📱

Get Our Mobile App

Take your business learning on the go!

Download on the App StoreGet it on Google Play

ما هو مركز إعتدال؟ وكيف تسبب باعتقالات كثيرة بسبب تغريدات! | مكتب حكومي

يقظة | Yakathah34:46

Transcription

منال صالح الكفيري، طالبة الثانوية في سن المراهقة، وفي نظر القانون لازالت طفلة. كانت كل يوم تشيل كتبها ودفاترها، تروح على مدرستها، تعيش يومها الدراسي زي أي طفل في عمرها. عندها أحلام وطموح لمستقبلها.

وقبل ما يصير عمرها 17 سنة، غرّدت بتغريدات قصيرة. مصادر تقول إنها عبرت فيها عن رأيها في مادة الفكر الناقد، ومصادر ثانية تقول إنها تعاطفت مع معتقلي الرأي. ما كانت ما زالت تدري إن التغريدات بتنهي أحلامها وطموحاتها، لكن للأسف هذا اللي حصل معها.

في عام 2022، هجموا عسكر أمن الدولة على بيت عائلة منال، كأنهم هاجمين على موقع تتصنع فيها المتفجرات أو يخططون أعمال إرهابية. أبوها وأمها وإخوانها كانوا مفجوعين مذهولين من المداهمة، ويسألون: "إيش سوت منال؟ توها طفلة يا ناس!".

بس كعادتهم، كسروا البيت وقلبوه فوق رؤوسهم، كأنها مسوية مصيبة ولا عاملة انقلاب على الحكم. سحبوها من بين أهلها وحبسوها في معتقل، حرموها من أهلها ومن مدرستها ومن حياتها. لحد ما مرت شهور ومنال محبوسة، ما تسمع إلا أصوات أبواب الحديدية وهي تفتح وتقفل. تفكر في أمها اللي تبكي كل ليلة، أبوها اللي يدور على أي أمل عشان يرجع بنته. حتى مرت علم ولا خبر.

صار عمر البنت 18 سنة، بعدها حاكموها محاكمة جائرة دون أي اعتبار لعمرها القاصر. المحزن إنهم حكموا عليها بـ 18 سنة سجن، واللي تعادل عمرها، وزادوا فوقها 18 سنة منع سفر بعد ما تطلع من السجن. تخيلوا بنت عمرها 18 تنحكم بـ 18، وبعد ما تخرج ما تسافر برا البلد؟ كمال لـ 18 سنة؟ أي قانون اللي مستند عليه القاضي، ولا هو مجرد رمي لأرقام وخلاص؟

لا منال ولا عائلتها صدقوا هذا الكلام، ولا أساسًا فيه بني آدم يصدق. كيف بطرفة عين ممكن تنهي حياة إنسان بهالقسوة الوحشية؟ كيف يندفن آدمي وهو حي بهذا الطريقة الفظيعة؟ ومن يوم حكمت المحكمة عليها بهذا الحكم الظالم، انقطعت أخبارها تمامًا، وأسدل الستار على قضيتها وانطوت صفحتها. للأسف، ما حد يدري الآن وين منال وإيش اللي قاعد يصير لها.

اليوم يا جماعة الخير، راح نفتح ملفات الناس اللي راحوا ضحايا لتغريدات كتبوها وما دروا إنها بتدمر حياتهم وحياة أسرهم. وأيضًا عن خلفية المركز العالمي لمكافحة الفكر المتطرف "اعتدال" ودوره في الاعتقالات، وعن كيف بدأت اعتقالات قضية تغريدة مع مركز اعتدال، وأنواعها، وأثرها على البلد والمواطن، والقوانين المستخدمة فيها، والثغرات في هالقوانين.

حياكم الله، أنا حامد الغامدي، وأهلاً بكم في برنامجكم "مكتب حكومي".

[موسيقى]

عشان نفهم الموضوع من بدايته، لازم نفهم كيف تغريدتها من كم سطر أصبحت تهدد أمن الدولة، وكيف التعبير عن الرأي اللي مقبول في كل دول العالم يتحول عندنا لجريمة إرهابية. الجواب يبدأ من مركز اعتدال.

لما بغت السعودية تلمع صورتها على الساحة الدولية وتقدم نفسها للغرب كدولة تحارب التطرف والإرهاب، افتتحت المركز العالمي لمكافحة الفكر المتطرف وسمته زورًا "اعتدال". مركز اعتدال مقره في واحد من قصور الناصرية القديمة، جنب قصر اليمامة مقر الديوان الملكي. يقدم المركز نفسه على أن مهمته تعزيز التسامح بين الشعوب ونشر ثقافة الاعتدال، بالإضافة لرصد الأنشطة الرقمية للجماعات الإرهابية. طبعًا، هذه الأهداف المعلنة في الموقع واللي الكل يقدر يطلع عليها وينبهر فيها ويصدق رسالتها.

ومع أن هذا المركز يعتبر واجهة ناعمة قدام الغرب لمحاربة الإرهاب، إلا أنه في الحقيقة تحول لأداة قمعية بيد الدولة. موظف لملاحقة الشعب، وحتى المواطنين الموالين للحكومة ما سلموا من اعتداء. ما هو غريب إن حياة إنسان تنهدم بتغريدة، إذا كانت الحكومة هي اللي حددت معايير التطرف وهي اللي مضبطة القوانين بمقاييسها.

تعالوا نشوف تاريخ مركز اعتدال الكارثي وخلفيته. في شهر 6 من عام 2017، تم افتتاحه ورئيس أمريكا ترامب حضر شخصيًا افتتاح هذا المركز، اللي قيل إن هدفه نفي تهمة صناعة الإرهاب عن المملكة. وفي مشهد الافتتاح، حط ترامب والملك سلمان والسيسي أياديهم على كرة مضيئة، كأنهم يعلنون بداية حقبة خليجية وعربية جديدة بعيدًا عن الإرهاب.

