Transcription
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، أحمده، وأستعينه، وأستغفره، وأعوذ بالله من شر نفسي ومن شر كل شيطان يباعدني عن رحمة الله عز وجل. وأصلي وأسلم على نبي الرحمة والهدى، وعلى آله الأطهار وصحابته الأخيار. وبعد. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الملتجئ الرابح، اللاجئ الرابح. في اللغة العربية يقال: لَجَأَ إلى شيء، إلى فلان، أو إلى البحر، أو الجبل، أو المكان، أو إلى أي شيء، لَجَأَ أي لاذ به، احتمى به، واعتصم. كما ورد في القرآن الكريم على لسانه: "سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ". أي سألجأ إلى جبل يعصمني من الماء. قال: "لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ".
ويقال: التَجَأَ ولَجَأَ فلان إلى فلان إنسان، أي استند إليه واعتضد، أي تقوى به وانتصر به. ويقال: ألْجَأَ ألْجَأَ فلانًا إلى كذا، أي أكرهته وأقحمته واضطررتَه، يعني لا خيار له، أكرهته على فعل كذا، أو على قول كذا، أو على لباس كذا، أو على أكل، إلى آخره.
ويقال في الذي يكون نافعًا لكثير من الناس، يجلب لهم الخيرات ويدفع عنهم المضرات: يقال فلان ملجأ القوم، أي إليه يلجؤون لجلب المصالح ودفع المضرات والمفاسد. ويقال في بعض الناس: فلان حسن اللجء إلى الله، أي يتقن ويعرف ويحسن كيف يلتجئ إلى الله. ويقال: فلان ألْجَأَ أمره إلى الله، أي فوضه وأسنده وتعلق به وحده.
والأمر، أي أمر كان، أمر الدين وأمر الدنيا. هذا اللفظ في القرآن الكريم في ثلاثة مواضع. الأول في سورة التوبة، يقول الله عز وجل في المشركين والمنافقين الذين يرغبون عن المشاركة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجهاد: "لَوْ يَجِدُونَ لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً جَبَلًا أَوْ قَصْرًا أَوْ حِصْنًا". لو يجدون ملجأ، أو مغارات كهوف يختفون فيها، يتخصون فيها، أو مدخلاً ولو ثقب في الأرض كبيرة يسمح لهم بالاختفاء فيها. "لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ". لولوا على أعقابهم إليه وهم يجمحون، جماح كما تجمح الخيل.
والموضع الثاني في قوله في التوبة أيضًا، قوله عز وجل في الثلاثة الذين خلفوا حينما ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وخافوا على أنفسهم الهلاك، لأن حال المنافقين انكشف، وهم أُرْجِئَ أمرهم إلى الله: "وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ". فلما طال عليهم الأمد، مادوا في انتظار الفرج والتوبة، ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وظنوا، هكذا يقول الله: "ظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ". لا مفر ولا مهرب ولا ملجأ ولا منجا. فصدقوا الخشية وصدقوا التوبة، وكان الله عز وجل أراد بهم خيرًا، ثم تاب عليهم ليتوبوا، إن الله هو التواب الرحيم.
والموضع الثالث في سورة الشورى، يقول الله عز وجل يوم القيامة للعصاة الفاسقين والمجرمين والكفار الذين خالفوا أمر الأنبياء جميعًا: "مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَأٍ يَوْمَئِذٍ". يعني النار أمامكم، لا مفر منها. "مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَأٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ".
هذه المواضع التي ورد فيها كلمة "لجأ" أو "التجأ". ومعلوم أمر مسلم، أن كل مخلوق، كل مخلوق، الكلية المطلقة غير المقيدة، كل مخلوق مفتقر، محتاج، مضطر. كلنا، كل مخلوق، الإنسان والحيوان والنبات والحشرات والأسماك، كل ذلك مضطر، مضطرة إلى تدبير الله عز وجل. نحن مضطرون إلى النفس الشاهق والزفير، مضطرون إلى الماء، مضطرون إلى الطاعة، مضطرون إلى الشمس، مضطرون إلى الدواء، مضطرون إلى الربح في التجارة، مضطرون إلى البركة في الأعمال، مضطرون إلى النجاة من الظالمين، مضطرون إلى كل خير في هذه الدنيا وفي الآخرة. مضطرون إليه.
ولا يمكن ولا يتصور أن يحقق الإنسان كل ما يرجو من تلقاء نفسه دون منح من الله، دون أن يمنحه الله، ودون أن يوفقه الله، ودون أن يأذن له الله. مستحيل. وقد خلق الله عز وجل الخلق كذلك، خلقهم مفتقرين، خلقهم ليحتاجوه، خلقهم ليضطروا إليه، خلقهم ليؤوبوا إليه، خلقهم ليتعوذوا به، خلقهم ليتحصنوا به، خلقهم ليلتجئوا إليه لا إلى غيره. لماذا؟ هذه حكمة الله. ولو خلقهم أغنياء، لدعوا الألوهية ولادعوا الربوبية. وقد فعل البعض، كما في سورة العلق: "كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَىٰ". حينما يحسب أنه استغنى عن الله عز وجل، فإنه يشتد طغيانه ويزداد كبرياؤه وعرفته.
