Transcription
تقلب مقاطع قصيرة باستمرار، تضحك، تتأثر، تحصل على شغف لحظي، ثم ما إن تتوقف حتى يتوقف العالم وشعورك. كل محفزات الدوبامين انتهت. أصبح الامتنان على البساطة [موسيقى] [موسيقى] أصعب. [موسيقى] يا أهلاً، معكم عبد الله بن علي، وهنا بودكاست وسق. هذا الليل إذا أقبل، أوى كل شيء إلى [موسيقى] مأواه.
الحياة تتلون ما بين الأبيض والأسود، ما بين الخير والشر، ما بين السعادة والتعاسة، ما بين أن تحيا وأن تموت. تمنحك حرية الاختيار، فكيف تود أن تكون؟ وما الطريق الذي ستتبعه في رحلتك؟ إن الألم والمعاناة جزء من هذه الحياة، صعوبة ومشقة، ولكن هنالك جانب آخر. فنصيبك من الحياة اثنان: كرب وفرح. إن تحصيل السعادة والراحة مطلب، فلا الدين ولا العقل يقبل أن يعذب المرء نفسه. ولكن الدين والعقل بيّنا للإنسان طبيعة هذه الحياة. ففي وسط تلك التخبطات من اتخاذ القرارات الصعبة، من عمق الحيرة المفرطة بين ما تملك وما تريد أن تملك، وما تود التخلي عنه، من ذلك الليل الموحش في وحدتك، ما بين صعوبة الظروف وقسوتها عليك، كيف ستحيا؟
ففي وسط تلك التخبطات من اتخاذ القرارات الصعبة، من عمق الحيرة المفرطة بين ما تملك وما تريد أن تملك، وما تود التخلي عنه، من ذلك الليل الموحش في وحدتك، ما بين صعوبة الظروف وقسوته عليك، كيف ستحيا؟ هل ستعيش كل يوم جديد على أمل وساعياً بهمة في عملك؟ هل ستنظر لنصف الكأس الممتلئ وتمضي قدماً؟ أن تعيش حياتك محاولاً ألا تنظر للوراء، إلا للذكريات السعيدة فقط؟ أم أنك ستندب سوء حظك وتموت من الضربة الأولى وترضخ أمام كل ما تفرضه لك الحياة؟ إن ما تختار أن تفعله هو نتيجة لأفكارك، تذكر ذلك دوماً.
إن الذي لا يدعي المثالية، تلك التي يرتديها الكبار، تجعله لا يخجل من حزنه، بل يطبطب عليه بحنان، متفهماً بشريته التي تدعوه للبكاء أحياناً، محتوياً ضعفه الذي يجعله يشتاق إلى قوته أحياناً. إن من يختار أن يضحك دون حواجز، ويسعى أن يحرر الطفل الذي بداخله، ويرضى بما يملك وبما لا يستطيع تغييره، سوف يحيا ويختار السعادة. [موسيقى] والسلام.
سعادة الإنسان تكون بالصبر والشكر والامتنان. إن السعداء في الغالب لا يمتلكون أفضل الأشياء في الحياة، بل هم ممتنون بما يجد الله عليهم وما يجدونه في طريقهم، ويتقبلون كل ذلك بالرضا والقبول كهبة من الله تستحق الشكر. امتن ورضى بالنفحات السعيدة التي تأتي من وقت لآخر، لأنك لو اعتدت على ألا تنظر للنعم البسيطة في يومك ولا تشعر بها، لن تعرف السعادة. الذين اختاروا أن يكونوا سعيدين في يومهم لأبسط الأشياء، اختارتهم السعادة. وهذه قاعدة بكل بساطة، تستطيع أن تكون واحداً منهم. شعورك بالامتنان لأي حدث في يومك بحد ذاته سعادة، حتى لو لم يحدث في يومك أشياء جديدة وخارجة عن إطار روتينك المعتاد. امتن ورضى بأنك لازلت على قيد الحياة، لازلت تتنفس، لازلت ترى وتبصر مختلف الألوان، لازلت تسمع تغاريد الطيور في الصباح، لازال في الأمر متسع للبحث عن فرص تستمتع وتعمل بها. الحياة تخبرك بذلك كل يوم وتقول لك: هذا يومك، كن [موسيقى] سعيداً.
القاعدة الثالثة تقول: كنوزك بين جوانحك. لا جنائن في الشر، لا جنائن في الغرب. ابحث في الطريق الذي أتيت منه، تجدها جميعاً في داخلك. يا لهذا الإنسان، كم يكنز في داخله من الكنوز العظيمة الغامضة والمخفية بين جوانحه، فما تصيبه سهام الحياة وتنهال عليه المحن حتى ينكشف الغطاء عنها فتظهر للعيان، فينهال منها ما يسعف به نفسه. إن النور الكامن في داخل الإنسان سوف يضيء عندما يتعرض للأزمات ويحيطه بالدفء والحنان. إن الله قد أودع فينا كل ما نحتاجه من الذخيرة والطاقة كي تعيننا على عبور الجسور والمتاهات التي تقابلنا أثناء مسيرة الحياة. إن الله أودع فينا الأسرار الكبرى والهبات العظيمة، ويسّر لنا السبل للوصول إليها لتمنحنا البهجة وتعنينا على الأيام. إننا نملك كل ما نحتاجه من قوى وطاقات لنجعل حياتنا تزخر بالسلام. وإن المحبة والتسامح وخدمة الآخرين دون توقع أي مقابل هي الطريق للوصول إلى الكنوز العظيمة الكامنة في داخل أنفسنا.
