أن الله يعلم أنك شقي وسعيد، وأجلك ورزقك، نعم، فعلم الله أزلي مطلق، ولكن شتان ما بين أن أعلم وما بين أن أكتب. فإن كتب الله لك هذا الأمر، فقد جردك من التخيير مباشرة بالكلية. أما أن علمت، فهذا هو علمه. ولكي تتضح هذه الرؤية، أضرب لكم لكم مثالًا بسيطًا: إذا كان هنالك معلم يدرس طلاب فصل معين، وهو معهم ثمانيه سنين أو خمس سنين، يدرس طلاب الفصل، وهم مقدمون أو مقبلون على الامتحان، قلنا لهذا الأستاذ: هل تستطيع أن تتنبأ وتحدد من هو الأول في هذا الفصل ومن هو الأخير، أو نحن بنسميه الطيش؟ يستطيع المعلم فعل ذلك، لماذا؟ وفق خبرته وعلمه بتلاميذه، هو ثمانيه سنة معهم، أكيد عارف مستوياته، حيكون متأكد يقول لك: ده هيجي الأول، أول الفصل اللي هو ده. السؤال: هل هذا المعلم كتب على هذا التلميذ أنه سياتي الأول؟ هل بيعطيه دروس خصوصية في بيته؟ هل بيعمل له غش أثناء الامتحان؟ أبدًا. وعندما يقول: هذا هو الأخير، هذا هو الطيش، هل سيمنعه من المذاكرة في بيته؟ لا. هل سيعطيه أسئلة صعبة مختلفة عن الأسئلة الأخرى؟ لا. إذا علم هذا الأمر من منطلق معرفته وخبرته بمستويات الطلاب، إذا كان هذا هو الأستاذ، فما بالك بالله؟ لا شك أن الله يعلم مطلق العلم من قبل أن يتشكل الوجود، ولكن لم يكتب. فالاشكالية في يكتب يا جماعة. لو أن الله يعلم، قال: إن الله علم أجله ورزقه وشقي أم سعيد، لما كانت هنالك إشكالية، فلا اعتراض لنا على علم الله، ولكن الاعتراض في هذه الرواية في مسألة يكتب، لأنها قد حسمت الأمر، وحولت عمل الإنسان إلى مسرحية، وبالتالي جردته من الحرية والاختيار.
في الحلقة القادمة بإذن الله، سنناقش رواية أخرى، وهي تؤكد أيضًا هذا المبدأ للأسف، وتجعل الأعمال لا قيمة لها، تجعل الأعمال ما عندها قيمة، ليش؟ لأنه الأمر مكتوب. إلى أن التقيكم في الحلقة القادمة، أترككم في حفظ الله ورعايته. السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته. [موسيقى]