📱

Get Our Mobile App

Take your business learning on the go!

Download on the App StoreGet it on Google Play

سفاح الحجاز 1419 هـ : القصة اللي روعت الديرة !

وليد قصص51:03

Transcription

في عام 1419، وتحديدًا في قرية من قرى الحجاز، الناس كانت بسيطة وقتها. البيوت جنب بعض، وكلنا عيال قرية، وكلٌّ يعرف أخيه. وهنا بقالة صغيرة وصايرة في وسط القرية، لوحتها خضراء، وفيها عامل هندي يعرف الناس والناس تعرفه. وراعي البقالة كل يوم يشقر عليه، ويشوف ش ناقص، ويحاول يجيبه ويغطيه. وأهل القرية يتجمعون حول البقالة عند دكة يجلسون ويسولفون ويسمرون مع بعض.

ولأني ذكرت لكم أنها قرية، كانوا فيها كبار السن نوعًا ما كثير، وكذلك عجز القرية كثير. وهناك معجوز من القرية كانوا ساكنين لحالهم: اللي خلفتها بنات وتزوجن وخلنها، ويسيرن عليها كل يوم، كل يومين. واللي عيالها توظفوا في مكان بره، فصاروا يجونها بين فترة وفترة، ويوصون عليها الجيران. واللي عيالها حاولوا مرة ومرتين وثلاث أنهم يأخذونها، إلا أنها كانت ترفض وتقول: "أنا عشت هنا وأموت هنا، سيروا علي إن كان بكم خير".

كان الوضع يا جماعة طبيعي، حتى جت ليلة من الليالي، الناس بدأت تسمع صياح. فكان يطلع الواحد من بيته ويتثبت من الصوت، فيبدأ يتسمع، وإلي الصوت ينادي ويقول: "أم ناصر ماتت". ويحاول يتأكد من العلم، لين يوصل هالقرار الصحيح. فعلاً، العجوز أم ناصر انتقلت إلى رحمة الله.

وهم رايحين يشيعونها، كانوا يسمعون بعضهم يقولون: "كبيرة سنة، الله يرحمها". واللي يقول: "يمكن طاحت". واللي يقول: "لا والله، يمكن أنها سكتة قلبية". ولكن مع الأسف، اللي ما كانوا يدرون عنه أنه من ذيك الليلة تغيرت القرية 180 درجة، وللأسوأ. إيش القصة؟ تعالوا مع بعض نعرف، يلا نبدأ.

قبل أذان الفجر بوقت قصير، قام من نومه رجال تعطي عمره 30 سنة، يقال له سعيد العمري، على صوت ما كان يشبه أي صوت قد سمعه من قبل في القرية. الصوت كان عبارة عن صراخ. فلما دقق فيه، لقاه صراخ حرمة. فعدل جلسته عقب النوم، وهو ما بين متوهم صادق العلم صحيح، بدأ يتسمع أكثر. إلا والله حرمة تصيح وتنادي وتقول: "يا ناس يا عالم، افزعوا لي! أم ناصر ما ترد يا عالم!".

قام مفزوعًا بسرعة، ولبس نعوله، وتوجه للبيت. فطالع بأخوه الصغير، ثم أسفه من اللخبطة اللي فيه، وتوجه للباب وافتحه. وأول ما فتح الباب، طالع برا، وإلي الصوت صحيح ما هي بلعب. ثم بدأ يشوف أبواب البيوت الثانية تنفتح باب باب. الرجال قامت تطلع مستعجلة، واللي حاطٍ شماغه على كتفه ويتلفت، واللي يسأل: "ش السالفة؟ ش السالفة؟". فبدأ ينتشر الخبر أنه "ش السالفة؟ مين اللي تصارخ؟". الصوت، الصوت سامعينه من بيت أم ناصر.

بيت أم ناصر يا جماعة كان في آخر الحارة، بيت طيني قديم مرة، بابه عليه اكسرات بسيطة، وله مزلاج من داخل. وكانت ساكنة فيه أم ناصر، حرمة هادية، ما تسولف ولا لها علاقات كثيرة، حبوبة حبوبة. زوجها متوفى من فترة، وما عندها منه إلا ولد وحيد. الولد هذا صار عليه حادث قبل فترة وتوفى، ولا بقى لها إلا بنت أخوها اللي صارت تمر عليها كل يومين مرة، تشقر عليها، تسأل: "ش تحتاجين؟ ش ما تحتاجين؟"، ثم تسلم عليها وتحب رأسها وتمشي.

الشاهد أن رجال وصلوا عند البيت، لكنهم وقفوا برا، فأدخلوا الحريم أول شيء. سعيد كان من ضمن الناس اللي واقفين عند الباب، يحاول يحاول يسمع ش يصير داخل، ولكن كانت أصوات الحريم عالية ومتداخلة مع بعضها، فما قدر يلقط شيء. يسمع اللي تقول: "حطي يدك على صدرها، ما فيها نفس يا يمه يا أم ناصر قومي!". هذه كانت الكلمات اللي يسمعها. وما هي إلا لحظات، إلا يوم طلعت بنت أخوها من البيت، وجهها شاحب، وايدينها ترعد، فقالت: "راحت! راحت! الله يرحمها يما!". ورجعت تصيح.

هنا الرجال اللي موجودين كلهم صنغطوا، اسكتوا. كان في رجال بينهم يقال له أبو فهد، هذا تسبيرهم، تنهد ثم قال: "لا حول ولا قوة إلا بالله، إنا لله وإنا إليه راجعون". ثم تكلم رجال ثاني وقال: "كبيرة سن، الله يرحمها ويغفر لها". إلا يوم طلع رجال من بينهم وتكلم وقال: "أمس كانت تسأل عن تمر، ما فيها إلا العافية". هنا تكلم أبو فهد وقال: "الله يرحمها ويبيح منها يا رجال، الأعمار بيد الله".

إلى هذه اللحظة، الوضع كان طبيعي جدًا. كل ما في الموضوع أنه في عجوز نامت ولا قامت. إلا سعيد كان واقف عند الباب، وسعيد رحوم وخدوم، ويسأل ويشقر على الحارة، الرجل طيب وفي خير. ولأنه أول شخص وقف عند الباب، استغرب من الموضوع. في حاجات غريبة أنا ماني فاهمها. البيت كان هادي، الفانوس لقاه طايح، في شيء ما هو بطبيعي. ضف على ذلك أنه الباب كان مفتوح على كبره، وهذا الشيء ما تعوده من أم ناصر اللي تقفل الباب عقب المغرب مباشرة.

طالع لأبو فهد وقال: "أبو فهد، الباب كان مفتوح". فقال: "يمكن بنت أختها يوم جت فتحت الباب". الكلمة ذي يوم قالها أبو فهد، إلا على طلعة بنت أختها تبي تروح تنادي المغسلة، فسمعته وردت عليه على طول قالت: "لا، يوم جيت لقيته مردود ما هو مقفل". هز رأسه أبو فهد وقال: "ما عليه، يمكن نسيته، الحرمة كبيرة سن وتنسى". هنا سعيد سكت، ولعاد فتح الموضوع من جديد.

عقب فترة بسيطة، هالبنت هذه فعلاً فعلاً جابت أم بدر. مين أم بدر؟ أم بدر المغسلة. كانت أم بدر حرمة قوية وعاقلة، والكل يحترمها. ما تتكلم كثير، ولكنها إذا قالت كلمة الناس تسمعها، يمكن لأنها تخاف، تخبرون مغسلة موتى وكذا. الشاهد أنها دخلت البيت حتى أنها ترتب، ورجال واقفين من برا يعني يجهزون أمور الجنازة وما إلى ذلك، وسعيد واقف عندهم. فبدأوا الناس يتكلمون لدرجة أنه واحد قال: "الله يرحمها ما آذت أحد". فرد عليها الثاني وقال: "مسكينة يا رجال، عاشت آخر عمرها لحالها".

وما هي إلا ساعة زمان، ساعة زمان، إلا يوم طلعت أم بدر من داخل البيت، وكان شوي حركاتها وتصرفاتها غريبة. بالعاده لما كانت تطلع، كانت تطالع بأبو بدر وتقول له كلام وتصبره: "والله يرحمها، والله يغفر لها". إلا أنها هالمرة لما طلعت، كأنها كانت خايفة لدرجة أنها ما كلمت أحد. غسلتها وخلصت أمورها وطلعت وراحت.

