Transcription
مما نخاف؟ ما الذي يخيفنا؟ ما الذي يقيد خطانا ويخنق أيامنا؟ مما تخاف؟ من ربك لأن وعده بالعذاب وجهنم؟ حسناً، رحمته سبقت عذابه. أليس أبوك يخيفك ويقسو عليك لمصلحتك؟ وستكون تعيساً لو لم تعرف عن أبيك سوى أنه أمسك لك العصا في يوم من الأيام، ونسيت أنه هو من أطعمك وسقاك واشترى لك أشياء كثيرة بالدين لكي تستتر. وأمك كذلك، كم عاقبت وضربت وربت. ولو تخيلت أن رحمة أمك بك أكبر من رحمة ربك، فأنت بحاجة لإعادة النظر في إيمانك، ولله المثل الأعلى. مما تخاف؟ من الموت؟ دعني أذكرك بشيء لا تتذكره. في الماضي، كنت تعيش في رحم أمك، داخل الرحم مطمئناً وسعيداً وهانئاً لدرجة أنك خرجت بصعوبة واضطروا للاستعانة بقابلة أو طبيبة لتسحبك. خرجت وأنت تصرخ وتعترض، ومع ذلك أحببت الدنيا ولا تريد مفارقتها. تخاف مفارقتها؟ حسناً، دعنا نغير اسم الموت ونسميه الرحلة. رحلة من الوارد جداً أن تكون أنعم وأهنأ من حياة الرحم والحياة الدنيا التي تتشبث بها. لا يوجد في الموت سوى ألم واحد فقط، ألم الفراق. حتى هذا سيعاني منه من عاشوا، الذين سيعيشون بعدك هم من سيحزنون على فراقك، أما أنت فستكون ميتاً يا سيدي، عادي. حتى هذا الألم اعتبره من مضايقات الحياة، لكن الموت نفسه لا يخيف بالدرجة التي تتخيلها. لا الله يخيف ولا الموت يخيف.
مما تخاف إذاً؟ من المسؤولية؟ إخواننا الذين يعيشون في الإسكيمو لديهم حكمة جميلة تقول إن آثار خطوات الدب ترعب أكثر من الدب نفسه. ومارك توين، الكاتب الأمريكي الساخر، كان يضحك ويقول لك إن 99% من الأشياء التي خاف منها لم تحدث. والحكمة الغربية تقول إن الرصاصة التي ستقتلك لن تسمع صوتها، لكن الرصاصات الفارغة التي تسمعها هي التي تقتل شجاعتك. وأفضل من كل هذا كلام سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم حين نصحنا وقال: "لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه". فلما سألوه: "وكيف يذل نفسه يا رسول الله؟" قال: "أن يعرض نفسه لما لا يطيق من العمل، فيعرض له ما لا يطيق من البلاء". لا، اختر مسؤوليتك الحقيقية ولا تحمل نفسك فوق طاقتها. وعندما تعرفها وتؤمن بها، ابذل جهدك وتحمل مسؤوليتك وتوكل على ربك. فيكتور هوجو، الكاتب الفرنسي، كان يقول عندما يسألونه عن فلسفته في الحياة: "إني أرى لا أكثر، وأؤمن لا أقل. أما العواقب فشيء لا يدخل في حساباتي". يعني بالعامية: أفعل ما عليّ، وما يأتي أسلّم به، ولا أشغل بالي به. أهلنا زمان عندما كانوا يخرجون من بيوتهم كانوا يقولون ويدعون: "استعنا على الشقاء بالله، ليأتِ الشقاء أهلاً وسهلاً، ما علينا سنفعله وربك المعين".
قل لي إذاً، مما تخاف؟ حسناً، تخاف على ماذا؟ على أولادك؟ افعل ما عليك: ربِّ وانصح ووجّه وادعُ ربك أن يحفظ ويسلّم ويبارك. الله سبحانه وتعالى يعيب عليك أن تخاف عليهم من الغد، أو أن تكون خائفاً أن تموت وتتركهم في الزمن ليؤذيهم. الله يقول لك ماذا؟ "وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا". اتق الله وربِّ أولادك جيداً، وربك سيتولى كل شيء آخر.
