Transcription
العلاقه الجزائريه المصريه تعود الى واجهه النقاش الاقليمي بعدما تداولت دوائر اعلاميه اسرائيليه حديثا عن مخاوف من تقدم هذا المسار. في وقت ردت فيه القاهره دبلوماسيا برفض ما وصف بالقلق الاسرائيلي وبالتاكيد على استقلال خياراتها. وتحول النقاش من اطار المجاملات السياسيه الى اسئله ترتبط بتوازنات القوه في شرق المتوسط وشمال افريقيا وبملفات الساحل ولي ليبيا وسد النهضه. وبامكانيه ان ينعكس التقارب على خرائط التسليح والتحالفات.
وفق ما يتداول فان جوهر القلق الاسرائيلي لا يتركز على زيارات رسميه او بيانات صداقه بل على احتمال ان ينتج عن التقارب الجزائري المصري مسار عملي يوسع خيارات القاهره ويمنحها هامش مناوره اكبر. وتبرز في هذا السياق فرضيه تتكرر في التحليلات ان الجزائر بحكم ركن علاقاتها العسكريه مع موسكو وامتلاكها منظومات روسيه متقدمه قد تصبح قناه دعم غير مباشر لمصر اذا تعثر حصولها على بعض التقنيات بسبب ضغوط او قيود خارجيه. وتذهب هذه القراءات الى سيناريو محدد يتمثل في نقل عدد من الطائرات المقاتله المتطوره من الجزائر الى مصر عبر ترتيبات ثنائيه سواء بنقل مباشر او ضمن صيغه هديه او تعويض متبادل. مع الاشاره الى طغازات روسيه مثل سو 35 واحتمالات مرتبطه بمقاتلات اكثر تطورا من العائله نفسها.
ويقدم هذا السيناريو بوصفه مختلفا عن صفقات الشراء التقليديه لانه يفترض ان المعدات تكون موجوده اصلا داخل الاراضي الجزائريه ثم تعاد هيكلتها ضمن تفاهم ثنائي بما يجعل متابعه المسار سياسيا اكثر تعقيدا. وبما يثير اسئله حول اليات اعاده التصدير والالتزامات التعاقديه وحقوق الاستخدام وحول ما اذا كانت اي ترتيبات من هذا النوع ستصاغ بصوره مفتوحه ام ضمن قنوات هادئه تراعي الحساسيه الدوليه. ولا يقتصر الحديث على الطيران اذ تطرح ايضا مخاوف تتعلق بنقل قدرات صاروخيه عاليه التاثير او خبرات تشغيل وتكامل مرتبطه بها. ويشار في هذا الاطار الى صواريخ روسيه تكتيكيه من فئه اسكندر ام بوصفها نموذجا لمنظومات لفتت الانتباه في ساحات قتال حديثه. مع الايحاء بان اقتراب اي طرف عربي من تكنولوجيتها يغير حسابات الردا ويعيد ترتيب سقوف التهديد والرد خصوصا اذا ارتبط الامر بتبادل خبرات على مستوى الاستطلاع والتوجيه وسلاسل الامداد.
في المقابل ينظر الى مصر باعتبارها صاحبه عقيده معلنه تقوم على تنويع مصادر التسليح وعدم الارتهان لجهه واحده وهو ما يجعل استمرار التعاون مع روسيا في مجالات محدده امرا متوقعا في نظر كثير من المراقبين. كما ان وجود منصات روسيه لدى الجيش المصري في السنوات الاخيره يعزز فكره ان القاهره لا ترى تعارضا بين علاقاتها الدوليه وبين الحفاظ على خطوط تسليح متعدده مع مراعاه التوازنات السياسيه والاقتصاد ضيه التي تحكم قراراتها. وبخاصه ما يرتبط بالعقوبات والتمويل واحتياجات الصيانه والتدريب.
ويستدعي هذا الجدل ذاكره دعم الجزائر لمصر في لحظات تاريخيه حاسمه ولا سما ما ارتبط بحرب اكتوبر عام 1973 حيث يستحضر ذلك الدعم باعتباره سابقه صنعت اثرا سياسيا ومعنويا. وتوظف هذه الذاكره اليوم للايحاء بان اي تكرار لنمط الاسناد بين الجزائر والقاهره ولو بادوات العصر قد يعيد فتح حسابات قديمه لدى المؤسسه الامنيه الاسرائيليه تقوم على توقع مفاجات تاتي من خارج خط المواجهه المباشر.
الملف الثاني الذي يربط بالتقارب الجزائري المصري يتعلق بمنطقه الساحل. فالتغيرات الامنيه في مالي والنيجر وبوركينا فاسو وما يرافقها من نشاط جماعات مسلحه ومسارات تهريب جعلت الساحل ساحه اختبار لمشا مشاريع نفوذ متعدده. وتقدم الجزائر بحكم حدودها واتصالها الجغرافي كطرف يملك ادوات تاثير عبر الامن والوساطه والدبلوماسيه الاقليميه. بينما تقدم مصر كطرف يسعى الى توسيع حضورها الافريقي بما ينسجم مع مصالحه الاستراتيجيه.
