Transcription
أهلاً بكم. لا يمر تصريح أو مقابلة أو خطاب لوليد جنبلاط دون أن يحدث ضجة أو يثير جدلاً. فكيف إذا تعلق الأمر بكتاب يختصر فيه قصة حياته الشخصية والسياسية ويمر مواقف ويكشف أسراراً ستحدث حتماً صدمة لكثيرين، بما فيها أسرار تتعلق بعمله. هو من مساعدة السعودية له مثلاً في حرب الجبل، إلى قيادته شخصياً قوات عسكرية من حزبه للقتال إلى جانب القوات الليبية ضد تشاد مقابل أموال العقيد معمر القذافي، وكيف زار تلك القوات مع زوجته السيدة نورا التي تلعب إلى جانبه دوراً سياسياً وثقافياً كبيراً، إلى تمريره مبعوثاً من عند الجنرال ميشيل عون أثناء تمرده على السوريين للقاء الإسرائيليين لمعرفة رأيهم، إلى ما قاله له الرئيس الشهيد رفيق الحريري بعد عودته من اللقاء العاصف والأخير مع بشار الأسد، وصولاً إلى تلك الشخصية الدينية الغامضة التي دفعت القائد الشهيد كمال جنبلاط لكتابة مقالات ضد سوريا والتورط في معركة ضد العلويين والأسد، وكان مدسوساً على ما يبدو من مخابرات أجنبية.
لكن أيضاً سنعرف في الكتاب كثيراً عن الحياة الشخصية لسليل العائلة الجنبلاطية الأرسلانية، حيث كنا نظن أنه لم يكن قريباً من والده قائد الحركة الوطنية كمال جنبلاط، لنكتشف تماماً العكس، حتى ولو أن تأثير أمه عليه السيدة مي أرسلان جنبلاط كان كبيراً. ولعله أخذ منها حرية التفكير والغضب السريع وسعة الثقافة والتمرد. والمهم في الأمر أن وليد جنبلاط، الرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي، والذي لغرابة الأمر لم يخصص في الكتاب عنواناً بارزاً وخاصاً للحزب، كتب مذكراته وهو على قيد الحياة، بينما وكما يقول في المقدمة، فإن قليلاً فقط من آل جنبلاط رحلوا بطريقة طبيعية. فجده وجده ووالده قتلوا، وهو الهاجس الذي سكنه طيلة حياته حتى سلم الراية الحزبية والسياسية لابنه تيمور، لكن مع بقائه حارساً لهذه الراية.
إليكم بعضاً مما ورد في هذا الكتاب المهم، الذي يقرأ لمضمونه وسلاسته بمتعة كبيرة، رغم يقيني بأن وليد جنبلاط لم يقل كل ما يعرف، وبقيت أسرار كثيرة طي الكتمان لأسباب لا يعرفها سواه، أو ربما لكتاب لاحق، من يدري.
يستهل وليد جنبلاط كتابه بكثير من التشاؤم الذي تفرضه النظرة الواقعية للمشهد العربي الحالي، فيقول: "خلال 50 عاماً من الحياة السياسية التي بدأتها عام 77، لم أعرف سوى الصراعات. أشعر وكأنني أعيش حرباً لا نهاية لها، لكن إلى أين سيقود ذلك؟ لا أعلم. إنها نكبة جديدة تتكشف أمام أعين عالم عربي قد يكون مهدداً بلا يعود له وجود. ففلسطين التاريخية لم تعد موجودة، والتجزئة التي طالت الأراضي بفعل الاستيطان الإسرائيلي لم تعد تتيح أي تواصل جغرافي بين الأراضي الفلسطينية، ومن العبث الحديث عن دولة فلسطينية في هذا السياق."
القائد الوطني الكبير الشهيد كمال جنبلاط، الذي أسس الحزب التقدمي الاشتراكي وقاد الحركة الوطنية اليسارية في لبنان، يأخذ حيزاً جيداً من الكتاب، وكأنه لجنبلاط نجله يريد أن ينصفه سياسياً من جهة، وأن يبوح له بعاطفة لم يقلها له مباشرة وهو على قيد الحياة. فنحن نشعر بعمق الجرح الذي تركه استشهاده في نفس وليد جنبلاط، والذي لم يبرأ منه حتى اليوم. وهو يكشف كيف حصل الاغتيال عند تخوم بلده دير دوريت في الطريق إلى المختارة، فيقول: "ترجل أربعة رجال من السيارة التي قطعت الطريق على سيارة كمال جنبلاط. كانوا يرتدون بالذات عسكرية مموهة. أمسك أحدهم بالقوة بالمقود الذي كان والدي يمسكه، فقاومه والدي، لكنه قتل على الفور. أما حارسا شخصيان اللذان بقيا في الخلف فقد أرديا قتيلين على الطريق. ولوقت طويل ظللت أتساءل إن كانت تلك الحركة الأخيرة من المقاومة التي أبداها والدي هي التي تسببت في مقتله. ألم يكن القتلة يريدون فقط اختطافه؟ لكن إلى أين؟ إلى أين كانوا سيأخذونه؟ كانت حوادث الاختطاف كثيرة في ذلك الزمن. وإحياءً لذكرى تلك الجريمة البشعة، احتفظت بسيارة والدي كما هي."