في الهند هنالك حكاية أخلاقية رمزية تشبه الإنسان بحمار يحمل على ظهره أكياساً من الذهب، لكنه يمشي بتثاقل ولا يرفع بصره أبداً عن طريقه الشاق ليدرك ويقدر ذلك الكنز المحمول على ظهره. وفي نهاية القاعدة، أعيش وأنا مؤمن بأنني مثل كل البشر، أملك في داخلي نبعاً لا ينضب من الطاقات الكامنة وكنزاً عظيماً من المهارات المخزونة التي تنتظر من يفتح لها الأبواب لتشع وتزدهر. إن الإنسان سر الأسرار وأعظم المخلوقات. لقد خلقنا الله وطلب منا أن نبحر في داخل أنفسنا لنكتشف عظيم آياته وأسراره، ونغوص في أعماقنا لنتحرر من الشكوك والأوهام، ونحرر طاقاتنا وأحلامنا من المخاوف. إن المسكن الذي نبنيه داخل أنفسنا هو مسكننا الذي نعيش فيه في [موسيقى] الخارج.
هناك قاعدة أخرى تقول: التمسك بالجيد وترك السيء يمر. يشعر الشخص أحياناً أن أفكاره تسيطر عليه وأنه أسير لها، خاصة إذا كانت سلبية مثل الغضب والإحباط والاكتئاب والعصبية. فبالتالي على الإنسان أن يدرب نفسه باستمرار على التخلص منها ولا يسمح لها أن تتحكم به عن طريق التركيز على الأفكار الإيجابية والحديث عنها. فمثلاً، إذا مر على الشخص وقت سيء في العمل، يجب عليه أن يعطي هذه المشاعر أكبر من حجمها، وإلا تحولت الدقائق السيئة إلى يوم سيء بالكامل. فاختر أن يكون يومك جيداً لصالحك أنت. واختر أن تجاور السعيد لتسعد، فكل السعداء اشتركوا بذات الأمر واعتزلوا كل ما يؤذي أرواحهم ويفسد الطمأنينة ويزعزع سلامة النفس. فالسعادة معدية. فقد كانوا العرب قديماً يقولون: الرفيق قبل الطريق، والجار قبل الدار. لقد كانوا يدركون حقاً أهمية الجليس والرفيق ومدى تأثيره على أرواحهم. فبوسع إنسان أن يفسد سعادة قافلة بأكملها، وبإمكان جار سيء أن يضيق على جاره داره إلى خرم إبرة، وبإمكان جار طيب أن يجعل ضيق الدار أوسع من القصر.
أما عن العطاء الذي يجعلك تشعر بالسعادة، فهو شعور آخر يرتقي الإنسان بقدر ما يدفع غيره للارتقاء، ويرزق بقدر ما يكون سبباً لرزق غيره، وتهطل عليه الخيرات عندما يكون مفتاحاً للخير، وتطرق السعادة أبواب قلبه عندما لا يشح بها على غيره. ذلك أن في الحياة قانون للوفاء، من يعطي بصدق يعود إليه العطاء، ومن يحسن النية يملك القلب النقي الذي لا يحقد ولا يكره ولا يحسد، فهو في نعيم من السعادة. ففي قلب كل إنسان نبتة صالحة، إن سقاها بالخير تفرعت وصنعت له بستاناً، وإن سقاها بالشر فسدت وأفسدت أرضه.
عزيزي المستمع، إن السعادة قرار وليست انتظار. فلا تنتظر أن يأتيك شيء لتصبح سعيداً. لا تنتظر أن يأتيك المال والبنون لتسعد، ولا تنتظر أن تشفى من مرضك أو تصل لحلمك حتى تسعد. فالسعادة عزيزة نفس لا ترضى أن يفرض عليها شيء. عليك أن تتحكم في شعورك وترضى. فالسر ليس في العين، إنما في النظرة. أحياناً لنغير واقع الحياة، لا نحتاج أكثر من تغيير النظرة التي ننظر بها للأمور. عليك أن تتقبل ابتلاءات الله لك وحكمته عليك وترضى بما قسمه لك. عليك أن تتذكر دوماً رحمة الله وبأن ما يحدث لك أمراً إلا لخير أنت تجهله، وما يحرمك الله من شيء إلا لرحمته. [موسيقى] بك.
وقبل أن أختم هذه الحلقة، شكراً لكم أصدقاء بودكاست وسق في كل مكان. ممتن لكم جميعاً. يقولون: السعادة هي أن يكون لدى الإنسان الحد الأدنى من أي شيء، وهذا هو الحد الأقصى من القناعة. ويقولون أيضاً: السعادة لا تستورد، بل من داخلنا تولد. وأخيراً تذكر يا صديقي، السعادة قرار وليست [موسيقى] انتظار.