📱

Get Our Mobile App

Take your business learning on the go!

Download on the App StoreGet it on Google Play

مع تميم | العقاب والراية الحمراء

AJ+ ساحة16:36

Transcription

راية نقوشها تاريخ كامل مقطر كما يقطر ماء الورد. ليست كرايات اليوم قماشاً من لونين أو ثلاثة ونسر أو نجمة تقدر الببغاء على رسم مثلها، بل ذاتُ نقش مركب كالفلسفة، عفوي كالعشق في التوقيت الخطأ، يصعب حتى على من أبدعه أن يكرره. ما صنعها صانعها إلا ليطرب أولاً، وما سلمها من يده إلا وأحس فراقاً.

هذه الراية المحفوظة اليوم في دير سانتا ماريا لا ريال دي لاس هويلغاس قرب مدينة بُرغُس في إسبانيا، هي على أغلب الظن راية أمير المؤمنين الناصر لدين الله محمد بن يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن الموحدي. حملها معه يوم معركة حصن العقاب بالأندلس عام ألفٍ ومئتين واثنَي عشرَ للميلاد. سار معه فيما يقال ثلاثُمِئَةِ ألفِ مقاتلٍ ولاقاهم مئتا ألفٍ مَعَ ملوك قشتالةَ وأراغونَ وليونَ ونَبرَة والبرتغال. انهزم الناصر وسَلَبَ خصومُه الرايةَ، فبقيت في قشتالة التي صار اسمُها إسبانيا تُحمَل في العروض العسكرية التي تحتفل بذكرى المعركة.

ولقد كانت هزيمة الناصر فاصلة في ضياع الأندلس إلى يوم الناس هذا. لكن التاريخ مثل هذه الراية أكثرُ تعقيداً من أن يلخص باسم النصر أو الهزيمة. كانت الأندلس في عام ألف ومئتين واثني عشرَ لنا بقدر ما كانت مصرُ لنا في العام نفسه. فقد كان للعرب وللأمازيغ في الأندلس خمسةُ قرونٍ حينها، كما كان للعرب في مصرَ خمسةُ قرون. بل لقد كانت الأندلس كلها عربية آنذاك بقدرِ ما أن غرناطةَ إسبانيةٌ اليوم. فإن للإسبان فيها يا للمفارقة خمسةَ قرون.

بدأت الهزيمة كما هي عاداتها أو ربما عادتنا من خلل في لحظة النصر. فقد كان أبو الناصر المهزومِ هذا الخليفةُ المنصورُ يعقوبُ قد اجتاحَ ألفونسو الثامنَ ملكَ قشتالة قبلَ هذه الوقعةِ بسبعَ عشرَةَ سنة، أي في سنة ألفٍ ومئةٍ وخمسٍ وتسعينَ للميلاد. فعل ذلك عند حصن الأَرَك دفاعاً عن الأندلس. كان المنصور وقتها مُلهِماً ومُلهَماً. جاء من المغرب حافظاً حكمة أسلافه أن أهل مكة أدرى بشعابها، فسلم جيشه لقادة أندلسيين يعرفون البلاد حجراً وبشراً وأكرم الناس. فإن كانت الحرب تخاض بهم فلا بد أن يشعروا بأنها تخاض لهم. ونادى مناديه في صف الجند قبل الاشتباك: "يقول لكم أمير المؤمنين اغفروا له فإن هذا موضعُ الغفران وتغافروا فيما بينكم وطيبوا نفوسكم وأخلصوا لله نياتكم". فبكوا ثم استقتلوا. فاستشهد أمير الأندلسيين عبد الله بنُ صناديد. وظن العدو أنه الخليفة ليفاجئَه المنصورُ وينزلَ الميدانَ بنفسه جاراً معه كتائبَ كان أخفاها وراء التلال. فولّى ألفونسو الأدبار.

لا بد وأن سيرة صلاح الدين كانت تدور في خَلَدِ الجيشين يوم الأَرَك. فقد جرت وقعة حطين قبل معركة الأرك بثمانية أعوامٍ فقط. وألفونسو الثامنُ المهزومُ في الأرك هو زوجُ إلينور أختِ ريتشارد قلب الأسد ملك إنكلترا وصاحب الحملة الصليبية الثالثة على الشام. وكان يرى حملاتِه في الغرب رديفاً لحملات نسيبه في الشرق. أما الخليفة المنصور فصَنَعَ صُنْعَ صلاح الدين بأن عفا عن ثلاثين ألفاً من أسرى العدو.

