Transcription
يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون.
فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون.
ومفني الأعوام والدهور وجامع الأنام للنشور، أحمده سبحانه وأشكره على كل الأمور ما تعاقبت الأيام والأعوام والدهور ومهبت ريح الصبا والدبور.
[موسيقى]
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة خالصة صادقة هي الشفاء لما في الصدور. وأشهد أن نبينا وحبيبنا محمدا عبده ورسوله، قام بحق ربه حتى تفطرت قدماه، فهو العبد الشكور. صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين آمنوا بربهم واتبعوا رسوله وما أنزل معه من النور، والتابعين ومن تبعهم بإحسان وسلم تسليما كثيرا ما تعاقب العشي والبكر.
أما بعد، فأوصيكم عباد الله ونفسي بتقوى الله، فاتقوا الله رحمكم الله. فقوارع الأيام داهية، فهل من أذن لعظاتها واعية؟ ومقادير العجال جارية، فهل النفوس في الاستعداد لها سارية؟ ونوازل الحمام والموت طاغية، فهل القلوب لوقعتها مراعية؟ فأين الآباء الأكابر؟ وأين الأبناء الأصاغر؟ وأين الصديق والمعاشر؟ وأين الغائب؟ وأين الحاضر؟ لقد عثرت بالجميع العوافر، ودارت على أصحابها الدوائر. فهل ينظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم؟ قل فانتظروا إني معكم من المنتظرين.
عباد الله، هذا نبي الله موسى عليه الصلاة والسلام لما جاء لميقات ربه عز وجل، أخبره الله سبحانه وتعالى بما حدث بعده في بني إسرائيل من الفتنة وعبادتهم العجل الذي عمله لهم السامري، فقال عز وجل: "ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا قال بئس ما خلفتموني من بعدي أعجلتم أمر ربكم وألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه قال ابن أم قال هارون قال ابن أمه إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني فلا تشمت بي الأعداء فلا تشمت بي الأعداء ولا تجعلني مع القوم الظالمين".
فتأملوا إخوة الإيمان في قوله هارون عليه السلام لما قال: "فلا تشمت بي الأعداء"، لتعلموا عباد الله عظيم أثر شماتة الأعداء حتى في قلوب ومشاعر الأنبياء. لذلك استعاذ منها أي من الشماتة، استعاذ منها إمام الأتقياء صلى الله عليه وسلم وأوصى أمته بهذا الدعاء، فقال عليه الصلاة والسلام: "تعوذوا بالله من جهد البلاء ودرك الشقاء وسوء القضاء وشماتة الأعداء".
أجل أيها الكرام، فالشماتة بالآخرين مرض خبيث لا تصدر والله إلا عن شخص حاسد ولا تكون إلا في قلب حاقد. لذلك عباد الله، إن من أعظم المصائب والله أن تبتلى بمن يترقب زلتك وينتظر سقطتك ليظهر له ليظهر شماتته فيك ويبدي عداوته لك. حتى قال القائل:
كل المصائب قد تمر على الفتى فتهون غير شماتة الحساد
إن المصائب إن المصائب تنقضي أيامها وشماتة الأعداء بالمرصاد
فأساس الشماتة عباد الله مبني في الغالب على القيل والقال وعلى نقل الأخبار، فكم من مخبر بأخبار وناقل لأحداث إذا محصتها على الحقيقة وجدتها عارية عن الصدق خالية عن الحقيقة. إنما هي مجرد هوى وتلقف ألفاظ ألفاظ يلقيها فلان ويسمعها علان وينقلها فلان ويكتبها فلان هكذا من غير تثبت ولا تبيان. فهذه الأمور لا يليق والله بالمؤمن أن يعتمد عليها.
عباد الله، لذلك يقول الله عز وجل لصحابة نبيه عليه الصلاة والسلام: "إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم". فالمؤمن أيها الأحباب لا يشمت بالآخرين، المؤمن يسره ما يسر إخوانه المؤمنين ويحزنه ما يحزن إخوانه المؤمنين. إن رأى خيرا فيهم سره ذلك الخير وفرح به، وإن رأى غير ذلك ساءه وأحزنه. هذا والله حال المؤمن الصادق، مخالف للكاذب المنافق الذي يسوءه فرح المؤمنين الذي يسوءه فرح المؤمنين ويفرح لمصابهم. فهذه والله صفة ذميمة من صفات المنافقين، الشماتة صفة من صفات المنافقين كما قال الله عز وجل: "إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها".
أجل إخوة الإيمان، فالشماتة خلق ذميم صاحبها لئيم. وقد قيل قديمًا في أمثال العرب: الشماتة لعمري، أي لا يفرح بنكبة الإنسان ولا يشمت به إلا من لام أصله. وصدقوا الله، فإن الشامت عباد الله ترجع مغبة شماتته عليه، ويوشك أن ينقلب الدهر عليه. لذلك لما ركب ابن سيرين الدين وأفلس في آخر حياته فحبس بسبب هذا الدين، فقال: إني لا أعرف الذنب الذي أصابني به. اسمعوا عباد الله بعد أربعين سنة، قال: إني لا أعرف الذنب الذي أصابني به، لقد عيرت رجلاً منذ أربعين سنة فقلت له: يا مفلس. قال له: يا مفلس. فأفلس ابن سيرين وحبس.
