Transcription
[موسيقى] بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين. أهلاً ومرحبا بكم مشاهدينا الكرام ضمن حلقة أخرى من حلقات برنامجكم الدين والقانون. في هذا البرنامج نواصل اكتشاف الأبعاد العميقة للعلاقة بين الدين والقانون، وكيفية تأثير كل منهما في الآخر على مر العصور.
اليوم سنتناول موضوعاً ذا بال، وهو دور العقل البشري في أحكام الدين والقانون. كيف يمكن للعقل البشري أن يفهم ويستنبط الأحكام الشرعية؟ وما هو دوره في تفسير القوانين؟ هل يمكن أن يكون للعقل دور في تعديل أو تغيير بعض الأحكام في الدين والقانون؟ أسئلة وأخرى نناقشها ونبسط القول حولها مع فضيلة الأستاذ الدكتور سيدي عبد الرحيم الأمين، أستاذ التعليم العالي بكلية الحقوق جامعة محمد الخامس بالرباط، مدير معهد محمد السادس للقراءات والدراسات القرآنية. مرحباً بك أستاذ فاضل.
شكراً لكم على الاستضافة، وشكراً للمشاهدين الكرام.
إذاً أستاذي الفاضل، كيف يمكن للعقل البشري أن يساعد في تفسير النصوص الدينية؟
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. من المعلوم أن الحكم الشرعي هو خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين، بمعنى أن الحكم الشرعي هو كلام الله. ولكن كيف نتوصل إلى هذا الحكم؟ إما من خلال القرآن الكريم أو السنة النبوية، وهما وحي، وإما من خلال الاجتهاد. وبالتالي، فإن الوصول إلى هذه الأحكام الشرعية يتم بواسطة أعمال العقل في فهم هذه النصوص أولاً، وفي الاجتهاد فيما لا نص فيه ثانياً.
فالقرآن الكريم والسنة النبوية، يجتهد المجتهدون أولاً في ثبوتها. فالقرآن الكريم إذا كان قطعياً الثبوت من حيث كونه متواتراً، إلا أن السنة النبوية أغلبها آحاد. ولذلك، فيجتهد المجتهد على مستوى الإثبات، على مستوى السند، على مستوى القول بالتجريح والتعديل، على مستوى الاتصال وعدم الاتصال. فهذه، فهذا كله مجال للاجتهاد. ولهذا، فإذا ما ثبت عند المجتهد أن هذا الحديث النبوي صحيح، فإنه يعمل به إذا لم يعارضه طبعاً، فهو يكون حجة. وإذا ظهر له من خلال اجتهاده أن هذا الحديث غير صحيح، فلا ينبغي العمل به. فهناك دور للعقل البشري حتى على مستوى إثبات النص الشرعي.
ثم بعد التسليم بسلامة النص على مستوى النقل وعلى مستوى الصحة، يأتي دور الفهم ودور الاجتهاد في فهم هذا النص. فالنصوص الشرعية بعضها قطعي، سواء كانت قرآناً أو سنة. بعضها قطعي، أي لا مجال فيه للاجتهاد. وذلك مثلاً في الأعداد ثلاثة أيام بالنسبة لكفارة كفارة اليمين مثلاً، فهذه الثلاثة هي نص لا يمكن أن تفسر على أنها أربعة ولا على أنها اثنان. فحينما يكون النص قطعياً، فهذا لا مجال فيه للاجتهاد. وهذا الذي قيل فيه: "لا اجتهاد مع وجود النص". والنص هو ما لا يحتمل إلا معنى واحداً.
ولكن هذا النوع من النصوص هو قليل جداً في الشريعة الإسلامية. أما أغلب نصوص الشريعة الإسلامية فهي نصوص ظنية قابلة للفهم المختلف. ولذلك نجد المفسرين يختلفون في تفسير القرآن الكريم. فيرى مثلاً الطبري أن معنى هذه الآية هو كذا وكذا، ويرى القرطبي مثلاً أن معنى الآية هو كذا وكذا. بل إن هذا الاختلاف نجده حتى عند الصحابة أنفسهم. نجد رأي ابن عباس، ورأي ابن مسعود، ورأي ابن عمر، وهكذا. هذا كله، هذا الاختلاف لا يرجع إلى أصل الشريعة، وإنما يرجع إلى أعمال العقل البشري في فهم الشريعة. أما أصل الشريعة فهو أصل واحد لا مجال فيه للاختلاف، لأن مصدرها هو الله عز وجل. ولكن أين يأتي الخلاف؟ يأتي الخلاف في أعمال العقل في فهم هذه النصوص. ولذلك، فـ فـ نصوص الشريعة يعني أغلبها ظنية، ويأتي دور العقل البشري في فهمها، وذلك بإعمال مجموعة من القواعد والضوابط التي تساعد على فهم نصوص الشريعة.