لم يتعلم المنصور من خطأ صلاح الدين في إطلاق أسرى حطين وفيهم ملكُ القدس الصليبي، إذ اجتمع الأسرى المطلقون في صور ثم خرجوا منها محاربين وحاصروا عكا وجعلوها رأس جسر لحملة ريتشارد. وذبحوا معه بها ألفين من الأسرى المسلمين. ولا تعلم المنصور من صواب صلاح الدين إذا لم يعد أدراجه بعد حطين وعمد نحو القدس حتى أخذها وقضى على مملكة بيت المقدس الإفرنجية تماماً. فإن المنصور لم يستردد طليطلة عاصمة ألفونسو منه. حاصرها ثم فك الحصار واكتفى بأخذ بعض الحصون وعاد إلى المغرب. انتصر سمع المدائح وذهب. ثم ترك المنصور وخلفاؤه ألفونسو يرتب انتقامه سبع عشرة سنة كاملة.

نحن الآن في عام ألفٍ ومئتين واثنيْ عشر للميلاد في وادٍ يشرف عليه حصن أموي يدعى العقاب. وألفونسو وحلفاؤه من فرنسا وإيطاليا والبرتغال وفرسان الهيكل مصطفون في ما بين مئة وخمسين ألفاً ومئتي ألف مقاتل. وأمامهم الخليفة الناصر بن المنصور صاحبُ الراية المؤلمة الجمال في ثلاثمئة ألف. لم يتعلم الناصر لا من صواب أبيه ولا من خطئه. فلم يحسن السيرة في من كانوا يقاتلون معه في طريقه من المغرب إلى الأندلس. أعدم واليَي فاس وسبتة وأمر عامله ابن المثنَّى بضرب عنقيهما علناً بعد صلاة الجمعة أمام الناس. فأفسد عليه قلوب المغاربة الذين معه. وحين عبر البحر أعدم بعض قادة الأندلسيين أيضاً.

كان ألفونسو حاصر حصناً للعرب يدعى حصن رباح وفيه قائد أندلسي معروف يدعى أبا الحجاج يوسفَ بنَ قادس. لم يكن يوسف قادراً بعدده القليل أن يحفظ الحصن. فعرض أن يسلمه لألفونسو مقابل أن يخرج ومن معه منه ليلحقوا بجند الناصر. فسمح لهم ألفونسو بذلك. لم يكن ابن قادس هارباً لكن الناصر اعتبره كذلك وقتله. فأفسد عليه قلوب الأندلسيين. فلما ابتدأت المعركة عاقبه جنوده بأن انكسروا عند أول صدمة مع الإفرنج.

يقول صاحب البيان المُغرب في اختصار أخبار ملوك الأندلس والمغرب: "التقى الجمعان في الموضع المعروف بالعقاب، فكان الظهور أولاً للمسلمين على أن الموحدين لم يجِدُّوا في تلك الغزوة ولا نصحوا فيها لأجل نكبة أميرهم الناصر لأشياخهم وقتله واستئصاله لهم على يد المفوَّض ذلك إليه ابنِ المثنى. فلما ورد على أذفونش (ألفونسو) البرشلونيُّ (ملك أراغون) أخزاهما الله تعالى بثلاثة آلاف فارس ولَّت جموعُ المسلمين فمشت الهزيمة عليهم. فذكروا أن بعض الناس كان يقول: مُدَّها قل لابن المثنى يردَّها، يعنون بذلك صاحب الأشغال الذي نكب أشياخ الموحدين. ولا قوة إلا بالله العلي العظيم".

ربما كان الأندلسيون والمغاربة محقين في الغضب من الناصر، ولكنهم بعقابهم هذا له كانوا يعاقبون أنفسهم ويسلمون رقابهم ورقاب أولادهم وأولاد أولادهم لمئات السنين إلى عدوهم. فما إن انتصر ألفونسو حتى دخل مدينة أُبدة وقتل فيها ستين ألفاً من الرجال والنساء والأطفال، ضعف عدد المقاتلين الذين كان المنصور أبو الناصر رحمهم وأطلقهم قبلها بسبع عشرة سنة.