سعيد كان واقف ويطالع فيها. يقول سعيد: "أنا كنت يعني خايف منها من يوم إني صغير، وأنا مسببت لي هالحرمة عقدة نفسية. فكل ما أشوفها أحس إني أتأملها وأنا خايف، لين يغيب بيني وبينها شيء، جدار، خلا، أي شيء. ولكن هالمرة لما كنت أطالع لها، شفتها تقدمت ثم وقفت فجأة، ثم رجعت طالعت للبيت، ثم كملت طريقها". يقول: "ما فهمت حركاتها وتصرفاتها ذي، بس إني ما جاب بالي أي شيء".

الشاهد أنهم أخذوها وصلوا عليها ودفنوها. وعقب الدفن، سعيد وقف مع مطلق، هذا يصير صاحبه وجاره. فكانوا يتأملون مشهد الدفن، فقال مطلق: "يا الله، أمس كانت تسولف عند باب بيتها، واليوم تحت التراب! يا أخي دنيا ما لها أمان!". فقال سعيد: "الله يرحمها يا رجال". فقال مطلق: "أنت ش فيك يا سعيد من اليوم الصبح وأنت ساكت؟ ما أنت بعاجبني يا رجال". فقال: "ما فيني شيء، بس خلها خلها تعدي". فقال: "لا فيك".

هنا تردد سعيد شوي ثم قال: "بس الباب يا أخي". فقال: "باب أي باب؟". فقال: "باب بيتها، بنت أخوها تقول أنه كان مردود ما هو مقفل". فقال: "يا رجال بس عين خير، يمكن قامت بالليل وافتحته ونسيته، يمكن أصلاً ما قفلته من الأساس". فهز رأسه سعيد وقال: "يمكن". والله سعيد قال "يمكن" وهو يعرف الحرمة زين، ويدري أنها مستحيل تنساه. إلا أنه مشى الموضوع ومشوا.

العصر، رجعت القرية لطبيعتها شوية. الدكان اللي بوسط القرية فتح، ورجال جالسين عنده زي العادة يشربون شاهي ويتكلمون عن الميتة الله يرحمها. والدكان اللي كانوا جالسين عنده دكان صغير، لكن يعتبر هذا الدكان قلب القرية. كلهم يجلسون عنده، وتحديدًا في الدكة اللي عنده، بس بالنهاية اللي بناها راعي البقالة، فيعني يعتبر من الدكان. فكان زي ما تقول يعني نقطة أساسية في القرية، الأخبار كلها عنده، يعني اللي يبي يعرف معلومة عن القرية ولا شيء يمر من عند الدكة يقط أذنه بس يعرف الأولي والتالي.

الشاهد أنه في ذيك اللحظة كانوا رجال مجتمعين حول الدكة، فكانوا يسولفون ويأخذون ويعطون: "والله يرحمها". وبدأوا يسولفون فجأة عن الموت والوفيات وكبر السن. وبدأوا يقطعون شوية الناس اللي حوله أنهم ما هم مهتمين ومادري إيش، ولكن كان الطابع العام للموجودين متأثرين.

وبينما هم يسولفون، إلا يوم دخل عليهم رجال يقال له خالد. خالد أول ما دخل جلس، ثم قالوا: "إيش عندكم للحين أنتم على ناصر؟". فرد عليه مطلق وقال: "يا رجال عين خير، توها مدفونة". فقال: "الله يرحمها، بس عاد لا تكبرون الموضوع، عجوز وماتت".

اللي ما تعرفونه عن خالد يا جماعة أنه رجل حاد، وكلامه يطلع كذا ما يفكر فيه، تحس ما في فلترة مباشرة يطلع. لدرجة أنه ضر كثير من أهل الحارة، يعني ما يرتاحون له، ولكن يعني من جماعتهم وبينهم سنين، فما كانوا إلا أنهم يتقبلونه غصب زي ما تقولون. تعودوا عليه أنه رجال راعي مناوشات وراعي نقر، ولكن مشى.

ويوم غربت الشمس، وإلي الحريم مجتمعات عند البنت المسكينة اللي تبتسي على وفاة أم ناصر، فصار يعاوننها بالبيت. والرجال مجتمعين إلا العزاء، يعني تبقى أم ناصر من ديرتهم، وإن كانت ما تقرب لهم بشكل شخصي، بس أنها من جماعتهم. سعيد كان من ضمن الناس اللي جالسين.

ويوم جاء عقب العشاء، قرر أنه يرجع لبيته، فقام وعزاهم وتوجه للبيت. أول ما وصل، وإلي أمه جالسة بالحوش تفرز لها صحن تمر، فطالعت فيه وقالت: "رحت للعزاء؟". فهز رأسه وقال: "إي والله يما رحت". فقالت: "الله يرحمها، الله ما نشهد له إلا بطيب".

تقدم سعيد وجلس عند أمه وقال: "يما، بسألت الحين، أم ناصر كانت تفتح بابها بالليل؟". فرفعت رأسها أمه وطالعت فيه مستغربة، ثم قالت: "ليه تسأل؟". فقال: "بس كذا يما، ودي أعرف". فقالت: "لا والله يا ولدي، أم ناصر خوافة، من عقب المغرب وهي مقفلة بابها. والله أذكر يوم إني كنت أسير عليها يا ولدي أنه صوتي ينبح، وفشلة حولنا رجال، فأرفع صوتي، ولين تتأكد مني ثم تفتح الباب".

جلس عند أمه سعيد يسولف شوي ثم راح ونام. وفي آخر الليل، مثل ما نام سعيد، نامت القرية، إلا بيت من بيوتها القديمة. بيت كان لأم عايض، عجوز ثانية من عجايز القرية، جالسة لحالها في بيتها وعند الفانوس. وضعها كان طبيعي، لين سمعت صوت دق خفيف على الباب. فرفعت رأسها بسرعة والتفتت. الدق يوم وقف، استغربت ثم قالت: "من عند الباب؟". ما جاها أي رد.

وأول ما قررت ترجع رأسها تحت، الدق يوم رجع من جديد، ولكن أخف من الدق الأول. فاستغربت ثم قامت، ويا الله تقوم، ومعها عكازها، ومشت باتجاه الباب، وكانت تردد: "من؟ من اللي عند الباب؟ تكلم!". لين وصلت عند الباب، ثم حطت أذنها عند الخشب وبدأت تتسمع، ولكن ما في أي صوت. فتحت المزلاج بشوي، ثم قامت تتلفت تدور من فيه، ما شافت أحد. ثم قررت أنها تتكلم وقالت: "مين؟". ما أحد رد.

ويوم جت تبي تسكر، إلي يوم جاها صوت من بعيد يقول لها: "افتحي! افتحي الباب يا أم عايض، بس بقول لك كلمة". فشدت على الباب وقالت: "ها؟ أنت من؟". سكت الصوت شوي ثم تكلم وقال: "افتحي شوي، لا تخليني أحد يسمع". هنا تغير وجه أم عايض، ما هو من الرجال، لا لا، الكلمة كانت غريبة. تعوذت من إبليس، ثم قالت: "راح عني، بكرة تعال".

ويوم جت تبي تسكر الباب، إلي الرجال اللي دف الباب فجأة، لدرجة أنها رجعت على ورا وطاحت، وطاح العكاز منها. ثم بدأت تطالع فيه، ويوم جت تبي تصيح، إلي الرجال فوق رأسها.

وعقب الفجر بشوي، كانت بنت أم عايض وقفت عند الباب، بدأت تدق الباب وتنادي: "يمه! يمه! يمه! افتحي أنا نورة!". الوضع هدوء تام، ما في أي رد. استغربت نورة لأنه عادة أم عايض تقوم مع الفجر على طول. فتخيلت نورة وضع أمها بالعاده أنها تجلس على سجادتها وتبدأ تسبح عقب الصلاة على جية نورة ودقة الباب، فتقوم تفتح لها أو على الأقل ترد لها وهي جالسة أنه "يلا جيتك". بس هالمرة ما في أي صوت.

نورة قربت أذنها من الباب: "يمه!". فلعلها دفعت الباب بالغلط، إلا الباب يوم أنه انفتح، رجعت وبدأت تطالع بالباب بالعاده. فانكمش قلبها على أمها، فدخلت وهي تنادي: "يمه! إي يمه! وينك؟". ومع أول خطواتها بالحوش، انتبهت للعكاز اللي طايح بوسط الحوش. فهنا انجنت، راحت تركض للمجلس. ومن لحظة دخولها للمجلس بثواني، الحارة كلها سمعت صوت صرخة، نفس صوت الصرخة اللي طلع على العجوز الأولى.

