Transcription
ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده ربي لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته، ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة، وخلق منها زوجها، وبث منهما رجالاً كثيراً ونساءً. واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيباً. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً، يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم. ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً.
أما بعد، فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدى هدى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أعاذني الله وإياكم جميعاً من البدع والضلالات والنار.
أيها المسلمون عباد الله، روى الإمام مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء".
هذا الحديث العظيم هو من جوامع الكلم التي أُعطيها نبينا صلى الله عليه وسلم، فكان يتكلم بالكلمات القليلة ولكنها تحمل في طياتها المعاني الغزيرة والفوائد الكثيرة. فهيا بنا في هذه الخطبة القصيرة لنقف مع هذه الكلمات المنيرة.
قال فيها سيد الأنام عليه الصلاة والسلام: "إن الدنيا حلوة خضرة". الله تعالى زين هذه الأرض وزين هذه الدنيا، فقال عز من قائل: "إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملاً". وقال جل جلاله: "زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب". وقال سبحانه: "المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثواباً وخير أملاً". وقال الله تبارك وتعالى: "اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفراً ثم يكون حطاماً وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور".
في هذه الآيات الكريمة يبين رب العالمين أنه أصلح هذه الأرض، وأنه زينها وجعل فيها من المتاع والنعيم والزين ما جعل. ولكن هذا كله ليس بشيء أمام نعيم الآخرة، كما قال تعالى: "أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل". يبين لنا نبينا مقدار هذا القليل، كما في مسلم عن المستورد بن شداد قال عليه الصلاة والسلام: "ما الدنيا في الآخرة إلا كما يغمس أحدكم المخيط في البحر فلينظر بماذا يرجع".
أرأيتم أيها الإخوة الإيمان وأحباء الإسلام، إن أدخل ذلك المخيط إلى ذلك البحر، هل سيرجع بكل البحر أم بثلثيه أم بنصفه أم ثلثه وربعه وثمنه؟ لا، والذي في السماء عرشه، سيرجع بشيء من البلل، ربما لا يصل إلى قدره، قصير وصغير. هذه هي الدنيا، هذا هو البلل الذي هو الدنيا، والآخرة هي البحر. فكيف ترضى أخي أن تشتري هذا البلل وتترك ذلك البحر؟ كيف ترضى أيها المسلم بذلك البلل الذي لا تستفيد منه شيئاً وتترك البحر بكنوزه وجواهره ولآلئه وسمكه وكل ثرواته؟ "أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل".
أيها الناس عباد الله، إن كثيراً من المسلمين اليوم انشغل بهذا القليل الزائل عن ذاك العظيم الباقي، بل تحبون العاجلة وتذرون الآخرة. وقال تعالى: "إن هؤلاء يحبون العاجلة ويذرون وراءهم يوماً ثقيلاً". وقال سبحانه: "بل تؤثرون الحياة الدنيا والآخرة خير وأبقى". وذم الله أقواماً وصفهم بأنهم اشتروا الدنيا وباعوا الآخرة، أخذوا الدنيا على حساب الآخرة، فقال سبحانه: "أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون". "أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة فما أصبرهم على النار". "أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين".
أيها المسلم، لا عيب ولا عار ولا شنار أن يكون للعبد المسلم مال ودنيا، ولكن العيب كله والعار أن يبيع الآخرة، ولا حظ له من الآخرة ولا نصيب له من الآخرة، وهمه ومبلغ علمه وكل طاقاته ومعظم أوقاته جعلها في لعاعة دائلة وفي هذه الدنيا الذاهبة. أما الدنيا فما حرمها الله تعالى في حلالها، إنما حرم أضرارها وحرامها. لذا تجد سليمان عليه السلام في أعلى الجنان، وهو كان ملكاً وكان غنياً وكان رجلاً صحيحاً، وأُعطي ما أُعطي من جمال الدنيا ومتاعها، لكنه ذلك العبد وذلك الرجل الشاكر وذلك المجاهد، وذلك الذي كانت حياته لله تعالى.