نعم، في هذا الإطار سيدي عبد الرحيم الأمين، كيف يمكن للعقل أن يتدخل في تفسير أحكام الشريعة وفقاً للظروف المتغيرة؟
نعم، هو كما قال الشاطبي وغيره، الاجتهاد نوعان. هنا هنا اجتهاد في فهم النص، اجتهاد في فهم النص وفي دليل النص. وهناك اجتهاد في مناطه والمقصود بالمناط، وهذا الواقع يتجدد. فنجد الحكم الشرعي مثلاً يتحدث عن حكم معين، ولكن عند التنزيل لابد من مراعاة الأحوال. لابد من مراعاة الرخصة والعزيمة، لابد من مراعاة الضرورة. لابد من مراعاة، فـ فـ مثلاً الصيام واجب على مسلم، ولكن من المسلمين من هو ضعيف، من هو مريض، من المسلمين من هو مسافر. فما هو هذا السفر الذي يبيح يبيح الفطر؟ وما هو هذا المرض الذي يبيح الفطر؟ ومن من الناس من المكلفين من هو ضعيف لكونه شيخاً فانياً؟ وبالتالي، فـ فـ عند التنزيل يأتي الدور دور العلماء لتنزيل ذلك الحكم على الواقع. وربما العالم لا يعتمد فقط على نفسه في تشخيص الواقع، وإنما يعتمد على الخبراء، يعتمد على أهل الخبرة من من الناس، التجار مثلاً، أو الأطباء، أو غيرهم. فهنا أعمال العقل على مستوى نقل النص من هو من كونه حكماً وحكماً نظرياً عاماً إلى تنزيل على أرض الواقع. وهذا هو الذي يقوم به القضاة ويقوم به المفتون عندما يريدون تنزيل الحكم على أرض الواقع.
نعم، ونحن نتحدث هنا عن دور العقل في فهم الأحكام الشرعية، لابد أن نتكلم أيضاً عن دور العقل في فهم الأحكام أو القوانين، خاصة وأننا نتحدث في هذا البرنامج القانون والدين عن هذا الدور التكاملي ما بين الدين والقانون خدمة للأفراد والمجتمعات. كيف يسهم العقل البشري في تفسير النصوص القانونية لضمان تطبيقها بما يتماشى مع مصلحة المجتمع؟
هو النص القانوني طبعاً، حينما نتحدث عن القانون، فنحن نقول إن الأصل هو أن العقل البشري هو الذي يفرز لنا هذه القوانين وينشئ لنا هذه القوانين، إما بالاستناد إلى نصوص الشريعة كمصادر مادية، وإما بالاستناد إلى المصالح العامة التي لا تتنافى مع الشريعة الإسلامية. غير أن هذه النصوص أيضاً، كما أشرنا إلى ذلك في حصص سابقة، قد يكون قد يعتريها العيب. قد يعتريها العيب، إما قصور، إما خلل في النص، إما وبالتالي فلابد من تفسير. وهذا التفسير يقوم به القضاة، ويقوم به أيضاً الفقهاء، فقهاء القانون الذين يفسرون هذا القانون. وهناك مدارس مختلفة في تفسير القانون. أهمها مدرستان. هناك مدرسة ما نسميه بالشرح على المتون. وهناك مدرسة تسمى بالشرح على المتون. وهذه المدرسة تهتم فقط بالألفاظ الواردة في التشريع، الألفاظ الواردة في القانون، تحاول فهمها انطلاقاً من العام والخاص، دون النظر في الملابسات ولا في الظروف ولا في سياق إنشاء هذا القانون. فهذه مدرسة تعتمد على الألفاظ. وهذه المدرسة هي تعتمد القواعد الأصولية، وإن كانوا لا يصرحون بها، ولكن تعتمد القواعد، قواعد اللغة، لأنها تنظر إلى النص القانوني كألفاظ، ولا تنظر إلى أي شيء آخر. هذه مدرسة تسمى مدرسة الشرح على المتون.
