📱

Get Our Mobile App

Take your business learning on the go!

Download on the App StoreGet it on Google Play

شرح منظومة القواعد الفقهية لعثمان بن سند المالكي (1)الشيخ د.عبدالعزيز السعدي

دروس إدارة الأوقاف السنية - مملكة البحرين39:51

Transcription

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، أبدأ بإذن الله جل وعلا لقاء هذه الأمسية المباركة بإذن الله جل وعلا، وهذا اللقاء المبارك شرح منظومة القواعد الفقهية للعالم الجليل والاديب البارع العلامة بدر الدين عثمان بن محمد الوائلي المالكي. وقبل أن نبدأ، سناخذ مقدمة قبل أن نبدأ في شرح أبيات المنظومة بإذن الله جل وعلا، بالتعريف بشكل مختصر بالراوي، بصاحب المنظومة، ثم بعد ذلك مقدمة في العلم الذي سنتناوله جميعاً من خلال هذه الأبيات، وهو علم القواعد الفقهية، وبعد ذلك سنبدأ في شرح هذه المنظومة بإذن الله جل وعلا.

وسأختصر في الشرح على فك الرموز وبيان الألفاظ بشيء مختصر من دون الخوض في تفاصيل صيل هذه القاعدة أو القواعد التي سنتناولها بإذن الله جل وعلا، ولا التعريض بما قد يكون من خلاف في بعض الأمثلة التي ستذكر لأجل توضيح القاعدة، سواء كانت قواعد كلية أو قواعد كبرى، وهكذا حتى ننتهي من المنظومة بإذن الله جل وعلا. وسأبدأ بالتعريف مختصر بصاحب المنظومة، وهو العالم الجليل الأديب البارع العلامة بدر الدين عثمان ابن محمد ابن أحمد بن إبراهيم البصري الوائلي النجدي المالكي. ولد رحمه الله تعالى سنة 1180 للهجرة، ونشأ وتلقى العلوم بالبصرة، وتلقى فيها علوم مشايخها، ورحل إلى بغداد ودمشق والحرمين، ثم استقر ببغداد وعرف بنسبته إلى بغداد، وألف وصنف في علوم شتى، فتعددت العلوم والمعارف التي ألف فيها، وهذا يدل على سعة اطلاعه وسعة علمه. وقد أثنى عليه العلماء ثناءً عطيراً، فقال عنه علامة العراق محمود شكري الآلوسي: "إن هذا الفاضل ممن شاع ذكره، وملأ الأسماع مدحه وشكره، له اليد الطولى في العلوم العربية والفنون الأدبية، نظم غالب المتون من سائر الفنون، وقد اشتهر في هذه الديار أي في بغداد، وظهرت ظهور الشمس في رابعة النهار". وقال شيخ العلامة عبد الله بن عبد الرحمن البسام: "إن الشيخ عثمان ابن سند من كبار العلماء ونوابغ البلغاء وفحول الشعراء، وأن هو رحمه، وأنه موسوعة علمية في كل باب من أبواب العلم وفي كل فن من فنون الآداب، فهو عالم عصره وعلامة مصره". وقد ألف رحمه الله تعالى العديد من المصنفات في العلوم كافة، مما يدل على سعة علمه ومعارفه، ومن ضمن ما ألفه رحمه الله تعالى: بهجة النظر في نظم نخبة الفكر وشرح نخبة الفكر، ومنظومة في مصطلح الحديث، نظم الغرر، والمنظومة التي بين أيدينا لدلالة على سعة علمه وفائدة ما صنفه في علوم شتى.

