Transcription
قبل أيام من انطلاق الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وتحديداً في منتصف فبراير 2026، انعقد المؤتمر السنوي لرؤساء المنظمات اليهودية الأمريكية الكبرى في فندق مأدبة في القدس المحتلة.
حضر المؤتمر عدد من كبار السياسيين الإسرائيليين، وعلى رأسهم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي ألقى على الحضور خطاباً طويلاً يزيد على 20 دقيقة، قال خلاله تصريحات كثيرة، معظمها كما هو متوقع له علاقة بإيران. ولكن يمكن تصريحات نتنياهو في المؤتمر لم تأخذ نفس الصدى الذي أخذته تصريحات خصمه نفتالي بينيت، رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق، والتي كانت مثيرة للجدل والانتباه إلى حد كبير.
خلونا نسمع مع بعض قال إيه: "تركيا هي إيران الجديدة". هذا معناه أنه من وجهة نظر إسرائيل، أو نفتالي بينيت على الأقل، إسرائيل بعد ما تنتهي من إيران، لازم تحول تركيزها تجاه تركيا باعتبارها هي الخطر الأكبر الذي يهددها.
اللافت للنظر هو أنه في الشهور الأخيرة، خرجت تصريحات وتحليلات تدور حول نفس المعنى، سواء من قبل مؤسسات أو أفراد مقربين من إسرائيل أو موالين لها، مثل الباحث في "أمريكان إنتربرايز إنستيتيوت" مايكل روبن، الذي كتب منشوراً باللغة التركية في حسابه على إكس في أول أيام الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، تسبب في جدل وغضب كبير في تركيا، لأنه قال فيه: "هل ستكون أنقرة في عام 2036 مثل طهران في عام 2026؟".
نفس الباحث الأمريكي هذا، والمؤيد بشدة لإسرائيل بالمناسبة، في بداية حرب الـ 12 يوم بين إسرائيل وإيران في يونيو الماضي، كتب مقالاً تحت عنوان "الحرب الإسرائيلية الإيرانية: هل هي بروفة لحرب مستقبلية مع تركيا؟"، حذر فيه من خطورة تركيا على إسرائيل، واتهم أنقرة بأنها ماشية على خطط إيران في عدة ملفات، أبرزها سعيها لتطوير صناعات دفاعية محلية.
في نفس السياق، الصحفي الأمريكي برادلي مارتن نشر في خامس أيام الحرب على إيران مقالاً على "وول ستريت جورنال" تحت عنوان "الحاجة الملحة لاحتواء تركيا"، حرض فيه الولايات المتحدة وإسرائيل على احتواء تركيا، التي اتهمها بأنها تعارض السياسة الخارجية للولايات المتحدة وتزعج حلفائها، ومنعها من عدم الاضطلاع بدور إقليمي أكبر واستغلال الفراغ الإقليمي الذي قد ينشأ بعد الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.
على الجانب المقابل، يبدو أن الأتراك يحسون بالتهديد من قبل إسرائيل، ويأخذون في حساباتهم أنهم فعلاً قد يكونون الهدف التالي لإسرائيل بعد إيران. وهذا تؤكده تصريحات مسؤولين كثيرين، على رأسهم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي بعض تصريحاته تشير إلى إسرائيل باعتبارها خطراً على تركيا، وبعضها الآخر يدور حول فكرة تطوير قدرات الردع التركية في مواجهة إسرائيل من خلال تطوير الصناعات الدفاعية المحلية، مثل تصريحه في أغسطس 2024 الذي قال فيه: "لو إسرائيل عندها قبة حديدية، فتركيا ستبني قبة فولاذية"، يقصد طبعاً أنظمة الدفاع الجوي.
تركيا وإسرائيل ليستا عدوين، ولكن وارد أن يتحولا لعدوين في المستقبل، خصوصاً في ظل تضارب مصالحهما في عدة ملفات. في السياق هذا، الصناعات الدفاعية التركية أصبحت في قلب التنافس التركي الإسرائيلي، من جهة هي أحد أسباب توجس إسرائيل من تركيا، ومن جهة أخرى هي أحد وسائل استعداد تركيا لأي مواجهة محتملة مع إسرائيل أو غيرها.
ولكن الصناعات الدفاعية التركية لها قصة عجيبة شوية. ما هي يا ترى؟ القطاع هذا كيف نشأ وتطور في تركيا؟ وكيف تطور في السنين الأخيرة تحديداً وأصبح أصبح من أهم وأسرع القطاعات نمواً في الاقتصاد التركي؟ وعلاقة القطاع هذا باحتمال أن تركيا ممكن تكون هي الهدف التالي لإسرائيل بعد إيران؟ وإلى أي مدى الأتراك يأخذون الاحتمال هذا بجدية؟ هذا جزء من اللي هندردش فيه مع بعض في حلقة النهارده. أنا أشرف إبراهيم، المخب الاقتصاد بلس.
في 5 يونيو سنة 1964، الرئيس الأمريكي وقتها ليندن جونسون بعت رسالة مهمة لرئيس الوزراء التركي وقتها عصمت إينونو، تسببت فيما يمكن اعتباره زلزالاً في العلاقات الأمريكية التركية. الرسالة هذه صدمت الأتراك، حكومة وشعباً. إينونو تفاجأ بكلام جونسون، ولما محتوى الرسالة اتسرب للصحافة التركية، تم وصفها بأنها "خيانة أمريكية لتركيا وضربة لكرامتها الوطنية وكسر لقلب الأمة التركية" وأوصاف أخرى من هذا القبيل. وهذا ساهم في تنامي مشاعر العداء للولايات المتحدة بين عموم الشعب التركي.