السؤال أيها الأعزاء المشاهدين، عما إذا كان المقصود هو الخطف، يطرح إذاً أكثر من علامة استفهام عن الاغتيال نفسه. لكن جنبلاط يعود إلى دور رفعت الأسد، شقيق حافظ الأسد، في هذا الأمر، خصوصاً أن الرجل كان قد تجول في القرى المجاورة لمكان الاغتيال قبل أيام قليلة من حصوله، وهو ما كرره رفعت الأسد أكثر من مرة نفيه ونفي أي علاقة لهذا الاغتيال. وإذا كان وليد جنبلاط يعود في أسباب الاغتيال إلى الخصومة التي حكمت علاقات كمال جنبلاط وحافظ الأسد، بسبب رغبة الأخير بالسيطرة على لبنان، وكذلك بسبب اللقاء العاصف الأخير الذي جمع الأسد وجمبلاط، والذي قال فيه قائد الحركة الوطنية لسيد دمشق وجهاً لوجه وفي قلب دمشق وبجرأة قل نظيرها، في ذلك الوقت قال كمال جنبلاط لحافظ الأسد: "إني أطالبكم بسحب قواتكم من لبنان، فنحن نريد أن نبقى مستقلين، ولن أدخل السجن العربي الكبير."
إلا أن وليد جنبلاط يبقي باب الشكوك مفتوحاً بقوله: "إن لغز مقتل والدي لم يحل بعد. وقد أظهر التحقيق أن السيارة التي استخدمها القتلة كانت تحمل لوحة لوحة تسجيل عراقية. لماذا؟ فهل كان ذلك لتحميل العراق المسؤولية بسبب الصدام بين الأسد وصدام حسين؟" لا نجد في الواقع جواباً عن هذا التساؤل. الواقع، كنا نتمنى أن يتضمن الكتاب معلومات معلومات أوفر عن هذا الاغتيال الذي هز لبنان والوطن العربي واحتل معظم وسائل الإعلام العالمية آنذاك، نظراً للبعدين العربي والدولي اللذين تمتع بهما كمال جنبلاط. لكن وكما يقول وليد جنبلاط نفسه: "في لبنان غالباً ما تطوى التحقيقات وحقيقة التحقيقات بسبب السياسة."
لكن اللافت في الأمر أن وليد جنبلاط يؤكد في الكتاب بأن والده الشهيد كمال جنبلاط كان يدرك بأنه سيقتل في عمر الـ 60 عاماً. فالوالد كان متعمقاً بالبعد الروحاني الذي قاده من لبنان إلى طرق الصوفية، ثم إلى أحد معلميه الروحانيين في الهند، طبعاً إضافة إلى البعد الفلسفي والثقافة الواسعة الذين تمتع بهما طيلة حياته.
أما اختطاف الإمام موسى الصدر في ليبيا، فيؤكد وليد جنبلاط أن نائب الرئيس السوري السابق عبد الحليم خدام أكد بالفعل له أن الإمام قد اختطف في ليبيا. حافظ الأسد، بالنسبة لوليد جنبلاط، كان يريد السيطرة على لبنان. لم تكن فلسطين تهمه، بل أراد القضاء على هذا الدور الفلسطيني في لبنان وتلاعب على التناقضات اللبنانية اللبنانية. وردد أكثر من مرة أن اليمين المسيحي بقيادة كميل شمعون وبيير الجميل وسليمان فرنجيه آنذاك قبل الوحدة مع سوريا. لكن وليد جنبلاط يبرر ذلك بأنه كميل شمعون كان داهية في السياسة وربما حاول إقناع الأسد بذلك لكي يحصل على مساعدته.