أيها المسلمون عباد الله، "إن الدنيا حلوة خضرة". إن كثيراً من الناس نظر إلى هذه الدنيا ففرح بها وأقبل عليها وجعلها هي هي، كأنه لا موت بعدها ولا قبر ولا آخرة ولا حشر ولا سؤال ولا جواب ولا عذاب ولا ثواب. كأن الله تعالى ما خلقه إلا للدنيا، كما قال عن كثير من الناس: "وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر وما نحن بمبعوثين". لا، أيها المسلم، أنت مسلم تؤمن بالجنة وأنها حق، وأن النار حق، وأن لقاء الله حق، وأن الميزان حق، والكتاب حق، وأن الحساب حق. إذاً، يا من تعتقد ذلك، ماذا قدمت له؟ وبماذا ستواجه ذلك كله؟
"إن الدنيا حلوة خضرة". هذه هي الفقرة الأولى من الحديث. ثم انتقل إلى الفقرة الثانية فقال: "وإن الله مستخلفكم فيها". جعل الله تعالى من سنته في خلقه وفي أرضه أن الناس يتخالفون فيخلف بعضهم بعضاً. تموت أجيال وتأتي أجيال، يذهب الأجداد ويأتي الآباء، يذهب الآباء ويأتي الأبناء، ومن صفة إلى صفة، ومن قوم إلى قوم، وهكذا من قرن إلى قرن. هذا يذهب وهذا يدخل، هذا يحيى وهذا يموت، هذا تلده أمه وهذا يفارق أباه وأمه. هكذا هي سنة الله في خلقه. "كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام". مر سيد الأنام عليه الصلاة والسلام وزار قبور الصحابة فسلم عليها فقال: "السلام عليكم أهل الديار من المسلمين والمؤمنين، أنتم السابقون، وأنا إن شاء الله بكم لاحقون". هذه هي حقيقة حقيقة الدنيا، سابق ولاحق. يقول الرسول هذه الكلمات، وها هو بأبي وأمي قد لحق بالركب. وها هو ربنا يقول لرسولنا صلى الله عليه وسلم معزياً له في نفسه: "وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد، أفإن مت فهم الخالدون". "كل نفس ذائقة الموت". وبين له بكل وضوح وصراحة فقال: "إنك ميت وإنهم ميتون، ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون". وعز أصحابه قبل مماته بسنوات فقال لهم: "وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل، أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم، ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئاً وسيجزي الله الشاكرين".
إذاً، أيها الناس، لو كانت الدنيا تدوم لأهلها لكان رسول الله حياً وباقياً. ولكنها تفنى ويفنى نعيمها، وتبقى الذنوب والمعاصي كما هي. فيا أيها المسلم، اعتبر بمن مات، واعتبر بمن ذهبت حياته وفات. اعتبروا يا أهل الحياة بأولئك الذين ماتوا، ماذا خلفوا وراءهم؟ هل أخذوا معهم تلك القصور العالية؟ هل أخذوا معهم تلك الأموال المتكاثرة؟ هل دخلوا إلى القبور بتلك المراكب الفارهة؟ لا، والذي في السماء عرشه، خرجوا من الدنيا كما دخلوا إليها. دخلوا إليها حفاة عراة غرلاً، وهكذا خرجوا منها. "خلقناكم نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى".
فيا أيها المسلم، كم من زملائك، كم من الذين عايشتهم سنوات ذهبوا عنك وماتوا وسبقوك. وعما قليل وعما قريب ستكون من أولئك. فإنك قد وصلت إلى الخمسين أو إلى الستين أو أقل أو أكثر، ولعل الذي بقي من عمرك أقل. واعتبر بما مضى من عمرك، كيف مضى؟ أليس كانه لمحة ولحظات وساعات؟ فهكذا ما بقي سيكون كما مضى، لن يأتي بشيء جديد.
"أيها الناس، إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها". وبعد هذه المقدمة العظيمة، دخل في صميم الموضوع، دخل في عظمة الذي أراده الله منك. فإن الله تعالى خلقك للعمل، فقال رسولنا: "فينظر كيف تعملون". في هذا الحديث ذكر النبي عليه الصلاة والسلام الدار، وذكر تخالف أهل الدار، وذكر الحكمة من وجودنا في هذا الدار، وذكر رابعاً أخطر ما يكون علينا في هذا الدار.
