📱

Get Our Mobile App

Take your business learning on the go!

Download on the App StoreGet it on Google Play

الحياة المؤجلة .. التي لا تأتي أبدا !

عماد رشاد عثمان12:13

Transcription

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

النهاردة الحياة علمتني إيه؟ النهاردة الحياة خبطتني بمعنى مهم قوي إن إحنا أحياناً بنعيش حياة مؤجلة. حياتنا بتبقى بطعم الانتظار، عايش بس إنت حرفياً عطلان عن الحياة ودماغك في لحظة مستقبلية هتشعر فيها بالاكتمال أو إنك جاهز عشان تعيش.

لقيت نفسي ببساطة كده، أحياناً ببقى غرقان في الطموح أو التطلعات إن أنا عايز كذا وعايز أحقق كذا. والفترة دي مركز في الحاجة الفلانية ومحتاج إن أنا أعمل في حياتي واحد واتنين وتلاتة. وأصبحت أيامي كلها الحالية هي إعداد وتجهيز للقادم. وأصبحت من جوه في حالة انتظار للحظة اللي هتخلص فيها الدراسة، اللي هيكون فيها معاك ما يكفي من الفلوس، اللي هيكون متفرغ، اللي هتاخد فيها إجازة، ملاحظات مستقبلية عشان تعيش. لدرجة إني أحياناً مش أنا لوحدي، الناس كلها أحياناً بتعمل كده.

عشان الناس اللي إنت بتحبها، يعني إنت بتبقى مركز في حاجات تانية مستقبلية وعمال تعد وتجهز حاجات مستقبلية عشان الناس اللي بتحبها. وإنت بتعمل كده عشان الناس اللي بتحبها بتأثر في حق الناس اللي بتحبها، بتأثر في حقهم، بتبعد عنهم، بتنعزل عنهم، بتأثر، بتبقى مش موجود من أجلهم إعداداً لوقت مستقبلي هتكون فيه متفرغ ليهم.

إحنا بنعمل كده مع نفسنا، آسف يعني، بنسيء صحبة نفسك وتأثر في حق نفسك إعداداً لوقت مستقبلي بتظن واهماً الوقت ده ما بيجيش. بتظن واهماً إنك هتكون متفرغ عشان تاخد بالك من نفسك. إحنا عاملين شبه اللي عمال يشتغل ويشتغل ويحوش ويحوش ويحوش ويحرم نفسه من الملذات ويحرم نفسه من المتعة ويحرم نفسه من الاعتناء بنفسه وعمال يحوش ويكنز للوقت اللي هيطلع فيه على المعاش. ولما طلع على المعاش خد الفلوس دي وصرفها على العلاج عشان يبقى بس قادر يعيش.

كتير والله موضوع الحديث ذو شجون. موضوع مؤلم إنك تشوف قد إيه من يومك في المك رايح في حياة مؤجلة، في عايش وفي نفس الوقت إنت لا تحيا في اللحظة الحاضرة، غافل عن الأشخاص وعن المعاني والقيمة واللذات الصغيرة والنجاحات البسيطة في الدنيا إعداداً لنجاح كبير. بقت حياتنا عبارة عن سباق خط النهاية فيه بنظن إن هو ساعتها إحنا هنرتاح وهنهدى ونبتدي نبص بقى الحياة عايزة مننا إيه.

بس المصيبة إن إحنا بقى، ودي الأصعب في الطموح ودي الأصعب في التطلعات، إن كل يوم وكل ما بنقرب من خط النهاية إحنا طبعاً بنبعده أكتر. فتخلص الكلية تفكر مع الناس الدحيحة اللي زي حالاتي، تخلص الكلية فتفكر في هتعمل إيه بعد كده. تقول طب بعد ما أخلص الماجستير أكيد هتفرغ. وبعدين تبتدي تفكر في إنك هتعمل إيه بعديها. وعمال إنت تبعد بنفسك خط النهاية.

تخلص إنجاز معين تقول في الصيف، تقول بعد ما أخلص الضغط الشغل الفلاني ويطلع لك واحد تاني وتالت ورابع. لأن إنت بتظن إن هناك وقت ما، وده وهم، وده وهمنا الكبير، بتظن إن هناك وقت ما هيكون خالي من المنغصات وفراغ من كل حاجة معكرة وهتكون جاهز ساعتها عشان تعيش.