إليكم هذه القصة الغريبة التي يكشفها وليد جنبلاط عن صدام والده كمال جنبلاط بحافظ الأسد. استمعوا جيداً. يقول: "في السياق المتوتر جداً مع الأسد، أعلم أن جزءاً من المحيطين بوالدي دفعه إلى مهاجمة العلويين مباشرة، وكان ذلك خطأ فادحاً. فقد تسلل إلى الدائرة المقربة من والدي في مطلع سبعينيات القرن الماضي شيخ مشبوه يدعى حافظ العجمي، كان يزعم أنه درزي من فلسطين. وكان في الصباح الباكر يبدأ معاق المطلعات. ويقال أن هذا الشيخ المزيف حرضه على مهاجمة الأسد عبر مقالات شديدة اللهجة كان والدي ينشرها في صحيفة حسبه. أما أنا، فاعتقد أن حافظ العجمي كان مكلفاً بنقل معلومات مضللة إليه، وإيهامه بأن مهاجمة العلويين قد تدفع الأغلبية السنية إلى قلب التوازن الداخلي السوري ضد هيمنة الدكتاتور، وهو ما لم يحدث لا عام 76 ولا حتى خلال الثورة السلمية عام 2011. لقد كانت تلك المواجهة المباشرة حماقة أساسية، إذ لم يكن ممكناً انتقاد عائلة الأسد والعلويين، وكان ذلك بمثابة حكم بالإعدام، وهو ما حدث لاحقاً لميشيل سورا، ذلك الباحث الفرنسي الذي مات أسيراً في بيروت بعد أن كتب عن العلويين وندد بجرائم نظام دمشق. وبعد أسبوعين من مقتل والدي، جاءني هذا الشيخ نفسه، وكان يعلم أنني أكرهه، طالباً مني مبلغاً من المال لكي يتركنا وشأننا. لم أعد أريده في منزلي. ثم في خلال عام 82، بينما كانت الحرب في أوجها، وكنت عائداً بالسيارة من دمشق، توقفت في محطة وقود، فاقترب مني رجل، وهو دبلوماسي إنجليزي من أصل لبناني كان قد تعرف إلي. لم يطرح علي سوى سؤال واحد: ماذا حل بالشيخ حافظ العجمي؟ فأجبته: لا أعلم. فقال لي: أعتقد أنه في أستراليا. وقد أكد ذلك شكوكي بأن هذا الرجل كان مكلفاً بتضليل كمال جنبلاط من قبل قوة أجنبية، ربما من قبل البريطانيين. لكن لأي غرض؟ هل لإضعافنا وتقسيمنا؟ ولماذا طرح علي هذا السؤال وسط الصحراء؟ ما زلت أجهل ذلك حتى اليوم."
وليد جنبلاط يتحدث بكثير من العاطفة عن والده، الذي كان يرافقه إلى رياض اليوغا وهو لا يحب، وكيف كان يتحدث معه بالعربية والفرنسية بالسياسة والثقافة وغيرهما، بينما مع والدته كان الحديث بالفرنسية، وهو تربى على يد مربية فرنسية ودفع ثمن انفصال والديه، رغم أنهما تحابا لكنهما لم يتفقا وفق ما نفهم. وهو إذ يشير إلى الأصول الحلبية لعائلته، فهو يؤكد أن زواج أهله كان سياسياً للجمع بين عائلتي جنبلاط وأرسلان، وأن والدته الحرة التفكير والتي فتحت عينيه خصوصاً على الثقافة الفرنسية في ربوع باريس التي أحبها، تمردت على عائلتها لتتزوج كمال جنبلاط، وأن زواجهما كان مدنياً في سويسرا عام 48، لأن والدته لم تكن درزية. يقول وليد جنبلاط: "بل كانت من الطائفة المسلمة السنية. أما جدي الأمير شكيب أرسلان، الدرزي الأصل، فقد اعتنق المذهب السني في فترة كان يعتقد فيها أن وحدة المسلمين والعرب تمر عبر الاتحاد داخل الإمبراطورية العثمانية، ولا سيما في مواجهة الأوروبيين الذين كانت تتبلور سياساتهم الرامية إلى تفكيك هذا الشرق الأدنى."