[موسيقى]

مشهد الافتتاح هذا ضحكوا عليه بعض النقاد في صحيفة الجارديان البريطانية وشبهوه بأفلام الخيال مثل فيلم "ذا لورد أوف ذا رينجز". وضحك عليه بعض النقاد الأمريكيين وقالوا إنه مخيف وما يطمّن. بعضهم قال: "كأنه تجمع محور الشر الجديد". والظاهر إنه معهم حق في هذا الوصف، زي ما راح تشوفون في هذه الحلقة إن شاء الله.

خلونا من مسخرة الافتتاح الحين. المركز هذا بشراكة أمريكية، بدليل حضر ترامب. وهذا يعني إن أمريكا أعطت خبراتها التقنية والاستخباراتية القوية لمجموعة من "المعتيه" حتى يعبثون فيها. وهذا اللي حاصل فعلًا. شلومو اللي معاه قرروا يراضون ترامب بنسخة جديدة من الإسلام بعيدة عن الصحوة وعلى الطريقة الأمريكية والإسلام الوسطي، عشان يفهمونه إن السعودية الآن بدأت بالانفتاح وانطلقت في رؤيتها بعيدًا عن التطرف.

وخلّوكم معي ولحظوا التايم لاين هذا. في شهر 6 وشهر 7 من عام 2017، أعلن المركز في موقعه إن شغله هو متابعة الحسابات على مواقع التواصل الاجتماعي ورصد القنوات المختلفة. وقال إن عمله يمر بمراحل: مرحلة الرقابة، ومرحلة التحليل، ومرحلة التعامل مع المتطرفين. بعدها في أغسطس، طلع "سيد الذباب" أو "شيخهم" مثل ما يلقبونه، سعود القحطاني، وهو منتشي وفرحان بالإمكانيات الضخمة اللي صارت تحت يده وسار يقدر يبطش بالناس. وقال بالحرف في تغريدة له: "حطوا لي كل اسم تبون، ضمه للقائمة السوداء وسيتم فرزها ومتابعتها من الآن".

رد عليه واحد من المغردين وقال له: "ليش يا سعود تغرد كأنك ولي العهد؟ لا تنسى نفسك، ترى الحكومة تعرف كل مغرد ومنافق ومحب". ورد عليه سعود وقال له: "وتظن إني أقدح من راسي بدون توجيه؟ أنا موظف ومنفذ أمين لأوامر سيدي الملك وسموه سيدي ولي العهد الأمين". ونشر وقتها مقال في صحيفة العربية نقلًا عن سعود وهو يقول: "حساب عسير لكل من يوضع اسمه في القائمة السوداء".

ومن عام 2017-2018، المركز اللي كان من المفترض إنه يكافح الفكر الضال، انضم للمركز الإعلامي في الديوان الملكي وللهيئة الوطنية للأمن السيبراني بقيادة سعود القحطاني. وبكذا تحول عمليًا لأكبر جيش إلكتروني لمطاردة المواطنين والإبلاغ عليهم بسبب التعبير عن آرائهم. ابتداءً من النخب إلى المواطن البسيط. يعني كل التقنيات والتكنولوجيا انحطت في يد مجرم سايكوباثي وهو سعود القحطاني، ويد سيده اللي يقول ما يقدح من دونه. وتحول المركز عمليًا لقاعدة عسكرية للذباب الإلكتروني.

هذا الذباب ينقسم إلى نوعين: اللجان الإلكترونية اللي مشرف عليها سعود القحطاني ومهمتها توجيه الرأي العام في الاتجاه اللي يبغونه، ومهاجمة وتحديد مواقع الحسابات المخالفة داخل السعودية. ليش؟ للإيقاع بهم عن طريق إرسال روابط ملغومة. أما النوع الثاني، اللجان اللي تحت إشراف بدر العساكر، مدير مكتب محمد بن سلمان للشؤون الخاصة ورئيس مجلس إدارة المبادرات في مؤسسة "مسك" التابعة لمحمد بن سلمان. هذه اللجنة تورطت لاحقًا في تسريب بيانات حسابات مغردين عن طريق زرع جواسيس لها في شركة تويتر. بسببها امتلت السجون السعودية بآلاف من المعتقلين، وانتهت برفع قضايا في المحاكم الأمريكية ضد الأشخاص اللي سربوا معلومات المغردين من تويتر بتهمة انتهاك الخصوصية.

ويقال إنه تم تسريب معلومات أكثر من 5000 حساب. وقت رفع المحاكمات، قال المدعي الأمريكي تعليقًا على هذا الانتهاك: "لن نسمح للشركات الأمريكية ولا التكنولوجيا الأمريكية بأن تكون أداة قمع بيد السعودية".

من أبرز الضحايا المتضررين من هذه اللجنة، المعارض عمر بن عبد العزيز، وتركي الجاسر رحمه الله عليه صاحب "كشكول" اللي أُعدم شهر 6 من هذه السنة. بعدها الـ FBI ألقى القبض على أحد الجواسيس في شركة تويتر اسمه أحمد أبو عمة، لبناني أمريكي، تم تجنيده من قبل بدر العساكر. والشخص الثاني اسمه علي الزبارة، سعودي، كان موظف في شركة تويتر وتم تجنيده من قبل مشهور السناب أحمد الجبرين. علي الزبارة بعد التسريب هرب إلى السعودية، وبعدها الحكومة الأمريكية حطوا اسمه واسم أحمد الجبرين في قائمة المطلوبين.

كمان خلوني أذكركم بشخص آخر من ضحايا شبكة العساكر، اللي هو عبد الرحمن السدحان صاحب حساب "سماحتي". كان موظف إغاثة في الهلال الأحمر السعودي، تم اعتقاله في مقر عمله عام 2018 من مجموعة عسكر بملابس مدنية بدون أي شرح. بعدين انحكم بالسجن لمدة 20 سنة بعد تسريب معلوماته في تويتر، وتعرض بعد اعتقاله للإخفاء والتعذيب الشديد ما بين التعليق والصعق بالكهرباء وتكسير أصابعه اللي كان يكتب فيها التغريدات.