طبعاً، ستسألني: هو إيه بالضبط بالضبط اللي كان مكتوب في الرسالة هذه؟ هقول لك. ولكن قبل ما أقول لك محتوى الرسالة، لازم نرجع مع بعض بالزمن لورا شوية عشان نفهم السياق العام للأحداث.
بعد شهور من نهاية الحرب العالمية الثانية، وتحديداً في أبريل 1946، سفينة "يو إس ميزوري" الأمريكية وصلت إلى إسطنبول، وتم استقبالها هناك باحتفاء شعبي كبير جداً. الأمريكيون ساعتها كانوا باعثين السفينة الحربية هذه، وهي بالمناسبة نفس السفينة التي وقع على متنها اليابانيون اتفاق استسلامهم، عشان يدعموا تركيا بشكل غير مباشر في مواجهة تهديدات الاتحاد السوفيتي، الذي كان يضغط وقتها على الأتراك عشان يضمن حرية مرور السفن السوفيتية في المضاييق التركية.
تركيا، كما هو معروف، تسيطر على مضيق البوسفور ومضيق الدردنيل، اللذين هما المخرج والمدخل الوحيد من وإلى البحر الأسود. والسوفيت كانوا وقتها ناشرين ثلث أسطولهم البحري في البحر الأسود. وبموجب معاهدة مونترو، أي سفينة حربية تريد المرور من المضايق التركية يجب أن تخطر الحكومة التركية. هذا أولاً معناه أن الأتراك يمتلكون مفاتيح البحر الأسود بالكامل ويتحكمون في هوية السفن الحربية التي تدخل وتخرج منه. وثانياً، وهذا الأهم، هذا معناه أن المضايق التركية تشكل قدرة استخباراتية عالية لمراقبة تحركات الأسطول السوفيتي.
من الزاوية هذه، للولايات المتحدة كان يهمها جداً أن تركيا لا تقع تحت تأثير السوفيت، وتفضل في المعسكر الغربي وتبعد عن الشيوعية. وعلى هذا الأساس، بدأت تدعم الأتراك بكافة الأشكال. والأتراك على الجهة الثانية كانوا حريصين على الانضمام للمعسكر الغربي بغرض تأمين أنفسهم ضد تهديدات الاتحاد السوفيتي بقيادة جوزيف ستالين، الذي لم يكن يعجبه معاهدة مونترو ويريد تعديلها، وكمان بناء قواعد عسكرية سوفيتية على المضايق التركية.
المهم، في فبراير 1947، البريطانيون أبلغوا الأمريكيين أنهم بسبب خراب اقتصادهم في الحرب العالمية الثانية وديونهم التي لا حصر لها، لم يعودوا قادرين على تقديم مساعدات مالية وعسكرية لتركيا واليونان، خوفاً من أن تلجأ البلدان إلى الاتحاد السوفيتي. الأمريكيون تدخلوا فوراً وقرروا هم مساعدة تركيا واليونان. في مارس من نفس السنة، الرئيس الأمريكي وقتها هاري ترومان قرر توزيع 400 مليون دولار في صورة مساعدات على تركيا واليونان، 100 مليون للأتراك و 300 مليون لليونانيين. وهذا في إطار سياسته الخارجية التي تهدف لاحتواء الشيوعية، والتي أطلق عليها اسم "مبدأ ترومان" أو "ترومان دوكتراين".
ومن هنا بدأت العلاقة بين الولايات المتحدة وتركيا تتطور وتصبح أوثق. تركيا كانت واحدة من الدول القليلة التي بعثت جنوداً ليشاركوا الأمريكيين في القتال في الحرب الكورية سنة 1950. بعدها بسنتين، وتحديداً 1952، الأتراك انضموا لحلف شمال الأطلسي الناتو، الذي تتزعمه الولايات المتحدة.
في الوقت هذا، الاقتصاد التركي كان ضعيفاً ولا يزال يعتمد على الزراعة وصناعة النسيج، وهذا صعب على تركيا تحقيق تنمية اقتصادية أو عسكرية، وجعلها معتمدة مالياً وعسكرياً على الولايات المتحدة. الأمريكيون في ذروة الحرب الباردة أغرقوا الأتراك مساعدات. يعني في الفترة ما بين 1947 و 1973، إجمالي المساعدات الأمريكية لتركيا وصل إلى حوالي 6.7 مليار دولار، 3.7 مليار دولار في صورة مساعدات عسكرية، و 3 مليار دولار مساعدات اقتصادية.
في السياق هذا، اعتمد الجيش التركي بشكل شبه حصري تقريباً على السلاح الغربي، وبالأخص الأمريكي. الأتراك كانوا مبسوطين من السلاح الأمريكي وما عندهمش مشكلة معاه، لحد ما دخلوا في خناقة كبيرة مع الأمريكيين بخصوص قبرص.
طب إيه سبب الخناقة هذه؟ هقول لكم. جزيرة قبرص، كما حضراتكم عارفين، موجودة في موقع استراتيجي مهم جداً في البحر المتوسط. الجزيرة هذه تقع على بعد 44 ميل جنوب تركيا، و 64 ميل غرب سوريا، و 130 ميل شمال غرب فلسطين، و 240 ميل شمال مصر. وهذا معناه أن من يسيطر عليها يقدر يؤثر في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ومنطقة البحر المتوسط.