أما الدار، فقال عنه: "إن الدنيا حلوة خضرة". وأما حقيقة أهل الدار، فقال: "وإن الله مستخلفكم فيها". وأما لماذا وجدنا في هذا الدار، فقال: "فينظر كيف تعملون". "فينظر كيف تعملون". أيها المسلم، ماذا يرى الله منك؟ بالله عليك، أسألك بالله، فكر في هذا الأمر. ماذا يرى الله منك؟ أيرى الله منك الإخلاص أم يرى منك الرياء؟ أيرى الله منك الصدق أم يرى منك الكذب؟ أيرى الله منك الأمانة أم يرى منك الخيانة؟ أيرى الله عز وجل منك الأخلاق ومكارمها أم يرى منك سوء الأخلاق وفاحشها؟ أيرى الله منك الصلاة وأداءها أم يرى منك ترك الصلاة وضياعها؟ أيرى الله عز وجل منك العفاف أم يرى منك الفواحش والسفاح؟
ماذا يرى الله منك؟ أيراك الله تعالى في قيامك بالظلام وأنت من أصحاب القيام، سجود وركوع وقرآن، وهو الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين، "إنه هو السميع العليم". أم يراك في قيامك بالظلام وأنت مع المقاطع الهابطة ومع الصور الخليعة ومع الأصوات الماكنة ومع الفواحش والمنكرات؟ ماذا يرى الله من أعمالك؟ "فينظر كيف تعملون". لا تظن، وإن الله أنه ليس بقادر على الانتقام منك مباشرة، ولكن الله أملى للذين من قبلك وسيملي لك، فقال عز من قائل: "وأملي لهم إن كيدي متين". الله يمهل ولكنه لا يهمل. مهما عملت، فيشاهدك ويراقبك. أما سمعت قول الله تعالى: "وكان الله سميعاً بصيراً". أما سمعت قول كان الله يقول: "وكان الله على كل شيء شهيداً". أما سمعت خطابه وهو يقول: "يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطاً".
ماذا أنا أعلم وأدرى وأخبر برؤية ربي؟ وأنت أعلم، وكل واحد منا أدرى. "ولا إلى مساكننا ولا إلى ثيابنا ولا إلى مراكبنا، ولكن ينظر إلى قلوبنا وأعمالنا". وهو الإمام مسلم عن أبي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله لا ينظر إلى وجوهكم ولا إلى أموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم". فزين، زين أيها المسلم، وجمل محل نظل بهيم الأليلي ويرى مناطق عروقها في نحرها والمخ في تلك العظام النحالي ويرى خرير الدم في أوداجها متنقلاً من مفصل في مفصلي. "أمن علي بتوبة تمحو بها ما كان مني في الزمان الأول". قال ابن القيم: الرضا. ومذكراً لنا بعظمة الله ومحذراً: "وإذا ما خلوت بريبة في ظلمة والنفس داعية إلى الطغيان، فاستحي من نظر الإله وقل لها إن الذي خلق الظلام يراني".
أيها الناس عباد الله، "فينظر كيف تعملون". سواء كانت الأعمال صالحة أو كانت الأعمال فاسدة، الله يراها، الله يعلمها، الله يسمعها، الله يبصرها، الله يراقبها، الله يشاهدها. فيا عبد الله، كن من الذين قال فيهم تعالى: "وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد، هذا ما توعدون لكل أواب حفيظ، من خشي الرحمن بالغيب وجاء بقلب منيب". كل من الذين قال الله تعالى: "الذين يخشون ربهم بالغيب وهم من الساعة مشفقون". وإياك، إياك، أن تكون من الذين إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها. إياك، إياك، أن تكون ممن هان عليه ربه، وممن جعل نظر الله أهون الناظرين، ومراقبة الله أيسر المراقبين، وهكذا مشاهدة الله له أيسر المشاهدين. أظم الله واجعل الله في قلبك كبيراً. أستغفر الله إنه هو الغفور الرحيم.
الحمد لله. [موسيقى] والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مزيداً إلى يوم الدين.
أيها المسلمون عباد الله، سمعنا في الخطبة الأولى وصايا عظيمة من رسولنا وتنبيهاً وتعليماً: "إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون". اعلم يا عبد الله، أنه ليس للإنسان إلا ما عمل، ولن يجزى إنسان بعمل آخر، ولن يجزى إنسان بغير عمله. أما سمعت قول إبراهيم الذي ذكره الله أنه قولاً وافياً، فقال تعالى: "وإبراهيم الذي وفى، ألا تزر وازرة وزر أخرى، وأن ليس للإنسان إلا ما سعى". ليس لك إلا ما سعيت. لا تظن يا تارك الصلاة أنك ستجزى كالمصلي، ولا تظن يا هاجر القرآن أنك ستكون يوم القيامة مثل قارئه وحافظه، لا والله. "وأن ليس للإنسان إلا ما سعى، سعيه سوف يرى، ثم يجزاه الجزاء الأوفى". "فينظر كيف تعملون".
فيا أيها المسلم، انتبه لنفسك، وراقب أعمالك، وانظر فيها. فإن طريق الجنة معلومة، وإن طريق النار معروفة. وبعد أن ذكر الرسول عليه الصلاة والسلام العمل، ذكر أخطر أمرين وأعظم مرضين وداءين على العمل الصالح، على سيرك إلى ربك، على الخير، على الصلاح، على الدين، على الاستقامة. فقال عليه الصلاة والسلام: "فاتقوا الدنيا واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء".
والله لو تمعنت حال الأمة اليوم، لوجدت أن أكثر من ضل بسبب إما الدنيا وإما النساء. الدنيا وما أدراك ما الدنيا، هي داء زماننا، هي بلية بعض السنن. عن أبي هريرة وقد خرج على الصحابة وهم يتذاكرون الفقر ويتخوفونه، فقال: "أتخافون الفقر؟ والله لتصبن عليكم الدنيا صباً حتى لا يزيغ قلب أحدكم أزيعة إلا هي". فكر أنت الآن وستجد أقواماً يدخلون النار بسبب ماذا؟ بسبب الظلم، وأكل أموال الناس، وأخذ أراضي الناس. لماذا؟ يريد الدنيا، يريد التكاثر من المال. فظلم هذا، وكذب على هذا، واغتصب مال هذا، ودخل النار. وهذا دخل النار من باب الربا، وهذا دخل النار من باب الرشوة، وهذا دخل النار من بيع المخدرات وبيع المحرمات، وهذا دخل النار بسبب شهادات الزور، وهو في باب المحاكم يدخل للحلف كذباً مع قوم لم يعرفهم من أجل المال والدنيا. وهذا دخل النار بسبب أرواح المسلمين التي قتلها ظلماً وزوراً. أعطي ألفاً من السعودي فذهب وقتل مسلماً لا يدري من هو وما خبره ولماذا قتل. أجيراً. فكر أيها المسلم كيف أهلكت النار؟ أنا أدخلت الدنيا أناساً كثيراً النار. إنا لله وإنا إليه راجعون.
ولو نظرت في مكاسب الناس اليوم وفي مصادر أرزاقهم، لوجدت أن أكثرها من طريق النار. أكثرها من طريق النار. إلا وأقل من القليل من يطيب رزقه. قال أبو بكر رضي الله عنه: "والذي نفسي بيده، لو قام أحدكم الليل كله وصام الدهر كله وقرأ القرآن كله في كل يوم، ثم لم يطيب مطعمه ومشربه، إلا أكبه الله في النار على وجهه". إلا أكبه الله في النار على وجهه.
فانظر المسلم، هذه الدنيا كم ضلت وأضلت، كم زلت وأزلت، كم عطلت وقربت. انظر إلى هذه الدنيا، هي الدنيا تقول بملء فيها: حذاري حذاري من بطشي وفتكي، فلا يغر مني ابتسام، فقولي مضحك والفعل مبكي. هي الدنيا أيها الناس. خافها علينا رسولنا. ففي صحيح مسلم عن عوف بن مالك أن رسولنا خرج على الأنصار عند ما قدم أبو عبيدة بمال من البحرين، فقال: "أبشروا وأملوا، فوالله ما الفقر أخشى عليكم. الفقر مهما اشتد فلن يصل فقرنا إلى ما وصل لرسولنا الذي كان يمكث شهرين ما يُطعم شهرين ما يُطعم. من منا وصل إلى هذا الحال؟ لن يصل فقرنا إلى ما وصل به رسولنا الذي قام يخطب فما استطاع أن يتكلم من شدة الجوع. فانطلق أبو طلحة إلى زوجته أم سليم، فقال: هل عندك من طعام؟ فوالله إن صوت رسول الله ليضعف من شدة. لن يصل فقرنا إلى ما وصل إليه الذي قال عنه عمر كما في البخاري من فوق المنبر في خلافته: "يا أيها الناس، إياكم والدنيا، فوالله لقد رأيت رسول الله في هذه البقعة وإنه ليلتوي". تصور هذا الموقف، تخيل هذا الموقف، ورسولكم ضم رأسه إلى قدميه وانعطف ثم جعل يلتوي أماماً وخلفاً من شدة الجوع. الفقر ما يخشاه علينا رسولنا، لأن الفقر يدعو إلى المسكنة، والفقر يدعو إلى التواضع، والفقر يدعو إلى كثرة دعاء الله. لكن الغنى هي المصيبة. "كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى". المصيبة الغنى. من الأغنياء من يسلم. "وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض وناى بجانبه وإذا مسه الشر فذو دعاء". قال الرسول عليه الصلاة والسلام: "يا أمة الإسلام، والله ما الفقر أخشاكم عليكم، ولكن أخشاكم عليكم الدنيا، أن تبسط عليكم كما بسطت على من كان قبلكم، فتتنافسوها كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم". من الذي مضى؟ هي لعاعة الدنيا، هي زينتها. ونادى فرعون في قومه قال: "يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي". وصف قصوره بأنها عالية والأنهار من تحته جارية. "أفلا تبصرون". أهلكته هذه الدنيا.
واستمع إلى قول الله تعالى وهو يقول: "أفرأيت إن متعناهم سنين ثم جاءهم ما كانوا يوعدون، ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون". والله لو عشت في الدنيا أغنى إنسان، أكثر الناس صحة، أكثر الناس مالاً، أكثر الناس جمالاً، أحسن الناس أنساباً، وأنت من أهل النار، لا خير في حياتك. غمسة واحدة نار. يا ابن آدم، هل مر بك نعيم قط؟ وهل رأيت خيراً قط؟ فيقول: لا يا رب، ما مر بي نعيم قط، ولا رأيت خيراً قط.
أيها الناس، مدح الله عز وجل رجالاً بأنهم رجال، مع أن معهم بيع ومعهم شراء ومعهم تجارة ومعهم أموال، ولكن استمع إلى ربك وهو يصفهم قائلاً: "رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة". معهم بيع، لك وانطلق إلى صلاته. معهم إن أو يقراه. كان عثمان بن عفان أغنى الصحابة وأكثر الصحابة مالاً، وكان أكثر الصحابة قياماً، وكان من أكثر الصحابة صياماً، وكان من أكثر الصحابة صدقة وإنفاقاً. وفي يوم واحد جهز جيش العسرة، فقال له الرسول: "أوجب عثمان، أوجب عثمان، أوجب عثمان". ما على عثمان ما عمل بعد اليوم. فنعم المال الصالح للرجل الصالح. ولكن أكثر الناس لا يشكرون، ولكن أكثر الناس لا يعلمون، ولكن أكثر الناس لا يفقهون. أكثر الناس إن أعطاه الله مالاً أو كربة أن يترك صلاته. أول ما يشكر به ربه أن يقاطع المسجد. أول ما يولي يعرف قرآناً ولا ذكر صباحاً. لا.
