Transcription
إنها أيها الأحباب عشرة أيام فقط، ليست شهراً ولا سنة، فوقتها قصير، وليس فيها مجال للتسويف ولا للتقصير.
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله.
يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته، ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة، وخلق منها زوجها، وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيباً. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً، يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً.
أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
وبعد عباد الله، اتقوا الله وراقبوه، واعلموا أن الأيام قد أسرعت بنا إلى قبورنا، وأنقصت شهورنا وأعوامنا، وما ذاك والله إلا من أعمارنا، ولن نجد أمامنا إلا أعمالنا. فهذا عباد الله، بما أشغلتنا الأخبار، وألهت الأحداث، فقست القلوب من كثرة ما تسمع وترى من أحداث تمر وأخبار تترى، وفي الغالب عباد الله، أننا في غمرة هذا نبعد عما يقوي إيماننا، ونغفل عن تعهد قلوبنا، التي هي، التي هي إلى غيث الإيمان والطاعة أحوج ما تكون. وهل خلق الله الخليقة وأوجد العباد على هذه البسيطة إلا ليعبد ويشكر ويطاع ويذكر؟
أجل، أيها المسلمون، فقد تقسو القلوب وتجفل السن، ويحل الفتور وتتمكن الغفلة، ويؤز الشيطان النفس أزاً، وخلق الإنسان ضعيفاً، فيحتاج المرء في أيام دهره إلى مواسم روحانية يجدد معها إيمانه، ويحاسب فيها تقصيره، وينفض غبار الغفلة عن قلبه، وينمي في روحه إحساس العبودية الحقة لله تعالى. نعم، ولقد عم فضل الله عز وجل على أمة محمد، وطاب يوم أن خصهم بأيام فاضلات يضاعف فيها الثواب، والفجر وليال عشر، فها هي أيام التهليل والتكبير، وها هي أيام التسبيح والتحميد. فإن من فضل الله وإحسانه علينا عباد الله أن يبلغ الله المرء الأزمنة الفاضلة والأيام المباركة، فهاي عشر ذي الحجة قد أقبلت، تلك العشر المباركات التي سوف تشرق أيامها بغيرها وخيراتها وأجرها ومضاعفاتها، تلك العشر التي أودع الله عز وجل فيها من الفضائل ما لم يودعه في غيرها.
أجل أيها المسلمون، فلقد فضل الله عز وجل هذه العشر وأقسم بها في القرآن العظيم، والسعيد والله من اغتنمها، السعيد من اغتنم مواسم الشهور والأيام والساعات، وتقرب إلى الله بكثرة القربات والطاعات، فعسى أن تصيبه نفحة من تلك النفحات فيسعد سعادة أبدية في دنيا هو بعد الممات. أي والله، فيا سعد من أدرك، ويهنأ من وفق لهذه الأيام، فهي غرة الأيام، غرة أيام العام، والفرصة لطالب الثواب على التمام، أيام ضاعفت أجورها، وفضلت على غيرها، أيام يفرح بها الموفقون المؤمنون إذا قدمت، أيام الخير فيها مضاعف، والعمل فيها غنيمة، إذا هبت رياحك فاغتنمها، فإن لكل عاصفة سكوناً، ولا تخفى عن الإحسان فيها، فما تدري السكون متى يكون.
أجل، إخوة الإيمان، والسؤال المرح الآن: لماذا يشعر الكثيرون منا بروحانية أيام رمضان ولياليه، فيصومون لله في نهاره، ويتلون كتابه، ويجودون فيه بما يستطيعون من الصدقات والزكوات؟ غير أن الكثيرين منا لا يفعل ذلك في أيام عشر ذي الحجة، مع أن العمل فيها أحب إلى الله من كل عمل في أي أيام السنة كانت. عباد الله، والذي نعتقده أيها الأحباب أن الجهل بفضل هذه الأيام هو أحد هذه الأسباب التي تجعل الكثيرين منا لا يعلمون أن هذه الأيام بهذا القدر الكبير من الأجر والثواب، وربما كان ضعف إيمان الشخص من هذه الأسباب، فذنوبه المتراكمة، ذنوبه الكثيرة هي التي تحرمه من استغلال مواسم الخيرات والثواب.
إنها أيها الأحباب عشرة أيام فقط، ليست شهراً ولا سنة، فوقتها قصير، وليس فيها مجال للتسويف ولا للتقصير. ومع ذلك فالشياطين فيها ليست مصفدة، لذا فالمجاهدة فيها أعظم، وينبغي فيها المجاهدة. روى البخاري في صحيحه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ما العمل في أيام أفضل منها في هذه الأيام؟" العشر. قالوا: ولا الجهاد؟ قال: "ولا الجهاد، إلا رجل خرج يخاطر بنفسه وماله فلم يرجع بشيء". وروى ابن حبان في صحيحه عن جابر رضي الله تعالى عنه وارضاه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من أيام أفضل عند الله من عشر ذي الحجة". قال: فقال رجل: يا رسول الله، يا رسول الله، هن أفضل أم عدتهن جهاداً في سبيل الله؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "هن أفضل من عدتهن جهاداً في سبيل الله".