المهم، موقع قبرص العبقري خلاها مغرية بالنسبة لقوى عالمية كثيرة. في 1571، الدولة العثمانية بقيادة السلطان سليم الثاني شنت حملة عسكرية ضخمة لانتزاع قبرص من سيطرة جمهورية البندقية، ونجحت في السيطرة عليها. فضلت الجزيرة تحت الحكم العثماني أكثر من ثلاثة قرون، وتحديداً لحد سنة 1878، لما العثمانيون انهزموا من الروس في الحرب الروسية العثمانية. بعد الهزيمة هذه، العثمانيون وقعوا مع البريطانيين اتفاقية قبرص السرية، التي بموجبها الدولة العثمانية منحت بريطانيا حق إدارة قبرص مع بقاء اسمها تحت السيادة العثمانية، وهذا مقابل أن بريطانيا تدعم العثمانيين ضد أي توسع روسي مستقبلي.
فضل الوضع على الحال هذا لحد سنة 1914، لما بريطانيا قررت ضم قبرص لأراضيها بعد ما الإمبراطورية العثمانية دخلت الحرب العالمية الأولى إلى جانب دول الوسط أو المركز ضد الحلفاء، الذين كان من ضمنهم بريطانيا. وبعد سنين من الحروب، وبعد تأسيس الجمهورية التركية على أنقاض الإمبراطورية العثمانية، الحكومة التركية قبلت ضم بريطانيا لقبرص سنة 1923. ومن هنا بدأ فصل جديد في علاقة تركيا بقبرص.
قبرص فيها مجموعتين كبار من السكان: قبارصة يونانيون وقبارصة أتراك. من أول ما البريطانيون سيطروا على الجزيرة، واليونانيون يسعون لضم أو إلحاق قبرص بدولة اليونان، باعتبارهم ورثة الإمبراطورية البيزنطية القديمة التي كانت تسيطر زمان على قبرص. وعلى هذا الأساس، اعتبر اليونانيون توحيد قبرص واليونان قدراً محتوماً.
بعد الحرب العالمية الثانية، وتحديداً سنة 1951، اليونان طلبت من بريطانيا رسمياً أنها تسلمها الجزيرة، ولكن البريطانيين رفضوا. ولكن اليونان أصرت على مساعيها ورفعت الأمر للأمم المتحدة سنة 1954. هذا الإصرار اليوناني دخل اليونان في مشاكل مع تركيا، التي كانت ترفض بطبيعة الحال فكرة ضم قبرص لليونان، لأنها أولاً ترى نفسها لها في قبرص بصفتها وريثة الإمبراطورية العثمانية، وثانياً لأن في جزء معتبر من سكان الجزيرة أتراك، وإن كانوا أقلية. الأتراك اقترحوا تقسيم الجزيرة، ولكن اليونانيين رفضوا الاقتراح هذا، والأمم المتحدة هي كمان رفضت الإشراف على القضية هذه.
المهم، بعد روحة وجاية وخناقات كثيرة، الطرفان اليوناني والتركي وصلا لحل وسط بعيد بعيد عن الفكرة اليونانية بتاعة اتحاد قبرص مع اليونان، وبعيد عن الفكرة التركية بتاعة تقسيم الجزيرة. في 1960، تأسست جمهورية قبرص وفق نظام المحاصصة الطائفية على أساس اتفاقيات لندن وزيورخ، التي كانت ما بين بريطانيا واليونان وتركيا والقبارصة اليونانيين والأتراك. في النظام هذا، الرئيس يوناني قبرصي، ونائب الرئيس تركي قبرصي، ويملك حق النقض الفيتو في القرارات المصيرية. والحكومة والبرلمان مقاعدهم تتوزع بنسبة 70% لليونانيين و 30% للأتراك.
الوضع هذا لم يستمر كثيراً. في أواخر 1963، الرئيس القبرصي اليوناني مكاريوس الثالث انقلب على الاتفاق هذا وأعلن عن تعديلات دستورية حرمت القبارصة الأتراك من كثير من حقوقهم السياسية. تركيا طبعاً اعترضت، وفي السياق هذا تصاعدت وتيرة العنف في الجزيرة من مجموعات من القبارصة اليونانيين ضد القبارصة الأتراك في ضواحي قبرص الشمالية. مع الأسف، وقعت جرائم قتل للأتراك في بيوتهم، إلى جانب احتجاز رهائن منهم، كان من ضمنهم نساء وأطفال، وحوادث عنف أخرى. تم على أثرها نشر قوات حفظ السلام، والأمور تدهورت أكثر بعد ما مكاريوس قرر في يناير 1964 إلغاء اتفاقيات لندن وزيورخ وإلغاء الدستور، انقلب على كل شيء بدعم من اليونان.
تركيا على الجانب الآخر كانت تغلي على المستوى الحكومي والشعبي من اللي بيحصل للقبارصة الأتراك، وهددت بالتدخل باعتبارها أحد الدول الضامنة للاتفاقيات التي تم إلغاؤها. في 29 مايو 1964، وزير الخارجية التركي فريدون كمال أركين وجه تحذيراً لليونان وبريطانيا، أشار فيه إلى أن استمرار أعمال القبارصة اليونانيين سيؤدي في نهاية المطاف إلى تدخل عسكري تركي في قبرص.
هذا معناه صدام مباشر بين تركيا واليونان. في التوقيت هذا، الولايات المتحدة قلقت من احتمالية تورط دولتين من الدول الأعضاء في الناتو، وهما تركيا واليونان، في حرب مع بعض، وقلقت أكثر لما أنقرة بعتت مع السفير الأمريكي في تركيا رسالة سرية لواشنطن تبلغها فيها بأنها تخطط للتدخل عسكرياً في قبرص.