في رسالته إلى البابا أنوسنت الثالث يصف ألفونسو انتصاره فيقول: "لم نحتج إلى جمع الأخشاب لإشعال النار لأن العرب خلفوا وراءهم من الرماح وعمد الخيم ما كفانا نصفه. وكانوا قد خرجوا في مئة وخمسة وثمانين ألفَ خيالٍ دونَ المشاة وقتلنا منهم مئةَ ألفٍ كما أخبرَنا بعض أسراهم. ولم يقتلوا منا إلا عشرين أو ثلاثين مقاتلاً".

لم تكن هذه إلا معجزة في زاوية مسجده بغرناطة. كان ثم فقيه مالكي يدعى محمداً بنَ إبراهيمَ الأوسي ويعرفه تلاميذه بابن الدباغ. كعادة الشعراء يرى المستقبل. وَقَائِلَة أَرَاكَ تُطِيلُ فكراً كَأَنَّك قد وَقَفْتَ لَدَى الحِسَابِ فَقُلْتُ لَهَا أُفَكِّرُ فِي عِقاب غَدا سبباً لِمَعْرَكَةِ العقابِ فَمَا فِي أَرْضِ أندلسٍ مُقَامٌ وَقَدْ دخل البَلا مِنْ كُلِ باب.

أعود للراية ذات الجمال المؤلم. أتمكن بعد لأي أن أفسر المكتوب على هوامشها: "يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ". ثلاثُ آيات من سورة الصف.

لن يقف الموحِّدُون صفاً موحَّدين بعد هزيمة الناصر. إذ أنه يموت كمداً بعد سنتين ويخلُفه ابنه المستنصر وعمره عشرُ سنوات ويموت وهو ابنُ عشرين سنةً. ثم يختلف أخوه العادل وعمه عبدُ الواحد على الملك. فينقل أخوه جُلَّ جيش الموحدين من الأندلس إلى المغرب ليقاتل عمَّه. فتخلو ديار الأندلس من الجند. ويستعين أمراؤها بعضهم على بعض بالقشتاليين. ويستمرون على هذه الحال ثلاثةَ عقود من الزمن. حتى يأخذ القشتاليون بقيادة ابن بنت ألفونسو فرناندو الثالث إشبيليةَ وقرطبة. يساعدهم في ذلك أمير غرناطة محمدٌ بنُ نصرٍ بنِ الأحمر. ويرضى أن يكون بعضَ فرسان ملك قشتالة ويقف على قدميه للخدمة في ديوانه.

"يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ". سيمنح البابا فرناندو الثالثَ هذا رتبة القديس. وسيُدفن في قبر من الزجاج قائم إلى يوم الناس هذا في مسجد إشبيلية الكبير الذي كان بناه المنصور وتحول إلى كاتدرائية. تراه هناك مسجى على سرير من زجاج وذهب مكتوب عليه بالعبرية وباللاتينية وبالقشتالية وبالعربية أيضاً لنفهم: "هذا قبر الملك المعظم كونت فرناندو صاحب قشتالة وطليطلة وليون وقليسية وإشبيلية وقرطبة ومرسية وجيان رضي الله عنه الذي استفتح جميع الأندلس". وستسمى مدن باسم سان فرناندو القديس من الفلبين إلى كاليفورنيا.

كالعادة أرى الشبه بيننا. كان أكثر حكامهم يفضلون أن يكونوا خدماً عند غزاتهم على أن يكونوا جنوداً لشعوبهم. ومثلنا ثار أهل المدن الأندلسية مراراً على حكامهم هؤلاء. ولكنهم ابتلوا بحاكم نذل يخلف حاكماً نذلاً. واكتفى أهل كل مدينة بالخوف على أنفسهم من أن يحل بهم ما يحل بالمدينة المجاورة. في عام ألف ومئتين وستة وثلاثين قال أهل إشبيلية وهم يرون أهل قرطبة: أعانهم الله على ما ابتلوا. ثم في عام ألف ومئتين وثمانية وأربعين قال أهل غرناطة عن أهل إشبيلية: أعانهم الله على ما ابتلوا. ثم في عام ألف وأربعمئة واثنين وتسعين قال أهل المغرب عن أهل غرناطة: أعانهم الله على ما ابتلوا. واستمر الناس على هذا المنوال. وفي عام ألف وتسعمئة وثمانية وأربعين قال اللبنانيون وهم يرون ما حل بالفلسطينيين: أعانهم الله. ثم قال السوريون عام ألف وتسعمئة واثنين وثمانين وهم يرون ما حل باللبنانيين: أعانهم الله. والآن يقول المصريون وقد رأوا ما حل بالسوريين: أعانهم الله.