تحول هذا المركز لأداة لمطاردة المغردين، مش لأسباب سياسية، لكن لأي تعبير سلمي عن الرأي. طريقة عملهم إنهم يبحثون عن المحتويات اللي يعتبرونها تطرف، بعدين يرسلون روابط ملغومة للحسابات. إذا ضغط صاحب الحساب على الرابط، يروحون يقبضون عليه. المركز يلاحق المغردين في مواقع التواصل الاجتماعي، وطبعًا تويتر من أكثر المنصات اللي يعتقلوا منها المغردين بحكم طبيعة البرنامج اللي تعتمد على النقاشات والتفاعلات.

خلونا نرجع للدمج السابق اللي تكلمنا عنه في مركز اعتدال. هذا الدمج هو اللي سمح لمجموعة "المعتيه" اللي كانوا يشتغلون مع سعود القحطاني إنهم ينتقلون إلى مركز اعتدال، وطلعت لنا جيوش الذباب الإلكتروني اللي قسمت الشعب إلى قسمين: قسم مع الوطن، وقسم ضده. النتيجة: حملات اعتقالات واسعة اعتمدت على معاييرهم، ويخدمهم في هذا الشيء نظام الجرائم المعلوماتية ونظام مكافحة الإرهاب المطاطي.

أما الشعب السعودي، فهو يخاف من النقد السياسي وما تعود عليه. لكن اللي صار اليوم للأسف إن الحكومة، بسبب البلاغات في "كلنا أمن" أو مركز اعتدال، صارت تعتقل المواطن على أي قضية يناقشها، حتى لو ما كانت سياسية. كل شيء تعتبره يهدد أمنها واستقرارها، سواء قضية ترفيه، خدمات، أو قضايا المرأة، أو التعليم، أو التوظيف. يعني باختصار، هامش الحرية الصغيرة اللي كنا نتحرك فيها أيام الملك عبد الله تم مسحه.

ولاد من كذا، إنهم اعتقلوا كثيرين على تغريدات قديمة يمكن توصل إلى ما قبل 13 سنة. يعني سواء غردت بالسياسة، أو أي قضية تعليمية، خدماتية، اجتماعية، أو اقتصادية، سواء قبل سنوات أو الآن، راح يعتقلونا. واللي ما اعتقلوه ممكن إنه في قائمة الانتظار وقدامه محاكمات وسجن طويل وغرامات ومنع سفر، هذا إذا لحق يطلع.

والسعودية كعادتها في الإنكار، أنكرت هالاعتقالات ونفتها، وقالت: "أثبتوا إن اعتقلنا الناس بتغريدة، وأنتم بس تفترون علينا". وكانوا والذباب يدخلون يدخلون في حسابات الحقوقيين ومعتقلي الرأي ويكذبونهم ويطالبون بالدليل على الاعتقال. وبقى الموضوع معلق لحد ما ربي أراد إنه يفضحهم في برنامج سعودي اسمه "نقطة عمياء" كان يبث يوم الخميس في القناة السعودية. مذيع هذا البرنامج صالح الغيدان سوى تحقيق عن سجناء الجرائم المعلوماتية. تحقيق هذا البرنامج أكد صحة اتهامات النشطاء.

في هذا التحقيق، عملوا مقابلة مع مغرد سعودي تم اعتقاله بسبب تغريدة، وذكر إنه يوجد سجناء محكومياتهم تصل إلى 15 سنة سجن بسبب تغريدة. ولما حققوا معه في البرنامج، قال الجملة الشهيرة: "لما سألوه ش قضيتك؟ قال لهم: قضيتي تغريدة". "عطنا ش قضيتك يا طويل العمر؟" "قضيتي تغريد". الكلمتين اللي قالها ما زالت متداولة إلى يومنا هذا. والمحزن إن هذا المغرد اللي ما كان عنده سوابق، لما سألوه ليش غردت؟ قال: "ما دريت إن النظام يجرم التغريدات". تحولت جملته الشهيرة هذه إلى هاشتاج فضح حقيقة وخبث الحكومة السعودية.

وتخيلوا إنه بعد ما تحول البرنامج لترند في تويتر، حذف من القناة. يعني القناة السعودية نفسها ما كانت تدري إن الحلقة مخالفة، ولا المغردين كانوا يدرون إنهم مخالفين بسبب انعدام الشفافية في النظام ومزاجية التطبيق.

طيب، تعالوا نشوف أنواع الاعتقالات اللي قلنا ما لها علاقة بالسياسة. مثلًا، نشوف اعتقالات الترفيه، واللي لها النصيب الأكبر من الاعتقالات. ما وفروا أحد فيها، سواء كان رجل، امرأة، شيخ قبيلة، إنسان عادي، سعودي، أجنبي، شاب، شايب. كل من انتقد الترفيه ما سلم منه. اعتقلوا شيوخ قبائل مثل شيخ عتيبة فيصل بن سلطان، واللي طلع أخوه في مقطع يطالب فيه بإطلاق صراحه ويذكر تعرضهم لتهديدات بالقتل لو ما سكت.

"تقدمت لسموكم عدة برقيات نداء إطلاق صراحه أخي فيصل بن سلطان جاه بن حميد على موضوع تغريدته وسرط يا سيدي إن هددت بالقتل وهذه هي التهديدات وبلغت ولم أر أي شيء".

وشعراء مثل شاعر قبيلة الشرارات عايدر رغيان الشراري اللي تجاوز عمره 80 سنة، وأكاديميين مثل عبد الرحمن الحمود، وشيوخ مثل عمر المقبل. كلها تغريدات ما لها علاقة بالسياسة. واللي ينافس نقد الترفيه في الاعتقالات هو نقد البطالة وأعداد الشباب والبنات المعتقلين بسبب المطالبة بالوظائف. كثير منهم على سبيل المثال: زيد الروقي، فادي الناصر، فيصل الشمراني، عبد الله جيلان، ونجوى الحميد، وعبد الرحمن الشيخ، بندر الجحدلي، رينا عبد العزيز، ياسمين الغفيلي. كل هذول الشباب والبنات تم اعتقالهم بسبب مطالبتهم بحل مشكلة البطالة. وأيضًا عندنا فاطمة الشواربي اللي انحكمت بـ 30 سنة في عام 2023 بسبب تضامنها مع العاطلين.

