Transcription
المحاضرة الثالثة سنخصص للتمييز بين مجال الاستشراف والاستشراف الاستراتيجي. أي ما هي الأسئلة التي يجيب عنها الاستشراف، وما هي الأسئلة التي يجيب عنها الاستشراف الاستراتيجي؟ الهدف من هذه المحاضرة هو التمييز بين زاوية الفرد الباحث عن المعرفة النظرية في مجال الاستشراف، كالاكاديمي أو الطالب الباحث أو الأستاذ، وزاوية الفرد الباحث عن المعرفة التطبيقية في مجال الاستشراف، كرجل أعمال أو عسكري أو سياسي أو ناشط اجتماعي. هؤلاء يبحثون عن بناء سيناريوهات لتطبيق سياسات معينة. سنشرح هذه النقطة، ومنها نصل إلى معرفة من هو الفرد الفاعل الاستراتيجي، أي الذي يستطيع أن يتصرف وفق أي تحول للسيناريوهات القادمة. وفي الأخير، سنشرح في هذه المحاضرة الثالثة المواقف المتباينة من الفعل المستقبلي، بمعنى مواقف الأفراد غير القادم، لأن المستقبل هو فعل قادم، بين أن يكونوا سلبيين، هؤلاء الأفراد سواء كانوا فاعلين أو كانوا باحثين، أو يكون في موقع رد الفعل، أو يكون في موقع استباق الفعل، أو في موقع استحداث الفعل، أو في موقع الاستشراف، أو في موقع الاستشراف الاستراتيجي. سنوضح هذه الأمور في محاضرة خاصة.
بدايةً، لمعرفة الفرق بين الاستشراف والاستشراف الاستراتيجي، لابد من الانطلاق من السؤال الذي نطرحه نحن كباحثين: هل نحن بصدد البحث عن ماذا يمكن أن يحدث في المستقبل، أم نحن بصدد البحث عن ماذا يمكنني أن أفعل إذا حدث في المستقبل؟ السؤال الأول له علاقة بالاستشراف بشكل عام، بمعنى أن المستشرف يبحث عن السيناريوهات التي يمكن أن تحدث لظاهرة ما، قطاع ما، منظم ما، سياسة ما، إلى آخره. هذا المستشرف يستخدم أدوات وتقنيات ومنهجيات وأساليب للوصول إلى مجموعة من السيناريوهات: ماذا يمكن أن يحدث؟ بمعنى أنه ليس مطلوباً من المستشرف أن يقول لي ماذا سأفعل إذا حدث. من هو الذي ينبغي أن يقول لي ماذا سأفعل إذا حدث؟ هو المستشرف الاستراتيجي. بمعنى أن مجال الاستشراف الاستراتيجي هو بعد أن يتم وضع السيناريو، نصل إلى مرحلة الخيارات الاستراتيجية: لماذا نختار هذا السيناريو ولا نختار هذا السيناريو؟ وكيف نتعامل مع هذا السيناريو، أو كيف نتعامل مع ذاك السيناريو؟ إذا حدث سيناريو ما، ونحن بحاجة إلى التعاطي، التعامل معه، نكون بصدد القيام بعملية استشراف استراتيجي. نحن في هذه المحاضرات، بطبيعة الحال، سنتكلم عن كليهما، لأننا لا نستطيع أن نفهم الاستشراف الاستراتيجي إذا لم نفهم الاستشراف. بمعنى أننا إذا لم نفهم الأدوات التي نستشرف بها موضوعاً ما، لا يمكننا أن نفهم الأدوات، الأساليب التي نقوم من خلالها بعملية استشراف استراتيجي.