في اللحظة هذه، الولايات المتحدة قررت أنها تضغط على الأتراك وتهددهم وتحذرهم من التدخل في قبرص. بعد أيام من تصريحات وزير الخارجية التركي، الرئيس الأمريكي ليندن جونسون بعت لرئيس الوزراء التركي عصمت إينونو الرسالة الشهيرة والمثيرة للجدل التي أشرنا إليها في بداية الحلقة.
في بداية الرسالة، جونسون قال لرئيس الوزراء التركي: "أنا قلقان من المعلومات اللي وصلتني عن طريق سفيرنا ريموند هير منك ومن وزير خارجيتك، واللي بتقول إن الحكومة التركية تدرس اتخاذ قرار بالتدخل العسكري في قبرص لاحتلال جزء منها". وبعد ما عبر عن قلقه، الرئيس الأمريكي بدأ يضرب الإهانات والتهديدات ورا بعض زي الرصاص في وش رئيس الوزراء التركي. وخليني أقول لكم أبرز النقاط فيها بشكل مختصر وسريع:
قال له: "قرار زي ده، حكومتك ما ينفعش تاخده بدون ما تشاورنا الأول. والسفير بتاعي بيقول لي: أنتم أجلتم قراركم كام ساعة عشان تاخدوا رأيي؟ طب أنا هسألك سؤال بذمتك، هل من المناسب إنك توجه إنذار نهائي لحليف زي الولايات المتحدة؟"
وبعدين: "في حاجة مهمة أنا لازم ألفت انتباهك ليها يا معالي رئيس الوزراء، أي تدخل عسكري في قبرص ممكن يؤدي لتدخل مباشر من جانب الاتحاد السوفيتي، وتلاقوا نفسكم ساعتها في حرب معاه. وبصراحة بقى، حلفائكم في الناتو مش متأكدين إذا كانوا في الحالة دي هيكونوا ملتزمين بالدفاع عنكم ضد الاتحاد السوفيتي ولا لأ."
وبعدين تعال أما أقول لك: "المساعدات العسكرية اللي بتاخدوها مننا، فاكرها؟ المادة الرابعة من الاتفاقية اللي وقعناها معاكم بخصوص المساعدات دي سنة 1947 بتقول إن أنتم لازم تاخدوا موافقتنا أو الإذن مننا قبل ما تستخدموا السلاح بتاعنا لأغراض غير اللي إحنا اديناكم السلاح ده عشانها. وحكومتك أقرت في مناسبات كتير إنها فاهمة الشرط ده كويس. وأنا بقولها لك أهو بصراحة، الولايات المتحدة مش موافقة على استخدام أي معدات عسكرية أمريكية في أي تدخل تركي في قبرص."
"أنت ممكن تشوف إن لهجتي في الكلام شديدة، وإني بتجاهل المصالح التركية في القضية القبرصية، ولكن ده مش صحيح. أتمنى لو نقدر نناقش الموضوع ده بشكل شخصي، ولكن أنا للأسف مش هقدر أسيب أمريكا دلوقتي. لو تيجي لي أنت، هكون سعيد جداً. sincerely, Lyndon B. Johnson."
مهما أحاول أوصف لكم حجم صدمة الأتراك من الرسالة هذه مش هقدر. الرسالة كانت قاسية جداً ومهينة لدرجة إن عصمت إينونو صعبت عليه نفسه وقال لأعضاء مجلس الوزراء: "لقد اتحد أصدقاؤنا وأعداؤنا ضدنا".
الرسالة هذه لم تنشر بشكل كامل إلا بعد 18 شهراً، ولكن مضمونها كان قد تسرب قبل ذلك بكثير للصحافة التركية، وهذا خلى عموم الشعب التركي يأخذ موقف سلبي من الولايات المتحدة، التي شعروا بأنها منحازة لليونان.
المهم، بعدها بأيام، وتحديداً في 14 يونيو 1964، رئيس الوزراء التركي كتب للرئيس الأمريكي رسالة قال له فيها: "بناءً على طلبكم، أجلنا قرارنا بممارسة حقنا في التدخل في قبرص، وهو حق تكفله لنا معاهدة ضمان." وفي نفس السياق، تساءل: "لماذا الولايات المتحدة تتشطر على تركيا وتضغط عليها، وتترك الحكومة اليونانية والرئيس القبرصي اليوناني ينتهكون الاتفاقيات الدولية بمزاجهم؟" وطبعاً إينونو لم ينس أن يعاتب جونسون على تهديده بأن الناتو قد يختار ألا يدافع عن تركيا في حال تعرضها لاعتداء من السوفيت.
الخلاصة: رسالة جونسون نجحت بالفعل في إجبار تركيا على التراجع عن التدخل لصالح القبارصة الأتراك في قبرص، ولكنها في نفس الوقت عملت أول شرخ كبير في العلاقات التركية الأمريكية. رسالة جونسون كانت بمثابة جرس إنذار. الأتراك فجأة شعروا أنهم لا يقدرون أن يثقوا لا في أمريكا ولا في الناتو. والأهم من ذلك، أن السلاح الأمريكي الذي معهم هذا في حقيقة الأمر عبء وفخ كبير.
اعتماد تركيا الهائل على البنية التحتية الدفاعية الأمريكية أثار غضب الشعب، الذي طالب بمزيد من الاستقلال. وكان في كثير من الأتراك يتهمون الحكومة بأنها تنازلت عن سيادة البلد لصالح الولايات المتحدة، التي كان لديها عدد ضخم جداً من القواعد العسكرية في البلد، يوجد فيها عشرات الآلاف من الجنود الأمريكيين.