بالإضافة لمعتقلي الرأي والتهجير القسري. ومن أشهرهم عبد الله الخديدي اللي ذكرنا قصته في حلقة سعودوها. تم اعتقاله بسبب شكواه بأنه ما تتوفر وظائف لذوي الاحتياجات اللي زيه. وكمان في معتقلين بسبب دفاعهم عن حقوق المرأة. وأعداد المعتقلين والمعتقلات في هذا الموضوع كبير جدًا. على سبيل المثال، نايف الهنداس ومحمد الربيعة اللي قال فقط إن قرار قيادة المرأة تأخر كثيرًا. أما لو نذكر المعتقلات فنحتاج إلى حلقة خاصة. منهم على سبيل المثال مناهل العتيبي اللي حكموا عليها 11 سنة بسبب مطالباتها بحقوق المرأة. الغريب إن كل النساء اللي اعتقلتهم الحكومة كانوا يطالبون بنفس الحقوق اللي كانت تزعم الدولة إنها تمكّن المرأة فيها. يعني ما جابوا شيء جديد.

وفيه معتقلين بسبب نقدهم للوضع الاقتصادي. أشهرهم الخبير الاقتصادي عصام الزامل، واللي صنفته مجلة فوربس كواحد من أهم الشخصيات في السعودية وكرمه الملك سلمان شخصيًا. عصام الزامل تكلم وغرد عن تنبؤاته للوضع الاقتصادي في الرؤية وعن بيع أسهم أرامكو. بعدها تم اعتقاله في 2017 واتهامه بمجموعة كبيرة من التهم مثل السعي لتخريب النسيج المجتمعي وإثارة الفتنة عبر حسابه على تويتر، ومهاجمة سياسات الدولة أو التشكيك فيها، كذلك التواصل مع جهات أجنبية ونشر وتحليل آراء داخلية دون موافقة الجهات الرسمية. للأسف، تمت محاكمته بشكل سري وانحكم عليه بالسجن لمدة 15 سنة.

"الآثار الاقتصادية هي راح تكون عميقة جدًا. سيكون في تباطؤ حاد في النمو الاقتصادي. شركات كثيرة ستقفل أبوابها، خاصة بعد رفع الدعم وفرض رسوم على العمالة. المستوى المعيشي، معدل المستوى المعيشي للمواطن راح ينخفض. القوة الشرائية ستنخفض. تقدر تفترض مبدئيًا إن قوتك الشرائية ستنخفض على الأقل 30% خلال الأربع أو الخمس سنوات القادمة. وهذا بدوره أيضًا راح يضر القطاع الخاص، إنه القوة الشرائية للناس إذا انخفضت الحركة في القطاع الخاص أيضًا تنخفض. المشكلة الأكبر برأيي والضرر الأكبر هو إنه عدد الوظائف التي ستخلق في الاقتصاد ستكون قليلة جدًا، بالتالي سيجد الخريجين الجدد صعوبة كبيرة في إيجاد الوظائف خلال السنوات القادمة. أنا كنت حريص أعطيكم الواقع كما هو بدون تلميع أو تهوين، لأن إذا عرفنا ش بيصير نقدر نتعامل معاه بالطريقة الصحيحة".

وفي اعتقالات فقط للنعي بوفاة شخص معتقل. توفي، وخذ لك مثال آخر، الدكتور عبد العزيز الدخيل، اللي شغل منصب وكيل في وزارة المالية. تم اعتقاله لأنه نعى الدكتور عبد الله الحامد في وفاته داخل السجن. طبعًا أفرجوا عنه بعدين.

ولسه ما خلصناه. تعالوا خلونا نشوف اعتقالات التعليم. عندنا الأستاذ خالد ناجي الشمري، مدير مكتب التعليم في محافظة رفحاء. تم اعتقاله عام 2023 وانحكم بـ 13 سنة بسبب انتقاده نظام الفصول الدراسية الثلاث.

كذلك اعتقالات بسبب نقد الرياضة، مثل اللي صار مع الصحفي في جريدة الوطن عبد الله العقيل، مع منع من الكتابة. وكمان اعتقالات الطلاب والمبتعثين اللي تترصدهم الحكومة في المطارات عند العودة. منهم المعتقل محمد مطر الشلوي، اللي كان مبتعث في أستراليا. نشرت قصته بعض التقارير الأسترالية، واللي سجل مقطع فيديو مؤثر قال فيه: "إذا شفتوا هذا الفيديو، فهذا هذا يعني إنه تم اعتقالي بالسعودية لتهم تتعلق بالتعبير عن الرأي". محمد مطر الشلوي، مدريد.

باختصار، أغلب من شارك في قضايا البطالة، نقد الترفيه، الرياضة، معتقلي الرأي، حتى اللي انتقدوا الفصول الثلاثة، تم اعتقالهم. وطبعًا، هذه بعض الأسباب، ما هو كلها. في معتقلين عشانهم شاركوا في هاشتاجات زي "الراتب ما يكفي الحاجة" ونقد الضريبة، الأحداث السياسية في قطر وتركيا ومصر. وفي موضوعات كثير ما نقدر نغطيها بالحلقة. وأحيانًا يتم اعتقالك حتى لو ما غردت، مثلًا سويت لايك بالغلط. وشفت شفنا بعض المقابلات من محامين نبهوا لهالمصيبة. واحد منهم قال: "انتبهوا لجوالات شيبانكم المتقاعدين، لايك بالغلط راح يتسبب في سجنهم".

"يا جماعة، تفقدوا جوالات شيبانكم اللي توهم متقاعدين. هذا أحدهم دخل على مواقع مشبوهة وهاشتاجات لمعارضين سياسيين، ومن حيث لا يشعر سوى لها إعادة تسمية تفضيل. يقول: برفع المقطع لعلي ضغطت عليه، يلا الحين تورط. ولذلك الآن المبادئ القضائية: تراك أنت مسؤول عما في جوالك".