لفهم الموضوع أكثر، ينبغي أن نميز بين زاوية الفرد الباحث عن المعرفة النظرية، الذي يريد أن يعرف جدوى الاستشراف، ماهية الاستشراف، علاقة الاستشراف بالإرادة الإنسانية، بالحريّة، ببناء المؤسسات، أو رسم السياسات، إلى آخره، والذي هو في غالب الأحيان يكون طالب معرفة، سواء كان طالباً أو باحثاً أو مختصاً، يريد أن يطلع على ماهية الاستشراف والاستشراف الاستراتيجي، بمعنى أنه يكتفي بالجانب التنظيري أو تطوير الأدوات. شأنه في ذلك شأن الكثير من الخبراء الذين أصبحوا الآن مختصين في تطوير منهجيات وأدوات الاستشراف والتعليق عليها، تحسينها، ونقدها، إلى آخره. هؤلاء يكونون قد اختصوا في مجال البحث النظري. ويمكن للطالب أن يهتم بهذا برصد كل النظريات، رصد كل المنهجيات، الأدوات، المقارنة بينها، ولما لا يسعى إلى تطويرها أو إلى نقدها واستخلاص أدوات أخرى بديلة عنها؟ هذه زاوية. الزاوية الثانية هي زاوية الفرد الباحث عن المعرفة التطبيقية، يكون مدير مؤسسة اقتصادية، يكون مسؤولاً في قطاع ما، يكون قائداً في مجال معين، يكون مسؤولاً على رسم سياسة معينة، فهذا يبحث عن الأدوات التي تساعده في ذلك، ويسعى إلى التعامل مع التغيير، والتعامل مع التكيف في المستقبل. لذلك هو سيبحث في ماذا سيحدث لمؤسسته أو القطاع أو المنظمة التي ينتمي إليها، ويسعى إلى الإجابة عن سؤال: كيف أتصرّف؟ من الأفراد ينطلق من زاوية الفعل، وهذا يحتاج إلى الاستشراف الاستراتيجي أكثر مما يحتاج إلى الاستشراف. لذلك علينا أن نحدد المنطلق الذي ننطلق منه: هل نحن نبحث عن المعرفة النظرية، أم نحن في موقع آخر نبحث عن المعرفة التطبيقية، ونبحث عن محاولة التكيف مع التغيير، مواجهة التغيير، توجيه التغيير، التحكم في مسألة معينة، إيجاد بدائل لمسارات أخرى، إلى آخره؟ هذا هو الفرق الذي ينبغي أن يكون واضحاً لدينا قبل أي مرحلة أخرى نستفيد منها في هذا المجال.
وبما أننا بصدد تقديم هذا الموضوع، ربما الجديد عليكم، ف الجانب المتعلق بالمعرفة النظرية سياتي بعد أن أتناول الموضوع بتفرعاته في المحاضرات القادمة. ولكن الذي نريد أن ننبه إليه هو أن الأفراد الفاعلين، كيف ينبغي أن يتصرفوا بعد أن يكونوا قد اطّلعوا أو استفادوا من المعرفة النظرية؟ لأننا نريد من التعليم أو من التدريب في مجال الاستشراف أن يصبح قادراً على أن يمكن الفاعل من الاستفادة منه، ولا يبقى فقط ضمن الإطار النظري والإطار المعرفي البحثي. هذا مهم، ونحن سنقدمه، ولكن الحاجة العملية هي للفرد الفاعل، تحويل هذه النظريات إلى فعل واستخدام في الواقع، هو الذي نحتاجه، ويجعل من الاستشراف الاستراتيجي موضوعاً له جدوى عملية.
في هذه النقطة بالذات، المتعلقة بأسئلة الفرد الفاعل، يبدأ الفاعل بالتعرف على طبيعة المؤسسة التي ينتمي إليها بطرح سؤال: من أكون؟ بمعنى المؤسسة التي أنتمي إليها، ما هي؟ يفككها إلى متغيرات، أو إذا كان يريد أن يستشرف شخصه على سبيل المثال: من أكون أنا؟ يفكك الذات هذه التي يريد أن يدرسها، أو من يكون ذلك الشخص، إلى مجموعة من المتغيرات. وبعد ذلك يطرح سؤالاً آخر: ماذا يمكن أن يحدث لهذه المؤسسة أو لهذا الفرد أو لهذا القطاع أو لهذه المنظمة أو لهذه السياسة؟ فيصل إلى مستوى الاستشراف: ماذا يمكن أن يحدث؟ ثم بعد ذلك ينتقل إلى: ماذا يمكن أن أفعل إذا حدث؟ تلاحظون هنا بأن الاستشراف يسبق الاستشراف الاستراتيجي. وعندما يجيب عن سؤال: ماذا يمكن أن أفعل إذا حدث؟ يطرح السؤال الرابع: ماذا سأفعل؟ والخامس: كيف سأفعل؟ هنا تكتمل الخطوات التي يمكن أن نعتبرها مشكلة للاستشارات تفصيلاً أكثر للفرد الفاعل وهو يتعامل مع التغيير. سنحاول أن نبحث في مجموعات المواقف المحتملة لهذا الفرد في مثل هذه الحالة.