وفي السياق هذا، بدأت أولى محاولات تركيا الجادة لتطوير صناعات دفاعية محلية. لسنة 1970، تم تأسيس "مؤسسة تعزيز القوات الجوية التركية" بهدف المساهمة في تعزيز قوة القوات الجوية التركية من خلال تطوير صناعة الطيران الوطنية. وفي سنة 1972، أسسوا "مؤسسة البحرية التركية"، ثم "شركة الصناعات الجوية والفضائية التركية" سنة 1973، وأخيراً "مؤسسة تعزيز القوات البرية" سنة 1974-77.
ولكن لحد اللحظة هذه، المحاولات التركية في الاتجاه هذا لم تكن محاولات جادة بالقدر الكافي. والنتيجة هي بقاء الوضع كما هو عليه من حيث الاعتماد التركي الكاسح على المعدات العسكرية الغربية، وبالأخص الأمريكية. وهذا الأتراك دفعوا ثمنه غالياً جداً لما قرروا أخيراً أنهم يتدخلوا عسكرياً في قبرص في يوليو 1974، في العملية التي أطلقوا عليها اسم "عملية السلام".
تحت ضغط من الجالية اليونانية في الولايات المتحدة، الكونغرس الأمريكي مرر في ديسمبر 1974 مشروع قانون يحظر مبيعات السلاح الأمريكي لتركيا، بما في ذلك قطع الغيار. القرار هذا بمجرد ما دخل حيز التنفيذ في فبراير 1975، الجيش التركي، الذي كان يعتمد بشكل أساسي على المساعدات العسكرية الأمريكية، شُلّ حرفياً. الحظر جاء في توقيت قاتل. الجيش التركي كان بدأ لسه عمليته العسكرية، وكان يحتاج معدات جديدة، ومحتاج قطع غيار للمعدات اللي معاه، وقبل كل هذا، محتاج صيانة لمعداته. الأمريكيون وقفوا كل شيء ومنعوا عنه كل شيء تقريباً، بما في ذلك المعدات التي هم كانوا دافعين فلوسها بالفعل.
وفي ظل الظروف هذه، الأتراك كافحوا لصيانة المعدات اللي معاهم، ولكن محاولاتهم كان لها حدود، لأنه زي ما شرحت لكم قبل كده في حلقة "الاختراق الكبير"، بدون قطع غيار وصيانة من مورد السلاح الأمريكي، ملوش لازمة. المهم، خلال فترة الحظر، نص الطائرات العسكرية التركية خرجت من الخدمة بسبب غياب قطع الغيار. وهذا وضع الأتراك في مأزق خطير.
في سنة 1975، اليونان كانت تملك 39 طائرة من طراز F-4 Phantom، وكانت تنتظر المزيد من نفس الطراز من أمريكا. في المقابل، تركيا ما كانش حيلتها غير 16 طائرة فانتوم، ستة منهم بس هم اللي صالحين للعمل، والباقي مش شغال بسبب نقص قطع الغيار. وهذا خلى الأتراك حاطين إيدهم على قلبهم، هم في حالة استنفار وتأهب دائم خوفاً من اندلاع مواجهة مع اليونان في أي لحظة.
في محاولة سريعة للخروج من الورطة هذه، بدأت تركيا تسعى من جهة أنها تبحث عن موردين للسلاح غير الولايات المتحدة، ومن ناحية ثانية ظلت تحاول استرداد الأمريكيين عشان يرفعوا الحظر. في 29 مايو 1975، رئيس الوزراء التركي سليمان ديميريل قابل الرئيس الأمريكي جيرالد فورد ووزير خارجيته هنري كيسنجر في بروكسل. لما تطلعوا على محضر الاجتماع هذا، هتلاحظوا أن رئيس الوزراء التركي كان بيستسمح فورد وكيسنجر وبيستعطفهم عشان يتم رفع الحظر.
ديميريل قال لفورد: "إحنا أضرنا الولايات المتحدة في إيه؟ عملنا فيكم إيه عشان تعملوا فينا كده؟ أنا شعبي هيسألني ليه أمريكا بتعمل معانا كده؟ هل غلطنا لا سمح الله في حاجة؟ أقول لهم: الولايات المتحدة بتبيع السلاح لـ 90 دولة، ولكنها رافضة تبيع لتركيا صديقتها الوفية. ليه بتعملوا معانا كده؟ إحنا عرضنا نفسنا للخطر عشانكم. إحنا خلينا نفسنا هدف للسوفيت لما وفرنا لكم قواعد صواريخ لصواريخ أطلس بتاعتكم، وسمحنا بوجود مرافق استخباراتية لكم على أراضينا. قولوا لي من فضلكم، أقول لشعبي إيه؟ أقول إيه الغلط اللي عملناه وعلشان كده أمريكا غضبت علينا؟ يا راجل، ده أنتم بتبيعوا ليوغوسلافيا؟ بقى تبيعوا ليوغوسلافيا وتفرضوا حظر على تركيا، وإحنا كافرين بالشيوعية ومؤمنين بالناتو؟ إحنا اشترينا منكم 40 طائرة F-4 Phantom، استلمنا منهم 16، وكان المفروض نستلم الباقي على أغسطس من السنة اللي إحنا فيها دي، ولكننا ما استلمناش حاجة. بتدفعونا أقساط الطيارات دي وفوايد عليها ورسوم تخزين ليها، وإحنا ما استلمناش حاجة أصلاً. إحنا عندنا كام طائرة C-130 محتاجين يتصلحوا؟ المفروض إن شركة لوكهيد مارتن هي اللي تصلحهم في أمريكا. الطيارات دي لو بعتناها للشركة تتصلح هياخدوها ومش هنشوفها تاني بسبب الحظر. ولو ما بعتناهاش، الشركة هتفرض علينا غرامة."