ستقول لي: "هذا الخوف شعور إنساني". أقول لك: "عندك حق، أنا لا أطلب منك أن تكون متهوراً أو أن يصبح قلبك قطعة رخام لا تهتز". الشجاعة في أصلها هي إخفاء الخوف لا إلغاء الخوف. لا تدع خوفك يفكر لك، اسجنه وخذ هذه الحكمة من عنترة بن شداد. سألوه مرة: "يا عنترة، أأنت أشجع العرب؟ أنت أشجع واحد في العرب؟" فرد عنترة ببساطة وقال لهم: "لا". فاستغربوا وقالوا له: "فبماذا يشاع لك هذا في الناس؟ لماذا كلما تكلمنا أحداً عن الشجاعة يقول عنترة؟" قال لهم: "لأنني كنت أقدم إذا رأيت الإقدام عزماً، وأحجم إذا رأيت الإحجام حزماً، ولا أدخل موضعاً لا أرى لي منه مخرجاً. وكنت أعتمد الضعيف الجبان فأضربه الضربة الهائلة يطير لها قلب الشجاع". عندما أقول لك لا تخف وكن شجاعاً، لا أقصد افتح صدرك وتهور، لكن أقول لك افهم خوفك لأن من الوارد أن ما تخاف منه لا يكون مخيفاً أصلاً. ولا تحمل نفسك فوق طاقتك لكي لا تضعها في اختبار ليس لك. وآمن بقيمة كرامتك وادفع ثمن إيمانك هذا، وكن حكيماً في حروبك ولا تدخل كل حرب بشكل قهري ناقصك. اعلم أن الشجاع الحقيقي هو من يطمئن من حوله، وأكثر الناس رعباً هم من يصدرون الخوف للناس. جزء من أمنك أن تؤمّن من حولك وتكون مصدر طمأنينة لهم لا مصدر خوف. زوجتك، أولادك، زملائك، جيرانك، مرؤوسيك الذين يعملون تحت يدك، لا تخيفهم لكي تعيش آمناً وتشعر بالطمأنينة والراحة. فرعون الذي كان يرعب مصر كلها، كان مع كل مظاهر قوته جباناً جباناً. وشاءت عدالة ربك أن تعاقبه بموسى الذي رباه في بيته، غرق أمام عينيه وهو يصرخ ويقول: "آمنت برب موسى".
وخلاصة القول، الموت لا يخيف يا صاحبي، الذي يخيف حقاً هو ما يموت بداخلك. الجسد يطيع المخيلة، نعم والله، الخوف يسيطر. هل تريدني أن أوضحها لك بشكل أبسط؟ بسيطة. أحضر لوح خشب بطول 3-4 أمتار وعرض 50 سم، ضعه على الأرض بين قالبين من الطوب. أحضر قالبين من الطوب وضع لوح الخشب هذا بينهما، وتفضل اعبر عليه. لن تخاف أبداً، ستعبر عادي، ستنجح، لا توجد أي مشاكل. تخيل الآن لو وضعنا نفس اللوح هذا بين عمارتين في الدور الثلاثين أو الأربعين أو الخمسين، وقلنا لك: "تفضل اعبر عليه". يقيناً ستخاف، مع أنك مشيت عليه مليون مرة وهو على قالبي الطوب وهو على الأرض. ما الفرق إذاً؟ الفرق أن خيالك حضر، الفرق أن خيالك حضر. الخيال الذي كانت تسيطر عليه إرادتك وثقتك بأنه عادي. يعني في المرة الأولى كنت واثق أنه عادي، يمكنك العبور، ماذا سيحدث؟ وحتى لو سقطت، ماذا سيحدث؟ لكن في المرة الثانية، استبدل خيالك سيناريو أنك تمشي بكل طمأنينة ويدك في جيبك بشكل آخر مرعب مرعب. وضع افتراضات وفرضها عليك لدرجة أنك عندما تنظر نظرة هكذا للأسفل وتتخيل السقوط من الأعلى ستخاف أكثر وتتشكك في إمكانياتك على العبور. الشك هنا ليس مبنياً على قدرتك ولا إمكانياتك، لأنك عبرت، أنت تستطيع. إنه مبني على خوفك، ولهذا في الغالب لو حاولت ستقع لأن خوفك هو الذي يكون مسيطراً. هل تفهم كلامي؟