وفي محامي ثاني ذكر قصة امرأة كبيرة بالعمر تم اعتقالها بسبب لايك بالغلط.

"امرأة عمرها 52 سنة موقوفة، سبب إيقافها إنها وضعت لايك على إحدى التغريدات بتويتر. جميل. المرأة كبيرة سن تقول: ما أذكر إني أتابع للحساب أو إني سبق أعطيت لايك في هذا، ولا أصلًا أنا من محبين هذا الطرح أبدًا، ولا لي حوله ولا إني يمه".

في الحقيقة، الحكومة ما ترحم حتى الموالين لها، وتظل تترصدهم لسنوات وتستناهم إذا كانوا مسافرين أو عايشين في الخارج. ومنهم المواطن السعودي الأمريكي سعد الماضي. شخص كان مؤيد للنظام السعودي ومؤيد لمحمد بن سلمان، عمره 72 سنة وعايش في أمريكا. جا زيارة للسعودية وعلى طول اعتقلوه. السبب: تغريدات قديمة له كان ينتقد فيها اغتيال خاشقجي رحمه الله عليه. يعني مع إنه مؤيد للحكومة وللرؤية، إلا إن الحكومة ما تسامحت معه، فقط لأنه تكلم في موضوع خاشقجي قبل اعتقاله بأربع سنوات. ما شفع له كبر سنه. حكموا عليه بـ 19 سنة سجن، وبعد الضغوطات أفرجوا عنه بعد سنة واحدة. السبب إنه معاه الجنسية الأمريكية.

والاعتقالات بسبب تغريدة ما كانت مقصورة على السعوديين، بل حتى على الأجانب. كانوا يستدرجونهم بفيزة العمرة، وفيزة السياحة، وفيزة العمل. مثل العامل المصري أحمد محمد عمر، حكم بالسجن لمدة 19 سنة بسبب تغريدة نشرها عام 2019 انتقد فيها رئيس هيئة الترفيه تركي آل الشيخ. تخيلوا إنه جاي يشتغل في السعودية عام 21، بعدها بتسعة شهور اعتقل بسبب التغريدة القديمة. وأهله ظلوا وقت طويل ما يدرون حي ولا ميت، حتى اتصل عليهم وبلغهم إنه تم سجنه بسبب تغريدة.

والسؤال الآن: هل فعلًا كل هالمهازل اللي تسبب فيها ولي العهد حققت الأمن والأمان وحاربت الفكر المتطرف؟ خلونا نشوف. السعودية اليوم صارت مستعمرة الذباب، مليانة خوف، نميمة، وفتنة. أجهزة الدولة تلاحق المواطن وتضيق عليه، حتى صار طبيعي إن الواحد يبلغ على قريبه أو صديقه أو حتى واحد من أهله. عادي تلقى أب يبلغ عن بنته أو ولده، أو أزواج يبلغون على بعض. التهمة جاهزة: "اعتناق الفكر الضال". المشكلة إن كثير من المواطنين تم غسل أدمغتهم وتدجينهم على فكرة إن التبليغ واجب وطني. وهذا اللي حول الكثير لكلاب بوليسية تشم وتنهش في بعضها.

واللي صار إنه تم استخدام نظام الجرائم المعلوماتية للانتقام بين المغردين. ومن أشهر هالقصص، قصة المحامي عبد الرحمن اللاحم، المشهور بـ "المحامي الكلب"، مع مشهور التواصل الاجتماعي أبو نورة محمد الفوزان. والكثير من المغردين القدامى بتويتر يتذكرون قصته، لكن خلوني أقول لكم قصته للي ما يعرفها. أبو نورة كان ينتقد ويتكلم من أيام الملك عبد الله، لدرجة إن بعض تغريداته كانت عن الملك عبد الله شخصيًا. لكنه ما انسجم في ذاك الوقت. ونبشوا وراه كلاب الصيد اللي منهم "المحامي الكلب" اللي طلع له تغريدات قديمة. على الرغم من إن اللاحم كان يزعم إنه مدافع عن حقوق الإنسان، إلا إنه تحول لكلب صيد وتسبب في سجن أبو نورة خمس سنوات بسبب تغريدات قديمة ما سجنوا هالنظام القديم عليها في وقت كان الناس ينتقدون الحكومة والملك والفساد.

[موسيقى]

ومن ضحايا الانتقام في نظام الجرائم المعلوماتية، مشهور السناب منصور الرقيبة. طبعًا الرقيبة له شعبية عالية ومتابعين بالملايين، يعني باختصار كان نجم نجوم السوشيال ميديا. تم اعتقاله في 2022 وصدر عليه حكم بالسجن 27 سنة بسبب مقطع فيديو تسجل بالسر عليه، ويقال إنه انتقد رؤية 2030. واللي سجل هذا الفيديو صديق له عشان يبتزه، طلب منه 500 ألف ريال لحذفه، لكن منصور رفض.

"رحت في الشارع ومر يطلع لي جواله وأناظر. ولو شناظر؟ ولو سجل لي مقطع؟ سجل لي مقطع وأنا أقول كلام ما ينقال. مو بكلامي عيب بديني ولا كلامي عيبًا بذا. كلام يقال في المجالس الخاصة ما يقال العام".

فقال لي: "أبي 500 ألف، أو أبُحط المقطع هذا بتويتر الساعة 12 بالليل".

[موسيقى]

وفي فبراير 2025، الحكومة السعودية أفرجت عنه بعد احتجازه حوالي ثلاث سنوات، واللي تعرض فيها للتعذيب وأصيب بسببها بفشل كلوي ومرض السكر والاكتئاب. يعني في السعودية الجديدة اليوم، أي أحد ممكن ينبش عليك تغريدة قديمة وتروح فيها. للأسف، صار الأسلوب هذا يمارسه كثير من "الوطنجية" حتى ضد بعضهم. ثم يجيك واحد ويقول لك: "أمن وأمان". والحقيقة إن المواطن يخاف يفتح فمه في مملكة الصمت، ويحسب إن الأمن والأمان يعني إن الدولة تحميه من الصواريخ أو إنه ما ينسرق بيته. طيب، وين الأمان؟ وهو إذا اشتكى أو عبر عن رأيه، يداهمون بيته ويعتقلونه كأنه مجرم حرب. وين أمان العائلة؟ إذا انخطف واحد منهم، ينحرم من أسرته عشان تغريدة. وين الأمن والأمان في مجتمع انكسرت فيه الثقة بين الناس؟

للأسف، القمع وتكميم الأفواه ما يحقق تماسك ولا يحفظ النسيج الاجتماعي. بالعكس، نتيجة الكبت يعني كل القهر هذا يختزن في الداخل زي قدر الضغط مليان ببخار. مع الوقت وحبس الضغط، ينفجر. وشفنا الدليل في تونس ومصر وليبيا واليمن، كلها بلدان قمعية ومع تفقيرها وكبتها، كان انفجارها خطير وغير تاريخها.

مؤخرًا، أعلن مركز اعتدال بأنه كشف عن رسائل مليونية تم رصدها وتحليلها خلال ثلاثة أشهر تهدف إلى التحريض وتقويض الأمن والاستقرار في المملكة. فنشر إنه 66% من الرسائل التي رصدها على مدار 90 يوم هي رسائل متطرفة، محتواها تحريضي ودعائي للعنف. والتحليلي يقول إن الرسائل ما هي مجرد خطاب منفرد، بل شبكة متداخلة تتكامل رسائلها في دفع الأفراد لدوائر العنف والكراهية، وأن هدفها هو إثارة العاطفة واستهداف المؤسسات وتقويض الأمن والاستقرار وإضعاف الاقتصاد، وبناء رواية مشوهة تعيد صياغة الواقع من منظور مظل.

اللي يقرأ مثل ذا الأخبار يعتقد إن الشعب السعودي إرهابي، أو إنه القانون فيه مشكلة. وما نستغرب لو قلنا لكم إنه المركز ما يعمل باستقلالية، بل يخدم أجندات الحكومة وينتقم من مواطنين على ممارسات طبيعية لحقهم في التعبير السلمي.

قال فيليب لوثر، مدير البحوث والمناصرة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بمنظمة العفو الدولية، في تعليق على حكم الإعدام لمحمد بن ناصر الغامدي بسبب تغريداته: "أنفقت السلطات السعودية مليارات الدولارات لمحاولة تجميل صورتها، لكن لا شيء يمكن أن يخفي مدى القمع الذي وصلت إليه البلاد. من المستحيل تصديق أن السلطات جادة في الإصلاح بينما تستمر في تنفيذ أحكام الإعدام في انتهاك واضح للقانون الدولي، بما في ذلك إعدام الجانحين الأطفال وأشخاص أُدينوا بعد محاكمات صورية فقط لمعارضتهم الحكومة".

والسمعة هذه انتشرت عن السعودية لدرجة إنه كثير من وزارات الخارجية ووكالات السفر سارت تحذر مواطنيها عند السفر للسعودية، لأنها قد تعتقل الناس بناءً على نشاطهم على وسائل التواصل الاجتماعي. مثلًا، في تحذير واضح ومباشر من وزارة الخارجية الأمريكية لمواطنيها بأنه تم اعتقال عدد من الأمريكيين بسبب نشاطهم على وسائل التواصل. وفي نص التحذير جاء كلام خطير ومباشر: "إن الحكومة السعودية قد تعتقل الناس حسب ما تراه مسيئًا في وسائل التواصل الاجتماعي، حتى ولو كان أثناء وجودهم خارج السعودية. وقد يشمل ذلك النشر، إعادة النشر، أو الإعجاب بتعليقات تنتقد السعودية". وذكر التحذير أن الشخص اللي يتم اعتقاله بسبب المنشورات يحاكم بقانون الجرائم المعلوماتية والإرهاب، قد تصل العقوبات إلى أحكام بالسجن 45 سنة، ولا تهتم المحكمة بتاريخ نشر المنشورات أو الموقع اللي تم النشر منه عند النظر في هذه القضايا.

إذا كانت هالسمعة المخيفة انتشرت عن المملكة، فكيف تتوقع إنها راح تكون واجهة سياحية أو جذابة للاستثمار الأجنبي؟

في 26 سبتمبر 2025، علق "أتسوكو" في تويتر، شاذ أمريكي كوميدي من أصول آسيوية، رفض العقد اللي أرسلته له هيئة الترفيه للمشاركة بموسم الرياض. ونشر العقد في حسابه في تويتر وعلق على الرفض للطلب وقال: "الفلوس تجي من ولي العهد اللي نفذ حكم الإعدام على الصحفيين والمدونين دون محاكمات عادلة". لكن خلّيكم من كلامه الحين. ما تلاحظون إنه جايبين شاذ؟ ليش محمد بن سلمان وتركي آل الشيخ حريصين إنهم يجيبون كل ساقط وشاذ لبلدنا؟ هل هذا يعكس أسلوب حياتهم وكل الشلة اللي معاهم؟ ما أستغرب، خاصة بعد ما شفنا صور تركي آل الشيخ وهو يبوس ويحضن اللي حوله في صور غريبة جدًا.

الغريب إن الاعتقالات بسبب التغريدات والإصرار عليها، رغم كل الفضائح والضغوط والخسائر اللي ذكرناها، سواء اجتماعيًا أو سياسيًا أو سياحيًا أو حتى اقتصاديًا، مثيرة للتساؤل، خصوصًا إنها تتنافى مع قوانين المملكة ودستورها. وهذا اللي يخلينا نتساءل كثير: الحكومة ش تطبق بالضبط؟

تعالوا نشوف أنظمة المملكة في قضية التعبير عن الرأي. النظام الأساسي للحكم بالمرسوم الملكي رقم 90 لعام 1412 هجري، المادة الثامنة: "الحكم في المملكة يقوم على العدل والشورى والمساواة وفق الشريعة الإسلامية". وأكيد في ديننا يوجد حرية رأي، وما يحتاج أذكر لكم الشواهد الكثيرة اللي تثبت لنا هالشيء. المادة 26: "تحمي الدولة حقوق الإنسان وفق الشريعة الإسلامية". وأكيد إنه يوجد حرية رأي وفق مفهوم حقوق الإنسان. المادة 39: "تلتزم وسائل الإعلام والنشر وجميع وسائل التعبير بالكلمة الطيبة وأنظمة الدولة وتسهم في تثقيف الأمة، ويحظر ما يؤدي إلى الفتنة أو الانقسام أو يمس أمن الدولة وعلاقاتها العامة أو يسيء إلى كرامة الإنسان وحقوقه". لكن تبقى جملة "ما يمس أمن الدولة وعلاقاتها" هو أساس المشكلة.