ثمة قسم خاص في الكتاب يتحدث عن الدروز وربطهم بالإسلام والفتوى التي صدرت عن الأزهر الشريف في مصر، وبدعم من الزعيم العربي جمال عبد الناصر لتأكيد إسلامهم. لا ندري أيها الأعزاء المشاهدين إذا كان العمر أو التجربة أو القراءات العميقة، لكن وليد جنبلاط يؤكد في الكتاب أنه مؤمن، وأنه لا يمارس طقوس الدين، وأنه أعاد بناء مسجد قرب المختارة كان قد دمر عام 1825 تخليداً لذكرى جده والد أمه المفكر والكاتب العروبي اللامعي الأمير شكيب أرسلان، الذي جاب البلاد العربية والغربية طولاً وعرضاً دفاعاً عن الاستقلال والعروبة والإسلام. يقول وليد جنبلاط في هذا الصدد: "الإيماني، أنا مؤمن وأعلم أن هناك في مكان ما إلهاً كونياً، لكنني لم أهتم بممارسة الإيمان كما فعل والدي. والده كان يهتم بممارسات الإيمان. ولم أتلق يوماً تعاليم العقائد الدرزية، لأن الوقت لم يتحب. لقد منعتني الحرب والحياة السياسية من ذلك، بل التهمتا التهمتا."
ويضيف أنه يفخر بكونه درزياً، ولكنه لا يريد التقوقع هناك. في هذا الأمر، ويقول: "كثير من المسلمين يتساءلون بشأننا: هل أنتم مسلمون؟ والجواب بالتاكيد هو نعم. نحن نعترف بالنبي وبالقرآن الكريم، وصلاتنا هي نفسها: لا إله إلا الله وحده، ومحمد رسوله. وفي التاريخ الكبير للشرق الأدنى، تحولت عائلات درزية إلى المسيحية أو إلى المذهب السني تبعا للظروف، أما حماية لأنفسها أو عن اقتناع. وانطلاقاً من هذا المبدأ، أكرر دائماً لأبناء طائفة ضرورة تعلم الصلاة الإسلامية، لأننا أقلية في هذا الشرق."
في التجربة اللبنانية، وجنبلاط يحمل السوريين وحزب الله مسؤولية معظم الاغتيالات، وكذلك مسؤولية النيترات التي فجرت مرفأ بيروت، والتي قال إنها كانت معدة لأن تنتقل إلى سوريا. ويحمل أخطاء سمير جعجع، وقبله بشير الجميل، المسؤولية عن حرب الجبل. ويحمل اليمين الماروني المسيحي المسؤولية عن استقدام السوريين بعد صفقة حافظ الأسد مع هنري كيسنجر.
أما السر الذي يكشفه بشأن تمرد العماد ميشال عون ضد السوريين ومحاولته الاتصال بإسرائيل، فيرويه وليد جنبلاط كالتالي. استمعوا جيداً. يقول: "طلب مني ميشال عون آنذاك عبر أحد رفاق الحزب التقدمي الاشتراكي، وهو أنطوان الأشقر، أن أؤمن مرور مبعوث لعون، وقد فعلت ذلك بكل طيب خاطر. كان ذلك المبعوث قائداً في الجيش اللبناني يدعى فؤاد الأشقر. جاء إلى منزلي في المختارة، وكان علي أن أرسل معه عناصر من ميليشياتي ليتمكن من اجتياز حاجز جزين الواقع تحت الاحتلال الإسرائيلي باتجاه إسرائيل. وقد قدرت أنه كان يريد عون كان يريد معرفة المزيد عن النيات الإسرائيلية حيال اتفاقات الطائف، ولا سيما حيال السوريين الذين لم يعودوا يخفون رغبتهم في السيطرة على لبنان، لبنان ضمن سياق إقليمي عاد يصب في مصلحتهم. عاد القائد العسكري بعد بضعة أيام، ووجهه قاتم أسود، فاستنتجت أن إسرائيل قد تخلت عن ميشال عون، وبالتالي قبلت بالحل."
يعود وليد جنبلاط بالذكرى إلى يوم اجتياح حزب الله لبيروت ومحاولة اختراق الجبل في العام 2008، بعد أن أقدمت الحكومة على محاولة قطع اتصالاته اللاسلكية. ويؤكد أن رئيس أركان الجيش السوري حكمت الشهابي أخبره أن حزب الله كان يريد اغتياله.
أما عن لقائه مع بشار الأسد، فيروي أنه حصل للمرة الأخيرة في التاسع من يونيو حزيران 2011 في أحد قصور الأسد. يقول: "سألته: هل يمكنني أن أتحدث إليكم بأمان؟ وذلك كي أستفسر منه عن الكيفية التي قتل فيها الفتى حمزة الخطيب البالغ من العمر 13 عاماً، والذي اعتقل في الـ 9 من أبريل نيسان من العام 2011 في درعا. لم يتأخر جواب الأسد، وكان قاسياً وصادماً. قال لي: لم نعذبه، بل قتلناه. حتى أننا اتصلنا بوالديه لنسلمهما الجثة. قالها بنظرة مخيفة ثابتة على وجه جامد لا تعبير فيه. لقد قطعت هذه الإجابة أنفاسي."