وهناك مدرسة أخرى تسمى المدرسة التاريخية أو المدرسة العلمية، التي تعتبر الألفاظ إنما هي قوالب، لكن حينما تريد تفسيرها وتفسير النصوص، حينما يتغير الواقع، تعود إلى إرادة المشرع. ماذا كان يريد المشرع؟ ما هي مقاصد المشرع من ذلك؟ وبالتالي قد تتجاوز الألفاظ إلى أن تأخذ بعين الاعتبار أسباب نشأة هذه القاعدة القانونية، وكيفية تطبيقها، والملابسات والمتغيرات التي طرأت على هذه القاعدة عند التنزيل. وبالتالي، فعقل البشري يقوم بدور كبير في تفسير هذه النصوص، سواء عند المدرسة، مدرسة الشرح على المتون، أو عند مدرسة العلمية، أو المدرسة التاريخية.
يعني، فهل يعتمد القانون على المنهج العقلي فقط، أم هناك عوامل أخرى تساعد في صياغته؟
هناك مجالات مختلفة لصياغة القواعد القانونية، وقد أشرنا إلى ذلك عند حديثنا عن المصادر. فهناك العقل البشري، الذي به ندرك المصلحة. وعلماؤنا المتقدمون أيضاً، حينما نتحدث عن الإمام الشاطبي والعز بن عبد السلام، هم يتحدثون عن المصلحة. لكن هذه المصالح كيف تدرك؟ هذه المصالح التي جاءت الشريعة الإسلامية لتحقيقها. فهناك من يقول بأن هذه المصالح لا تدرك إلا بواسطة الشرع. وهناك من يقول بأن هذه المصالح تدرك بواسطة العقل. وهذا ما يراه العز خاصة. المصالح الدنيوية، المصالح الأخروية لا تدرك إلا بالشرع، ولكن المصالح الدنيوية يدركها العقل، لأن العقل يميز بين الصالح والطالح، بين ما ينفع الناس وما يضرهم. وبالتالي، فللعقل دور كبير في تحقيق في إدراك هذه المصالح. وهذه المصالح هي التي نعتمدها في القانون. وبالتالي، فإن المنظومة القانونية هي قائمة على المصالح وعلى تحقيق هذه المصالح لإسعاد الإنسان في دنياه.
نعم، أكيد. وهنا نود أن نتحدث عن بعض الأمثلة. هل توجد أمثلة على حالات تم فيها استخدام العقل البشري لتحقيق العدالة، يعني في القانون والأحكام الدينية؟
نعم، حينما نريد تطبيق النصوص الشرعية في بعض الأحيان، بالنظر إلى الواقع المتجدد، قد نجدها لا تحقق العدالة بالنظر إلى الواقع المتجدد، لأن تلك النصوص جاءت في سياقات معينة، وهذه السياقات اختلفت. فإذا أخذنا مثالاً مثلاً على ذلك، نجد الله عز وجل يقول: "وأشهدوا ذوي عدل منكم". والفقهاء قرروا أن الكثير من القضايا لا تثبت إلا بشهادة العدول، وبشهادة عدلين على الخصوص. لكن ماذا لو انعدم العدول أو قل العدول في مكان ما؟ فماذا نفعل؟ هل نعطل هذه المصالح؟ هذا الأمر افتى فيه العلماء قديماً وحاولوا إيجاد حلول عقلية في إطار المصلحة. ونحن في المذهب المالكي نأخذ بالمصلحة المرسلة. مثلاً شهادة اللفيف، وهي التي نعرفها نحن في المجتمع المغربي بـ 12 شاهداً. هذه معروفة. إذا، هؤلاء الـ 12 شاهداً، ما هو؟ هو إثبات حق ما. فهذا، هذا لا نجد له حديثاً مباشراً لا في القرآن ولا في السنة. ولكن حينما عرض على العلماء قلة العدول أو ضعف العدالة أو هكذا، فـ فـ بحثوا عن حلول. فقالوا: الاكثار من الشهود، كما قال القرافي وغيره. إذا كان عدلان يشهدان على واقعة ما، وكان هناك مجموعة من الأشخاص ليسوا بعدول أو لا تتوفر فيهم شروط العدالة، فينبغي أن أن نكثر منهم إلى إلى درجة 12 شاهداً، وذلك لإثبات الحقوق. فإذا ما وقع زواج مثلاً بين رجل وامرأة وشهد عليه عدلان، ولكن في خاصة في الزمن الماضي حينما لم يكن هناك توثيق ولا وسائل إدارية متطورة التي تثبت هذه العلاقة الزوجية، فنرجع إلى من يعرفهم من الناس أنهما زوجان، وهما 12 شاهداً، فنعتمد عليهم. وهذا شهادة اللفيف، وهي لا شك أنها اجتهاد مبتكر، لأن الغاية من الشهادة من شهادة العدلين هي إحقاق الحقوق لما تضمنه لما تتضمنه هذه الصفة، العدالة، من من ضمانة ومن من توثيق.