حسناً، اسمع. هل تتذكر عندما كانت الوالدة، أطال الله في عمرها، تقول لك: "من يخاف من العفريت يظهر له"؟ علم النفس يا سيدي يصوغ لك الأمر بشكل أنيق ويقول لك: الإنسان يواجه في الحياة أحد أمرين: إما أحلامه وإما مخاوفه. إما أحلامه وإما مخاوفه. الذي يطغى منهما على مخيلته سيسوقه، والطرف الأقوى والغالب والمسيطر عليه سيسوقه. الصوت الذي سيصدقه هو الذي سيصدر الأوامر. حسناً، ماذا نفعل وكلنا بداخلنا مخاوف؟ ما دامت المخاوف إذا كبرت تسوقنا، ماذا نفعل؟ ها! أول شيء يجب أن نعرف ونتأكد أن ليست كل المخاوف التي بداخلنا حقيقية. هناك مخاوف تنتجها أو ينتجها القلق، قلق غير مبرر. أحياناً الإنسان لا يسلّم بأشياء خارج إرادته فيبقى خائفاً، لا يوكلها على الله سبحانه وتعالى. يبقى خائفاً من أشياء مثل صورته الاجتماعية مثلاً، حكم الناس عليه، تقدير الناس له. كل هذا، كل هذا يوصل الإنسان منا إلى أن يفكر تفكيراً خاطئاً، وعندما يأتي ليأخذ قراراً يقع في المشاكل بسبب مخاوفه الغالبة التي تشغل الجهد المعكوس.
أهلنا بتوع التنمية البشرية، إخواننا وأصحابنا وأحباؤنا، عندما يأتون ليتحدثوا مع إنسان يريد أن يغير حياته، يتحدثون عن فكرة الثورة الشاملة. والحقيقة أن حياة بني آدم أو الإنسان لا تعمل بساخن وبارد، ليست أزراراً تغير بها بني آدم فتجعله يكسر الدنيا عندما تكون لديه مشكلة يريد تغييرها. الناس الأذكياء لا يقومون بثورة شاملة إطلاقاً. الناس الأذكياء يتغيرون كل يوم، ليس بين عشية وضحاها. نعم والله، بالطبع هناك أناس يقلبون حياتهم، لكن هذا استثناء. أنا دائماً أحب أن أعمل على البشر العاديين الذين مثلي. الأصل أن الإنسان يجب ألا يعاند نفسه. إذا كانت لديه مخاوف، فليختبرها، لا ينكرها. لا يجلس يقول: "أنا شجاع وأنا قوي". لا، اختبر مخاوفك، انظر هل هي حقيقية أم لا. لديك منطقة راحة، لا تريد أن تخرج خارج منطقة الراحة هذه لكي لا تتعب. تفاوض مع منطقة الراحة، والله تفاوض في حجمها. اليابانيون لديهم فلسفة في غاية الجمال اسمها الكايزن. الكايزن، هذه الفلسفة قائمة على ماذا؟ إنها فلسفة تطور للمؤسسات والأشخاص. يقول لك إن التغيير الفعال للأشخاص والكيانات أو المؤسسات يحدث بالتغييرات البسيطة المستمرة. لا تقلب نفسك. المهم أن اليوم أنت أفضل من الأمس ولو بسنتيمتر، وغداً تكون أفضل من اليوم ولو بسنتيمتر. من حوار "حرر المارد وأخرج الأمراء بداخلك". والله إنه لعبة، لعبة ستلعبها مع نفسك دون أن تعيقك قوانين القوة المعاكسة. الهدف من هذه الحلقة يا صاحبي، الهدف من هذه الحلقة هو أن أنبهك لنقاط لكي لا تهزمك مخاوفك. أولها أن تتعلم التفاوض مع نفسك وتكتشف مخاوفك. المخاوف ابنة الظن، المخاوف التي في دماغك ابنة الظن وحديث النفس، وكشفها يحدث من خلال التجربة والممارسة. وقتها تعرف فعلاً هل نحن على قدرها أم فعلاً المفروض أن نخاف. ها! انتبه، العمود الذي يوضع، الخشب الذي يوضع في الدور الثلاثين والأربعين يمشي عليه صنايعية، ناس يعملون. من أين أتى ذلك؟ من التدريب. جربوا فوجدوا أنها لا تخيف. ثاني شيء، عكس ما يخبرك به أهل التنمية البشرية ورجال المبيعات والتسويق واللايف كوتشينج ومن تبعهم، عكس ما يقولونه لك، أنا آتٍ لأقول لك لا تركز أكثر من اللازم مع أي شيء. نعم والله، اللامبالاة عيب، عيب، عيب أن تكون رجلاً كبيراً هكذا ومسؤولاً وذا شأن ومكبراً دماغك لديك لامبالاة. لا لا، ليس هذا ما أقصده. الذي أقصده أن كمية النصائح التي تتحدث عن موضوع التركيز، تركيز غير صحيح ويحرق الشمعة من الطرفين، وللأسف ننتهي بسرعة. علم النفس في بداية الثورة الصناعية، في بداية كل هذه الضجة التي حدثت قبل المهرجان الذي نعيش فيه، بداية السرعة بدأت من الثورة الصناعية. في علم النفس، لفت الانتباه أن دفع البشر – أنتم يا جماعة بتوع المصانع، أنتم يا بتوع الرأسماليين – دفع البشر للجري المستمر بتوتر وقلق ومهام وعمل، هو هذا الذي كبّر المرض النفسي والضغوط التي تواجه البشرية حتى اليوم. نعم والله، وقتها زمان طرحوا حلاً يقول: "اجرِ على قدك"، وهو الجهد الذكي. يعني عندما بدأوا يصطدمون مع التوتر وحالة القلق وحالة الكآبة التي عند الناس، خرجوا بنظرية لم تكن التنمية البشرية قد قامت بعملها بعد، قالوا: هناك شيء اسمه الجهد الذكي. قالوا إن الإنسان يجب أن يراجع مراجعة تامة لأولوياته وهمومه والقضايا الشخصية، لأن الضغط يأتي من مخاوف المنافسة، السعي للنجاح، التميز. وهذه المفردات تحتاج أن يشرحها الإنسان بينه وبين نفسه ويعمل جهداً، جهداً مبنياً على احتياجات رئيسية وعلى مخاوف رئيسية. لهذا يا جماعة، سنجد النقطة المركزية التي اتفق عليها الدين والفلسفة وعلم النفس وعلم الاجتماع، وهي أن الإنسان لكي يعيش هانئاً، هانئاً، لا بد أن يكون واعياً بنفسه، منتبهاً لها، لأننا في أوقات نجري دون أن نعرف لماذا نجري، ونتضايق دون أن يكون لدينا مبرر حقيقي للضيق. التركيز جيد على الأشياء المهمة، لكن أريدك أن تجتهد في تعلم اللامبالاة. والله اللامبالاة بلاء تجاه قيم المجتمع، تقييمهم لك. لامبالاة تجاه قضايا الترند التي تجنن الناس. لامبالاة تجاه سباق أو مسابقة يشارك فيها أصدقاؤك لتجديد سياراتهم أو يركزون على أشياء مرهقة وستضغطهم، لكن بالنسبة لك لا تساوي شيئاً حتى لو كانوا كلهم يركزون فيها. شيء تعطل في بيتك والظروف المادية أو الاقتصادية خانقة بعض الشيء، لا تركز كثيراً. خلاص، قدر الله وما شاء فعل، وهي أصلاً هكذا عمرها، ماذا ستفعل؟ حتى الإنسان نفسه له عمر ويمرض ويموت. هذه اللامبالاة في جانب منها شعور إيجابي وقيمة إيجابية، نعم والله. ليست تجاهلاً يعني، ليست تكبراً. لا، أنت ضابط نفسيتك، ضابط مخاوفك، مستعد نفسياً لمواجهة أي واقع. هادئ، مستعد، تطلب السلامة لكنك تعلم أنه لا مفر من المكتوب. لا تأخذها على أعصابك ولا بإحساس أن الدنيا تستقصدك ولا تشعر بالضيق والنقمة طوال الوقت. تجاهل، تعلم أن تتجاهل. تجاهل كلاماً كثيراً يقال، أشياء كثيرة تراها، هموماً كثيرة ومشاغل كثيرة وتفاصيل كثيرة. تجاهل، تجاهل.