الله أكبر! فبعد هذا عباد الله، حري بأهل الإيمان ومن تحدتهم الجنة والرضوان أن يستعدوا لهذه الأيام استعدادها، ويقدروها في النفوس حق قدرها، فالموفق والله من أحسن ضيافتها وأكرمها بحسن اغتنامها بملء صحائف الأعمال من ثوابها. أجل عباد الله، الموفق والله أن يستقبل هذه الأيام بتوبة جديدة، فكم هو جميل والله عباد الله أن تستقبل هذه الأيام بتجديد التوبة مع الملك العلام، توبة يستذكر فيها المرء ماضيه، ويضع أعماله في ميزان المحاسبة، فيبصر حينها ذنوباً قد سولها الشيطان، وخطيئات زينتها النفس الأمارة بالسوء، فيورثه ذلك ندماً على ما فات، ومجافاة للذنب فيما هو آت.
أجل العباد الله، فالموفق، الموفق والله من بادر الأوقات، وسارع في الطاعات، واغتنم الخيرات، ونافس في العبادات. ألا وإن من أعظم العبادات عباد الله في مثل هذه الأيام، كما أخبر الله عز وجل بعد الفرائض، أخبر الله عز وجل في كتابه عن عباده، هي من أعظم العبادات في مثل هذه الأيام، ألا وهو الذكر، ذكر الله عز وجل، قال تعالى: "وليشهدوا منافع لهم ويذكر اسم الله في أيام معلومات"، وهي العشر عند جمهور المفسرين. ومن تأمل الأزمنة الفاضلة ومواسم الخيرات، إخوة الإيمان، وجد أن الله عز وجل يربي العباد على أنواع العبادات، فالصلوات يعتاد المرء فيها على القيام والركوع والسجود، وفي رمضان يعتاد المرء على الصيام وقراءة القرآن، وفي الزكاة يعتاد المرء على الصدقة وبذل المحبوب، وإن من أعظم ما يعتاده المرء في مثل هذه الأيام، في أيام العشر، هو عبادة الذكر.
إذا [موسيقى] لنتعلم أيها الأحباب من هذه الأيام كثرة الذكر، ولتكن لنا، ولتكن لنا في اليوم والليلة آلاف التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير. أجل أيها المسلم، ضع برنامجاً لك في هذه الأيام تخرج من خلاله أن يرتاد لسانك ويعتاد على كثرة الذكر من قول: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير"، ومن قول: "سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر"، ومن قول: "سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم"، ومن أذكار الصباح والمساء، ومن أذكار الخروج والدخول، ومن أذكار النوم والاستيقاظ، والأذكار التي تقال بعد الصلاة. اجعل هذه العشرة برنامجاً عملياً للعمل بهذه العبادة استجابة لقول الله عز وجل: "ويذكر اسم الله في أيام معلومات". وهذه العبادة عباد الله، على يسرها وسهولتها، إلا أنها من أحب الأعمال إلى الله عز وجل، ومن أكثرها ثواباً، عبادة ميسرة لا تحتاج إلى مكان ولا جهد ولا نصب، ولا تقطع عن شغل ولا عمل، وليس فيها تعب، يقدر عليها الصحيح والمريض، يقدر عليها الكبير والصغير، يقدر عليها المقيم والمسافر.
فنسأل الله عز وجل أن يجعلنا من الذاكرين، من الذاكرين له كثيراً، إنه ولي ذلك والقادر عليه. اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك. أقول ما سمعتم، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
الحمد لله رب العالمين، من على عباده بمواسم الخيرات ليغفر لهم الذنوب والسيئات ويجزل لهم العطايا والهبات، أشكر سبحانه وأحمده، وقد خص بالفضيلة الأيام المعدودات، فالموفق والله من اغتنمها بالطاعات، والمغبون من فرط فيها وملاها بالسيئات. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أكمل لنا الدين وأتم علينا النعمة ورضي لنا الإسلام ديناً، وأشهد أن نبينا وحبيبنا وقائدنا محمداً عبده ورسوله.