بعد أن يطرح السؤال الأول: من أكون؟ مجموعة من الباحثين، من بينهم مشيل وغيرهم، جمعوا المواقف المتباينة من الفعل المستقبلي في أربعة مواقف، وأضفت إليها موقفاً خامساً سميته الاستشراف المختلط. بالنسبة لهؤلاء الباحثين، قالوا بأنه الفرد الفاعل قد يلجأ إلى حالة اللامبالاة أو السكون، يقبل التغيير، رغم أنه في منصب الفاعل، أو في موقف الفاعل، أو ضمن مؤسسته يعتبر فاعلاً. والفاعل، كما هو معروف بالتعريف، هو القادر على اتخاذ القرارات، هو المتغير القادر على اتخاذ القرارات. متغير عندما يصبح قادراً على اتخاذ المتغيرات، أو تضاف إليه صفة اتخاذ القرارات، يصبح فاعلاً. بعض الفاعلين أمام التغيير يختار موقف اللامبالاة أو السكون، وهو في موقف الفعل، وهو يملك، يملك القدرة على اتخاذ القرارات. وهذا ما نلاحظه في كثير من المؤسسات والقطاعات والهيئات، المنظمات، حيث يكون الفاعل وكأنه يتجنب التعامل مع التغيير، وهذه نسبة تختلف من بلد لآخر، من قطاع لآخر، تترك الأمور على حالها، ولا يتم اتخاذ أي موقف لبناء التغيير، ربما حتى يكون ذلك الفعل في موقف آخر، أو يجد نفسه في موقف آخر وهو رد الفعل، بمعنى ينتظر حدوث فعل من قبل فاعلين آخرين، من أطراف أخرى هي التي تحدث التغيير، ويقوم هو برد الفعل. وفي هذه الحالة، أحياناً لا يكون لديه خيارات كثيرة، أحياناً لا يكون لديه أي خيار، يفرض عليه الخيار الاستراتيجي، يتكيف قليلاً ولكن برد الفعل. وهذه هي النسبة الكبيرة التي تشكل القيادات في الدول المتخلفة (بين قوسين) أو غير المتطورة. غالبية الفاعلين ينتظرون التغيير يحدث من قبل أطراف أخرى، ويجدون أنفسهم في موقف رد الفعل، وأحياناً ينتظرون ذلك بسبب موقف اللامبالاة والسكون، ينتظرون وقوع الأفعال كما يقال: أن تشعر النيران، ويتصرفون كرجال إطفاء. وهنا هم أبعد عن الاستشراف بعداً كبيراً، إنهم لا يقومون بالعملية الاستشرافية، وليس لديهم علاقة إطلاقاً بالمجال الاستشرافي. كل من تصرف كرد فعل هو خارج نطاق الاستشراف، فما بالك بالاستشراف الاستراتيجي؟ من يدخل في مجال الاستشراف الاستراتيجي؟ يدخل الذين يستبقون الفعل، أي يهيئون أنفسهم للتغيير، بمعنى أنهم يسعون إلى إيجاد السيناريوهات البديلة قبل أن تحدث، أو يقومون باستحداث تغيير معين مرغوب قبل أن يحدث التغيير المفروض من قبل الآخرين. فيجمعون في هذه الحالة بين ما يسميه مشيل كودي: برو اكتيفيتي، لا اكتيفيتي، برو اكتيفيتي هي استباق الفعل، ولا برو اكتيفيتي هي استحداث الفعل. هو بالنسبة له، إذا كان لدينا تعريف للاستشراف والاستشراف الاستراتيجي، هو الاثنان معاً، أي القدرة على القيام بالعمليتين معاً في هذا المجال.
قلت بعد أن حاولت أن أفهم هذا الموضوع، أنه أحياناً تجد بعض القيادات في أي قطاع من القطاعات لديهم قدرة على استباق الفعل، أو يسعون لاستباق الفعل، أي يهيئون أنفسهم للتغيير القادم قبل أن يحدث، وقيادة أخرى تستحدث الفعل الذي تريده قبل أن يقوم به آخر. لكن قليلاً ما وجدنا القائد، نفس القائد، يجمع بين القدرة على الاستباق والقدرة على الاستحداث. ولذلك قلنا ينبغي أن نفكر في مصطلح آخر هو الاستشراف المختلط، أي نفرض على المستشرف أو الذي هو في موقع قيادة بصفة مستشرف أن يمتلك الصفتين معاً: صفة القدرة على الاستباق، والقدرة على الاستحداث. أما إذا كان لامبالياً أو يتصرف وفق رد فعل، فإنه يخرج تماماً عن نطاق الاستشراف. بهذا نكون قد بينا نوعاً ما العلاقة بين مجالات الاستشراف والاستشراف الاستراتيجي. في المحاضرات القادمة، سنخوض في موضوع الموضوع بذاته، بعمق هذا الموضوع، ونبدأ في امتلاك، دعوني أقول هذه، امتلاك المعرفة النظرية. عندما نمتلك المعرفة النظرية، وتسلحنا بالمعرفة النظرية، يصبح بمقدورنا أن نتحول إلى مجال الفرد الفاعل أو المستشرف الفاعل الذي يمتلك القدرة على الاستباق والقدرة على الاستحداث، أو يمتلك ما سميته بالاستشراف المختلط.