Transcription
بسم الله الرحمن الرحيم.
اعزائي الطلبه، السلام عليكم ورحمه الله تعالى وبركاته. نحن اليوم مجددا نلتقي في الجزء الثاني من المحاضره الاولى المرتبطه بسياسه الدفاع: المقاربات والمفاهيم. قد تناولنا في الجزء الاول تمهيدا عاما حول مفهوم سياسه الدفاع، ثم تناولنا كذلك ما يعرف بالسياق التاريخي الذي عرفه تطور مفهوم الدفاع. اذا، من خلال هذه المحاضره في جزئيتين، سنعرج الى فهم المقاربات المفاهيميه لسياسه الدفاع الوطني.
اذا، في هذا الجزء الثاني، كما قلت، سنحاول التطرق للمقاربات المفاهيميه لسياسه الدفاع بصوره اوسع. لا سيما اولا ما تعلق بالبعد العسكري في سياسه الدفاع، وكذلك البعد الاستراتيجي، والبعد العملياتي، وصولا الى البعد المفاهيمي الاوسع في سياسه الدفاع. اي نصل الى ان البعد الاوسع لسياسه الدفاع تجاوزت الابعاد الاساسيه التي كانت قائمه في علم السياسه، ليضاف لها ما تعلق بمفهوم الدفاع الاقتصادي، والدفاع البراني، والدفاع، يعني، الهوياتي وكذلك الثقافي. اي اصبح هذا المفهوم ليس مرتبطا كذلك فقط بالمجال الجغرافي للدوله، بل يتمدد حسب مقتضيات تحقيق الامن القومي للدوله، اي داخل الوطن وخارج الحدود الوطنيه للدوله.
اما فيما يخص المقاربات المفاهيميه لسياسه الدفاع، فيمكن القول ان التجارب التي يمر بها المجتمع الدولي اثبتت ان منطق توظيف القوه العسكريه في العلاقات الدوليه لا يزال يمثل مرتكزا اساسيا في التاثير على الساحه السياسيه الدوليه. واذا سلمنا بهذا المنطق الواقعي، فهو يشكل دافعا مركزيا للدول كي تهتم بتطوير واصلاح دفاعاتها الوطنيه وقواتها العسكريه، حتى تصل الى تحقيق مستويات عليا في ضمان معادله الدفاع الوطني. ومن ثم يتسنى لها القدره على مجابهه التهديدات الامنيه التي تعترضها.
كما ان سياسه الدفاع ترتكز على الخطط التي تضعها الدوله بهدف تنظيم وتنفيذ منظومه الاجراءات السياسيه، والعسكريه، والاجتماعيه، والقانونيه التي توجه انفا لمواجهه التهديدات الخارجيه التي تستهدف اولا سيادتها، وتستهدف وحدتها الترابيه، وكذلك امن واستقرار الداخلي للوطن، وكذلك التهديدات التي تستهدف مواردها وامكاناتها.
ال كذلك سنتناول عنصر البعد العسكري في سياسه الدفاع، الذي يدخل ضمن المقاربات المفاهيميه لسياسه الدفاع الوطني. وهنا يمكن القول ان البعد العسكري لسياسه الدفاع يهدف الى تحقيق اهداف قريبه او طويله المدى في الزمان والمكان، بحيث يضفي البعد الزماني والمكاني للهدف المرسوم نوعا من الثبات والتوازن للاجراءات العسكريه التي تتخذ لتحقيق هذه الغايات المرجوه.
كما ان هناك مجموعه من الركائز التي تبنى عليها فعاليه السياسه العسكريه، يمكن حصرها في الاهداف المبرمجه بغيه تحقيقها، بالاعتماد على توفر الامكانات اللوجستيه المتيسره، وكذلك تحديد طبيعه الخصم المعادي. اذا، البعد العسكري في السياسه الدفاعيه قائم على مجمل البرامج وميزانيه الدفاع المسطره في اطار السياسه العامه للدوله، بغيه بناء وتدريب وتحضير القوات المسلحه، بهدف تجهيزها لتحقيق مهماتها الوطنيه التي تحددها لها القياده السياسيه والعسكريه انفا.
كما يتم تنفيذ السياسه الدفاعيه في بعدها العسكري من خلال البناء الاستراتيجي العسكري الذي يرتكز على اولا الموارد، وكذلك على مجمل العمليات المسطره لتحقيق او ضمان او الحفاظ على الامن والاستقرار الخاص بالدوله.