في ذيك اللحظة لما سمعوا الجميع صوت الصرخة، سعيد كان جالس مع أبوه يفطرون، فالتفت لأبوه بسرعة، إلي أبوه يوم قال: "لا حول ولا قوة إلا بالله". فترك اللقمة من يده وطلع برا يركض. أول ما طلع، معه الرجال كلهم يركض، وكل في جهة. فلعل سعيد ألمحت عينه مطلق جاي يركض ومتأخر، فقال: "من وين الصوت؟". فرد عليه سعيد قال: "شكله من بيت أم عايض". وقف مطلق كذا قال: "أم عايض؟". كأنه ما استوعب المشهد. فكمل ركض مع بعض لين وصلوا البيت.

أول ما وصل سعيد مع مطلق مع رجال، لقوا نورة جالسة عند عتبة الباب وتبتسي وترجف. وهنا حرمتين ماسكينها ويدخلونها داخل: "قومي قومي يا بنت الحلال داخل، رجال جو". ما هي إلا لحظات، إلا يوم وصل أبو فهد، فسأل وحدة من الحريم: "ش السالفة؟ ش اللي صار؟". فقالت: "هالحرمة أم نورة ماتت، لقيناها بالمجلس ميتة".

فكان من ضمن الناس اللي سمعوا الكلمة ذي خالد. خالد اللي كان يعني اللي بقلبه على لسانه، ورجال نقشر، تكلم وقال: "بعد؟". هنا طالع له أبو فهد بنظرة حادة، فقال: "أقصد الله يرحمها، بس غريبة سكتة". أبو فهد وقال: "حرمة كبيرة والموت حق". أول ما قال أبو فهد كلمته ذي، تكلمت حرمة وقالت: "بس نورة تقول أن الباب كان مفتوح يوم جت".

سعيد بدأ يطالع مطلق، لاحظ سعيد ولكن ما أحد منهم تكلم. أبو فهد قال: "يمكن قامت تفتح لها وطاحت ولا صار لها شيء". فقالت الحرمة: "بس كيف يعني يا أبو فهد قامت تفتح لها، عكازها طايح برا والحرمة ميتة بالمجلس؟". الرجال بدأوا يطالعون لبعضهم، وكل قام يرمي كلمة ومستغربين.

هنا خالد رجع يسولف وقال: "يا جماعة، أم عايض أقوى من أم ناصر، وأمس شوف العين أنا شايفها تمشي بالسوق". ما تحمل أبو فهد الموضوع وطالع فيه وقال: "خالد اسكت، خلاص خلاص ساكت". مير البلا أنه خالد يوم رمى كلمته، الناس سمعتها، والناس سمعت شيء تلت وتعجم فيه.

ما هي إلا لحظات، إلا يوم سعيد ارتبك. ارتبك لأن اللي وصل أم بدر، دخلت وبدأت تتغسل. وبينما هي داخل، مطلق قرب من عند سعيد وقال له: "نفس الباب؟". فقال سعيد: "إيش؟ اسكت!". هنا قال له مطلق: "بس أنت شايف، شايف بس ما ندري". ما تحمل مطلق وقال: "اثنتين يا سعيد، اثنتين!". سعيد ما رد وحاول يتجاهله.

ومن هنا عزيزي المشاهد، خلنا ننقل المشهد داخل البيت. داخل البيت، أم بدر كانت تغسل والوضع طبيعي، والحريم ساكتات من غير نورة تصيح وتبتسي، يعني أنتم عارفين أمها. وأم بدر قاعدة تشتغل وتحاول تهدي نورة وتقول لها: "اذكري يلا، اذكري يلا يا بنت الحلال وادعي لها". وتغسل. فجأة يدها وقفت. ليه؟ وتحديدًا وقفت في اللحظة اللي يدينها ارتفعت لوجه أم عايض. والسبب أنه كان في دم خفيف عند خشمها وعند أذنها. فرفعت عيونها وبدأت تطالع بالحريم تتأكد أنه ولا واحدة منهن انتبهت. ثم رجعت وكملت بسرعة.

وبينما هي قاعدة تغسل ومستعجلة، نزلت شوي شوي لين وصلت للرقبة. ويوم وصلت عند رقبتها، لاحظت شيء غريب. شافت أثر في وسط الرقبة غامق، يعني كأنه أثر ضغط بس ما هو واضح. ومن هنا بدأت تكمل الغسل ويدها على قلبها ما هي بمرتاحة، وكان لسان حالها يقول أنه "نفس الشيء، نفس الشيء ها، والله نفس اللي شفته بأم ناصر". استعجلت لين خلصت غسيلها.

يوم طلعت برا، شافها أبو فهد وقال: "خلصتوا؟". قالت: "إيه خلصنا". فحس أبو فهد أنها مرتبكة، فقال: "ش فيك؟". فقالت: "عادي أكلمك على جنب لحالك؟". فأخذها على جنب وقال: "خير، واش فيه؟". فقالت: "والله ما أدري ش أقول لك يا أبو فهد، بس موتة أم عايض يشبه موت أم ناصر، يشبه موتهم". فقال: "وشلون يعني؟". قالت: "أنا شفته، شفت دم جهة الخشم، وشفت دم طالع كذلك من الأذن خفيف، وفي أثر برقبة. الحالة ذي ما هي بطبيعية".

استغرب ثم قال: "يمكن من الطيحة وهن كبار سن، يبين عليهن أي شيء يعني". فقالت: "يا أبو فهد، ما هي بأول مرة نغسل الحريم، فيهن شيء. أنا ما أتهم أحد، بس يا أبو فهد في شيء غلط". هنا استغرب أبو فهد وقال: "لا تعلمين الحريم ولا كلمة". طالعت فيه وقالت: "طيب إذا صارت ثلاثة؟". توتر وقال لها: "لا تقولين كذا يا بنت الحلال". فقالت: "ما أدري بس أنا خايفة تصير". فقال: "لا خير إن شاء الله، خير خير يا بنت الحلال، لا توسوسين، خير". ما كانت مرتاحة أم بدر للموتة، ولكن سكتت ومشت وتركته.

أخذوها ودفنوها، وعدت مراحل الدفن بشكل كامل على خير. ويوم جاء العصر، وإلي رجال مجتمعين في الدكة، ووضعهم طبيعي، وكل وده يسولف بسالفة، بس أنه متوتر من الموقف، وما يلامون، حرمتين ماتن ورا بعض. لين تكلم خالد وقال: "يا الربع يا الربع، أم عايض ما كانت مريضة". فتكلم واحد من الرجال وقال: "يا خالد خلاص". فرد عليه وقال: "ش اللي خلاص؟ أنا قاعد أقول لكم الحقيقة". فقال له الرجال: "يا رجال، الحقيقة أن الأعمار بيد الله، عين خير بس". طالع فيه خالد وقال: "والبابين بعد بيد الله".

هنا رد عليه مطلق وقال له: "يا رجال عين خير، لا تفتح باب وسوسة علينا". فقال: "ما هي بوسوسة، حرمتين يموتن وبابينهم مفتوحة، في شيء يا الربع، فكروا بعقولكم". وهنا قرر يتكلم أبو فهد وقال: "خالد عين خير". خالد ما قدر يرد فسكت. ولعل خالد يوم سكت ثم مشى، بدأت من وراها الفتنة، لأن الكلام طلع من الدكة، ومثل ما قلت لكم أنه ينتقل وصل للبيوت. فصار من عقب المغرب الحريم يقفلن البيبان، وصارن بعد يوصين على هذا الشيء.

لدرجة أن أم سعيد قالت لولدها: "مر على بيت أم سعد وقل لها تقفل الباب". فطلع سعيد وتوجه لين وصل بيت أم سعد، ثم قال: "يا أم سعد يا خالة". فقالت: "هلا هلا يا ولدي". فقال: "أمي تقول قفلي الباب". فقالت: "الله يجزاك خير، بقفله بقفله يا ولدي. مير مير بنشدك، صحيح يا ولدي أم عايض لقوها ميتة وباب بيتها مفتوح؟". فقال: "والله ما أدري يا خالة، بس إيه هقوتي والله هذا اللي سمعته". فقالت: "إنا لله وإنا إليه راجعون". ثم بدأت تتلفت وراها وقالت: "والله ما أدري ش أقول لك يا ولدي، بس من عقب ما طاحت الشمس وأنا والله أسمع خرفشة حول بيتي". فقال: "لا تخافين لا تخافين يا خالة، بمر أنا وبتشوف وبدقق على ما داخل الحارة، بإذن الله أنه ما في غريب يدخل حارتنا مرة". فقالت: "يا ولدي، الخوف ما هو من اللي برا". استغرب وقال: "أجل من ش يا خالة؟". فقالت وهي تسكر الباب: "من واحد نعرفه وينفتح لها الباب". ثم سكرت الباب وتسمع صوت المزلاج. فكان يمشي وهو راجع للبيت ومستشك ش تقصد "ينفتح له الباب من؟".