[موسيقى] علم الأمة ما ينفعها، ووجهها للعبادة وفق شرع ربها، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد، فاعلموا أيها المسلمون أن الأعمال الصالحة لا حصر لها، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون. الأعمال الصالحة كثيرة، من البر والصدقة والصلاة وقراءة القرآن، من الذكر والصلة والدعاء، ووجوه الإحسان، كذلك العفو والتسامح والتغاضي والتصالح، من أعمال القلب، من الخشية والرهبة والتوكل والخوف من الله، وترك الحقد والحسد والكبرياء والبغضاء. فطرق الخير كثيرة عباد الله، وأنواعه متعددة، كبيرة الطاعات ميسرة، والعبادات محضرة، ولكن الخلل فينا عباد الله، الخلل فينا، ألا من رحم الله. وإلا فأين أنت أيها الصحيح السالم متى تصلي النوافل والسنن؟ قل لي بالله عليك، أين أنت أيها الصحيح السالم متى تصلي النوافل والسنن؟ إن لم تصلي الآن. وأين أنت أيها القوي المعافى متى تصوم الاثنين والخميس؟ إن لم تصموا الآن. وأين أنت أيها الغني القادر متى تتصدق؟ إن لم تتصدق الآن. هذه العبادات الكثيرة، هذه الطاعات عباد الله، فاغتنموا مواسم الخيرات بها.
وبالمقابل، وبالمقابل إخوة الإيمان، احذروا المعاصي والسيئات، فإنها قد تمنع المغفرة في مواسم الرحمات. فعند أحمد في مسنده مرفوعاً، قال صلى الله عليه وسلم: واسمعوا عباد الله لهذا الحديث، قال: "إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه". الله أكبر! إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه، فقد تحرم يا عبد الله رزق العبادات والطاعات بأسباب الذنوب والسيئات، فالحذر الحذر، والبدار البدار، فإن من الحرمان والخسران والله عباد الله، أن تمر هذه الأيام العشر مرور الكرام علينا وتخرج بلا عمل ولا اهتمام. أجل عباد الله، فلتكن أيام عشر ذي الحجة محطة لنا، محطة للتزود للعمل الصالح والإيمان، محطة للتخلص من شوائب الإثم والعصيان.
فكفى كفى أيها المضيعون، كفى كفى أيها المضيعون للصلوات، كفى، فإن وراءكم غياً. واحذروا يا من تتعاملون بالسحت والرشوة والربا والحرام، وتحتالون على ربكم الملك الملك العلام، احذروا، فأيما لحم نبت من سحت فالنار أولى به. وتبصروا أنتم أيها الشباب، تبصروا يا من غرقتم في متابعة المقاطع الفاضحة والأفلام الهابطة والأغاني الماجنة، فالله مطلع بحالكم. فيا أيها الغافلون تيقظوا.
[موسيقى] يا أيها المقيمون على الذنوب انتهوا واتعبوا، فبالله عليكم عباد الله أخبروني من أسوأ حالاً ممن استعبده هواه، فعنده مواسم الخير كغيرها من الأيام؟ من أسوأ حالاً ممن استعبده هواه؟ ومن أسوأ صفقة ممن باع آخرته بدنياه؟ فما لكم عباد الله، ما لكم؟ ما للغفلة قد شملت قلوبكم؟ وما للجهالة قد سترت عنكم عيوبكم؟ أما تسمعون؟
[موسيقى] أما ترعون؟ أما ترون صوارم الموت بينكم لامعة، وقوارعه بكم واقعة، وطلائعه عليكم طالعة، وفجائعه لعذركم قاطعة، وسهامه فيكم نافذة، وأحكامه بنواصيكم آخذة؟ فحتى ما، وإلى ما هذا التخلف؟ على ما هذا المقام على المعاصي عباد الله؟ أجل، أخي المسلم، حتى ما وأنت في الله سادر؟ حتى ما لا ترعوي وأنت راحل عن هذه الدنيا ومغادر؟ بادر بالتوبة الآن، يا من تقول: أتوب غداً، أتوب غداً، وكيف تتوب غداً، وإن تلا تملكه؟ وربما غداً أنت لا تدركه. فالمنايا للخلق راصدة، والحوادث للخلق حاصدة، أفتطمعون عباد الله في بقاء الأبد؟ كلا، والواحد الصمد، إن الموت لبرصد، فلا يبقي على والد ولا ولد. فجدوا رحمكم الله، جدوا في اغتنام مواسم الخيرات، في عبادة الله، في عبادة مولاكم، وأقلعوا عن الذنوب، لعله يتولاكم. أجل، أخي الحبيب، أجل أيها المسلم، فكلما أذنبت فتب، وكل ما قصرت فاستغفر. أقبل، أقبل على مولاك منكسراً، ولذباب جوده معتذراً، وارفع يديك إليه مفتقراً، وقل سائلاً ومبتهلاً: إلهي، إلهي، عبدك العاصي أتاك، مقراً بالذنوب وقد أتاك، فإن تغفر فأنت لذاك أهل، وإن تطرد فمن يرحم سواك.
فنسأل الله عز وجل أن يرحمنا برحمته الواسعة، إنه ولي ذلك والقادر عليه. هذا عباد الله، وصلوا وسلموا على النبي المختار، كما أمركم بذلك الملك الجبار، فقال عز وجل: "إن الله وملائكته يصلون على النبي، يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً". اللهم صل وسلم وزد وبارك وأنعم على حبيبنا ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. والحمد لله رب العالمين.