لدرجة إن إحنا حتى بنأجل علاقتنا بربنا إلى وقت نكون فيه تجريد، نكون فيه جاهزين لك يا رب، جاهزين لك يا رب. دلوقتي إحنا مضغوطين شوية، فعاملين إيه؟ يعني بنمشي على خط وخط، بنمشي نمشي على سطر ونسيب سطر ونقع شويتين. ليه بنمني نفسنا إن في لحظة ما هنكون فاضيين وهنكون جاهزين وما عليناش ضغوط؟

ناس كتير تقول لما أتجوز، وناس كتير تقول طب لما أخلف، وناس كتير تقول طب لما أخلص شغل والحاجات دي للأسف ما بتخلصش. واللي خبطني إن إحنا بنعد الحاجات دي من أجل غايات لينا وللناس اللي إحنا بنحبهم. لكن في سبيل إعدادنا للحاجات دي بنأثر في يعني فيما يخص نفس الغايات، فبنأثر في حق نفسنا وبنأثر في حق الناس اللي بنحبهم. وبتصبح الحياة كلها مؤجلة.

كتير منا عاشوا مع آباء حياتهم كلها كانت بره مثلاً بعيد عننا أو مسافرين أو غيره للحصول على المال عشان يرضونا. وإحنا ساعتها كنا كل اللي إحنا محتاجينه حرفياً هو إن هم يكونوا موجودين. وإحنا بنكرر نفس الموضوع. بس أحياناً بننشغل نفسياً، بس أحياناً بننشغل ذهنياً، بس أحياناً بنبقى حاضرين في اللحظة الحاضرة جسداً لكن غائبين تماماً ذهناً. فإحنا مش موجودين. إحنا موجودين عاملين شغالين بالأوتو بايلوت. إنت بتقوم وبتمارس نفس الحاجات مع الناس اللي إنت بتحبها وبتمارس نفس الحاجات مع نفسك وتمارس نفس الحاجات مع ربنا بس بالجسد وبس.

الدماغ فين؟ الدماغ في بكرة. الدماغ عايشة في إيه اللي هيحصل النهاردة؟ إيه اللي هيحصل بكرة؟ أنا لازم أعمل إيه؟ عارف الشوشرة دي دايم موجودة جوه الدماغ حوالين ما ينبغي أن أفعله وحوالين ما أريد وما أتطلع عليه، غافلاً عما أملك فعلياً. مركز مع اللي أنا عايزه وناسي اللي عندي فعلاً.

تركيزي المفرط مش بقول إن إحنا نسيب طموح ومش بقول إن إحنا نسيب التطلعات. لكن أحياناً الطموح ما بيبقاش طموح، بيبقى هوس متقنع كده ولابس قناع الطموح. بيبقى طمع وشر وجشع لابس كده عباية وماسك سبحة وبيقول لك إن أنا مجرد تطلعات ومجرد غايات ومجرد معنى ومجرد سعي للنجاح. وده أمر طبيعي ومحمود. لكن هو في حقيقته بيبقى شر وهوس لأنه مخليك غافل عن اللحظة الحاضرة، مخليك غافل عن الناس اللي إنت بتحبهم، مخليك غافل عن إنك تدوق السعادات الصغيرة، إنك تدوق لحظة حلوة مع حد إنت بتحبه أو تدوق حتى لحظة حلوة مع نفسك. إنك تستمتع بهذه اللحظة الحاضرة بحضورك جسداً وذهناً فيها.

إنك تقف الأوتو بايلوت وتمسك المانيوال بقى وتبتدي تشتغل إنت، وإنت اللي تسوق نفسك، إنت اللي تبقى موجود وإنت بتاكل. أنا مش فاكر آخر مرة قعدت آكل بس عشان آكل. بقى بالنسبة لي الأكل وقت لازم نستفيد بيه. نتفرج حتى ولا نتفرج على فيلم؟ طب نتفرج على مسلسل؟ طب نتفرج على دوكمنتري؟ طب ممكن كده هتقعد تقلب في الصفحات قدام. لكن فكرة إن إنت تاكل لمجرد الأكل، تستمتع بهذه اللحظة الحاضرة اللي أنا آسف يعني رغم كل اللي هقوله ممكن يبدو لبعض الطموحين مبتذل، بطعم الأكل في بقك، بملمس المعلقة، بسخّيته، ببخاره، بتأمله شكله حتى.