المهم، بعد ما سمع الكلام اللي يقطع القلب ده، فورد قال لديميريل ما معناه: "أنا حاسس بيك، واللي بيحصل ده عيب وما يصحش، وأنا هتكلم مع الكونغرس." فورد ما عملش حاجة، أو ما عرفش يعمل حاجة، لأنه من الأساس كان معارض لقرار الحظر اللي اتخذه الكونغرس، وكان عطله قبل كده بالفيتو الرئاسي. ولكن المحصلة في النهاية واحدة بالنسبة لتركيا: إذلال علني وجيش مشلول غير قادر على استخدام أغلب معداته المهمة.
الأتراك في البداية قرروا ينتقموا من الأمريكيين. في الوقت هذا، تركيا كان فيها 25 قاعدة بيطلق عليها اسم "المنشآت المشتركة". القواعد هذه كانت تابعة للحكومة التركية، ولكنها فعلياً كانت مخصصة بشكل أساسي لسلاح الجو الأمريكي، وكان قادر على استخدامها بحرية تحت مظلة أنشطة حلف الناتو. الأتراك بعد الحركة بتاعة الحظر هذه قرروا يقفلوا القواعد هذه. ودي كانت ضربة كبيرة جداً للأمريكيين، وتحديداً للاستخبارات الأمريكية، التي كانت القواعد هذه بالنسبة لها أصل ثمين في جهودهم الاستخباراتية ضد السوفيت.
بالتوازي مع هذا، وبعد ما عضوا صوابعهم من الندم على اعتمادهم المبالغ فيه على الأمريكيين، بدأ الأتراك يأخذون مسألة الصناعات الدفاعية بجدية لأول مرة، بدعم من الشعب التركي، الذي كثير منه تبرع بماله لدعم الحكومة في مساعيها لتطوير القدرات التركية في المجال هذا وتقوية الجيش. بدأوا يؤسسون شركات مملوكة للدولة في قطاع الصناعات الدفاعية. والبداية كانت بشركة "الصناعات الإلكترونية العسكرية" (أسيلسان) التي تأسست سنة 1975. وفي السنوات اللاحقة ظهرت شركات كثيرة مثل "شركة صناعة الصواريخ" (روكيتسان) وغيرها من الشركات التي تمثل العمود الفقري لقطاع الصناعات الدفاعية التركي اليوم.
بعد الحظر بثلاث سنين، وتحديداً سنة 1978، الأمريكيون في عهد جيمي كارتر رفعوا الحظر المفروض على مبيعات السلاح لتركيا. ولكن الأتراك فضلوا مكملين في مسار توطين الصناعات الدفاعية. في الثمانينات، قطاع الصناعات الدفاعية التركي جلده اتغير إلى حد كبير. من ناحية، حصل دمج وإعادة هيكلة لعدد من الشركات التابعة للحكومة. ومن ناحية ثانية، تركيا غيرت نهجها في إدارة صناعاتها الدفاعية. يعني مثلاً، بدأت الإنتاج بموجب ترخيص، الذي في إطاره تصنع أسلحة معينة داخل تركيا بموجب ترخيص من مصنعيها الأصليين، وزي الإنتاج المشترك ونقل التقنية.
باستخدام الأساليب هذه، نجحت تركيا في تعميق خبراتها في مجال الصناعات الدفاعية من خلال الاستفادة من الخبرات الأجنبية. ويمكن يمكن واحد من أشهر المشاريع خلال الفترة هذه هو المشروع المشترك بين شركة "توساش" التركية وبين "جنرال ديناميكس" الأمريكية و"جنرال إلكتريك" الأمريكية أيضاً، والذي تأسس سنة 1984 لتصنيع وتجميع طائرات الـ F-16 في تركيا.
والأهم من ذلك هو أنه نهج المشاريع المشتركة هذا وفر إطاراً للتعاون بين شركات الصناعات الدفاعية الغربية وبين المستثمرين من القطاع الخاص في تركيا. طرف معه التكنولوجيا، وطرف معه رأس المال. هذه كانت وصفة سحرية مكنت تركيا من الوصول السريع للتكنولوجيا والخبرات من كبرى شركات الصناعات الدفاعية الغربية في مجالات زي الطائرات المقاتلة والمركبات المدرعة وأجهزة الراديو والرادار وأنظمة الحرب الإلكترونية. بالإضافة لذلك، النهج الجديد للصناعات الدفاعية التركية ساهم في اكتساب المصنعين الأتراك لخبرة كبيرة في تقنيات التصنيع المتقدمة وفي مهارات إدارة المشاريع التي من النوع هذا. وهذا ساهم لاحقاً في ظهور عدد من الشركات التركية الخاصة الناجحة جداً في مجال الصناعات الدفاعية.
مع بداية الألفية الجديدة وصعود حزب العدالة والتنمية للسلطة بقيادة الرئيس التركي الحالي رجب طيب أردوغان، تركيا فضلت ماشية بخطة ثابتة في مسار الاكتفاء الذاتي في الصناعات الدفاعية، ولكن بنهج مختلف شوية عن نهج المشاريع المشتركة ونقل التكنولوجيا. في الوقت هذا، الحكومة التركية بدأت تشجع الحلول المحلية. وهذا معناه أن شركات الصناعات الدفاعية التركية، سواء كانت قطاع خاص أو عام، أصبح مطلوب منها أنها تشتغل على منتجات دفاعية جديدة، وتستفيد في الإطار هذا من تمويل سخي جداً بتوفره "وكالة صناعة الدفاع التركية" لتغطية نفقات البحث والتطوير.