اما فيما يخص البعد الاستراتيجي في سياسه الدفاع، فهو يمثل جزءا محوريا في رسم وبناء سياسه الدفاع، كونه يعبر عن التصورات الاستراتيجيه لمسائل الدفاع الوطني، لا سيما في خضم المتغيرات الامنيه الجديده وتطوراتها المتلاحقه، التي دفعت بتجاوز الظاهره الامنيه مسافات الاستقرار من الداخل الحدود الوطن الى دول الجوار، خاصه التهديدات المنبعثه من تلك الدول التي تعاني هشاشه امنيه ضعيفه على مختلف المستويات، وتحولت الى دول فاشله او دول غير مستقره تحتضن فواعل تشكل مصادر للتهديد نحو العمق الاستراتيجي الوطني للدوله.
اما فيما يخص البعد الثاني المتمثل في البعد العملياتي في سياسه الدفاع، هنا يمكن كذلك القول ان سياسه الدفاع في جانبها العملياتي او بعدها العملياتي هي مرتبطه بتنفيذ برامج التحضير والجاهزيه القتاليه للافراد تحت كل الظروف، وتختص بذلك او بهذه المهمه الهياكل التابعه للقياده العسكريه التي توكل لها مهام اولا عمليات التدريب والتجهيز، اي الجاهزيه القتاليه للافراد، اعتمادا على التخطيط الدفاعي الموجه لكل قطاعات القوات العسكريه التي يمكن ان نحددها في القوات الجويه، والقوات البريه، والبحريه، فضلا عن منظومه الاستخبارات المشكله في دوائر الامن والاستعلامات.
اذا، الجانب العملياتي في سياسه الدفاع يعبر عن جزئيه من المعنى الاوسع لسياسه الدفاع، كونه مرتبط بالمضمون التقني التنفيذي الذي يتعلق بالجاهزيه الدفاعيه للقوات، اي الجاهزيه تحسبا لاي اشتباك في الحرب، او الجاهزيه تحسبا لمقتضيات تحقيق مقتضيات الدفاع، والقدره على توظيف اساليب اداره الاشتباك لصد القوات.
اذا، السياسه الدفاعيه كذلك في شقها العملياتي تعتمد على القدره على تفادي الهجومات العدائيه، والسيطره على المجال الجغرافي، او التحكم في سياده المجال الجغرافي، كذلك كبح تقدم العدو والاشتباك معه ليحول دون دخوله للمجال الاقليمي للدوله المدافعه. وبهذا المعنى يستند مفهوم الدفاع على جاهزيه القوات المسلحه، ودقه العمليات القتاليه الدفاعيه عند تحرك الطرف العدائي. فاسلوب الدفاع يكون وفقا للانتظار الاستراتيجي الذي يقوم على التخطيط الدفاعي، وتحضير جاهزيه القوات المسلحه للاشتباك، كذلك بالاعتماد على الجانب اللوجستيكي، وقوات الدعم، ونظم الاستخبارات والاستطلاعات والمراقبه، وتحضير مسرح المواجهه.
اذا، الشق العملياتي في السياسه الدفاعيه هو احد الابعاد الرئيسيه في تحقيق مقتضيات الامن الخاص بالدوله.
اما فيما يخص البعد المفاهيمي الاوسع او الاشمل في سياسه الدفاع، ف هنا يمكن القول ان السياسه الدفاعيه هي مراه للسياسه العامه للدوله، تعكس قدرتها على تامين نفسها ضد التهديدات الامنيه المتعدده، سواء على المستوى الداخلي او على المستوى الخارجي، اي المحيط الجغرافي لدول الجوار الاقليمي. وتعتبر الجوانب الاساسيه التي تشملها السياسه الدفاعيه في بعدها المفاهيمي الاوسع هي اولا الجانب السياسي والعسكري، كذلك الجانب الاقتصادي، الدبلوماسي، وكذلك الجانب الهوياتي، يعني الثقافي، بما فيه الثقافي والمجال الاقليمي للجوار الجغرافي للدوله.
واذا سلمنا بهذا المنطلق، يتضح لنا جليا ان السياسه الدفاعيه تتجاوز المعنى التقليدي للحدود الجغرافيه للدوله، وادوات التاثير السياسي، عفوا، تتمدد بشكل طردي مع تمدد الخريطه الاستراتيجيه للدوله، والتي تنبثق منها، اي مصادر التهديد المحتمله. ويمكن ان تكون هذه مصادر التهديد ليس بالضروره ان تكون فقط داخل الحدود الوطنيه، وانما تشمل كذلك فواعل التهديد وبؤر التوتر المنبثقه من الفضاء الاستراتيجي للجوار الاقليمي للدوله. بالتالي، لا يمكن للقياده استفاء شروط السياسه الدفاعيه للدوله بدون اخذ مجمل هذه العناصر التي تحدثنا عليها كسياسه عامه للدوله.