Transcription
كان الحسن البصري سيد علماء البصره وامام مسجدها الكبير، وكان مالك ابن دينار سيد العابدين والزاهدين فيها.
وفوجئ المصلون ذات يوم بالحسن البصري يحضر معه مالك ابن دينار في مجلس علمه الشهير. درس اليوم سيلقيه عليكم مالك ابن دينار، سيحكي لكم قصته مع والانابه الى الله. تفضل يا شيخنا.
السلام عليكم ورحمه الله. تعرفونني جميعا زاهدا وعابدا، ولا تعرفون اني كنت قبل ذلك في شبابي فاجرا وفاسق وسكير. يا سبحان الله، يا سبحان الله، يهدي من يشاء.
غفر الله لك يا مولانا. نعم، هذه هي الحقيقه. كنت شرطيا في سوق المدينه، اقطع الطريق وافرض الاتاوات واكل حقوق الناس. وذات صباح رايت رجلين يتشاجران في السوق، وفهمت ان احدهما قد سرق حق الاخر. وسمعت المظلوم يستغيث: "يا ظالم، اتسرق الحلوى التي اشتريتها لبناتي؟ والله يدعون عليك بناتي الليله ولن تروا خيرا بعدها."
"ايها الابله، اتظن ان الله يعذبني بسبب حلوى بناتك؟ الم تسمع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: من خرج الى السوق ليشتري شيئا لبناته فاعطاه اياه وادخل عليهن الفرحه، نظر الله اليه بعين الرضا."
في ذلك اليوم، تاثرت بحديث النبي الذي سمعته ساعه، ووجدتني اندفع لاول مره في حياتي كي انصر المظلوم على الظالم. ايها الرجل، اعط لهذا المسكين ثمن الحلوى التي سرقتها منه ليشتري بدلا منها لبناته، والا سجنتك.
"لم اسرق منه شيئا يا كاذب، والله لاضربن ك حتى تعطيه حقه واكثر."
انتظر، ساعطيك ثمن الحلوى. خذ. هل بخس شيئا من المال؟ لا والله، انه ثمن الحلوى بالفعل. انصرف واحذر ان تقترب من مال البنات بعد ذلك.
شكرا يا سيدي، لولاك ما عاد لي حقي وحق بناتي. لا اريد منك شكرا، فقط اطلب من بناتك ان يدعن لي دعوه خير هذه الليله.
بالطبع، اتريد دعوه بعينها؟ نعم، فليقل: اللهم اهدي مالك ابن دينار.
عدت يومها الى بيتي وانا لا اعرف لماذا رق قلبي لاول مره في حياتي. كانت تلك هي النقطه الاولى التي وضعها الله في قلبك على طريق التوبه التي لم تخطط لها.
نعم يا شيخنا. تمنيت لو اني تزوجت وانجبت بنتا احبها واشتري لها الحلوى كما يفعل الرجل الذي رايته في السوق. وطبعا تساءلت: من سيوافق ان يزوجك ابنته وانت سكير وقاطع طريق؟ لهذا نزلت الى السوق واشتريت جاريه ثم اعتقت وتزوجتها، وحقق الله امنيتي وانجبت منها ابنه جميله سميتها فاطمه.
كانت فاطمه اجمل شيء في حياتي، بل كانت الشيء الجميله الوحيده في حياتي. "كلي يا فاطمه حتى تكبري." "ولماذا تاكل انت فلا تكبر؟" "انا اكبر في السن ولا اكبر في الحجم، انتظر حتى اهديك لعبتها الجديده."
كنت بسبب فاطمه قد اقلعت عن كل ذنوبي الا الخمر التي ادمنتها. وكانت كلما كبرت فاطمه يكبر بداخلي شعوري بالذنب انني ما زلت مدمن خمر ولا اصلي. "ها هي لعبتي، هيا لنلعب معا." كانت كلما رات قنينه الخمر ازاحتها من امامي بتلقائيه، وكان الله يرسل الي رسالته من خلالها.
كنت اتعجب كيف من الله علي بهذه الطفله التي تمنيتها، وكيف اسعدني بها رغم انني لم اتب اليه حتى الان. لان في قلبك بذره خير يريد الله برحمته ان ينميها بداخلك.