ومن ذيك الليلة، أهل القرية ما عادهم طبيعيين. كل صار يشاور اللي حوله ويلت ويعجم بالموضوع اللي صار، موت ولا في بلاء ولا ش العلم. بعد وفاة أم عايض، ما عاد للنوم طار في القرية. الرجال ما قالوا في قاتل، ولكن تصرفاتهم تقول كذا.

عقب العشاء مباشرة، تجمعوا الرياجيل مع بعض، تحديدًا عند المسجد. أبو فهد وسعيد ومطلق ومعهم ثلاث رجال. طالع فيهم أبو فهد وقال: "يا رجال، من يقدر يمر على بيوت العجايز قبل ما ننام؟". فرد مطلق وقال: "أنا أمر على بيت أم سعد وبيت أم حمد". وأما سعيد قال: "أنا أمر على بيت أم هلال وبعد أم خليل". خالد هنا قال: "وأنا". فطالعوا فيه فقال: "وش بعد؟ أنا من أهل القرية". فقال أبو فهد: "زين زين، أما أنت مر على البيوت اللي موجودة عند المزارع". فقال: "زين، يلا بمرها، بس إذا صار شيء مو تقولون خالد ما فزع لنا". ثم كمل ومشى ولا أحد رد عليه.

في نفس الليلة، بدأوا الرجال يدورون على الحارات ويمرون بيوت العجايز ويطقون الباب: "ها قفلتي الباب؟". فتقول: "إيه الله يعطيك العافية قفلته". واللي تقول: "والله هذا أنا بقفله نسيته". لين وصلت الساعة تقريبًا 10 قريب 11 بالليل. سعيد ومطلق كانوا يمشون بين البيوت القديمة ومعهم كشاف صغير ومطلق معه عصا.

هنا مطلق طالع لسعيد وقال: "يا ولد، تحس أن الموضوع غريب؟". فقال له سعيد: "إيش تقصد؟". فقال: "ما أدري، يعني أحس أن ندور شيء ما نعرفه". أول ما قال مطلق سالفته ذي، سعيد رفع يده قال: "ش؟ كان في صوت طالع". مطلق يحاول يسمع الصوت، إلي سعيد قاله: "تعال معي".

الصدمة يا جماعة أن الصوت جاي من بيت أم سعد. ويوم قربوا من البيت، وإلي الظل اللي يمشي من عند جهة الباب. وبلحظة الظل اختفى عند زاوية ضيقة صايرة بين بيتين. سعيد على طول تكلم وقال: "وقف!". إلا يوم الظل بدأ يركض، فركض سعيد وراه ومطلق لحقهم. الحارة ضيقة وظلمة، والرجال وراه متر، اتركوه. لين دخل بحوش قديم، وسعيد منطلق: "وقف! وقف يا ابن الحلال وقف!". الرجال ما وقف.

يوم وصل هذا الظل عند الحوش المهجور، قمز على طول لأن جداره قصير. فيوم جاء سعيد بيقمز وراه، وإلي ركبته تبرر فطاح وقال: "آه ركبتي!". مطلق كان يركض يوم شاف سعيد يصيح وقف عنده على طول: "سلامات سلامات!". فقام سعيد على حيله بسرعة وهو يتوجع، ويطمرون اثنينهم السور. ثم وقفوا وبدأوا يتلفتون يمين يسار، الحوش فاضي ما في أحد. غير أنهم شافوا باب صاير ورا الحوش وينفتح على مزرعة قديمة. مطلق رفع الكشاف وبدأ يكشف، ولمح من بعيد أثر رجول. فقرب لها وطالع فيها، ثم لف على سعيد وقال: "طلع مع ذا الباب، هذه آثاره". قرب سعيد يوم شاف الأثر قال: "هذا أثر رجال سبير. مير مير خلنا نتركه، خلنا نرجع لأم سعد".

فرجعوا يركضون لين وصلوا بيت أم سعد. وأول ما وصلوا، دفوا الباب اللي هو مردود، الباب ما هو مقفل. ما تجرأوا أنهم يدخلون، ولكن وقفوا عند الباب وبدأوا ينادون: "أم سعد! أم سعد! أم سعد!". والخوف يقرقع بقلوبهم لا يجري لها ما جرى على اللي قبلها. إلا يوم سمعوا صوت من داخل ينادي: "من؟". فرد سعيد قال: "سعيد ومطلق". إلي يوم أنها فتحت الشباك حق البيت من داخل، ووجهها يقطر خوف، فقالت: "ش فيكم؟". فقال سعيد: "يا خالة في في أحد كان عند بابك". فاشهقت وقالت: "والله إني سمعت الدق وقلت يمكن أنه أنتم". فقال مطلق: "لا يكون فتحتي له؟". فقالت: "فتحت له؟ لا والله ما فتحت لأحد. أنا كل اللي سويته يا ولدي إني سألت من؟ ورجعت عقبها بشيء بسيط، إلي يوم إني سمعتكم تصايحون". فقال لها مطلق: "يا خالة تعالي تعالي قفلي الباب ولا تفتحين لأحد، لو يناديك باسمك بالليل لا تفتحين لأحد". فقالت: "زين زين يا ولدي". وتقدمت وقفلت الباب بوجيهم وسكرته بالمزلاج، ولا ارتاحوا لين سمعوا الصوت.

وعقب ربع ساعة من هالحدث، إلا يوم الرجال تجمعوا عند البيت، ثم انهالت بعدها الأسئلة على سعيد ومطلق: "شفتوا وجهه؟ طويل؟ قصير؟ من يجيه؟ هرب؟ طيب ليه؟ ليه ما مسكتوه؟". وسعيد كان جالسًا على عتبة الباب ويطالع بركبته ويمسح منها. إلي يوم أن أبو فهد تكلم وقال: "هدوا يا الربع هدوا هدوا، خلوا الرجال يسولف".

هنا تكلم سعيد وقال: "ما شفنا وجهه لأنه كان لابس شماغ ولافه عليه، فما قدرنا نميزه". هنا تكلم خالد وقال: "يعني ما عندكم شيء؟". فرد عليه مطلق وهو معصب وقال: "عندنا أنه كان عند بيت أم سعد". فقال خالد: "يمكن واحد من الورعان". فقال سعيد: "واحد من الورعان ش يسوي بنص الليل عند بيت أم سعد ما تقول لي؟". فسكت خالد، فعلاً الكلام منطقي.

تكلم أبو فهد وقال: "من اليوم ما عاد هنا عجوز تنام لحالها". فقال له واحد: "ش نسوي؟ هالقرية مليانة عجز واجد، العجز اللي ما عندهن أحد يا عيالها مسافرين برا الديرة ولا عيالها متزوجين وساكنين ببيوت لحالهم". فقال أبو فهد: "ذاك من أول، أما الحين الله لا يهينهم ياخذون عجوزهم عندهم ولا أنهم يدبرون لهم أحد ينام عنده". ثم طالع بخالد وسعيد ومطلق وقال: "أنتم روحوا شوفوا الجهة اللي هرب منها". فرد خالد زعلان قال: "ليه؟ ليه أنا؟". فقال له أبو فهد: "لأنك الوحيد اللي يعرف المزارع زين". فمشى معهم خالد وهو يتذمر وحالته حالة.

لين وصلوا الحوش، فوقف عند خالد وبدأ يطالعه قال: "يا أخي ما به شيء مميز، كل القرية هذه مقاسات رجولهم، وشلون نجيبه؟". فقال سعيد: "طيب وين راح؟". فقال: "والله الهقوة أنه طلع مع ذا الباب وتوجه للمزرعة، ومن المزرعة يقدر يلف ويرجع للقرية من جديد مع أي جهة". فقال سعيد: "ها؟ يعني يعرف المكان؟". فقال: "إي أكيد يعرفها، أقول لكم أنا واحدة من أهل القرية". فقال له مطلق: "ابن حلال لا تستعجل، ما هو بشرط". فقال: "إيه إي صادق ما هو بشرط، هذا واحد جاينا من برا الديرة ونام عندنا ليلة ويعرف حوش أبو سليم المهجور وأن له مخرج أن يوديه من برا ويرجع القرية؟ لا صادق واحدة من برا". مطلق ما قدر يرد عليه لأنه فعلاً كلام خالد سليم.