النقطة الثالثة: تمرّن، تمرّن. أقول لك شيئاً؟ هل تعرف الثقة بالنفس التي يقيمون عليها دورات وكتب؟ أختصر لك السر في كلمتين: الثقة بالنفس في أصلها تمرين. نعم والله، هكذا انتهى الأمر. ما هي الثقة بالنفس؟ أن تتمرن. الذين يولدون من بطن أمهاتهم قادة وموهوبين ومخترعين، الذين يمسكون بزمام المجال يعني، هؤلاء قياساً بمليارات البشر نسبة نادرة. الباقي بقى، مثل حالتنا هكذا، يتميز بعد توفيق الله بالتمرين والممارسة والتعب. لا يكون الجميع متشابهين مهما جرينا، لكن طالما والله لطالما أثبتت الحياة أن التدريب والممارسة، الممارسة الحقيقية لأي شيء، خصوصاً لو كنت تحبه، تجعلك تتفوق أكثر من الموهوبين. هل تعرف حسام حسن، هداف مصر الأول عبر التاريخ؟ ليس الأفضل مهارة إطلاقاً، والله إنه التمرين. تمرّن على أي شيء، واجه أي شيء، اقتل من داخلك، اجعل القانون يعمل معك. هل تعرف ميزة أنك تتمرن؟ أنك ستتفوق والله، وستجد نفسك مركزاً، وستجد نفسك واثقاً من نفسك. ستكبر وأنت تعلم ما الذي تستطيع فعله وما الذي لا تستطيع فعله، آسف، ما لا تفعله. وبالتالي تكون طوال الوقت لديك تقييم حقيقي لنفسك، وبالتالي أي جهد تبذله تجاه شيء معين فأنت تبذله تجاه الشيء الذي تعرف أن تفعله، وبالتالي لا يلعب ضدك الجهد المعكوس.
النقطة الأخيرة، وهذه دائماً أتحدث فيها وتغضبون مني ودائماً تتهمونني بالأسوأ. أرجوكم ارفضوا، ارفضوا، ارفضوا دور الضحية. نعم والله، والله لو حضرتك موجوع اطلب العلاج. لو الدنيا تدوس عليك حاول أن تعالج نفسك. لا تستمرئ الدور. أظنه كان دوستويفسكي الذي ضرب مرة مثالاً غريباً جداً قال: الإنسان منا يتعامل مع هذه الدنيا وهو يتخيل أنها مثل أمه هكذا. أمه التي هي ماذا؟ سيظل يشتم ويضرب ويجري ويخبط ويزعلها طوال اليوم، وهي بالليل ستأتي لتطبطب عليه وتضع له الأكل وتأخذه في حضنها وتدلله. دوستويفسكي يقول لك: لا لا يا حبيبي لا، الدنيا ستتركك تموت والله، ستتركك تموت من البرد والوحدة والشكوى والوجع. لا تتعامل مع الدنيا على أنها سترضيك ولا ستدللك إطلاقاً إطلاقاً. فجأة ستجد عمرك قد جرى، والأسوأ من ذلك والله أنك ستجد هذا يصنع مخيلتك. فأنت رجل مظلوم ومضطهد طوال الوقت، تتوقع الأسوأ. فعندما توضع في الموقف، دائماً مخيلتك يفرض عليها خيالك التشاؤمي الأسود القاتم الكئيب رؤية سوداء، وبالتالي تجد نفسك لديك مشكلة.
