Transcription
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته يا مرحبا وأهلًا وسهلًا. الله سبحانه وتعالى له نوعان من أنواع المشيئة، نوعان من أنواع الإرادة، ونوعان من أنواع الكلام، ونوعان من أنواع العلم. فليس مثل المخلوقين الذين كلامهم نوع واحد، وإرادتهم نوع واحد، وعلمهم نوع واحد. وهو مخالف للمخلوقات، فعلمه قسمان: قسم يسمى علم الشرع، وقسم يسمى علم القدر. فعلم القدر أخفاه الله عنا، ولم يكلفنا به، وهو الذي قدر به كل ما هو كائن. فقدر أن قومًا خلقهم للجنة، وقومًا خلقهم للنار بقدرة، كما أنه قدر أصلًا وجود الجنة والنار، وقدر وجود المرض والموت والشرور، الحياة والموت وغير ذلك. هذه أقدار الله لا اعتراض عليها، بما هي به التي بها التيف.
القسم الثاني هو العلم الذي يسمى بالشرع، وهذا الذي كلفنا به. فالشرع هو الذي يتعلق به الثواب والعقاب، والقدر لا يتعلق به الثواب ولا العقاب. فمن هداه الله فبفضله، ومن أضلّه فبعدله، لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون. فلذلك إذا ظلّ العبد معناه أنه خالف شرع الله، ومن خالف شرع الله يستحق العقوبة. وإذا اهتدى فمعناه أنه وافق شرع الله، ومن وافق شرع الله فله الجزاء الأوفى. أما ما يتعلق بالقدر، فالله سبحانه وتعالى يقدر الهداية والاستقامة لمن يشاء، ويقدر الضلالة والغواية على من يشاء، وذلك بعلم آخر ليس علمًا، ليس العلم الذي يترتب عليه الثواب والعقاب.
وكذلك له إرادتان: إرادة تشريعية وإرادة تكوينية. فالإرادة التشريعية هي الموافقة للأمر، على أنه إذا أراد شيئًا تشريعًا معناه أمر به. والإرادة التكوينية معناه هي الموافقة للمشيئة، وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين. ولذلك أفعال العباد فيما يتعلق بالمشيئة بتعلق المشيئات أربع أقسام: القسم الأول: ما تعلقت به الإرادتان معًا، كالاعمال الصالحة من رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن كل الصالحين. هذه أرادها الله إرادة تشريعية لأنه أمر بها، وأرادها إرادة تكوينية لأنها وقعت.
والقسم الثاني: ما لم تتعلق به واحدة من الإرادتين، كأعمال سيئة من رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن الأنبياء. هذه ليست موجودة، فلم يردها الله إرادة تشريعية لأنه لا يأمر بالفحشاء، ولم يردها إرادة تكوينية لأنها لم تقع. والقسم الثالث: ما تعلقت به الإرادة التشريعية دون التكوينية، كأعمال أبي جهل وأبي لهب وإبليس والكفار. هذه الأعمال أرادها الله إرادة تشريعية لأنه أمر بها، ولم يردها إرادة تكوينية لأنها لم تقع. والقسم الرابع: ما تعلقت به الإرادة التكوينية دون التشريعية، كأعمال أبي جهل وأبي لهب والكفار. هذه أرادها الله إرادة تكوينية لأنها وقعت، لكنه لم يردها إرادة تشريعية لأنه لا يأمر بالفحشاء، إن الله لا يأمر بالفحشاء.
وكذلك كلامه، كلماته سبحانه وتعالى تنقسم إلى قسمين: إلى كلمات تشريعية وكلمات تكوينية. فالكلمات التشريعية هي التي ينزلها على أنبيائه ورسله، وهي التي فيها الأوامر والنواهي، وفي هذا التشريع الموجود في الشرائع. والكلمات التكوينية هي أقداره التي يأمر بها، كالخلق والإماتة والإحياء، وهي المذكورة في قول الله تعالى: {إنما قولنا لشيء إذا أردنا أن نقول له كن فيكون}، وفي قوله: {إنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون}. الكلمات التشريعية يقف عندها البر ويتعدّاها الفاجر، الكلمات التكوينية لا يتعدّاها بر ولا فاجر. الكلمات التشريعية إذا قال للبر صلّ يصلي، وإذا قال للفاجر صلّ يمتنع، فلذلك يقف عندها البر ويتعدّاها الفاجر. أما الكلمات التكوينية فلا يتعدّاها بر ولا فاجر، فإذا قال للبر مت يموت حالًا، وإذا قال للفاجر مت يموت حالًا، ولا يستطيع واحد منهما أن يتأخر في ذلك. فهذا الفرق بين الكلمات التشريعية والكلمات التكوينية. الكلمات التكوينية لا نهاية لها، قل: لو كان البحر مدادًا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي، وكذلك قال: ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحُر ما نفدت كلمات الله. هذه الكلمات التكوينية وهي التي لا مبدّل لكلماته. أما الكلمات التشريعية فهي التي تمت بالوحي، كما قال الله تعالى: {وتمت كلمات ربك صدقًا وعدلًا}، وكما قال تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا}.
والهداية قسمان: فعلا هداية توفيق، وهداية إرشاد. فهداية الإرشاد معناها تعليم الحق، والإرشاد إليه، وإظهاره، وإقامة الحجة عليه، والدعوة إليه. وهذه أثبت الله تعالى في القرآن القدرة عليها لرسوله الكريم صلى الله عليه وسلم، فقال: {وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم، صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض، إلا إلى الله تصير الأمور}، وأثبتها لثمود فقال: {وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى}. هذه هداية الإرشاد. أما الهداية الثانية فهي هداية التوفيق، وهذه لا يقدر عليها إلا الله، فهو الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء، فمن هدى بفضله، ومن أضلّ بعدله. ولذلك نفى الله تعالى القدرة عليها عن رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم، فقال: {إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء}. وأرجو أن تكون الفكرة قد اتضحت. والله يكرمكم ويحفظكم ويرعاكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.