بلغت فاطمه خمس سنوات وما زالت هي اجمل شيء في حياتي. ثم، ثم ماتت.
فاطمه. صدمت في موتها وغضبت بشده. عدت الى فسقي وفجوري. كانت ليله الاول من رمضان، وقلت لنفسي: ساشرب الليله من الخمر ما لم اشربه طيله حياتي. ونمت. فرايت في منامي ان القيامه قد قامت، وان صوتا يهتف بقوه ويدعوني الى الحساب ويقول: "يا مالك ابن دينار، تعال للعرض على الواحد الجبار."
اخذت اجري خوفا من الحساب والعقاب. وفجاه وجدت امامي حيه كبيره في حجم تنين تفتح فمها لتبتلعني.
سبحان الله، الحمد لله، ولا اله الا الله. ايها الشيخ، انجدني من هذه الحيه التي تريد ان تبتلعني.
يا بني، انا رجل كبير وضعيف كما ترى، ولن استطيع ان انقذك منها.
اذا قل لي ماذا افعل.
خذ هذا الطريق الى اليسار، علها لا تستطيع ان تصل اليك.
لماذا توقفت يا بني؟
النار من امامي والحيه من خلفي، ولا ادري الى ما اتجه.
القني ايها الشيخ.
قلت لك لا استطيع ان انقذك، ولكن خذ هذا الري الى اليمين.
اخيرا وجدت نفسي امام جبل ضخم عليه ستائر تحجب ما خلفه. "يا فاطمه، تعالي بسرعه، قد وصل ابوك." "ابي، فاطمه، اشتقت اليك كثيرا." "يا فاطمه، وانا ايضا اشتقت اليك يا ابي. هناك حيه تريد ان تبتلعني ورجل مسن ضعيف لا يستطيع ان ينجدني منها."
الحيه هي ذنوبك الكثيره ومعاصيك الكبيره، والرجل الضعيف هو عملك الصالح الصغير الذي لم تستطع ان تنميه في الدنيا.
لا حول ولا قوه الا بالله. اذلك انني سادخل النار؟
يا فاطمه، اتذكر عندما نصرت والد البنات في السوق وبعثت اليهن بالحلوى؟ نعم، اذكر. لقد دعت لك ليلتها بالخير، وكتبها الله في ميزان حسناتك. الحمد لله. وموتي وانا طفله صغيره كتب ايضا في ميزان حسناتك. ولكنك ظللت على ذنوبك ومعصيتك رغم ان الله قد اعطاك فرصا كثيره للتوبه.
يا ابتي، الم يان للذين امنوا ان تخشع قلوبهم لذكر الله؟
صحوت من نومي وانا اردد الايه الكريمه التي ذكرتني بها ابنتي في منامي: "الم يان للذين امنوا ان تخشع قلوبهم لذكر الله." وجدتني اقول بقوه: "ان يا رب، ان يا رب." ثم نهضت واغتسلت، وساقني قدماي الى المسجد، فكانت صلاه الفجر في اول يوم في رمضان. انضممت الى المصلين، وكان الامام و سيدنا الحسن البصري، وقرا في الركعه الاولى الايه نفسها: "الم يان للذين امنوا ان تخشع قلوبهم لذكر الله."
نعم، اذكر ذلك. وطبعا فهمت ساعتها انها رساله من الله بان ما رايته في المنام هو رؤيا علي تحقيقها. ومن يومها تبت الى الله وتعلمت فنون الخط العربي، وبدات في كتابتي نسخا من المصحف بيدي. انتشرت كما ترون في كل مكان.
هكذا نفهم ان الله عندما يعلم ان في قلب عبده نبته خير، يمهله حتى يتوب، ويساعده على التوبه حتى ولو اكتمل خط التوبه على مراحل ومحطات متلاحقه. فاذا رايت شخصا عاصيا، لا تتعجل في الحكم عليه، ولا تنهره، ولا تعليه خط التوبه الذي لم يكتمل بعد، بل امهله كما امهله الله، فلا احد يطلع على القلوب الا هو سبحانه وتعالى.