الحكومة التركية ساعتها شجعت على التعاون بين الشركات وبين الجامعات ومراكز البحوث. والهدف من الخطوة هذه أولاً كان تقليل الاعتماد على الموردين والمصنعين الأجانب، وثانياً تطوير منتجات دفاعية يمكن لاحقاً تصديرها للخارج، وثالثاً، وهذا الأهم، امتلاك التكنولوجيا. لأنه على الرغم من أن تجربة الشركات والمشاريع المشتركة الأجنبية ساهمت بشكل كبير في تطوير وبناء القدرات الصناعية الدفاعية التركية، إلا أنه في النهاية لم ينتج عنها نقل حقيقي للتكنولوجيا، في ظل حرص الشركاء الأجانب على عدم مشاركة التكنولوجيا بتاعتهم، وخصوصاً الأجزاء الحساسة المهمة منها.
على سبيل المثال، تركيا قعدت سنين طويلة تساعد الأمريكيين في تجميع وتصنيع الـ F-16 في تركيا، وطول الفترة هذه الأمريكيون ما سمحوش ولا مرة للأتراك بأنهم يقربوا من السورس كود أو من مكتبة التهديدات بتاعة الطيارة. علشان كده بدأت تركيا تشتغل على توطين التكنولوجيا. نتج عنه في البداية تراجع في التعاون الدولي وزيادة في التكاليف وطول في وقت الإنتاج، ولكنه في النهاية كان نهجاً مثمراً.
بدأت تظهر ثماره في العقد الثاني من القرن الحالي. أولاً، الجيش التركي أصبح يشتري الأغلبية الكاسحة من احتياجاته، وجزء كبير من الأنظمة كثيفة التكنولوجيا من موردين محليين. وهذا ساعده في تحقيق نسبة اكتفاء ذاتي وصلت إلى 80% في 2024. الطلب المحلي هذا كان محركاً رئيسياً لنمو القاعدة الصناعية الدفاعية التركية، ولكنه ما كانش الوحيد. في ظل ارتفاع حجم الصادرات التركية بعد نجاح عدد من الشركات التركية في تطوير منتجات دفاعية مطلوبة في جميع أنحاء العالم، زي شركة "بيرقدار" التي تأسست سنة 1986، وتعتبر اليوم واحدة من أشهر الشركات المصنعة للطائرات المسيرة في العالم. هذه هي الشركة التي تنتج "بيرقدار تي بي 2" و"أقينجي" و"قزل إلما" وغيرها. "بيرقدار" كانت واحدة من خمس شركات تركية دخلت قائمة معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI) لأكبر 100 شركة صناعات دفاعية في العالم خلال 2024. تواجد الشركات هذه في القائمة هذه هو نتيجة مباشرة لارتفاع حجم الصادرات الدفاعية التركية. في 2025، صادرات الصناعات الدفاعية وصلت إلى 9 مليار و 870 مليون دولار، بعد ما كانت 248 مليون دولار بس في 2002.
وهنا في ملحوظة مهمة لازم تؤخذ في الحسبان: التصنيع الدفاعي الناجح ما بيحصلش في الفراغ أو بمعزل عن غيره من العوامل. في عوامل مهمة في نجاح أي بلد في مسار التصنيع الدفاعي، من ضمنها الإرادة السياسية، والتعليم، وقدرات الابتكار، والاحتياجات العسكرية للقوات المسلحة، والقدرات المؤسسية، والعلاقات المدنية العسكرية أو العلاقات بين القوات المسلحة والقطاع الخاص. كل هذا كان له تأثير في مسيرة قطاع الصناعات الدفاعية التركي، الذي حجمه تضاعف أكثر من مرة خلال السنوات الأخيرة، وينمو بسرعة كبيرة جداً في الوقت الحالي.
لا تزال تركيا بعيدة عن الاستقلال الدفاعي الكامل، في ظل أنها لا تزال أمامها طريق طويل في صناعة منصات الأسلحة المتطورة. الأتراك، زي ما أنتم عارفين، الأمريكيون طردوهم في 2019 من برنامج الـ F-35 بسبب تعاقدهم على نظام الدفاع الجوي الصاروخي الروسي S-400. الأنظمة المتطورة هذه، تركيا لا تملك نسخاً محلية مكافئة منها، ولكنها قد تكون على الطريق الصحيح في خلال السنوات القليلة القادمة لو نجحت في تجاوز بعض العقبات التقنية المهمة، زي مثلاً مسألة المحركات النفاثة في مشروع مقاتلة الجيل الخامس "قآن". الشركات التركية شغالة على مشاريع متنوعة تشمل مقاتلة شبحية ونظام دفاع جوي متطور أو "قبة فولاذية" زي ما أردوغان بيسميه، إلى جانب الصواريخ البالستية والذخيرة المتطورة.
القفزات التي حققتها تركيا في المجال هذا خلال السنين الأخيرة خلتها مثيرة للقلق بالنسبة للإسرائيليين، حتى لو كان الطرفين فعلياً ليسا عدوين على غرار العداوة الإيرانية الإسرائيلية مثلاً، ولكن يظل الطرفين عندهم شكوك كبيرة تجاه نوايا بعض.