إذا مدته جر على أناس كلاكله أناخ بآخرين
فقل للشامتين بنا أفيقوا سيلقى الشامتون كما لقينا
وكذا الدهر دولته سجال تكر صروفه حينا فحينا
لذلك اعلموا يقينًا عباد الله، والله إن من شمت شمت به، ومن عاب عيب عليه، ومن استهزأ استهزأ به، ومن سخر سخر منه، كما قال الله عز وجل: "ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون". وأنا لا أدري والله كيف يشمت بالآخرين من يعلم أن الأيام دول؟ كيف يشمت بالآخرين من يعلم أن الدهر قلب مقبل له ومدبر؟ كيف يشمت بالآخرين من يعلم أن الأيام أخذه معطيه، يوم سرور ويوم كدر؟ كيف يشمت بالآخرين من يعلم أن الزمان يومان، يوم لك ويوم عليك؟ فكما تدين تدان.
وإلا أخبروه عباد الله، كم من غني افتقر؟ وكم من فقير من فقير اغتنى؟ وكم من عزيز ذل؟ وكم من ذليل عز؟ وكم من معاذ ابتلي؟ وكم من مبتلى عوفي؟ كذلك جرت سنة الله التي لا تتبدل ولا تتحول: "ثم لتركبن طبقا عن طبق".
ثم اعلموا عباد الله، والله إن الندامة تعقب الشماتة، تعقبها الندامة وليس لصاحبها السلامة. هذا إبراهيم النخعي رحمه الله تعالى يقول: إني لأرى الشيء أكرهه فما يمنعني أن أتكلم فيه إلا مخافة أن أبتلى بمثله. الله أكبر، اسمعوا هذا الكلام. وقال غيره: أي عيب عيرت به أخاك فهو واصل إليك لا محالة. وهذا ابن رجب رحمه الله تعالى يقول نقلًا عن بعض السلف: أدركت أقوامًا لم يكن لهم عيوب فذكروا عيوب الناس فذكر الناس عيوبهم، وأدركت أقوامًا كانت لهم عيوب فكفوا عن عيوب الناس فنسيت عيوبهم. وصدق القائل والله:
ومن يرى بالآقوام يومًا يروا به معرة يوم لا توارى كواكبه
فقل للذي يبدي الشماتة جاهلًا سياتيك كأس أنت لابد شاربه
لذلك عباد الله، [موسيقى] إن أكثر ما ابتلي به الناس في هذا الوقت هو ما يقوم به بعض ضعاف النفوس على صفحات الإنترنت وغيرها من فضح ونشر لأسرار الناس وكشف لمعايبهم وإظهار الشماتة لهم وتتبع سقطاتهم. ولا شك والله عباد الله، لا شك أن من يقوم بذلك أو أن من يقع منه ذلك فإن عقوبته أن الله عز وجل يفضح ولو بعد حين. وليت شعري ألم يردع هؤلاء القوم وأصحاب هذه الفعال قول ربهم جل وعلا زاجرًا لهم ومقبحًا حين قال عز وجل: "ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتًا فكرهتموه". أما أفزعهم وأرعد فرائصهم قول ربهم جل وعلا حين قال: "إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة". أما طرق أسماعهم قول رسولهم صلى الله عليه وسلم حين قال: "ولا تحسسوا ولا تجسسوا ولا تناجشوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا".
ألا يخشى هؤلاء القوم [موسيقى] أن تدور الدائرة عليهم فيعاقبهم الله عز وجل بفضحهم حتى في جوف بيوتهم فيخزون أمام زوجاتهم وأبنائهم وبناتهم وينفضحون أمام آبائهم وأمهاتهم وقبيلتهم ويذلون أمام عشيرتهم ورفاقهم؟ أجل، فقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال واصفًا إيمان هؤلاء القوم ومتوعدًا لهم ومهددًا، فقال عليه الصلاة والسلام: "يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه". اسمعوا عباد الله لهذا النداء: "يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه، لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من اتبع عوراتهم اتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضح في بيته".
نسأل الله العفو والعافية. فلا تشمت بالآخرين يا عبد الله، ولا تعير الآخرين أيها المسلم، فالسعادة كل السعادة والله أن يشتغل المرء بعيوب نفسه دون عيوب غيره، وأن يسأل الله عز وجل العفو والعافية والحفظ والسلامة، وأن لا يشمت به أحد. فقد كان حبيبنا ورسولنا صلى الله عليه وسلم يدعو قائلًا: "اللهم احفظني بالإسلام قائمًا، واحفظني بالإسلام قاعدًا، واحفظني بالإسلام راقدًا، ولا تشمت بي عدوًا ولا حاسدًا. اللهم إني أسألك من كل خير خزائنه بيدك، وأعوذ بك من كل شر خزائنه بيدك". فاكثروا عباد الله من هذا الدعاء في زمن كثر فيه هذا البلاء، وسلوا الله العفو والعافية، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
أقول ما سمعتم، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الحمد لله الكبير المتعال، أحمده على جزيل النوال وأشكره على كريم الإفضال، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له سبحانه تقدم عن الأنداد والأمثال، وأشهد أن نبينا وحبيبنا محمدا عبده ورسوله كريم الخصال شريف الخلال، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه خير صحب وأكرم آل.