وفي أنظمة أخرى تكفل حرية التعبير، زي عندنا نظام المطبوعات والنشر، ينص في مادته الثامنة على أن: "حرية التعبير عن الرأي مكفولة بمختلف وسائل النشر في نطاق الأحكام الشرعية والنظامية". وكمان عندنا رؤية السعودية 2030 والإصلاحات الأخيرة، تعزيز قنوات التواصل بين الجهات الحكومية والمواطنين، كما تسعى الحكومة من خلال ذلك لسماع آراء الجميع وتحفيز الجهات الحكومية على تلبية احتياج كل فرد. وهذا يعني ضرورة وجود سقف من الحرية يقدر المواطن من خلاله على النقد والتعبير.

لكن الدولة ما تطبق لا قوانينها ولا رؤيتها. اللي قاعد تسويه الدولة اسمه "عنف قانوني". اللي دافع عن قانون مكافحة الإرهاب في السعودية أو الجرائم المعلوماتية، إما إنه ما قرأ، أو إنه جاهل، أو إنه مطبل. تعالوا مثلًا نشوف التهم اللي توجهها النيابة العامة للمغردين وتدرجها تحت قانون الإرهاب: "إثارة وتأجيج الرأي العام"، "تفكيك اللحمة الوطنية"، "الإخلال بالنظام العام"، "تفكيك النسيج الوطني"، "الإساءة للقيم الدينية والوطنية"، "إثارة الفتنة"، "تعطيل النظام العام"، "زعزعة أمن المجتمع وتعريض الوحدة الوطنية للخطر". كلام كثير بمصطلحات رنانة. لو طلبنا من القضاة أو النيابة تفسيرها، راح يتورطون بالشرح. وهذا يتناقض مع أهم مبدأ من مبادئ القانون الدولي وهي أن الجريمة لازم تكون محددة وواضحة ولها أركان مادية يمكن إثباتها.

ومعظم الأحكام هذه تتعلق بتغريدة يمكن ما قرأها أحد ولا أججت ولا أثارت ولا فككت ولا أخلت. مثال عليها نقد وزارة أو منشأة، وحتى مطعم شاورما. القوانين العادلة والمعتبرة عالميًا هي المرتبطة بحجم الجرم واللي ما تنتهك الإنسانية. ما هو معقول إنك تحبس إنسان مؤبد مثلًا لأنه انتقد تركي آل الشيخ، أو تقص رأسه بسبب تغريدة وتقول هذا قانون. وقس على ذلك من سُجنوا عندنا وأُعدموا بسبب تغريدات. وأكبر مثال عليهم الصحفي السعودي تركي الجاسر اللي تم إعدامه بعد سنوات من سجنه بسبب تغريدات. قتله أثار احتجاج واستهجان كبير في الصحف الأجنبية.

وبشكل عام، الهدف من وجود القانون ما هو الانتقام بين الناس وتدمير حياتهم، بل تحقيق العدالة والمساواة. لكن اللي يطبق عندنا ما هو القانون، هذا إرهاب. والمجتمعات في تطورها القانوني عدلت وغيرت حتى وصلت للصيغ المقبولة للقانون. أما إنهم يحاكمون الناس على تغريدات بدون أركان مادية للجرم ولا أدلة، هذه مهزلة.

المشكلة العويصة في نظام مكافحة الإرهاب ونظام الجرائم المعلوماتية إن ما فيها توصيفات واضحة للجرم ولا تثبت أصلًا. معظم التهم اللي فيها زي "تفكيك" و"تأجيج" كلها مصطلحات لغة عربية وعلم اجتماع صعب إسقاطها على القانون. مثلًا، "تأليب الرأي العام". وش هو الرأي العام؟ وكيف تقدر النيابة تقيسه؟ كيف تحكم بالتأليب؟ وش هي مظاهره؟ لما تجي عند مغرد عدد متابعينه قليل، كلهم أهله ومعارفه وما عنده أصلًا مشاهدات، تتهمه بتأجيج الرأي العام، هنا يصير الموضوع مضحك وعجيب. زي محمد بن ناصر الغامدي المحكوم عليه بالإعدام بسبب تغريدات على تويتر. ما كان عنده عدد كبير من المتابعين حسب تقارير لمنظمة هيومان رايتس ووتش، كان عنده حساب قديم فيه اثنين متابعين وحساب جديد فيه ثمانية متابعين. يعني تغريداته لا هي مؤثرة ولا أحد يشوفها. المشكلة إنه ما أحد فينا يعرف ش المحظورات أو الخطوط الحمراء للتعبير. يعني مثلًا، ممكن تنتقد مظاهر معينة أو قرار معين، فجأة تصير بنظر الحكومة إرهابي واجب سجنك أو قتلك. طيب ليش ما نكون شفافين؟ مو من حق المواطن إنه يفهم السلوك المجرم ويعرف الحدود حتى ما يتجاوزها؟

خلونا نشوف نصوص مادة الجرائم المعلوماتية اللي انسجم نص الشعب. النص القانوني: المادة السادسة من نظام الجرائم المعلوماتية: "يعاقب بالسجن مدة لا تزيد على خمس سنوات وغرامة لا تتجاوز 3 ملايين ريال أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من قام بإنتاج أو إعداد أو إرسال أو تخزين ما من شأنه المساس بالنظام العام أو القيم الدينية أو الآداب العامة أو حرمة الحياة الخاصة عن طريق الشبكات المعلوماتية أو أحد أجهزة الحاسب الآلي". المشكلة هنا إن التفسير القضائي لـ "المساس بالنظام العام" يعني "تأجيج الرأي العام". ولما تقول "تأجيج" هنا يتدخل مزاج النيابة والقضاء. إذا قرروا يحيلون للمحكمة الجزائية المختصة، هنا مالك إلا تقول: "الله يكفينا شركم"، لأنك راح تتحاسب بنظام مكافحة الإرهاب وتمويله. وهذا النظام عقوبته مشددة لعشرات السنين وممكن توصل لحكم الإعدام. وشفنا هذا الإعدام مع الصحفي تركي الجاسر الله يغفر له.