في الماضي، دعني أختم معك بقصة مهمة. هذه القصة، في الماضي كان هناك أخوان، أبوهما كان مدمناً وله سوابق، وهما يعيشان مع أمهما المغلوب على أمرها. الأب سُجن بتهمة الاتجار في المخدرات ومات في السجن. الولدان اللذان كبرا كانا قريبين جداً في العمر. أمهما ربتهما واعتنت بهما حتى كبرا. كان لهما صديق في تلك الفترة عمل صحفياً بعد ذلك. لفت نظره أن هذين الشابين عندما كبرا تباين حالهما. أحدهما أصبح طبيباً كبيراً جداً، رجل ذو شأن محترم، الناس كلها تحترمه وتحبه. والآخر، أخوه الثاني، دخل السجن تماماً مثل أبيه، مخدرات ودنيا، دخل السجن وأزعج الناس كلها وراءه. فالصحفي قرر أن يذهب ويسألهما: "ما الذي أوصلك لهذه الحالة؟ ما الذي أوصلك لهذا الوضع؟" قالها للطبيب وقالها لأخيه الذي في السجن. زارهما الاثنان. تفاجأ الصحفي بالإجابة. الاثنان أجابا بنفس الإجابة. الاثنان قالا له: "أظن يا أستاذ أن أي أحد عاش حياته بنفس ظروفي، بنفس الواقع الذي أنا فيه، من المنطقي أن يكون هذا طريقه وتكون هذه إرادته". الدكتور، وهو الطبيب، الأخ الأكبر أو الأول يعني، قالها بمنطق أنني رأيت المخدرات إلى أين توصل، والجريمة إلى أين توصل، وكيف أن هذا الطريق يجعل المرء يظلم نفسه ويظلم أهل بيته، وفي الآخر ينتهي مكللاً بالعار، وبالتالي أنا لن أسير في هذا الطريق. هذا الرجل، الطبيب الأخ هذا، إرادته متسقة مع خياله، وبالتالي حدث ما حدث، ويرى أنه منطقي. حسناً، والآخر؟ والآخر قال لك على رأي اللمبي هكذا: "واحد صاحبه علي علوكة وأبوه مدمن وله سوابق ومات في السجن وتركني مع أم تعمل في البيوت، سأصبح ماذا؟ طياراً؟ لا، كان يجب أن أصبح مثل أبي". سنجد أن هنا الإرادة، إرادته متسقة مع خياله بأنه لا يوجد سوى طريق واحد. خيال الأول أن هذا الطريق مستحيل أن أسير فيه، ومخيلة الثاني أن هذا الطريق هو الوحيد المنطقي الذي أسير فيه، وانحازت إرادة كل واحد لمخيلته. عرفت الآن أن ذهنية الضحية قادرة على أن تخدع صاحبها وتجعل مخيلته متسقة مع قراراته الخاطئة وتجد لها مبرراً. اللمبي فيلسوف. اللمبي الذي يقول لك: "عليه علاقة وأشرف كخة، واحد صاحبهما سيصبح ماذا؟" على فكرة، هذه فلسفة. الرجل هنا، الممثل هنا، اللمبي كان يطرح فلسفة عند ناس كثيرين. تأتي لتتحدث معه فيقول لك: "جالس أعيش في بلد بهذا الشكل، أتخيل ماذا سيصبح؟" واحد يعيش بأخلاق محترمة في زمن كهذا، أتخيل ماذا؟ واحد يعيش بضمير وسط الناس، أتخيل ماذا؟ فيجد مبرراً للسوء الذي هو فيه. ماذا سيصبح يعني؟ هل سيصبح سعيداً؟ بالتأكيد سيصبح مجروحاً وموجوعاً. ومنطق اللمبي منطق عند ناس كثيرة جداً. مارك توين، الكاتب الساخر، يقول عندما جاءه الموت: "عشت حياتي خائفاً من أشياء كثيرة، معظمها لم يحدث. والله كل خوف منهم كان يقطع قطعة من عمري. كل خطوة أوقفتها كانت تؤثر على حياتي. كل شيء فعلته بدافع الخوف قيدني في مكاني". الفترة نعيش خائفين من أشياء كثيرة لا تحدث بحجة الحذر والسلامة، فيعيش الخيال محبوساً، محبوساً في أمهم الخوف، وتظل المخيلة دائماً تسوقنا، تسوقنا، تسوقنا، ونموت ألف مرة ونحن أحياء.