أما بعد، فاعلموا أيها الأحباب أن من أعظم الشماتة التي تشيب لها رؤوس العقلاء هي شماتة المسلم بإخوانه عند وقوع الفتن والبلاء. لذا أقول لك أيها الشامت هذه رسالة لك لا لغيرك، نعم أنت يا من ابتلي بهذا المرض الخبيث، يا من ابتلي بالشماتة، عافاك الله من هذا الداء وهداك. أقول لك: وكأنك تزهو بكمالك وتفاخر بجمالك، وكأنك تغفل عن مودعة الأيام لك، وكأنك تظن أن أخاك هذا المبتلى لم يبتلى بمبتلي به إلا على كرامة في نفسك على الله، فترى نفسك على الناس. فإن كنت تعتقد ذلك فهذه مصيبة والله، وهذا عجب وغرور وغفلة. ألا تعلم أيها المسكين لعل هذه النعم التي أنت فيها هي استدراج لك من الله ومكر بك وأنت لا تعلم؟ أجل أيها المسلم، لذا لا تشمت بأخيك مهما صغر شأنه وظهر عيبه ومهما بان نقصه في أمر الدين أو الدنيا، فإن الشماتة تجلب لك والله البلاء والابتلاء. ولكن إن رأيت من ابتلي بذلك أو بشيء من ذلك فتضرع إلى الله عز وجل مستعينًا به خائفًا منه مشفقًا على نفسك وعلى إخوانك وقل: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلي به وفضلني على كثير ممن خلق تفضيلًا. فلا تظهر الشماتة لأخيك فيعافيه الله ويبتليك، ولكن خذ العبرة وسل الله العفو والعافية. أتشمت بالمؤمن المسلم فترجع بالخزي والمآثم ويرحمه الله سبحانه وتبلى بذاك ولم ترحم؟
وأنا لا أدري والله كيف لمسلم أن يشمت بمسلم في بلاء كان يستوجب منه ألمًا ومعاناة الجسد الواحد؟ ألم يسمع هذا وأمثاله ماذا قال رسولنا عليه الصلاة والسلام؟ قال: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد في السهر والحمى". هكذا ينبغي أن يتعامل المسلم لا أن يعير ويشمت بإخوانه. لذلك علم النبي صلى الله عليه وأصحابه، علم النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه ورباهم، فقال لأحد من أصحابه وأوصاه أن لا يعير أحدًا حتى وإن كان المقابل هو البادئ بذلك، لا تعير، لا تعير أحدًا. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "وإن امرؤ شتمك وعيرك بما يعلم فيك فلا تعيره بما تعلم فيه، فإنما وبال ذلك عليه".
أجل إخوة الإيمان، فالمسلم الحق هو الذي يرشد ويوجه وينصح ولا يعير ولا يشمت بالآخرين ولا يفضح. المسلمون المؤمنون نصحه، والكاذبون المنافقون غششه. المؤمن الصادق ينصر أخاه ظالمًا كان أو مظلومًا. إن يكن ظالمًا نصره بردعه عن ظلمه ومنعه منه وأن يحول بينه وبين ظلم العباد وأن يمنعه من التمادي في غيه وجهالته، وبالمقابل إن كان مظلومًا نصره ووقف معه حتى ترد إليه مظلمته. أجل أيها المسلمون، فحَق والله على أهل الإيمان أن يفعلوا ذلك، حق والله على المسلمين أن يصنعوا ذلك ويدعوا الأحقاد والأضغان وأن يجتنبوا الشماتة بالإخوان. فحري والله بكل مسلم يؤمن بالله العظيم ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًا أن يفعل ذلك، وخصوصًا وهو يقول في ورده كل صباح: "اللهم ما أصبح بي من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك، فلك الحمد ولك الشكر". الواجب عباد الله مع هذا الذكر والحديث الشريف أن يعكس صفاء قلب المؤمن ورحمته ومودته للخلق كلهم، فضلًا عن أن يحب أن يحل بالناس مكروه أو سوء أو تعازة أو مكروه، ثم يشمت بهم. فلا والله لا يجتمع في قلب مسلم، لا تجتمع الرحمة الغامرة مع القسوة، مع القسوة الشامتة. نسأل الله العفو والعافية. فلا نملك والله نحن عباد الله إلا أن نقول: ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلًا للذين آمنوا، ربنا إنك رؤوف رحيم.
هذا عباد الله، وصلوا وسلموا على الرحمة المهداة والنعمة المزداة نبيكم محمد رسول الله، كما أمركم بذلك ربكم في محكم تنزيله، فقال وهو الصادق في قيله قولًا كريمًا: "إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليمًا". اللهم صل وسلم وزد وبارك وأنعم على عبدك ورسولك محمد الحبيب المصطفى والنبي المجتبى وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.