الشاهد أنهم رجعوا وعدت الليلة على خير. ويوم أصبح الصبح، تجمعوا كالعادة عند البقالة، ولكن نفوس فيها شيء. العالم قامت تشك ببعضها لدرجة أنه خالد طالع برجال يطالع برجوله تكرمون. فطالع في خالد قال: "شو تطالع أنت؟". فقال: "ها؟ لا ولا شيء". فرفع خالد رجله وقال: "ها شفت؟ تبي تقيس أثر ها؟". فتدخل هنا أبو حسين صاحب البقالة وقال: "يا الربع صلوا على النبي، لا تقلبونه هوشة". فقال خالد: "لا خلهم خلهم، من أمس كل واحد يطالع بالثاني وكأنه هو اللي ذبح". فقال أبو فهد: "يا رجال عين خير عين خير، إيش فيكم؟ أعوذ بالله تبغون حلوق بعضكم؟ ما أحد قال أنه منكم". فقال سعيد: "لا والله إلا خالد صادق، اللي جاء يعرفنا زين ويعرف المداخل ويعرف المخارج، ولا ش عرفه بحوش أبو سليم؟ ش عرفه بالمخرج الخلفي اللي يرجع للحارة؟ ما بمنطقي، الرجال اللي سواها يعرفها المزارع أحسن واحد فينا". طالع في خالد وهو مستغرب من رده ثم قال: "زين دامك متأكد، قلنا من؟". فقال سعيد: "لو عرف كان قلته". فقال خالد: "إيه بس واضح أنك تلمح". فوق مطلق بينهم وقال: "يا رجال عين خير عين خير". هنا خالد دف يد مطلق وقال: "لا تمسكني". فتدخلوا رجال بينهم وفرقوهم بسرعة، وأرسلوهم عن بعض، كل واحد قال له: "خلاص راح اشتغل، راح شف لك صرفة".

ويوم جاء عقب الظهر، وإلي بيت أبو فهد يندق. فطلع يفتح الباب على فاله، وانصدم أن اللي يدق الباب أم بدر مغسلة الموتى. فقال: "سلامات يا أم بدر، ش السالفة؟". فقالت: "سمعت باللي صار". فقالت: "أبد سمعت باللي صار، والله أنه ما يأكد إلا كلامي". فقال: "أي كلام؟". فقالت: "ما أمداك نسيت اللي ماتوا الاثنتين؟ ما ماتوا طبيعي". فقال: "يا أم بدر يا أم بدر عيني خير، والله أن قلنا للناس في قاتل أنها تنهبل القرية". أم بدر انهبلت بدون حتى ما نقول. سكتت ما قدرت ترد عليه، ثم هزت رأسها وأدخلت.

فرجع هو سكر باب بيته. وأول ما سكر الباب، إلا يوم سمع الصوت، وإلي هو ورع صغير يركض بالحارة ويصارخ: "الحقوه! الحقوه!". ففتح الباب بسرعة ويطالع، وإلي أم بدر تطالع فيه وتطالع بالصوت. هنا أبو فهد بدأ يدقق بالصوت، وإلي هو يقول: "أم سعد طاحت!". فتجمد وطالع بأم بدر اللي لقاها حاطة يدها على فمها. ثم اركضوا كلهم باتجاه بيت أم سعد.

يوم وصلوا عند البيت، وإلي الحريم داخل ويسمعون الأصوات واللجة. وبلحظة هلا، يوم طلعت أم بدر من داخل وهي تقول: "أم سعد تطلبكم الحل". فكان أكثر شخص متأثر هو سعيد. سعيد لعله يا جماعة كان واقفًا عند جدار بيت أم سعد، وهو يحس أن رجوله ما عاد تشيله. أمس كانت تكلمه من ورا الشباك وصوتها يرجف وهي تقول له: "لا تخلوني لحالي". واليوم الحريم موجودين داخل بيتها حتى أنهم يغسلونها. يا كره للمشهد.

مطلق واقف جنب سعيد ومعصاه وشاد عليها بقوة وهو يقول: "مستحيل يا أخي كيف؟". فكانوا واقفين ويسمعون بنتها تصايح داخل وهي تقول: "أمس قلت لها والله إني قلت لها تعالي نامي عندي، قالت لا، قالت لي لا". خالد يوم سمع صوت البنت تصيح زعل ثم قال: "أمس حاول يدخل عليها واليوم ماتت خلاص، والحين تقولون لنا كبيرة سن بعد؟". هالمرة تغير الوضع، ما أحد رد عليه لأن كلهم صاروا يعرفون أن الكلام تغير، هذه ما عاد هي بوفاة طبيعية، هذه مصيبة.

هنا طلعت أم بدر من البيت، فطالع فيها أبو فهد وقرب لها بسرعة وقال لها: "نفس الشيء؟". طالعت فيه وقالت: "لا والله إلا أشد، الأثر اللي عند رقبتها نفس الأثر، ولكن الدم اللي طالع من خشمها والدم اللي طالع من أذانيها لعله أكثر من الحرمتين الأولات. خلاص أبو فهد لازم نبلغ الشرطة". هز رأسه أبو فهد وقال: "زين زين". ثم طالع برجال وقال: "يا رجال لازم يطلع واحد منا ويروح يجيب الشرطة". فقال لهم خالد: "لا ترسلون واحد، أرسلوا اثنين، لأنكم إذا أرسلتوا واحد يمكن ما يوصل". طالعوا فيه مستغربين، ثم طالع لهم وقال: "إيش فيكم لا تطالعوني؟ اللي سواه أمس ما أخاف منكم وأنتم صاحين، تتوقعوني أخاف إذا راح واحد لحاله يبلغ؟".

ما عدت نص ساعة إلا يوم طلع مطلق ومعه رجال من أهل القرية، ركبوا سيارتهم وتوجهوا حتى أنهم يجيبون الشرطة. والوضع بالقرية متوتر لأبعد حد، لدرجة أنه ولا واحد منهم راح لبيته، الجميع واقف ينتظر. ما عدت أبو ساعة ونص إلا يوم رجعوا ووراهم الدورية. لما وقفت سيارة الدورية، نزل منها رجال تعطي عمره بالـ 30 قبل الـ 40 بشوي، وإلي هو ملازم يقال له تركي. ونزل معه اثنين من العساكر.

طالع فيهم تركي وتوجه لهم ومعه العسكر. وأول ما وقف عندهم، إلي أهل القرية ببطونهم علم، ودهم يسولفون. كل واحد منهم يبي يقول سالفة: "يا طويل العمر ثلاث وفيات، أمس شفنا واحد ينحاش، في عجايز مهددات". ولا اللي تكلم وقال: "القاتل القاتل طال عمرك يقولون أنه من القرية". رفع يدينه تركي وقال: "يا الربع واحد واحد، هالكلام الكثير ما يفيدني، فاسكتوا". ثم طالع لأبو فهد وقال: "أنت كبير بالحارة؟". فقال أبو فهد: "يقولونه الله". فقال: "إيه طيب، خذني لبيت آخر ضحية".

مشوا شوي، واقفين عند بيت أم سعد. تقدم الملازم تركي وبدأ يطالع للمكان ويتفرج عليه. ثم طالع لأبو فهد وقال: "في كسر؟". فقال: "لا اللهم لا والله ما ما شفنا. مير طال عمرك الباب كان مفتوح". فقال: "أنت شفته بعينك؟". فقال: "لا والله، بنت أم سعد هي اللي تقوله، تقول أنا من يوم جيت لقيت الباب مردود". فقال: "إيه طيب، أنا سمعت عن حالة وفيات الحرمتين أن قبلها نفس الموقف صار لهن".

هنا نط سعيد وتكلم وقال: "إي والله طال عمرك نفس الموقف". طالع تركي وقال: "أنت من؟". فقال: "طال عمرك أنا سعيد ومن أهل القرية، وأنا أمس أنا ومعي هالرجال هذا مطلق شفنا واحد عند بيت أم سعد أمس ولحقناه". تغير وجه الملازم تركي وطالع فيه قال: "شفتوا وجهه؟". فقال: "لا والله طال عمرك انحاش بين البيوت". كمل هنا مطلق السالفة وقال: "انحاش طال عمرك للحوش المهجور وطلع من المزرعة الخلفية". إلي تركي يطالع للعسكري اللي معه وقال: "سجل سجل". ثم التفت على سعيد وقال: "أنت أنت أقرب أقرب، أبيك توريني المكان".

اليمن هذا ما أمداه ينزل يده، إلا يوم أم بدر قالت: "طال عمرك أبي أكلمك على جنب". فطالع فيها قال: "أنت من؟". قالت: "أنا أم بدر مغسلة الموتى". فقال: "إيه زين". أول ما جنب معها على جنب، طالع فيها وقال: "أنت غسلتي الثلاث؟". فقالت: "الله الله". فقال: "زين، علميني ش بالضبط؟". هنا ترددت أم بدر شوي ثم قالت: "أول وحدة قلت يمكن أنها وفاة طبيعية، الثانية شكيت، أما الثالثة تأكدت". فقال: "تأكدتي من وش؟". قالت: "طال عمرك أنت ما أدرى مني، ولكن الدم اللي طلع من الخشم والأذن، وبعد الأثر اللي طلع حول الرقبة، هذا ما هو أثر طيحة زي ما يقولون". فهز رأسه وقال: "طيب ليه ما بلغتونا من أول؟". هنا أم بدر طالعت بأبو فهد ثم طالعت بالملازم وقالت: "والله ما أدري ش أقول لك طال عمرك، مير مير الظاهر أنهم يخافون من الفضيحة".