ننتقل إلى العلم الذي صنف فيه وألف فيه رحمه الله تعالى، وهو علم القواعد الفقهية. وكما هو أمامكم، عرف العلماء القواعد الفقهية بأنه حكم كلي يتعرف من خلاله ومنه أحكام الجزئيات الفقهية مباشرة. فهو حكم، وهذا الحكم كلي، إضافة إلى ذلك يتعرف منه أحكام الجزئيات الفقهية، والشق الأخير: مباشرة. فقال: هو حكم، وهو إسناد أمر إلى آخر إيجاباً أو سلباً، فلان تقي، فلان صالح، فلان صادق، فلان كاذب، فلان يخدع، فلان كذاب، فلان يكذب، فإسناد أمر إلى آخر سواء شيئاً إيجابياً أو نعته بشيء سلبي، وهذا معنى الحكم. وهذا الحكم أن يكون كلياً في القواعد الفقهية، فيصلح أن يصدر بكل. ونأخذ مثالاً من القواعد التي ستأتي معنا: اليقين لا يزول بالشك، وهذه قاعدة، فيصلح أن نقول: كل يقين لا يزول بالشك، فيصلح أن يصدر بكل، ولهذا أمر كلي، فالقاعدة تصلح لجميع الفروع. وأما وجود بعض المستثنيات، ولن أتطرق إلى هذه المستثنيات عند شرح شرح القواعد، فلكل قاعدة ذكر أهل العلم بعض المستثنيات، وهذا لا يضر أن نقول إنه كلي، أي أنها قاعدة كلية، لأن كل مستثنى فهو أصلاً غير داخل تحت هذا الكل، وهناك مانع يمنعه من الدخول تحت هذه القاعدة، ففي الأصل أصل ذلك المستثنى غير داخل تحت القاعدة، فصح أن نقول إنها قاعدة وحكم كلي.

قال: يتعرف منه، أي من خلال القاعدة، أحكام الجزئيات. ولم يقل يعرف منه، إنما يتعرف منه، والتعرف يحتاج إلى بذل جهد وأعمال ذهن للوصول إلى الحكم. مثلاً، لما نقول إن العبد إذا صلى وشك هل صلى هذه الركعة الركعة الثالثة أم الركعة الثانية، فهنا تأتي القاعدة: اليقين لا يزول بالشك، فأنت في حاجة إلى تطبيق هذه القاعدة لتخرج بالحكم، ولهذا قال: يتعرف منه، ولم يقل يعرف منه، فهو يحتاج إلى بذل جهد وأعمال ذهن للوصول إلى الحكم. أحكام الجزئيات الفقهية، المقصود به كل حكم على حدة، سواء كان في باب العبادات، في باب الطهارة، في باب النكاح، في باب الطلاق، في أي باب كان، فكل حكم بمفرده حكم جزئي، من خلال تطبيق القاعدة الكلية نُحكم على هذه الأحكام الجزئية. قال: مباشرة، أي أننا نصل إلى الحكم مباشرة ونعرف الحكم من خلال القاعدة مباشرة. وهذا من باب التفريق بين القاعدة الفقهية والقواعد الأصولية. فلما نقول: اليقين لا يزول بالشك، هذا حكم. لكن لما نأتي في، وكما سيأتي معنا في القاعدة الأصولية: الأمر يفيد الوجوب، هل استنبطنا أي حكم أو وصلنا إلى أي حكم؟ لا، إنما نحتاج إلى دليل لنطبق هذه القاعدة على الدليل فنستخرج حكماً. وأقيموا الصلاة، صيغة أمر، وقلنا الأمر في الوجوب، فلم نصل إلى الحكم عن طريق القاعدة الأصولية إلا بشيء آخر. أما بالنسبة إلى القواعد الفقهية، فإننا نصل إلى الحكم مباشرة، فنقول: اليقين لا يزول بالشك، إذا بما أنني شككت هل صليت ثلاثاً أم أربعاً، إذاً صليت ثلاثاً وأتيت بالركعة الرابعة، هذا المقصود بـ "مباشرة". إذاً القواعد الفقهية وأي علم لابد من معرفة معناه، فهو حكم كلي يتعرف منه أحكام الجزئيات الفقهية مباشرة من دون حاجة إلى شيء آخر.

ناتي إلى أقسام القواعد الفقهية وأنواع القواعد الفقهية. هناك تقسيمات مختلفة باعتبارات مختلفة، لكنني هنا سأتكلم عن تقسيم واحد دون التطرق إلى تقسيمات أخرى. فمن أبرز التقسيمات عند العلماء هو تقسيم القواعد الفقهية من حيث الاتساع والشمول، بمعنى في عدد الأبواب وعدد المسائل الفقهية التي تدخل فيها القاعدة. هذا من حيث الاتساع والشمول، فهي تنقسم بهذا الاعتبار إلى أقسام تالية: القسم الأول: القواعد الخمس الكبرى. وهذه القواعد الخمس الكبرى أعمدة الفقه، كل قاعدة عمود من أعمدة الفقه، وهي قواعد كبرى تندرج تحتها قواعد فرعية، وهذه القواعد الكبرى تدخل في جميع المسائل، سواء في باب الطهارة، سواء في باب الصلاة، سواء في باب المعاملات، سواء في باب النكاح، سواء في باب الطلاق، سواء في باب الزواج، سواء في باب البيع والشراء، باب التعامل، باب الجيرة. هذا القسم الأول، ومن ذلك هذه القواعد الخمس: اليقين لا يزول بالشك، المشقة تجلب التيسير، إلى غير ذلك.

أقل من ذلك: القواعد الكلية. وهذه القواعد الكلية كذلك تندرج تحتها فروع فقهية كثيرة من أبواب متعددة، ولهذا سموها كلية، لكن هذه القواعد الكلية من حيث الاتساع والشمول أقل من القواعد الخمس الكبرى التي تعتبر من أعمدة الفقه. وستأتي معنا هذه القواعد مع الشرح: أعمال الكلام أولى من إهماله، الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد، اجتهاد إلى غير ذلك من القواعد. ثم بعد ذلك عندنا ضوابط فقهية. الضوابط الفقهية، من أهل العلم من يجعل الضوابط الفقهية من ضمن القواعد الفقهية، ومنهم لا يدخل الضوابط الفقهية من ضمن القواعد الفقهية. والضوابط الفقهية في العادة هي مختصة بباب من الأبواب الفقهية، فالنطاق الضوابط الفقهية نطاق ضيق. مثلاً: ما صح بيعه صح رهنه. فهذه الضوابط، وكما معنى هذا الضابط يدخل في باب واحد. ما صح بيعه صح رهنه، هل يصح رهن هذا الشيء؟ ننظر هل يصح بيعه أو لا يصح بيعه؟ إن كان صح بيعه قلنا صح رهنه، لا يصح بيعه لا يصح رهنه. ولهذا هذا سموه ضابطاً. وفي الثلاث، سواء القواعد الخمس الكبرى أو القواعد الكلية أو الضوابط الفقهية، سيذكر صاحب المنظومة بعض فوائد علم القواعد الفقهية، لكن هنا أذكر فائدة: الإنسان بدل أن يبحث في كل مسألة حكماً حكماً، من خلال هذه القاعدة قد جمع مسائل كثيرة، بمجرد أن تأتيه المسألة يستطيع معرفة الحكم الشرعي. فمن عرف، فمن علم أن اليقين لا يزول بالشك، إذا جاء في حال الطواف وشك: طاف خمس أم ست؟ مباشرة عنده قاعدة: اليقين لا يزول بالشك، واليقين هنا والمُتأكد منه أنه طاف خمسة. خمسة أشواط. هل صليت أربعاً أم ثلاثاً؟ هل رددت الدين أم لم أرد الدين؟ فالأصل إذا شك وليس هناك من يذكر وليس هناك دليل يدل، فالأصل بقاء الدين. إن كان هذا المثال يدرجونه تحت قاعدة من القواعد التي تندرج تحت هذه القاعدة، وهكذا. هناك اختلافات كثيرة بين القواعد الفقهية والقواعد الأصولية.

ثم بعد ذلك بين علوم شتى، لكن هنا فقط سأتطرق إلى الفرق بين القاعدة الفقهية والقواعد الأصولية. علم أصول الفقه والقواعد الفقهية، لما نأتي إلى الفرق بين القاعدة الفقهية والقاعدة الأصولية، تطرق أهل العلم إلى الفروق باعتبارات مختلفة، لكن هنا سأتكلم عن أهم ثلاث فروقات. الفرق الأول: قلنا أن القاعدة الفقهية وتعلق القاعدة الفقهية بكيفية العمل بلا واسطة. اليقين لا يزول بالشك، فهمنا حكماً، وأي مسألة عندنا نطبق القاعدة مباشرة. أما القاعدة الأصولية فلا، الأصل في الأمر الوجوب. الأصل في الأمر الوجوب، فهذه القاعدة نحتاج إلى شيء فيه أمر لنقول إنه دل على الوجوب، فلا تفيد الحكم بشكل مباشر، إنما نطبق القاعدة الأصولية على الدليل، فنقول: بما أنه صيغة أمر، فإذا دل على الوجوب.

ثانياً: إن موضوع القاعدة الفقهية فعل المكلف. كم صليت؟ قلت أو لم أقل، رددت أم لم أرد، طلقت أم لم أطلق، باقٍ في الإسلام أم خارج دائرة الإسلام؟ فبما أنه متيقن أنه مسلم، فلا نقول إنه خرج من الإسلام إلا بيقين، ولا نخرجه بشك، فاليقين لا يزول بالشك. وأما القاعدة الأصولية فموضوع القاعدة الأصولية الأَدِلَّة. فنأتي بهذه القواعد ونطبقها على الأدلة. صحيح أن القواعد الفقهية هي مستنبطة كما سيأتي معنا من الأدلة، من الأدلة، لكن أصبحت قاعدة نستنبط منها الأحكام ونطبقها على الأحكام والأفعال. أما القاعدة الأصولية فنطبقها على الأدلة وبيان طرق الاستنباط من الأدلة من خلال القواعد الأصولية.

الثالث: أن القاعدة الأصولية وسيلة المجتهد للوصول إلى الحكم عن طريق الدليل. أما القاعدة الفقهية فهي ضابط كلي للأحكام الفقهية التي توصل إليها المجتهد من خلال القاعدة الأصولية، فتكون القاعدة الفقهية ضابطاً للثمرة المتحققة من القاعدة الأصولية.

ننتقل إلى من أين جاءت هذه القواعد الفقهية؟ هذه القواعد الفقهية، طيب، من فين هذه القواعد الفقهية وصيغة هذه القواعد الفقهية وتم وضع هذه القواعد الفقهية؟ أما من النصوص، أي تكون القاعدة نصاً نبوياً، كقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا ضرر ولا ضرار". لا ضرر ولا ضرار. حديث ثاني: من استقراء النصوص والبحث في النصوص، فوجدنا في مختلف الأحوال أنهم شريعة راعة اليقين ويبقى على الأصل ولا يمكن أن نحيد عن اليقين بالشك من خلال عدة أدلة وليس الدليل واحد، عدة نصوص شرعية. الثالث: بناء على اجتهادات مجمع عليها، إجماع أهل العلم على ذلك، كقاعدة الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد، الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد. ولهذا لما نأتي إلى القاعدة، فالقاعدة إنما هي تم استنباطها من الأدلة الشرعية المعتبرة. هذه مقدمة، وسنبدأ إن شاء الله تعالى بالمنظومة.

فالمؤلف رحمه الله تعالى بدأ بقوله: الحمد لله الذي تطول وشرع الدين لنا وأصلى، ثم الصلاة والسلام أُرسلا على نبي قد أبَان السُبُلا. فبدأ بالحمد لله جل وعلا، وذلك اقتداءً بكتاب كتاب الله جل وعلا، ففي أوله: الحمد لله رب العالمين. والنبي عليه الصلاة والسلام كان يبدأ خطبته بالحمد، وسار على ذلك العلماء. والحمد إنما ثناء الله جل وعلا على كمال صفاته وعلى نعمه وسعة جوده وبديع حكمته، فالله سبحانه وتعالى له كامل الأسماء والصفات والأفعال من غير نقص، والله سبحانه وتعالى له الكمال في كل شيء. ثم قال: الذي تطول، أي تفضل وأنعم انعاما شاملا، غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب، ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير، فتفضل عليهم وعلى عباده، فتفضل على عباده بأنواع النعم، الذي تطول وشرع لنا الدين وأصل، فالله سبحانه وتعالى بين لنا ما كلفنا به من أحكام الدين، وضح لنا كل ذلك. "شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين والشريعة"، وشرع لنا الدين وأصل السبيل والطريق البين الواضح، فتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها. ثم بعد ذلك قال: ثم الصلاة والسلام أُرسلا. الصلاة من الله جل وعلا ثناؤه على عبده عليه الصلاة والسلام في الملأ الأعلى، وأما من العبد فالصلاة الإبراهيمية كما علمها النبي عليه الصلاة والسلام صحابته. ثم الصلاة والسلام أُرسلا، أي أرسل النبي عليه الصلاة والسلام على نبي قد أبَان السُبُلا، أي أن الصلاة والسلام على المرسل النبي الذي قد أبَان السُبُل، وهو جمع سبيل، وهو الطريق، والمراد أن النبي عليه الصلاة والسلام قد أوضح سبيل الحق من سبيل الضلالة، كما ورد في حديث ابن مسعود رضي الله عنه وارضاه: "خط لنا النبي عليه الصلاة والسلام خطا، وقال: هذا سبيل الله، ثم بعد ذلك خطوطاً عن يمينه وعن يساره، وقال: هذه سبل، على كل سبيل شيطان يدعو إليه، ثم قرأ: وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله، ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون".

ثم قال: محمد والآل والأصحاب ما استنبط ما استنبط الأحكام من كتاب. وهذه قواعد سنية تبنى بها نوازل شرعية. آل النبي عليه الصلاة والسلام هم المؤمنون من قرابته من بني هاشم، من بني هاشم عليه الصلاة والسلام، ومن أهل العلم من قال إن الآل هم أتباعه عليه الصلاة والسلام ومن اتبعوه على دينه إلى قيام الساعة. والأصحاب صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو من رأى النبي عليه الصلاة والسلام مؤمناً ومات على الإيمان. والاستنباط هو استخراج المعاني الدقيقة، واستنبط الأحكام من كتاب، فاستخراج الأحكام التكليفية الشرعية من القرآن والسنة. سنة. قال: وهذه قواعد سنية، هنا بين الناظم فوائد هذا العلم، وسنية من السنة، وهو ضوء البرق فيه إشارة لنورها وهدايتها لطالب العلم، تبنى بها نوازل شرعية، وهذه فائدة أخرى، يتعرف من خلال النظر في القواعد والاستئناس بها أحكام المسائل النوازل والوقائع الحادثة والمستجدة، ومن ثمرتها كذلك معرفة حكم الله جل وعلا في هذه النوازل. وقد أخذ هذه القواعد من كتاب السيوطي في كتاب الأشباه والنظائر، وجعل هذه الأبيات نبدأ بالقواعد الفقهية الكبرى.

ثم قال في منظومته: فلا تزل بالشك ما تيقن، مشقة تجلب تيسيراً لنا. في الشطر الأول ذكر القاعدة الأولى: فلا تزل بالشك ما تيقنا، وهي القاعدة الأولى: اليقين لا يزول بالشك. وسأن أسرد القواعد بهذا الشكل. الأدلة الدالة على القاعدة من الأدلة التي تم استنباط هذه القاعدة حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: "إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدري كم صلى ثلاثاً أم أربعاً، فليترك الشك وليبني على ما استيقن، ثم ليسجد سجدتين قبل أن يسلم، فإن كان صلى خمساً شفعن له صلاته، وإن كان صلى أربعاً كان ترغيماً للشيطان". وكذلك اشتكى رجل إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فقال: الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة، قال: "لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً". ففي الأحاديث دلالة واضحة على اعتبار اليقين وترك الشك. أدلة وأدلة أخرى من خلالها استنبط أهل العلم هذه القاعدة: اليقين لا يزول بالشك.