وفي هذا السياق يقال ان التنسيق بين البلدين يمكن ان يضيق مساحه حركه قوى خارجيه تحاول تثبيت حضور استخباراتي او لوجستي او سياسي في دول الساحل او استغلال الفراغ الامني لتوسيع النفوذ عبر ادوات غير مباشره. ويقرا اي تقارب جزائري مصري في هذا الملف بوصفه محاوله لربط الامن الحدودي بمقاربات تنمويه ودبلوباسيه تقلل من فرص الانفجار.
اما ليبيا فتصنف ضمن النقاط الاكثر حساسيه. فليبيا تمثل عمقا امنيا مباشرا للجزائر من جهه الغرب وامتدادا امنيا لمصر من جهه الشرق ما يجعل اي تفاهم جزائري مصري حولها ذا ثقل يتجاوز السياسه الى الامن الميداني. ويرى متابعون ان تقارب الرؤى بين الجزائر والقاهره ان تحقق قد يخلق اطارا لتخفيف الاستقطاب الداخلي الليبي وفتح مسارات تسويه اكثر توازنا. وهو ما ينعكس على المتوسط وعلى شبكات الهجره والتهريب وعلى حضور اللاعبين الدوليين اضافه الى حمايه منشات الطاقه وخطوط الامداد البريه.
ويظهر سد النهضه ضمن الصوره بوصفه ملفا تتداخل فيه السياسه بالمياه وبمفهوم الامن القومي المصري. وتطرح الجزائر هنا كقناه وساطه محتمله او كطرف يمكن ان يساهم في خفض التصعيد عبر علاقات دبلوماسيه في افريقيا بما يمنح قاهره وقتا ومساحه تفاوض قبل اي خيارات اكثر صعوبه. ويقرا اي نجاح في خفض التوتر على انه يحرر جزءا من الضغط عن مصر ويفتح لها مجالا اوسع لاعاده ترتيب اولوياتها الاقليميه خصوصا مع اتساع المنافسه على الممرات البحريه والطاقه.
ويتوسع النقاش ليشمل حديثا عن محور عربي اوسع يضم بغداد الى جانب الجزائر والقاهره ضمن تصور يقوم على وصل شمال افريقيا بقلب المشرق العربي عبر تفاهمات سياسيه وامنيه. ويقدم هذا المسار كاطار محتمل لاعاده تعريف التعاون العربي بعيدا عن لحظه الانشغال بازمات البحر الاحمر وبؤر التوتر. مع التاكيد ان بعض الدول العربيه قد تبحث عن تنسيق جديد يوازن بين علاقاتها الدوليه وبين احتياجاتها الامنيه الخاصه.
وتنبه القراءات المتداوله الى ان اي مسار بهذا الحجم لن يقاس بالشعارات بل بمؤشرات عمليه تدريبات مشتركه اتفاقات لوجستيه زيارات عسكريه رفيعه المستوى او تفاهمات حول ملفات افريقيه حساسه. كما تطرح اسئله حول قدره الاطراف على اداره الضغط الخارجي اذا اعتبر التقارب تهديدا لتوازنات قائمه او اذا حاولت عواصم كبرى وضع خطوطا حمراء امام نقل التكنولوجيا او اعاده تصطيرها. وما قد يرافق ذلك من رسائل ردع سياسيه او ادوات ضغط اقتصاديه اضافه الى اختبار قدره الدول على حمايه قراراتها السياديه دون خسائر جانبيه.
وتشير المتابعات الى ان حساسيه الملف لا تتعلق فقط بما يقال علنا بل بما يمكن ان يبنى في الكواليس عبر تبادل معلومات وتنسيق مواقف داخل المنظمات الاقليميه. فمجرد اقتراب الجزائر ومصر في ملفات التسويه الافريقيه يمنح كل طرف اوراقا اضافيه عند التفاوض مع شركاء دوليين. كما ان الحديث الاسرائيلي المتكرر عن مخاوف يقرا ايضا كاداه ضغط استباقيه لردع اي خطوه غير مرغوبه.
في المحصله يظهر الجدل الدائر ان التقارب الجزائري المصري لم يعد يقرا كملف ثنائي فقط بل كاشاره الى اعاده تموضع محتمله في الاقليم. وبين نفي القاهره لما يثار من قلق وبين استمرار الاهتمام الاسرائيلي بالملف تبقى الاسئله مفتوحه حول ما اذا كان هذا المسار سيتحول الى ترتيبات ملموسه في التسليح والوساطه والملفات الافريقيه ام انه سيبقى في حدود التقديرات التي تتغذى على الاشارات والرموز اكثر مما تتغذى على الوقائع المعلنه خلال الفتره المقبله.