خلق الله الخلق فقراء محتاجين، وأخبرهم سبحانه وتعالى بأنه ضامن لهم جميعًا، كافة المخلوقات من أولها إلى آخرها، بكل ما يحتاجه كل مخلوق. كل مخلوق وما يحتاج. أخبرهم بأنه ضمن لهم من يوم خلقهم، أو من يوم خلقهم، إلى يوم وفاتهم. أخبرهم بأنه سبحانه ضمن لهم كل ما يحتاجون إليه. فقال عز وجل: "أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ". أي لا أحد غير الله عز وجل. ثم قال عز وجل: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ".
والتاريخ، تاريخ المخلوقات كلها، قبل آدم إلى يومنا هذا وإلى يوم القيامة، تاريخ يشهد بأن الله عز وجل قد وفى، وفى بكل ما وعد للمخلوقات، بل وفاءً وفاءً كريمًا، وفاءً يليق به بجلاله وعزته. قد يكون هناك بعض صور الوفاء، ولكن ليست كوفاء الله عز وجل. منذ خلق الخلق وإلى يوم القيامة، وبذلك الوفاء لما وعد به لكل مخلوقاته، بذلك أقام سبحانه الحجة على المحتاجين الذين يلتجئون إلى غيره تعالى. أقام عليهم الحجة. أخبرهم بأنه يضمن لهم كل شيء متى شاؤوا ومتى طلبوا. ليس هناك شيء يعجزه، وليس هناك شيء لا يبقى وافيًا وكافيًا. أخبرهم بأنه يقضي كل حاجاتهم في كل الأوقات، كيفما أنت. ومع ذلك، يلتجئ بعض المخلوقين إلى غير الله عز وجل، يلتمسون منه جلب الخير أو دفع الضر، وقد علم أن الله عز وجل كفيل بكل شيء، وأخبره في الكتاب وأخبره في السنة.
فقد أخبر سبحانه أن جميع المخلوقات مفتقرة إليه سبحانه وتعالى. وما علم على مدى التاريخ، ما علم الناس أن العلم يُسند إلى الإنس، وأحيانًا إلى بعض الجن. ما علم الناس مطلقًا منذ آدم عليه الصلاة والسلام، ما علموا ولا رأوا الالتجاء لغير إلا من الإنس والجن. ليس هناك حجة ولا برهان ولا دليل يثبت أن المخلوقات يلتجئ بعضها إلى بعض في طلب المنافع، أو طلب الأرزاق، أو طلب الحماية. كل المخلوقات تلتجئ إلى الله. إلا الإنسان، منه من يلتجئ إلى غير الله عز وجل، مخطئًا، جاهلاً، أو متنكرًا، أو معاندًا، إلى آخره.
هؤلاء الناس الذين قال الله عز وجل فيهم: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ". في موضوع اللجوء والاضطرار والتوجه والتعلق بالله عز وجل، ينقسمون إلى ثلاثة أقسام.
منهم الملتجئ المستند، الملتجئ والمستند والمعتصم والمعتضد بالخلق، بالبشر، أو بالملائكة، أو بالجن، أو بالأرض، أو بالسماء، أو بشيء من مخلوقات الله عز وجل، كيفما كان، لكن بنية أن الله يسخر له ذلك المخلوق. فهذا جائز، لا يعاقب عليه ولا يذم به، لأنه يتوجه إلى الله يقول: يا رب، سخر لي الريح، سخر لي الشجر، سخر لي الظل، سخر لي البحر، سخر لي فلان الفلاني، سخر لي الجن الفلاني، سخر أي مخلوق، لأن سلطان الله عز وجل مهيمن على كل المخلوقات. والمؤمن الذكي، الكيس الفاطن، يتوسل إلى الله، يطلب الله عز وجل أن يسخر له بسلطانه وقدرته ما طلب منه سبحانه. هذا جائز شرعًا.
والصنف الثاني: منهم من يسلم نفسه وقصده ونيته كليًا للمخلوق. لا يستحضر عظمة الله ولا جلاله ولا غناه ولا قدرته ولا وعوده ولا كماله. لا يستحضر شيئًا من ذلك. لا يظهر أمامه الالتجاء إلى المخلوق، ويعتقد أنه هو الذي سيوفي له، سيجلب له المصالح ويدفع عنه المضرات. وهذا اللاجئ أو الملتجئ هو المغبون، هو المحروم، هو النادم. وإن حصل له شيء من مطلوبه، لأنه حصل له على غير العقيدة السليمة. حصل له وهو يظن أن فلان الفلاني هو الذي أعطاه، هو الذي منع عنه الضر، هو الذي نصره، هو الذي أطعمه، هو الذي ألبسه، هو الذي علمه، هو الذي نجحه، هو الذي وظفه. وهذا شرك وظلم لله عز وجل وكفر ظاهر صريح. من يقول: إن فلان هو الذي أطعمَني، والله عز وجل يقول: "هُوَ الَّذِي يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ". وإبراهيم عليه الصلاة والسلام يقول: "وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ". وليس الضريح الفلاني أو الولي الفلاني أو الطبيب الفلاني. نعم، هي أسباب أمرنا الله عز وجل أن نحسنها ونتوسل بها، ولكن الذي بيده قضاء الحاجات أو تأجيلها أو تأخرها هو وحده سبحانه وتعالى.