على الجانب الآخر، الأتراك عندهم 1000 سبب يخليهم يقلقوا من الإسرائيليين ويحرصوا منهم، خصوصاً في مرحلة ما بعد 7 أكتوبر، التي شفنا فيها إسرائيل بتخرج عن نطاق السيطرة تماماً، وبتضرب في عدد كبير من دول المنطقة. ولكن يظل أهم حدث من وجهة نظر الأتراك هو هجوم الإسرائيليين على الإيرانيين، جيران تركيا. إيران دولة كبيرة، ولما تدخل في حرب مع إسرائيل، طبيعي دولة زي تركيا تراقب الحدث هذا عن قرب، وتتابع وتدرس تصرفات الطرفين عشان تتعلم وتأمن نفسها. وهذا الذي حصل بالفعل.
بعد أسابيع من نهاية حرب الـ 12 يوم بين إيران وإسرائيل، التي اندلعت في يونيو الماضي، الأكاديمية الوطنية للاستخبارات التركية التابعة لجهاز الاستخبارات التركي (MIT) نشرت دراسة تحت عنوان "حرب الـ 12 يوم: دروس لتركيا". الدراسة، كما هو واضح من عنوانها، أُعدت لصناع القرار السياسي والأمني في تركيا ليأخذوا التدابير والإجراءات اللازمة في ضوء الدروس المستخلصة من الحرب هذه، والتي بحسب الدراسة كانت ثروة من البيانات في مجالات مختلفة مثل التكتيكات العسكرية وأنظمة الأسلحة وتكنولوجيا المعلومات والعمليات الاستخباراتية.
المهم، الفصل الثاني من الدراسة تناول الدروس المستخلصة من الحرب، والتي كان من بينها أهمية التحالفات الموثوقة بين الدول. وفي السياق هذا، أشارت إلى الأسلحة والجهد الاستخباراتي والدعم اللوجستي الذي قدمه التحالف الغربي لإسرائيل، والذي ساهم في توجيه ضربات قاصمة لإيران، وهذا في نفس الوقت الذي لم تحصل فيه إيران على أي دعم حقيقي من روسيا والصين. وعلى هذا الأساس، الدراسة نبهت تركيا لأهمية تطوير تحالفاتها الأمنية والدفاعية.
الدراسة أيضاً أشارت إلى ضرورة اهتمام تركيا بتعزيز حماية النخب العسكرية والمدنية التي سيكونون مسؤولين عن إدارة أي صراع محتمل مع أي قوة خارجية، وهذا بعد ما رأوا إسرائيل تنجح في القضاء على عدد كبير من كبار القادة والعلماء في أول ساعات الحرب.
في نفس السياق، الدراسة أشارت إلى أن الحرب هذه تقدم دروساً مهمة في مجال الدفاع المدني، لأنه بفضل أنظمة الإنذار المبكر والملاجئ الواسعة والوعي العام في إسرائيل، الإسرائيليون لم يعانوا من خسائر بشرية كبيرة بسبب الهجمات الصاروخية الإيرانية. وعلى هذا الأساس، الدراسة تنبه صناع القرار في تركيا لضرورة الاهتمام بنشر نظام إنذار مبكر واسع النطاق، وبناء ملاجئ جماعية يسهل الوصول إليها، خصوصاً في المدن الكبرى، بالإضافة لتأمين شبكات الاتصالات.
وأخيراً، الدراسة أكدت على أهمية التنسيق بين جميع المؤسسات والمستويات الأمنية في تركيا، بداية من القرى والأحياء وصولاً لكبار القادة في كافة المؤسسات، وهذا بهدف بناء عمق استخباراتي داخل البلد يمنع حدوث اختراقات مثل التي عانت منها إيران وجعلتها تبدو كتاباً مفتوحاً أمام إسرائيل.
وأعتقد أن الدروس هذه يمكن أن تستفيد منها جميع دول الشرق الأوسط. في تصريحات لي قبل أيام، وزير الخارجية التركي كان قال التالي: "birincisi şimdi devam eden savaşa da bakıyorum yani istihbarı açıdan güvenlik açısından askeri yetenekler operasyonlar harekat kararları zamanlamalar hep bunları hep düşünüyorum sürekli eee böyle film şeridi gibi. Bunlara baktığınız zaman şunu görüyorsunuz aslında. eee, siber istihbarat, eee, sinyal istihbaratı, elektronik istihbarat, önleyici istihbarat, eee, hava izinlerinin bulunması, görüntü istihbaratı uzaydan. Yani bir defa bu noktalarda, eee, sen ev ödevini yapıp yeteneklerini geliştirmediysen hani İsrail'le, Amerika'yla az alaşına bile orada şey yapmaman lazım. Şimdi bu önemli bir şey. eee, husus buralarda, eee, kusursuz bir durumda olması lazım. eee, bir gücün eğer eee gerçekten böyle bir mücadeleye kendisini eee hazırlıyorsa onun dışında hava savunma sistemleri eee radar sistemleri karıştırıcı sistemler eee yani bunlar konusunda da eee yani çok etkili olması lazım ki bir ülke kendi gökyüzünü koruyabilsin."
والتصريحات هذه تأخذني لسؤال الحلقة: لو في دولة من دول الشرق الأوسط هي التالية على قائمة الاستهداف الإسرائيلي بعد إيران، مين ممكن تكون الدولة هذه؟ تركيا ولا دولة ثانية؟ لو أنت مكان نتنياهو هتفكر إزاي؟
تابعوا إجاباتكم في التعليقات. في النهاية، يا ريت لو عجبتكم الحلقة وحابين تشوفونا تاني، اشتركوا في القناة واستنونا في حلقات جديدة بإذن الله. سلام.