وكأنه كان يقرأ أفكاري، ثم تبعت: "لماذا يا سيادة الرئيس لم توقفوا ابن عمكم آصف نجيب؟" وكان أحد المسؤولين الأمنيين المتهمين بارتكاب انتهاكات في درعا، من بينها مقتل ذاك الفتى. فأجابني بشار الأسد بلا مبالاة: "لم يتقدم أحد بشكوى ضده." ثم مضيت لأطرح سؤالاً أخيراً بشأني: "من يحكم سوريا فعلاً آنذاك؟"
وليد جنبلاط يعتبر أن الثورة اللبنانية ضد النظام السوري هي التي أنعشت الثورات لاحقاً في تونس ومصر وسوريا. وهو إذ يعتقد أن معركة سوق الغرب ضد الجنرال ميشال عون هي التي أدت إلى اتفاق الطائف، يختتم بتشاؤم لافت حيال تغيير النظام في لبنان، ويقول: "إن تغيير هذا النظام يعني قلب تقاسم الامتيازات الطائفية بين الجماعات، وهو أمر يبدو لي صعباً استناداً إلى تجربتي الشخصية وإلى التجربة التي ورثتها عن والدي."
في الكتاب طبعاً حديث عن الحب، عن زوجاته، عن تلك المرأة الإيرانية الجميلة التي أحبها وسكن معها في منطقة الحازمية، وهن جميعاً طبعاً من غير الطائفة الدرزية. يتحدث أيضاً عن قصر المختارة، عن قصره المختارة ودوره في التاريخ والحاضر، عن عائلته، عن تيمور، عن جزء من تاريخ لبنان وثوراته وحروبه، عن ثورة عام 58 ضد الحكم اللبناني. وطبعاً في الكتاب على طريقة وليد جنبلاط بعض التلميحات الطريفة، ومنها مثلاً حين استمع لساعات طويلة للزعيم الكوبي فيدل كاسترو. سأله كاسترو: "من أي طائفة أنت؟" فقال له: "أنا درزي." فطلب منه أن يحدثه عن الدروز، فاعتذر لأنه كان لأن التعب كان قد تملكه تماماً.
الكتاب سلس القراءة، فيه شرح تاريخي مستفيض للأحداث الكبرى التي شهدها لبنان الحديث، وفيه توضيح لقضايا بقيت غامضة، وفيه صراحة لافتة على معهود وليد جنبلاط في الأسرار التي كشفت. لكني، وكما قلت في المقدمة، على يقين بأن لدى وليد جنبلاط الكثير بعد ليقوله. ليته فعل. في كتاب يبدو أنه بمثابة وصية لابنه والجيل القادم، للجيل القادم. وفي هذه الوصية نقرأ مثلاً ما كتبه عن تيمور ابنه قائلاً: "إذا كنت قد استطعت أن أنقل عبء مسؤولياتي إلى ابني تيمور في ظل السلام، بينما كنت أنا قد ورثتها في دماء والدي، فإن هذا العبء لا يزال ثقيلاً عليه في المحن المقبلة. أسأل الله أن يعينه، وآمل أن تسمح له الظروف بمواصلة نهج التعايش والاحترام والتنوع بين المسيحيين والمسلمين في لبنان، وأن تبقى المختارة حاملة لشعب أرض فلسطين الحرة، حتى وإن كانت هذه القضية العادلة تبدو اليوم قضية خاسرة في الوقت الراهن. إن استقرار لبنان يتطلب حواراً وطنياً داخلياً ينبغي أن نستعيده مع الشيعة دون التقليل من حجم إحباطاتهم. وعندما يثار موضوع نزع سلاح حزب الله في إطار تطبيق القرارات الدولية، يجب ألا ننسى الشروط الإسرائيلية القاسية: احتلال في الجنوب وعشرات القرى المدمرة بالكامل وشعب بأكمله مهجر. فالاستقرار يحتاج إلى حد أدنى من السيادة. غير أن قسماً من اللبنانيين ينسى ذلك، ففي نظرهم ما يهم الآن هو السلام الأمريكي الإسرائيلي، لكن هذا ليس سلاماً، بل هو إملاءات أجنبية." إلى اللقاء.