إذا هذا الملتجئ الذي لا يستحضر عظمة الله ولا يستحضر إلا المخلوق وينسب إليه القدرة على الضر والنفع، هذا مشرك كافر. ولذلك، ولو حصل له على يد الشياطين وعلى يد المشركين والكفار، فذلك لا بركة فيه ولا خير فيه ولا فائدة فيه، ولا ينفعه، بل يغضب الله عليه، وسيحرمه من منحه يوم القيامة، وسيكون نادمًا أشد الندامة.
وهناك صنف ثالث: وهو اللاجئ الملتجئ في كل حاجاته إلى ربه وخالقه وحده. كيفما كانت الحاجات، كيفما كان الاضطرار، كيفما كانت الرغبات في الدين، في الدنيا. سواء كان الضرر على يد البشر أو على يد المخلوقات الأخرى، سواء كان من أي وجه، لا يلتجئ إلا إلى الله. لا يلتجئ إلا إلى الله. وهذا وارد في الحديث: "الذين سبعون ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب". هذا النوع هو الذي يستحق أن يوصف بأنه اللاجئ الرابح، الفائز، الناجي. الرابح أن الله يحقق له ما طلب. الفائز فاز برضا الله عز وجل حينما وحده في طرف وتوجه إليه. الناجي من غضب الله عز وجل ومقته في الدنيا والآخرة، لأنه لا يمد يديه إلا إلى الله، ولا يقلب وجهه إلا إليه سبحانه وتعالى، ولا يخطر بقلبه سواه. لأنه يعلم قول الله عز وجل: "أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ". ويعلم قول الله عز وجل: "وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ".
أما الملجأ إليه من المخلوقات، ملائكة وإنس وجن وحيوانات ونباتات وجبال وأراض ورياح، وما من مخلوق الله عز وجل المعول عليهم عند البعض في قضاء الحاجات ودفع البليات، وخاصة الإنسان. فأحوالهم أما غير الإنسان، فإنه يتبرأ، يتبرأ إلى الله عز وجل. إذا تعلق بشر بالرياح أو بالسحب أو بالبحر أو بالجبال أو بالشجر أو بأي مخلوق، فإنها تتبرأ منه وتشكو إلى الله وتقول له: يا عبد الله، نحن مخلوقون مثلك، ونحن عاجزون مثلك، ولا نملك لك ضرًا ولا نفعًا. فالتجئ إلى الذي خلقنا وخلقك.
أما الإنسان الذي يلتجئ إليه ويعول عليه في دفع البليات، فأحوالهم مختلفة متنوعة. منهم العالم، ومنهم الجاهل، ومنهم الغني، ومنهم الفقير، ومنهم الحاكم العادل، ومنهم الحاكم الجائر الظالم، ومنهم الفاسق، ومنهم الطائع، ومنهم العاصي. يلتجئ إليهم في مختلف الحاجات. ومنهم أيضًا من يبخل، ومنهم من يتغيب، ومنهم من ينسى، ومنهم من ينام، ومنهم من يرفض أن يستقبلك، ومنهم من يهددك وينذرك إذا طلبت عليه الباب، وإذا أكثرت عليه من طرق الباب، فإنه يسامك ويتجرأ. ومن صفات النقص الكثيرة التي لا تحصى في الملجأ إليهم من الإنسان.
فكيف يترك الناس التوجه إلى أبواب المنح المرضية المحققة الدائمة عند الله عز وجل، ويتعلقون بالعاجز والبخيل والنائم والناس والغائب والمكره والخائف؟ إنها ضبابية الإيمان بالغيب. هنا المشكلة. الإيمان بالغيب لا يصفو إلا عند القليل. لذلك قدمه الله عز وجل في أول صفات المتقين في "الم * ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ". وصفات المتقين متعددة. وانظر أيها العبد حكمة من تقديم هذه الصفة، كأنها هي أم الصفات، أو هي الأهم الأساس لما سيَرِد عليه من الأوامر والنواهي. كأن الله عز وجل يقول: من لم يحسن إيمانه بالغيب، فلن يحسن الاستجابة للأوامر والنواهي. سوف لا يحسن التعامل مع الناس. سوف لا يحسن العلاقة مع البشر. لا يعرف كيف يوحد الله عز وجل ولا يقدسه ولا ينزله. لا يعرف.
إنها ضبابية في الإيمان بالغيب وفي معرفة صفات الله عز وجل. ذلك هو الفارق الوحيد بين العبد الموحد الملتجئ إلى ربه وحده، والعبد المشرك الملتجئ، المحتمي، المتعلق ببيوت العنكبوت. أسأل الله عز وجل لي ولكم معرفة صفات الله، وصفاء الإيمان بالغيب، وتوحيد الله في كل رجاء. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.