نفس القانون هذا حسب التفسير القضائي ما يتعرض تركي آل الشيخ، بالرغم من مساسه بالقيم الدينية وإخلاله بالآداب العامة. وتخيلوا بعد كل هذا القمع، يجي وزير الإعلام سلمان الدوسري بكل بجاحة يقول لنا في برنامج "الليوان" مع المديفر إن حرية التعبير في السعودية سقفها مرتفع وأكبر حتى من دول الجوار.

"أنا أعتقد أن الإعلام السعودي سقف الحريات عنده مرتفع مقارنة بوضعنا ومقارنة بالدول التي تحيط منها".

اللي يضحك هنا يا جماعة الخير إن ولي العهد في مقابلته مع فوكس نيوز، لما سألوه عن المواطن المحكوم عليه بالإعدام بسبب تغريدة، اعترف بنفسه بأن قوانين الإرهاب مخجلة وظالمة، وأنها بسبب نظام قمعي قديم، بس ما عنده عدد كافي من القضاة لتغييرها. برغم إننا نعرف إنه كذاب، وكثير من الأحكام هي بطلبه وتوقيعه ورغبته في الاستمرار. واللي يأكد هالشيء إن أحكام الإعدام لا يتم تنفيذها إلا بأمر ملكي، زي ما أنتم شايفين في الصورة.

[video shows a clip of MBS talking about changing laws]

"Later, tracking with his on formerly Twitter. So one is that true and two are you changing that aspect? Yeah, shamely it's true. It's something I don't like. Can't you change that? Arabia we are doing our best to do that. We we already had few laws. We change tens of laws in Saudi Arabia and the list have more than 1000 items and in the cabinet I have only 150 lawyers. So I'm trying to prioritize the change day by day but we are not happy with that. We are ashamed of that."

وحتى نثبت لكم خبث نواياه، نذكركم إن ولي العهد يعتبر المعارضين السلميين "خوارج"، وقد ذكر هالشيء في أحد المقابلات وقال إن الخوارج حكمهم في الشرع هو القتل.

"الرسول صلى الله عليه وسلم تكلم في أحد أحاديثه بأنه يعني يوم من الأيام سوف يخرج من هو يتطرف، إذا خرجوا اقتلوهم".

وأكد على كلامه المسرد سعود القحطاني من معرف كولومبس في أكثر من تغريدة. وأما إذا جينا لقانون مكافحة الإرهاب، راح نلقى نفس المشكلة: قوانين مطاطة وغامضة. ومن هذه المواد: عقوبة كل من يعد أو ينشئ كيانًا إرهابيًا أو يديره أو يشغل فيه منصبًا قياديًا، الحبس 15 إلى 20 سنة. إذا كان الجاني من العسكريين أو سبق وتلقى تدريبًا مع كيان إرهابي، فالعقوبة تكون من 20 إلى 30 سنة. من ينضم أو يشارك في كيان إرهابي، الحبس من ثلاث إلى 20 سنة حسب الحالة. هنا يجي السؤال: ش هي الكيانات الإرهابية؟ الدخول في جروب واتساب، تلجرام، كلها ممكن تعتبر إرهاب لو عضو واحد فيهم تكلم في السياسة أو حتى دعا لواحد من المعتقلين، راح يتم جرهم كلهم. الكلام في الضريبة إرهاب، في الرواتب إرهاب، في البطالة إرهاب، حتى نقد تركي آل الشيخ أصبح إرهاب.

الغريب، رغم إن نصوص مادة مكافحة الإرهاب ما تتضمن القتل إلا لمن قتل أو تسبب في مقتل أحد، إلا إننا نتعجب من كثرة بيانات وزارة الداخلية اللي تحكم بالإعدام بتهمة الإرهاب لناس ما ارتكبوا جرائم قتل. وهنا نتساءل مرة ثانية: الحكومة بالضبط ش قاعد تطبق؟ لا طبقت شريعة ولا طبقت القانون اللي هي نفسها حطته.

طبعًا، الكثير من الهيئات العالمية الحقوقية على اختلافها انتقدت وجود مواد فضفاضة في نظام الجرائم المعلوماتية ونظام مكافحة الإرهاب لأنها تسهل انتهاك الحقوق. وهذا رأي المختصين، وليس رأي المعارضة فقط.

يا جماعة الخير، اللي صاير في السعودية شيء يفوق الوصف والتعبير. القصص كثيرة للمعتقلين بلا تهم حقيقية أو جرائم مستحقة، فقط لأنهم مارسوا حقهم الطبيعي كبشر في مطالبات أو انتقادات لا أكثر. الأسماء اللي ذكرناها بالحلقة مجرد عينة لا تكاد تذكر من أعداد معتقلي الرأي. سكوتنا هو اللي أوصلنا إلى هالمرحلة وجرا الحكومة علينا. وإذا استمرينا في الصمت، ما استبعد أن نكون قريبًا مثل كوريا الشمالية.

أما الحين يا جماعة الخير، سؤال متروك لكم: هل هذه القوانين الوحشية حققت لنا كسعوديين الأمن والأمان؟ وهل حققت أهداف الرؤية المزعومة؟ اتركوا لي إجاباتكم تحت في التعليقات، ولا تنسون اللايك والاشتراك في قناة "يقظة"، وانشروا الحلقة مع أقربائكم وأحبابكم. تقبلوا تحياتي، أنا أخوكم حامد الغامدي من برنامجكم "مكتب".

[موسيقى]