لا أتذكر أني سقت العربية وأنا ما بعملش حاجة تانية. بسمع مزيكا أو بسمع أو بشغل فيديو أحياناً على اليوتيوب أو بسمع أوديو بوك أو بشغل الراديو. المهم فكرة إن إنت تبقى موجود في الفعل اللي إنت بتفعله دلوقتي. بس إنت كلك عبارة عن سواقة دلوقتي. إنت مستمتع بكل لحظة فيها، حاضر فيها بشكل كامل، منتبه لكل اللي بيدور حواليك في هذه اللحظة. ودايماً هناك شيء يدور بس إحنا بنبقى غافلين عنه، متأملين فيه وبتطلع منه بمعاني.

ما عارف إمتى حصل ده. لا أتذكر. أنا دخلت أنام من وقت طويل قوي لمجرد إن أنا تعبان وعايز أنام. لا أنا لازم قبل النوم تبقى ماسك الكتاب وتنام عليه أو تبقى بتعمل حاجة قبل النوم. فكرة إنك تعيش اللحظات الحاضرة بقينا بنشوف اللحظة الحاضرة مستهانة، مستسخفة، مبتذلة، محتقرة. يعني إيه الواحد يخش ينام ويضيع وقت؟ يعني إيه الواحد يقعد ياكل؟ يعني إيه الواحد يقعد مع شريك حياته لمجرد إن هم قاعدين ما بنعملش أي حاجة؟

إنك تقعد تستمع إلى كل هراء وعبث أطفالك لمجرد الاستماع. إنك تبقى موجود من أجل صديق من غير ما يبقى في أي نوع من أنواع الغايات في القاعدة دي. إنك تكون موجود هنا والنهاردة ودماغك في هنا والنهاردة وهنا. يعني دماغك ما تبقاش في إيه اللي بيحصل بره؟ في إيه اللي بيحصل في حتة تانية؟ في إيه اللي هيحصل بكرة؟ في إيه اللي هيحصل بعد كده؟ تبقى موجود دلوقتي وبس.

الحياة خبطتني فيها إن كأي بني آدم ماشي في الدنيا عمال يعد، عمال يجهز للحظة اللي هيشعر فيها بالاكتمال، اللي هيشعر فيها إن يلا بينا كده الدنيا جهزت، يلا بينا نعيش. وللأسف اللحظة دي ما بتجيش. بقى لي كتير جداً مستنيها بس هي ما بتجيش. وكل فترة أقول إن هي دي وده الوقت اللي إنت مفروض تعمل فيه أو ده الوقت المفروض تبتدي بقى تبص لحياتك اللي إنت ماجلها ومعطلها وسايبها على الرف وفاتحها لكن لسه ما قفلتهاش وملفاتك المفتوحة الكتير. بس اللحظة ما بتجيش. تقول طب بعد الدراسة الفلانية؟ طب بعد ما تحقق الفلوس الفلانية؟ طب بعد انتهاء الشهر الفلاني؟ طب بس للأسف ما بتعملش حاجة من دي.

فمحتاجين نفرمل. الحقيقة خبطتني في إن إحنا محتاجين نفرمل. محتاجين نقف ونبص على اللي إحنا مضيعينه في سبيل إن إحنا نحقق له حاجة. يعني ممكن بنضيع أحياناً أطفالنا في سبيل إن إحنا نحقق لأطفالنا حاجة. بنضيع بنخلق في النهاية كده كائنات محتاجة ومفتقدة للاستيعاب وعندها جوع وعندها شعور بالخذلان. لكن عندهم بلاي ستيشن 4، لكن عندهم عربية نظيفة، لكن عندهم شقة حلوة قوي. بس هم من جوه فاضيين. عندهم كل حاجة لكن بيشعروا بالخواء. فإحنا بنكرر نفس الكلام من غير ما ناخد بالنا.

وهي دوامة وساقية بتسحبنا كلنا من غير ما ناخد بالنا. دوامة إنك ما تبقاش موجود هنا والنهاردة ومستمتع بالحاجات الصغيرة والسعادات الصغيرة والنجاحات الصغيرة. إنك تبقى راضي بمساحتك الحالية من الدنيا. آه بتعمل حاجات فيها تدبير وفيها تجهيز للمستقبل، لكن مش مستغرق فيها، مش مستحوذة عليك، مش غايب تماماً فيها عن وجودك هنا ودلوقتي.

بسأل ربنا إنه يرضينا بمساحتنا كده الصغيرة من الدنيا ويخلينا نركز مع الجمال المستور فيها واللي إحنا غافلين عنه ويمتعنا بالنجاحات الصغيرة دي ويحمينا بقى من السباق اللي مستحوذ علينا والجري الدايم اللي تعبنا ده. يعني وأشوفك على خير بكرة.