أيها الناس، أنعم وأكرم بمن جمع الله له الخيرين، وبمن أعطى. هذا الحديث بقوله: "واتقوا النساء". النساء، وإن كانت من نعيم الدنيا، فهي من الدنيا كما قال عليه الصلاة والسلام: "حُبب إلي من دنياكم ثلاث: الطيب والنساء". فذكر النساء من متاع الدنيا، كما في سورة آل عمران: "زين للناس حب الشهوات من النساء". ثم قال في آخر الآية: "ذلك متاع الحياة الدنيا". لكن الله أو لكن رسول الله أفردها وأخرجها وخصصها من الدنيا، قال أهل العلم: لأنها خطيرة جداً. أخطر ما يكون على الرجال هي النساء. قال عليه الصلاة والسلام كما في مسلم عن أسامة، وجاء عند النساء عن أبي سعيد: "ما تركت بعدي فتنة هي أضر على الرجال من النساء". وخاصة في هذا الزمن. وقد حرص أعداء الأمة من الشرق والغرب واليهود والنصارى بنشر هذه الفتنة، بنشر هذه الفتنة، حتى وصل بهم الحد أن جعلوا ركناً من أركان الديمقراطية، التآمر على المرأة المسلمة. فقالوا: الديمقراطية على أربعة أركان: أولها حكم الشعب نفسه بنفسه، ثانيها حرية التعبير، ثالثها احترام الرأي والرأي الآخر، رابعها تحرير المرأة. ويعنون بذلك المرأة المسلمة، تحريرها من حجابها، تحريرها من عفافها، تحريرها من حيائها، تحريرها من طاعة أبيها، تحريرها من وفائها مع زوجها، تحريرها بأن تقع منها مع الفساد. وقد وصلوا إلى ما أرادوا. فجل دول الإسلام أراد أعداؤهم تخريب نسائهم، فلبوهم إلى ذلك. ولم تبق إلا دول قليلة، في مقدمتها هذه البلاد التي ما زال فيها الحياء سائداً، وما زال الحجاب فيها منتشراً، وما زال العفاف فيها ظاهراً. لذا حاول الأعداء بمنظماتهم وبدونراتهم وبأموالهم وبجميع قواتهم وطاقاتهم إفساد نسائنا. وقد وصلوا إلى شيء من ذلك. ولكن يا أيها الأب، ويا أيها الأخ، ويا أيها الرجل، الله الله بالمحافظة على الأعراض، بالمحافظة على الشرف، بالمحافظة على الغيرة، بالمحافظة على الحياء، بالمحافظة على الآداب، بالمحافظة على ما أمرنا به ربنا وأمرنا به نبينا. لا ترضى بالفشل، لا ترضى بالميوعة، لا ترضى بالخيانة، لا ترضى بالضعف، لا ترضى بأن تكون ديوثاً ترضى بالخبث لأهلك. كن ذلك الرجل الغيور، فإن الله غيور، وإن رسولنا غيور، وإن الصحابة كانوا أصحاب غيرة. فقال النبي: "أتتعجبون من غيرة سعد؟ لأنا أشد غيرة من سعد، وإن الله أغير مني". فيا أيها المسلم، اتصل بهذه العظمة، وإياك، إياك، أن تتأثر بأوروبا أو بأمريكا أو بدول الكفر. إياك، إياك، أن تتأثر بالديمقراطية ولا بالعلمانية. إياك، إياك، أن تتأثر بهجمات الأعداء الشرسة التي يهجمونها على بناتنا صباح مساء وليلاً نهاراً.
هذا هو الحديث الذي ذكره نبينا صلى الله عليه وسلم بهذه الوصايا: "إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء".
أسأل الله تعالى باسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يجعلنا هداة مهتدين، غير ضالين ولا مضلين. اللهم اجعلنا مفاتيح خير مغاليق شر. اللهم اغفر لمن حضر هذا المجلس ولوالديه ولوالدي والديه، وافتح لسماع الموعظة قلبه وأذنيه. اللهم عليك باليهود الغاصبين، اللهم عليك بالنصارى الصليبيين، اللهم عليك بالرافضة الحوثيين، اللهم عليك بكل المتآمرين على هذا الدين، شتت شملهم ومزق جمعهم وفرق كلمتهم واجعل بأسهم بينهم شديد.
إلى هنا وسامحوني على الإطالة.
والله أكبر. أشهد أن لا إله إلا [موسيقى].