ومغزل التاريخ يدور. وإن كانت الرايات التي ينسجها اليوم أقل جمالاً وأشد هزيمة. أو ربما اعتدنا الهزائم فصارت أقل إيلاماً. أو ربما افتقدت أحزاننا للجلال. أصبحت مضحكة كتلك النكتة المشهورة عن عشرة رجال يمشون صفاً واحد يمشي خلف الآخر ثم يقعون كلهم تباعاً في الحفرة نفسها. أقول فقد الألم جلاله فنحاول أن نخبئه بشعثه وفكاهته المأساوية في حزن قديم جليل كما أفعل أنا الآن. ليس غريباً إذن أن تعيش قصيدة أبي البقاء الرُّندي يرثي بها جيّان ومرسية وقرطبة وإشبيلية التي يسميها حمص وسائر بلاد الأندلس فيقول:

فجائعُ الدهرِ أنواعٌ مُنوَّعةٌ وللزمانِ مسرّاتٌ وأحزانُ

وللحوادثِ سُلوانٌ يسهلها وما لما حلّ بالإسلامِ سُلوانُ

فاسأل بلنسيةً ما شأنُ مُرسيةٍ وأينَ شاطبةٌ أمْ أينَ جَيَّانُ؟

وأين قُرطبةٌ دارُ العلومِ فكم من عالمٍ قد سما فيها له شانُ؟

وأين حْمصُ وما تحويه من نُزهٍ ونهرهُا العَذبُ فياضٌ وملآنُ؟

يا راكبين عتاق الخيلِ ضامرةً كأنها في مجال السبقِ عقبانُ

وحاملين سيُوفَ الهندِ مرهفةً كأنها في ظلام النقعِ نيرانُ

وراتعين وراء البحر في دعةٍ لهم بأوطانهم عزٌّ وسلطانُ

أعندكم نبأٌ من أهل أندلسٍ فقد سرى بحديثِ القومِ رُكبانُ؟

يا من لذلةِ قومٍ بعدَ عزِّهمُ أحال حالهمُ جورُ وطُغيانُ

بالأمس كانوا ملوكاً في منازلهمْ واليومَ همْ في بلادِ الكفرِ عُبدانُ

راية الناصر المهزوم رايتنا جميلة جليلة رغم انهزامها. رايتنا وتلزمنا. ورغم مرور مئات السنين فإن حملها في العروض العسكرية يجلب علينا غصة في الحلق فنغض الطرف. إن هذه الراية ذاتَ الجمال المطرِب المحزنِ كالقصيدة حتى في هزيمتها أجل من كل راياتنا اليوم. رايات رسمها ضباط من ما وراء البحر كما رسموا الخرائط خطوطاً مستقيمة مملة وغبية جداً. لا وقت عندهم لاستدارات الحروف وتعقيدات التاريخ وما تعرفه الروح من ما لا يوصف باللسان. لكن التاريخ كما قلنا في البداية كالراية عصي على التبسيط ولا يمكن حسمه وتلخيصه في اسم نصر أو هزيمة. شيء ما في هذا الجمال المهزوم يبشرني بنصر الجمال ذاته. نصر ربما وربما هي البلاغة العربية المفتونة بالأضداد. خرجت هذه الهزيمة من نصر لم يكتمل. وغداً يخرج نصر من هزيمتنا هذه التي لم تكتمل. ولا والله تكتمل ما دام فينا من يتقن هذا الحرف.

أعيد النظر إلى الراية. أنتبه أن الآياتِ المكتوبةَ على أطرافها غير مكتملة. الكلمات الأخيرة من كل آية غائبة. تقصَّدَ النَّسَّاجُ ذلك. أراد أن نستنتج النهاية من البداية والغائبَ من الحاضر. كذلك فإنه لم يكتب أشهَر آيات سورة الصف على الراية. ربما ليبرزَها غيابُها. هي الآية التي تتلو الآياتِ المنقوشةَ على الراية مباشرة وأجدرُها بأن تنقش على رايةٍ محمولةٍ لقتال. تعمد النَّساج أن يتركها لتسكن البالَ لا القماش. تمنحني أملاً وأقرر أن أصدقها: "بسم الله الرحمن الرحيم. وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين".