Transcription
الدول التي تحترم نفسها لا تنتظر حتى تتفاقم الأمور كي تتحرك، ولا تترك التفاصيل الصغيرة تتحول إلى عناوين كبيرة. حين تفتح "غرفة التحكم" وتجمع مفاصل القرار في اجتماع واحد، فهذا يعني أن الدولة تقرأ المشهد بهدوء وتستبق الاحتمالات قبل أن تفرض عليها.
بحسب بيان الرئاسة الجزائرية، ترأس الرئيس عبد المجيد تبون يوم الخميس اجتماعاً مصغراً للمجلس الأعلى للأمن بحضور قيادات عسكرية وأمنية وسياسية. البيان كان موجزاً، وهذا طبيعي في اجتماعات من هذا النوع. الهدف هو التوجيه والتنسيق داخل المؤسسات، لا صناعة ضجيج إعلامي. المهم هنا أن الرسالة وصلت: الدولة تتابع أدق التحولات وتتعامل معها على مستوى المسؤولية العليا.
ما نعرفه يقيناً أن الاجتماع ضم قادة الأجهزة الأمنية والاستخباراتية، إلى جانب المستوى السياسي ممثلاً برئيس الحكومة سيف غريب، ووزراء العدل لطفي بوجمعة، والداخلية إبراهيم مراد، والخارجية أحمد عطاف. كما حضره قائد أركان الجيش الفريق أول السعيد شنقريحة. هذا التكوين وحده يوضح طبيعة الملف: متابعة الوضع الداخلي، حماية الاستقرار، وضمان استمرار الخدمات العامة دون ارتباك، مع قراءة دقيقة لما يدور على الحدود وفي الفضاء الرقمي.
داخل "غرفة التحكم" هناك ثلاثة أزرار أساسية تتحرك معاً: زر الداخل، زر الحدود، وزر الشبكات.
زر الداخل مرتبط بالأزمات المعيشية الطبيعية التي قد تظهر في أي بلد، وكيفية إدارتها بتوازن يحفظ حق الناس ويحمي النظام العام. وفي هذه الأيام كان هناك حديث عن توتر اجتماعي مرتبط بتطورات أزمة الناقلين وما ترتب عنها من ضغط على قطاع النقل العام. هنا يجب أن نقولها بوضوح: وجود مطالب مهنية أو احتجاجات قطاعية أمر مفهوم، والدولة تميز دائماً بين المطلب المشروع وبين أي محاولة لاستغلاله أو دفعه نحو مسارات مربكة.
وبحسب معطيات متداولة، فإن التطورات أدت إلى اضطرابات في وتيرة النقل وانعكست على التموين في بعض المواد الأساسية في بعض المناطق، وهو ما يفسر اهتمام السلطات بتثبيت الهدوء ومنع أي تصعيد. التعامل مع مثل هذه الملفات ليس ارتجالاً، إنه إدارة أزمة بمعايير واضحة: متابعة ميدانية، تنسيق بين القطاعات، وحماية للمواطن حتى لا يصبح رهينة للضغط المفاجئ. وتظهر هنا قيمة المؤسسات حين تعمل كفريق واحد: من يستمع للمطالب، ومن يضبط الإيقاع، ومن يضمن استمرار الخدمة.
لكن أي أزمة خدمية في عصرنا قد يجد من يحاول تحويلها إلى "قصة على الإنترنت". هنا يأتي زر الشبكات. مساء الأربعاء، أكدت الهيئة الحكومية للوقاية من الجرائم المتصلة بتكنولوجيات الإعلام والاتصال ومكافحتها أن تحريات تقنية كشفت حملة منشورات ذات طابع تخريبي عبر صفحات وحسابات على منصات التواصل الاجتماعي. ووفق البيان، تعود هذه الحسابات لأشخاص يقيمون في الخارج، وتهدف إلى التحريض على الإضرابات، خصوصاً في أوساط التجار، بما يمس الاستقرار.
هذه النقطة مهمة لأنها تميز بين النقاش المفتوح الذي يثري الحياة العامة، وبين نمط من المنشورات التي تصاغ لتحريك المزاج العام نحو تصعيد سريع بدل عرض الوقائع بهدوء. هنا يظهر منطق الدولة بوضوح: لا تضخيم ولا تهوين، بل رصد تقني، ثم إبلاغ للرأي العام، ثم معالجة ضمن القانون. بهذه الطريقة تحمى الساحة الوطنية من التلاعب، ويحمى المواطن من الإشاعة التي تسبق الحقيقة بثوانٍ على الشاشة. كثيرون ينسون أن المنشور قد يكون أخطر من الخبر إذا صيغ بذكاء وفي توقيت حساس، لأن هدفه ليس الإقناع فقط، بل دفع الناس إلى رد فعل متسرع. وعندما تتدخل المؤسسات المختصة، فهي لا تصادر رأياً، بل تحمي المجال العام من التحريض الموجه.
ثم نصل إلى زر الثقة، وهو أهم أزرار "غرفة التحكم". خلال الأسبوعين الماضيين دار جدل إعلامي حول غياب الفريق أول السعيد شنقريحة عن مناسبتين رسميتين. بعض المنصات في الخارج طرحت تفسيرات متعددة. هذه تفسيرات غير مؤكدة ولم تبن عليها أي معطيات رسمية. ومع ذلك، فإن أفضل رد على التأويل ليس سجالاً، بل حضور طبيعي يضع الأمور في نصابها. حضور شنقريحة اجتماع المجلس الأعلى للأمن أنهى مساحة الغموض وأكد أن مؤسسات الدولة تعمل بانسجام، وأن الجاهزية ليست شعاراً بل ممارسة يومية.
وقبيل انعقاد الاجتماع، أعادت وزارة الدفاع نشر مقطع من لقاء سابق جمع الرئيس تبون بقادة الجيش في منتصف أكتوبر، أكد فيه دعمه لخطط تطوير قدرات الجيش وتعزيز مكانته الإقليمية. توقيت إعادة النشر فُهم كرسالة طمأنة وتأكيد على الثبات، خاصة في مواجهة حملات التشكيك وبث المعلومات المضللة. وهذا أسلوب مؤسساتي ذكي: تثبيت الحقائق عبر الوثائق المرئية بدل الانجرار إلى جدلات لا تنتهي. عندما تعرض الدولة الصورة كما هي، فإنها تختصر الطريق على الإشاعة وتعيد النقاش إلى أرض الواقع.
وهنا من المفيد أن نفهم وظيفة المجلس الأعلى للأمن نفسه. هذا المجلس ليس منصة للخطابة، بل غرفة عمل تنسق بين مؤسسات الدولة عند الضرورة: الرئاسة، الحكومة، قيادة الجيش، وأجهزة الأمن المختصة. حضور هذا الطيف يعني أن الملفات تدار بشكل متكامل: ما يرصد ميدانياً يقارن بالمعطيات التقنية، وما يلاحظ اجتماعياً يترجم إلى قرارات تنظيمية، وما يثار على المنصات يعالج ضمن القانون. وفي مثل هذه الاجتماعات تحدد الأولويات: حماية السكينة العامة، ضمان استمرار الخدمات، تحصين الرأي العام بالمعلومات الدقيقة، وإغلاق الثغرات التي قد يستغلها مروجو الإشاعات، مع احترام الأطر القانونية والمؤسساتية.
ومن زاوية المواطن، الرسالة العملية بسيطة: لا تبنِ المواقف على مقاطع مبتورة ولا على عناوين مستفزة. في مثل هذه اللحظات، أفضل خدمة للوطن أن نتحقق، وأن نترك للمؤسسات المختصة مساحة العمل. الجزائر مرت بتجارب كثيرة وبنت خبرة في حماية السلم الأهلي، ولهذا فهي تتعامل مع الضغوط ببرودة أعصاب. وعندما تتقدم المعلومة الرسمية، تصبح الشائعة بلا قيمة، ويستعيد الشارع توازنه سريعاً. كما أن احترام القانون في الاحتجاج وحماية المرافق العامة يضمنان أن تسمع المطالب بوضوح، من دون تعطيل حياة الناس أو فتح ثغرات لمن يريد الاصطياد في الماء العكر.
مطلقاً، إذا جمعنا هذه الخيوط نفهم لماذا ينعقد المجلس الأعلى للأمن في هذا التوقيت. لأنه منصة تنسيق عليا تجمع السياسة بالأمن بالدفاع، وتتعامل مع الصورة كاملة. المجلس ليس لإعلان الخطر، بل لمنع الخطر من التكون.
وفي طرح تحليلي متداول، رُبط الاجتماع بتقييم حصيلة عام 2025 واستشراف عام 2026 عبر محاور الدفاع الوطني، والحدود، والأمن العام. هذا الإطار منطقي، لأن الدول الحديثة لا تعيش على ردود الأفعال، بل على سيناريوهات وخطط بديلة وقرارات تبنى على معلومات دقيقة.
على مستوى الحدود، الجزائر تدير محيطها بعقل دولة ومسؤولية تاريخية. البيئة الإقليمية متحركة، والحدود ليست مجرد خطوط على خريطة، بل فضاء أمن واستقرار وتبادل. لذلك تعطى الأولوية للجاهزية والمتابعة، ولتأمين البلاد من أي ارتدادات قد تأتي من اضطرابات الجوار. الهدف ليس التوتر مع أحد، بل حماية السيادة ومنع تهريب الأزمات إلى الداخل، مع الإبقاء على مقاربة متزنة تحمي مصالحها وتثبت الاستقرار.
وفي الدفاع الوطني، الرسالة واضحة: دعم تطوير قدرات الجيش وتعزيز مكانته الإقليمية هو ضمانة للاستقرار ورسالة ثقة للمواطن، قبل أن تكون رسالة للخارج. الجاهزية هنا مفهوم شامل: تدريب، تحديث، انضباط، وتنسيق بين المؤسسات، حتى تبقى الجزائر قادرة على حماية مصالحها وخياراتها الوطنية. قوة الدولة ليست في الصوت العالي، بل في القدرة على إدارة الموقف بثبات.
الخلاصة التي نخرج بها بسيطة ومطمئنة: الدولة تابعت الاحتقان، رصدت محاولات التشويش الرقمي وفق بيانات رسمية، وأغلقت باب الإشاعة بالعمل المؤسساتي الهادئ. هذا هو معنى "غرفة التحكم": قرارات محسوبة، وطمأنة بلا مبالغة، وحماية للاستقرار دون ضجيج.
ويبقى سؤال واحد نتركه للحلقة القادمة: كيف تتحول أزمة خدمية في ساعات إلى مادة دفع رقمي؟ وكيف نفرق عملياً بين المطلب المشروع وبين حملة التحريض المنظمة؟ الملف مستمر، لكن ما يهم أن الجزائر تتعامل معه بعقل الدولة وهدوء المؤسسات.