هنا تركي تركها وأخذ العسكر اللي معاه وبدأ يجول حول البيت ويبدأ يتلفت ويتشوف، يطالع بالباب بالمزلاج. دخل البيت وبدأ يتفرج عليه. لين الدنيا يوم أنها غابت، والرجال واقفين من برا ينتظرون. فجأة طلع تركي وجمع الرجال كلهم عند البقالة، ثم قال لهم: "من اللي كان قريب من بيت أم سعد أمس؟". فرفع يده سعيد وقال: "أنا ومطلق". طالع فيهم ثم قال: "في غيركم أحد؟". هنا خالد رفع يده وقال: "أنا جيت والله طال عمرك بس بعد الصراخ". فقال له تركي: "طيب قبل الصراخ أنت وين كنت؟". فقال: "ببيتي طال عمرك". فقال: "إيه ببيتك، طيب في أحد يشهد؟ ها؟". فقال: "لا طال عمرك أنا كنت لحالي".

إلا رجال يوم بدأت تطالع فيه، فلاحظهم خالد وقال: "ها ها لا تبدون عاد". فقال له تركي: "عين خير عين خير، لا تجيب أقصاك، تراني أسأل الكل ما أسألك لحالك". الموت يوم نطق واحد من الرجال من ورا وقال: "طال عمرك خالد أحسن واحد يعرف المزارع فينا". طالع في خالد قال: "إيش تقصد؟". فقال: "ما أقصد شيء بس أعطي معلومة للضابط". فقال: "لا تقصد تقصد شيء، اللي عنده شيء يقوله قدام الشرطة الحين". قام تركي وقال: "عين خير عين خير، اجلس اجلس". قال: "لا ماني بجالس، من أمس طال عمرك وهم يتهموني من أمس". فطالع فيه تركي وقال: "أقول اجلس". فبدأ يطالع للضابط ويطالع فيهم، عيونه فيها شرر، ثم جلس.

فكمل الضابط تركي يسال الموجودين أسئلة عامة لين انقضى. ويوم تفرقوا كلهم، توجه تركي مع العسكر اللي معاه للبيوت، بدأ ينشد ويسأل: "في أحد منكم شاف شيء؟ في أحد سمع صوت؟". فكانت المصيبة أنه كل ما يدق باب ويسأل، يسمع جواب يفتح له باب جديد للموت. حرمة تقول له: "أنا والله سمعت صوت رجال يمشي بآخر الليل حول بيتي". رجال كبير سن يقول: "والله أنه روالي كأني متوهم أني أشوف رجالًا هالحروة آخر الليل قبلها بشوي حول المزارع". وحرمة تقول له: "أنا شفت والله رجال عليه له شماغ يفر عند بيت أم عايض قبل وفاتها". "إنا لله، شماغ أحمر، كل أهل القرية يلبسون شماغ أحمر، هذا وشلون أجيبه؟".

تركهم تركي وتوجه لمدرسة موجودة في وسط القرية. المدرسة هذه كانت في فترة إجازة، فنوعًا ما مهجورة، مو مهجورة بس متروكة، تعرفون الإجازة قديمًا ثلاث شهور أربع شهور، فما أحد يدخلها. فخلاها تركي مع العسكر اللي معاه مركز مؤقت. فجلس وبدأ يسجل أسماء الضحايا قدامه: أم ناصر، أم عايض، أم سعد. ثم بدأ يخطط تحتهم: "كلهم عجايز، بيوتهم ما فيها كسر، وكلهم يشترك معهم أمر واحد أنه بيبانهم مردودة". فبدأ يحك دقنه ويطالع بالورقة، فقال له واحد من العسكر اللي عنده: "طال عمرك يمكن يمكن يطق الباب والعجايز المسكينات يفتحن له ثم يذبحهن". فقال: "يمكن، ويمكن يطمر ما تشوف الجدران عندهم قصيرة". هنا قال له العسكري: "يعني طال عمرك يعني من أهل القرية؟". فقال: "هذا اللي موترني أن العجايز كبار بسن ويثقن بسرعة، وكل واحد من أهل القرية يقدر يطق باب العجوز وتفتح له. مير مير لازم نلقى له حل، لازم نلقى لها حل".

راحوا العساكر ينامون، وأما تركي جلس طول الليل يهوجس ويحلل ويفكر ويحاول يلقى له دبارة. يوم أصبح الصبح، تركي ماخذ له غطة بسيطة ويقوم على حيله، إلي العساكر توهم قاعدين. فقاموا معاه أفطروا وعينوا خير، ثم بدأوا يتمشون على القرية ويشوفون مداخلها ومخارجها. اليوم الأول عدى طبيعي. اليوم الثاني قابل سعيد يمشي بالشارع، فقال له: "يا سعيد، علوم القرية، ش استجد؟ ش ما استجد؟". فقال: "طال عمرك والله ما أدري ش أقول لك بس كل شيء".

على وضعه ولا صارت قضية جديدة، ولا أحد سمع صوت، ولا أحد سمع شيء. يمكن عشانكم موجودين بس.

فقال: "بس وش؟"

فقال: "بس طال عمرك خالد يعني."

قال: "تكلم، ش في خالد؟"

فقال: "من ذيك الليلة يعني له يومين الحين، والله ما نشوفه ولا يصلي معنا. اقتنع، زعلان والله علينا."

استغرب تركي: "شو اللي زعلان عليكم؟ يصلي بالمسجد؟ شو وين إحنا عايشين؟"

هز رأسه وقال: "زين زين، على خير."

فمشى سعيد وتركه، طالع بالعسكر اللي معه وقال: "مشينا."

سعيد راقبهم من بعيد، وبدأ يمشي وراهم يبي يشوف شوفوا إيش السالفة. اليوم واقفين عند بيت خالد ويطقون الباب: "خالد خالد افتح." الطقة الأولى، الطقة الثانية، الثالثة، لين بدوا يرجفون الباب.

رجف اللي يا خالد توه قاعد من النوم، قام على حيله وفتح الباب: "سم سم طال عمرك، ش السالفة؟ وينك غايب لك يومين؟ ما تطلع ولا تروح ولا تجي."

فقال: "طال عمرك يتهموني ويبوني أجيهم، لا والله إلا ما أجيهم."

إلا أن وجهه هو يقول الكلام هذا مرتبك، متغير، ما هو بعلى بعضه.

فقال تركي: "أوكي، طيب من عندك بالبيت؟"

فقال: "ما به إلا أنا."

فقال: "أجل افتح افتح الباب نبي ندخل نفتش."

فقال: "حتى أنتم طال عمرك شاكين فيني؟"

فقال: "أقول افتح الباب، التفتيش بيبدأ من عندك وبيمر على البيوت اللي حولك كلها، ما أنت لحالك."

سكت خالد، ما يقدر يقول شيء، ولكن وجهه مرتبك بالحيل. دخل تركي والعسكر اللي معاه وقال: "انفضوا البيت، لا تخلون شيء. إيش فيك يا خالد؟ منت على بعضك؟ وراها بعدين عيونك حمرت؟ إنك ما نمت بالليل؟ سلامات، تعبان؟"

فقال: "لا طال عمرك ماني بتعبان، بس الواحد صار يخاف بالليل ينام، فعشان كذا يعني صرت أسهر بالليل."

قال: "إيه لا زين زين، لا أمورك طيبة، إحنا موجودين والحمد لله. أنت لو إنك تطلع مثل غيرك كان عرفت إن الأمور مستتبة."

بدوا يفتشون العساكر، وتركي ترك خالد وبدأ يفتش يمين يسار، وينقضون الأماكن، لين وصل واحد من العساكر لغرفة خالد وبدأ يفتش، والشباب يفتشون برا. وبينما هم يفتشون، خالد يطالع ويتلفت ومتوتر.

الين تكلم واحد من العساكر وقال: "طال عمرك."

على طلعت العسكري من باب الغرفة، وإياه ياشر بقطعة قماش عليها دم.

فقال: "لقيت هذه طال عمرك بغرفته."

طالع تركي للقطعة، وطالع لخالد. اليا خالد يوم طاح على ركبه وقال: "ما هي بلي، أقسم بالله ما هي بلي، طال عمرك والله ما هي بلي."

فقال تركي: "لقيت شيء غيرها؟"

فقال العسكري: "لا والله طال عمرك، نفضت الغرفة كلها ما لقيت إلا ذي."

قال: "إيه جيبوه جيبوه."

فلعل العسكر كلبشوه وساقوه سوق من عند بيته، الين المدرسة، ورجال الطالع فيه. وبدأت تسولف: "ها، هو القاتل؟ أمسكوه؟ طلع الخبيث؟" وهو يسمع ومنزل راسه، ما عاد لحيل إن يقول شيء.

أخذوها رجال الين دخلوا داخل المدرسة، ويحطونها بوحدة من الفصول ويسكرون عليها الباب. ويطالعون بقطعة القماش.

فقال تركي لوحدة من العساكر: "تركب السيارة وتودي هالقطعة وتحللها."

ثم قال للعسكري الثاني: "انتبه له لا يطلع من هالمكان لين يجينا من التحليل."

راح العسكري وركب السيارة حتى إنه يحللها، والعسكري الثاني واقف عند الباب، والرجال واقفين عند المدرسة.

"هو طلع؟ هو طال عمرك؟ هو الخبيث؟ والله ما إحنا مرتاحين له من أول."

تركي ساكت، مرد الين كثر اللت والعجن. ثم طلع لهم وقال: "روحوا كل واحد على بيته، ولا أسمع صوت. والله إن اللي أسمع صوته إني لأسحب جنبه."

فاسكتوا وخافوا وتفرقوا بسرعة، وكل راح لبيته.

رجع تركي وجلس، ثم نادى خالد وجلسه على كرسي قدامه وقال: "خالد ما ودك تعترف وتعلمني ش العلم؟"

فقال: "طال عمرك أقسم بالله ما هي بلي، والله العظيم ما هي بلي."

فقال: "طيب ش جابها عندك؟"

فقال: "والله ما أدري، والله ما كانت موجودة."

فقال: "ها، ما كانت موجودة؟"

قال: "إيه، ما كانت موجودة طال عمرك."

"الصدق ما كانت حتى بغرفتي."

"كلام كبير هذا يا خالد، كيف كذا؟ ما كانت بغرفتك؟"

فقال: "طال عمرك بقول لك، أبى أقول لك. أقسم بالله العظيم، والله العظيم إنها من نفس الليلة اللي قمت تشا فيها مع الشباب عند البقالة. رجعت للبيت وتوجهت حتى أني أنام نومة طبيعية، ولا امداني يا غفي طال عمرك إلا يوم سمعت الهبده اللي صارت بالحوش. فزيت من نومي، توجهت للحوش ومعي خنجر. ذليت طال عمرك والله زيي زي غيري، والمصيبة إن يوم وصلت الحوش وبديت أطالع ولي بابي مقفل، فدريت ما أحد دخل علي. ولكن لقيت لي صفات صغيرة ومربوط فيها قطعة قماش. ف يوم فكيتها وطالعت فيها ولي قماشم فيه دم. وهنا هنا ذليت طال عمرك، قلت إن طلعت رميتها بيشوفني أحد وبيبلاني، خلني أزبنها عندي لين يفرجها الله. وهذا السبب اللي ما خلاني أطلع من البيت لي يومين، مبلشان. قسما بالله ما أدري ش أسوي فيها."

"إيه، طاحت عليك منسمة صح؟ صعب يا أخي كلامك، ما أدري وشلون أصدقه."

"طيب طال عمرك هات المصحف، هات المصحف."

أقسم بالله حلف عليه إن هذا اللي صار بالضبط. "والله ماني قاعد أكذب طال عمرك، أنا خطيت."

طالع في تركي، قال له: "إيه كذا أحبك أنا، أسلم علمني."

قال: "لا طال عمرك مو اللي ببالك، أنا خطيت، أنا عصبي وأنا أتكلم وأنا راعي مشاكل الصدق بالقرية. ولكن والله العظيم ما أذبح دجاجة، والله ما سويتها. والصدق إن يمكن كثرة مشاكلي هي اللي خلتهم يتهموني، بس إني أذبح لا والله ما سويتها طال عمرك، وإن اللي قلت لك إياه هو الصحيح."

طيب، فطالع بالعسكري وقال: "تعال تعال، خذه خذه، رجعه."

قبل يشيله العسكري، طالع فيه تركي قال: "أنت تدري لو لو تجي قطعة القماش والتحليل فيها وحدة من الموتى؟"

"والله يا خالد أنا ما أدري أنت مظلوم ولا أنت ظالم، ولكن هذه حلها عند ربي، ولا حنا والله ما لنا إلا الظاهر."

فقال: "يعني ش طال عمرك؟"

فقال له تركي: "إن جا التحليل وفي دم ضحية، فلي ببالك."

"تكفى تكفى طال عمرك، أقسم بالله ما ذبحت أحد، والله ما هو أنا، والله ما سويتها."

فقال قال لها العسكري: "قم قم."

فسحبه سحبي لين دخ من الفصول وسكر عليه.

تركي هنا حك راسه وحط يدين على راسه ونزله، ثم قال: "إيه والله ما أدري، يمكن إنه صادق ويمكن إنه كذاب. ننتظر، ما لنا إلا ننتظر."

مرت الأوضاع طبيعية يومين كاملة. في اليوم الثالث وتحديداً بعد صلاة المغرب، إلا يوم أقبلت دورية الشرطة ولبقت عند المدرسة ونزل منها العسكري.

"معها أكياس."

دخل: "إلى هذا الملازم تركي طال عمرك، هذه نتيجة تحليل."

أخذها منه تركي قال: "جب ج جب بسرعة."

وفتح الأكياس وبدأ يقرأ، وهنا كانت الصدمة. التحليل كان يفيد أن الدم الموجود دم دم أضحية، الدم دم طلي ما هو دم دمي.

رفع رأسه تركي وقال: "كيف؟"

فقال العسكري: "ش يقول التحليل طال عمرك؟"

فقال: "يقول إنه دم طلي ما هو دم دمي."

فقال خالد: "بري، اسكت اسكت اسكت اسكت، فيه فيه براسي موال قلبه من يومين ما جا عبث. اجلس اجلس اجلس."

"انترفيزك، اجلسوا."

فأجلسوا وقال: "اسمعوا، أنا من يومين وأنا شاك خالد بري، مير هذا." ويضرب بيده التقرير. "أثبت لي إنه فعلاً بري، وإن في واحد من أهل القرية شاف المسكين هذا لجلاجي وراعي مشاكل، فقال بتهمة."

فقال واحد من العساكر: "يعني طال عمرك هذا بيبلشنا، وشلون بنمسكه؟"

فقال: "بسيطة، انعلنا يا رجال."

قال خالد: "بري، بيتهم واحد ثاني، مير تدرون، خلوا خالد في مكانه."

ثم طالع بالعسكري اللي جاب التحليل وقال: "اسمع، اركب سيارتك الحين واطلع، ولا تعود لي إلا باتسر الصبح. أول ما تجي رحلة البقالة كك تبي تاخذ شيء، ثم تعود للمدرسة. تراهم بيسألونك، وإن سألوك قاليه التحليل يفيد إن الدم دم ناصر."

قط الكلمة بينهم وتوجه لي، وأنا بعلمكم ش بسوي بعدها.

فهز رأسه العسكري وقال: "زين."

ثم طلع وركب سيارته وراح.

ومن هنا بدأ تركي يخطط لها صح. ويوم أصبح الصبح بدأت تطلع العالم واللي يروح واللي يجي. وجالسينن عند البقالة، إلا يوم العسكري توه جاي ولبق عند البقالة، دخل أخذ له مويه. فقابله راعي البقالة والرجال برا. تسمع فسأله وقال: "صار شيء؟ ش صار على التحليل طال عمرك؟"

فتلفت ثم قال: "ما أقدر أقول."

فحسوا إنه ليم. فقالوا: "طال عمرك والله إن الموضوع يهمنا، يعني ودنا إن نعرف."

فقال: "والله ما أدري ش أقول لكم، بس الظاهر إنكم بتودعون خالد."

فقالوا: "لا، يعني هو اللي ذبح؟"

فقال: "قلت لكم ما أقدر أقول يا الربع، قلت لكم. بس عاد الله يستر عليه، الله يستر. بتعرفون قريب، بتعرفون قريب."

فقالوا: "لا طال عمرك علمنا تكفى، آدم آدم دمن."

فقال: "أنا لله، دمهم ناصر. بس بالله الربع لا تقولون إني قلت لكم، والله يزعل علي الضابط."

قالوا: "لا لا، ما إحنا قايلين، ما إحنا قايلين."

فقال: "يلا السلام عليكم."

يركب سيارته ويمشي.

ما جا الظهر إلا والقرية كلها تدري بالخبر. وهذا اللي يبيه تركي بالضبط. يوم جاء المغرب غرب، ويجي تركي في المسجد عقب الصلاة ويرفع راسه ويقول: "يا الربع، عقب صلاة العشاء تجيبون لكل شخص مر من عنده الحرامي الخبيث، أبيهم يشوفون تركي ويتأكدون من صوته للمرة الأخيرة. جراء روتيني بس قبل ما ناخذه معنا."

فبدأت العالم تتكلم: "الخبيث اللي فيه ما يخطيه، والله إنه ما يستحي، ترى أبوه من أول، بعد ما إحنا مرتاحين له."

فقال تركي: "عاد أنا علمتكم، بعد العشاء حضروا عندي. وبالله عليكم خصوا أم جابر، أم جابر عندها ذهب واجد ويحتها، جيبوها لي، أبيها تشوف وجهه."

فقالوا: "زين زين، على خير إن شاء الله."

ويتركهم ويروح. وفعلاً عقب العشاء، اللي العالم محضرة عنده ما ظل أحد. فكان تركي يدخلهم واحد ويعرفهم على الأصوات، وكل شوي يناظر للباب، ثم يرجع يعرفهم على الأصوات وكأنه باله مشغول مو يمهم.

وبينما هو قاعد يدخلهم، استمر الوضع أبو ساعة إلى ساعة ونص. وفجأة إلا يوم دخل عليه سعيد عيد وقال: "طال عمرك الحق الحق."

فطالع لتركي قال: "بشر، ومسكتوه؟"

هنا خليني أرجعك فلاش باك شوي لورا. في الليلة اللي كان تركي يخطط فيها، يدري وصلته معلومة إنه القاتل يقتل العجز علشان يسرق منهن ذهبهن، وأنه باختصار ما كان يقتل من باب إنه يتشفى ولا يبي ينتقم من أحد. لا لا، الموضوع مادي بحت. فقرر من ذيك الليلة إنه يكلف العسكر اثنين اللي معاه وسعيد ومطلق إنهم يتخبون حول بيتهم جابر. علشان كذا هو قال بالمسجد: "جيبوها لي، عندها ذهب." يبي يطلع الخبر.

فلما جاه سعيد يركض، توقع إنه فعلاً هذا الخبيث القاتل طاح بالفخ. ويوم در إنه مجابر، راحت لتركي قال: "بيطبق بيتها." ولكن الصدمة كانت رد سعيد لما قال له: "لا طال عمرك، بس سمعنا صيحة من بيت أم محمد، الحق الحق."

فترك الناس اللي معاه وترك الحوسة وترك رجال القرية. راح يركض مع سعيد لين وقف عند بيت أم محمد، والياه جالسة بالحوش والعسكر عندها. فكان يسألها قال: "ش السالفة؟ ش فيكم يا محمد؟ ش اللي صار؟"

فقالت: "أنا جالستن ببيتي في أمان الله ولا عندي من الشيطان طاري، إلا يوم دخل علي هالخبيث بالليل ملثم وحاول إنه يخنقني. والله إني شفت الموت. اللي ما تذكرت قول أمي الله يبيح منها ويرحمها يوم إني وغيت كنت ترى على الغنم، وكانت توصيني أمي وتقول لي: 'لا هجم عليك رجال، اف عليك يا بنيتي بمحاشمه تكرمون، تراها يا بنيتي نقطة ضعفه.' وسبحان من الهمني هالكلمة بهالموقف. فمسكت محاشمه الين قام يتلوى فيا الله، فكيت نفسي منه وانحشت داخل، ثم قمت أصيح، وشفته يوم طمر من فوق الجدار وراح. عقبه والله بدقيقتين ثلاث دقائق إلا يوم جاني سعيد وجوني العسكر، وهذا والله اللي صار يا ولدي."

فطالع فيها وطالع بالموجودين وقال: "أنا ما قلت تجيبون لي الجميع طيب؟ أوصفي لي يا خالة، أوصفي لي، حاولي تذكرين شكله."

فقالت: "والله ليلة ظلمه يا ولدي، زي ما أنت شايف، والله ما أدري من هو. إلا أنه يا ولدي طلع من عندي عرج."

ف قام على حيله تركي، تلفت منر ما يدري ش يسوي، ما جت نفس خطته. وبينما هو يتلفت، إلا والله أطيب ما عليه يوم ناداها العسكري وقال: "طال عمرك طال عمرك."

فراح له يركض قال: "شف، واللي الخبيثه القاتل مو يعرج؟ لعل رجوله صارت تزحف مع التراب تكرمون، فسببت أثر."

فبدأ يتبع بعثر هو العسكر اللي معاه وأهل القرية، وبدوا يتبعونه. وكل ماله يقرب له ويقرب له، الين وقفه عند مكان ما أحد توقعه ولا 1%. غرفة ورا البقالة.

وقف تركي عند بابها، ثم رفسها بكل ما أوتي من قوة. ويوم انفتح الباب ودخل، واللي عامل البقالة الهندي المولود في نفس القرية واللي يتكلم بلهجتهم واللي كانوا يعدونه ولدهم، طايح داخل غرفته يتلوى من الوجه.

طالع تركي مصدوم، ما توقع ولا 1%. ومن صدمته طالع لاهل القرية، واللي صدمتهم أعلى من صدمته. حاول يستوعب الحدث، درى درى إن هذا هو القاتل. بس ليه؟ من القهر اللي موجود بتركي قرر إنه يسحبه مع شوشته الين وداه للمدرسة.

ومع التحقيق عرف إنه هذا العامل كان ناوي يسافر، وكان دائما يطلب كفيله راعي البقالة إجازة ويطلب يطلبه ويحاول فيه ويرفض وياجل وياجل وياجل، الين قرر إنه يوافق. فمن قهر هذا العامل كان يدري في قراره نفسه ومبيت النية إنه هذه روحتِي بتكون بلا رجعة، وحتى لو نويت أرجع بعدين برجع مكان ثاني، ماني جالسة بنفس القرية. فقرر إنه ينتقم لهذا العمر اللي ضاع بالقرية. وكل شوي كان يطلب كفيله إجازة ويرفض. "إنه أبي آخذ اللي أقدر عليه وأمشي، وخاصة إنه كفيلي متأخر علي بحقوقي الأربع شهور." فهذا عز عزز جانب الانتقام عنده. فقرر إنه يسوي سواته. فكان يطمر على العجايز اللي ما لهن لا سند ولا ظهر، وكان يخنقهن بأداة ما أحد يتوقعها. شايفين الكست القديم؟ الكت يكون به زي السلك اللي كنا إحنا من أول نسحبه ونطلعه، وإذا جينا نرجعه نرجعه بقلم الخيط هذا أو السلك قوي مرة، والناس القديمة اللي بجيلي تدري إنه قوي. فكان ياخذ هذا الكيت ويطلع السلك الموجود فيه ويلفه كذا لفة ويستخدمه بخنق الضحية، يشد شده على رقبتها الين يتأكد أنها ماتت، ثم يشيلها ويحطها بمكان وكأنها موته طبيعية، ويلوت المكان وياخذ ذهب وياخذ اللي يقدر عليه، ويحطه بالغرفة ويرجع يشتغل بالبقالة بشكل طبيعي، وهو يدري إن الناس بكرة بتجيه الين عنده وتسولف. "شوفوا يا جماعة كمية الخباثة اللي فيه، استغلت دكة مكان جلسة الناس وراحتهم وسوالفهم إنه يتقصى الأخبار ويعرف من اللي عندها ذهب ومن اللي اليوم عيالهم هم عندها، ويجمع منهم البيانات بدون ما أحد يشك فيه، الين طاح الخبيث بشر أعماله."

ولا أحد توهق بالسالفة هذه كلها إلا خالد. يا عزثيله.

وصلنا عزيزي المشاهد إلى نهاية هذه القصة، اللي أتمنى من كل قلبي إنها نالت على رضاك. وأنا في الأخير حابب إني أعتذر لك عزيزي المشاهد عن صوتي اللي والله ما كان كذا في بداية القصة، وزي ما تلاحظ الحين صوتي مرة متغير لأنه زكمة وتعب، بس حرصت إني أصور لكم هذه القصة لأنه والله العظيم لو ش ما أسوي ما ألحق معروفكم، أنتم تستاهلون أكثر. بس إن كان في شيء أبي أقول لكم إياه فهو إنه القصة القادمة بإذن الله تعالى، والله يقدرنا على خير، إنها تكون بحال أفضل وبصوت أفضل. ولكن إلى ذلك الحين، أستودعكم الله في أمان الله.