أما شرح القاعدة، فال يقين طمأنينة القلب على حقيقة الشيء، والشك التردد بين وجود الشيء وعدمه، متردد بين الأمرين. والمعنى العام أن ما علم ثبوته يقيناً وجوداً أو عدماً، لا يرتفع ثبوته بمجرد الشك، بل يبقى على اليقين، ولا يرتفع إلا بيقين. إنما علم ثبوته يقيناً وجوداً أو عدماً. الرجل تيقن أنه قد انتقض وضوءه، ثم شك هل توضأ أو لم يتوضأ؟ فالوضوء هنا مشكوك فيه، واليقين أنه لم يتوضأ. ونأخذ العكس: متيقن أنه تطهر وتوضأ، ثم شك هل انتقض الوضوء أو لم ينتقض الوضوء؟ فما هنا، فما هو هنا اليقين أنه توضأ، والطارئ الشك هل انتقض وضوءه أم لم ينتقض؟ والأصل أنه لم ينتقض، الأصل إذا اليقين أنه لم ينتقض لأنه هو الأصل. والعكس: الأصل أنه لم يتوضأ، فقلنا بما أنه شك هل توضأ أو لم يتوضأ، يبقى على اليقين أنه لم يتوضأ. قال السيوطي على هذه القاعدة: "اعلم أن هذه القاعدة تدخل في جميع أبواب الفقه، والمسائل المخرجة عليها تبلغ ثلاثة أرباع الفقه وأكثر". تطبيقات القاعدة، سأذكر أمثلة على خاصة القواعد الكبرى، وإذا انتقلنا إلى قواعد كلية سأكتفي بمثال أو مثالين لكثرتها. وهذا المثال الأول ضربناه من تيقن الطهارة وشك في الحدث، فهو متطهر، أو تيقن الحدث وشك في الطهارة، فهو محدث. من أكل آخر الليل وشك في طلوع الفجر، صح صومه. من أكل آخر الليل وشك في طلوع الفجر، صح صومه. خلونا نأخذ مثالاً آخر من باب الفائدة الفقهية: آخر النهار، تيقن أن النهار قد خرج، مثاله هو دائماً يضع التلفاز على البحرين، فجاء الطفل وهو لم ينتبه وغير القناة على الإمارات، ومعروف أن الإمارات الأذان قبل البحرين، فسمع الأذان، أكل وهو متيقناً أذان البحرين، ثم بعد ذلك تبين له أن النهار لم يخرج إلى الآن، كل التمرة، التفت، نقول إنه أكل على يقين، فصومه صحيح، فهو باقٍ على اليقين. لكن لو شك هل خرج النهار أو لم يخرج النهار وأكل، فنقول فسد صومه، لأن الأصل بقاء النهار، فلا بد كان له أن يتيقن. من ثبت إسلامه بيقين لا يرتفع عنه إلا بيقين. من شك في عدد الركعات أو أشواط الطواف، يبني على الأقل وهو اليقين. ثبت الزواج بين رجل وامرأة بعقد صحيح، ثم شك هل طلق أو لم يطلق، فالأصل أنه لم يطلق، والأصل هو بقاء الزواج، لأن اليقين الزواج، ووقوع الطلاق شك، واليقين لا يزول بشك. ثبت على شخص دين، أنا أعطيت رجلاً ألف دينار، ثبت عليه في ورقة ثابت، ثم بعد ذلك من أخذ الدين شك، قال يا فلان أنا رجعت لك الدين ولا ما رجعت لك ما أدري. الأصل بقاء الدين، لأن فعل آخر أنك ترد الدين. أخذت منه ديناً أو لم آخذ ديناً، رحت حق فلان قلت له: فلان، أخذت منك دين؟ قال: ما أدري. يا فلان ما أدري. الأصل أنه لم يأخذ منه. وهكذا، اليقين لا يزول بالشك. وأكتفي بهذه القاعدة كمثال ما سنسير عليه بإذن الله جل وعلا.

ما أدري الإخوة هل هناك مجال للأسئلة أو شيخنا الله يبارك فيك. الأسئلة إن شاء الله يرسلونها للمشرفة. نبدأ حلقة إن شاء الله الحصة القادمة بإذن الله. بإذن الله تعالى. الله يرحم والديك، جزاك الله خيرك. أسأل الله جل وعلا أن ينفعني وينفعكم وأن يجمعنا في الفردوس الأعلى. هذا وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.