نعم، الأستاذ سيدي عبد الرحيم، وأيضاً هناك جوانب أخرى في زماننا المعاصر، تطورات علمية كثيرة، يعني يحضر فيها أعمال العقل البشري في إثبات مجموعة من الحقوق. نتحدث الآن عن الخبرة الجينية، الـ DNA. بغينا تفسر لنا سيدي عبد الرحيم، يعني دور العقل البشري وأعمال العقل البشري في مثل هذه الحالات، يعني تحدثنا عن الجانب الديني وتحدثنا عن اللفيف، نتحدث الآن أيضاً عن الجانب القانوني.
نعم، هو ينبغي أن نعلم أن المعاملات بشكل عام هي معقولة المعنى، كما يقول الفقهاء، أي أن أي إجراء أو قانون له مقاصد. فالمقصد من الإثبات، من قواعد الإثبات، ومن الشهادة وغيرها، هو إثبات الحقوق والتمييز بين النكاح والسفاح مثلاً في عقد الزواج. فالغاية وهي إثبات الحقوق، وليس الأمر تعبداً. فهناك جانب تعبدي وهناك جانب معقول. فإذا كانت الغاية إثبات الحقوق، فإننا يمكن أن نتجاوز هذه الوسائل التقليدية إلى وسائل حديثة، ربما هي أدق، أدق من هذه الوسائل التقليدية. ومن هذه الأمور، هذه الخبرات العلمية الآن. نحن نعيش في الكاميرات والتسجيلات والخبرات الطبية، الـ DNA وغيرها. فهذه الوسائل مقبولة إذا ما تحضرنا أن الغاية هي هي إحقاق الحقوق. ولهذا، فمن ما نصت عليه مدونة الأسرة أن الخبرة الطبية هي وسيلة من وسائل إثبات الزواج مثلاً، وإثبات النسب، إذا طبعاً إذا توفرت شروطه. وهذا ليس ليس فيه ما يخالف الشريعة الإسلامية، سيما وأن حتى في الشريعة الإسلامية نجد هذه المرونة. فقد سئل إمامنا مالك عن شهادة قطع الطرق بعضهم على بعض إذا وجد مكان لا يوجد فيه عدول، وإنما يوجد فيه قطاع الطرق. فقام أحدهم مثلاً بالاعتداء على أحد أو قتله، فهل نبحث عن العدول؟ فالعدل لا يمكن أن يوجدوا في مثل هذه المقامات. فقبل الإمام مالك شهادة قطاع الطرق بعضهم على بعض. وقبلت شهادة الصبيان بعضهم على بعض إذا كان هناك صبيان يلعبون فيما بينهم، فوقع أن أحد الصبيان اعتدى على آخر بفقء عينه أو اعتدى عليه في جسمه أو نحو ذلك، فنقبل شهادة هؤلاء الصبيان لأنه لا يوجد بينهم كبير. وبالتالي، فهذا يدل على أن الشها، على أن الإثبات هو معقول المعنى. وبالتالي يدل على قبول هذه الوسائل المتطورة، سيما في المجال الجنائي، الذي كما تنص على ذلك، ينص على ذلك قانون المسطرة المدنية، يحكم القاضي باقتناع صميم، واقتناعه قد يأتي من هذه التسجيلات وهذه، سواء كانت سمعية أو بصرية أو غير ذلك.
نعم، شكراً لكم الأستاذ سيدي عبد الرحيم على هذه الإشارات والإضاءات النيرة التي تبرز ذلك التناغم والتكامل ما بين الدين والقانون دائماً لتحقيق العدالة وتنظيم السلوكيات. مشاهدينا الكرام، تناولنا في هذه الحلقة موضوع دور العقل البشري في أحكام الدين والقانون. فالعقل هو الآلة التي من خلالها نستطيع فهم أحكام الدين والتشريع، ويظل أساساً لتفسير القوانين وتطويرها بما يتناسب مع المتغيرات الحياتية. في الحلقة القادمة بحول الله تعالى سنتناول موضوعاً جديداً دائماً ضمن برنامج الدين والقانون، وهو موضوع دور الأعراف والعادات في أحكام الدين والقانون. إلى ذلكم الحين، دمتم في رعاية الله والسلام عليكم وتعالى وبركاته.