Transcription
الا الله وحده لا شريك له، واشهد ان سيدنا ونبينا وحبيبنا محمدا عبد الله ورسوله، وصفوته من خلقه، وامينه على وحيه، ونجيبه من عباده صلى الله تعالى عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته المباركين الميامين، واتباعهم باحسان الى يوم الدين، وسلم تسليما كثيرا.
عباد الله، أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله العظيم، ولزوم طاعته، كما أحذركم وأحذر نفسي من عصيانه ومخالفة أمره له سبحانه وتعالى. من قائل من عمل صالحا فلنفسه، ومن أساء فعليها، وما ربك بظلام للعبيد.
ثم اما بعد أيها الإخوة المسلمون الأفاضل، أيها الأخوات المسلمات الفاضلات، يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العظيم، بعد أن أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: قد أفلح المؤمنون، الذين هم في صلاتهم خاشعون، والذين هم عن اللغو معرضون، والذين هم للزكاة فاعلون، والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين، فمن ابتغى وراء ذلك فاولئك هم العادون. صدق الله العظيم، وبلغ رسوله الكريم، ونحن على ذلك من الشاهدين. اللهم اجعلنا من شهداء الحق القائمين، آمين. اللهم آمين.
والذين هم لفروجهم حافظون، خصل من خصال المؤمنين المفلحين أيها الإخوة، لأن الله سبحانه وتعالى بعد أن استهل هذه السورة الجليلة هذا الاستهلال البديع، قد أفلح المؤمنون، أراد أن يعرفهم فعرفهم بطريق الموصول، عرفهم بطريق موصول، وكرره غير مرة من هؤلاء الفالح من المؤمنين. أيها الإخوة، قد أفلح المؤمنون الذين، تعريف بالموصول، تعريف بالموصول، كما يقول النحاة، الذين هم، والذين، والذين، والذين. وهذا يستفاد منه لغويا أيها الإخوة، أن كل خصال من هذه الخصال المذكورة جديرة بتحقيق الفلاح. فالفلاح ليس وقفا، هذا من ناحية نحوية، فهم الآيات، الفلاح ليس وقفا على جمع هذه الخصال. أيها الإخوة، فالانسان قد يفلح ببعض هذه الخصال، لكنه لا يفرط أيها الإخوة، بأخذ حظه واستكمال نصيبه من سائرها. وهناك خصال أخرى لم تذكر في هذه الآيات الكريمات، وهي أيضا من خصال المفلحين، هي من خصال المفلحين. وهذا معروف، وهذا معروف. وسنخص أيها الإخوة قوله تبارك وتعالى، والذين هم لفروجهم حافظون، وما وليها من إيضاح بالتبيان والشرح في مقامنا اليوم إن شاء الله تعالى. وهذه خطبة أرجو الله تبارك وتعالى أن ينتفع بها المتزوجون لكي يواصلوا حياة زوجية سعيدة، أو يرمموا حياة زوجية متداعية، كما أسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفع بها العزاب، أن يبتدئوا حياة زوجية موفقة على بصيرة.
والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين، فمن ابتغى وراء ذلك فاولئك، وراء ذلك الإشارة بقوله سبحانه وتعالى ذلك، إلى ما استثنى، وهن الأزواج والإماء ملك اليمين، قد انتهى طبعا الآن عهد الإماء وملْك اليمين، فلم يبقى إلا الأزواج، الزوجة. فمن ابتغى وراء ذلك فاولئك هم العادون. العاد هو المعتدي الذي تعدى ما حد الله، الذي تعدى حدود الله سبحانه وتعالى. وقد وسط الله سبحانه وتعالى ضمير الفصل لتأكيد الحكم، كان يمكن أن يقول فاولئك عادون، أولئك العادون، لكنه أثر أن يقول فاولئك هم العادون، هم هنا ضمير للفصل، وسط سبحانه تبارك وتعالى ضمير الفصل تأكيدا للحكم، انتبهوا فكأنه قال فاولئك هم العادون أو المعتدون الذين بلغوا الغاية وأوفوا عليها في العدوان على ما شرع الله، ف العدوان على ما حد الله سبحانه وتعالى. فالمسألة جد خطيرة، المسألة جد خطيرة وجد مهمة بهذه الإشارة الإلهية الكريمة.
وإذا شئنا أيها الإخوة أن نعيد تأويل الآية بلغة العصر، بلغة علم النفس مثلا، فنستطيع أن نقول أن هذه الآية تقول، وهكذا، ولذلك هذه الآية صادمة أيها الإخوة، للاباحيين، صادمة لأصحاب عقليه التسول والاستهلاك الجنسي. الآية تقول بلغة العصر أيها الإخوة، كل تعاط مع هذه الطاقة، مع هذا المنشط الأصيل في الإنسان، لا أحب أن أقول الغريزة لأسباب ستأتي في تضاعيف الخطبة، كل تعاط مع هذا المنشط الإنساني خارج هذه الدائرة يعتبر اخفاقا، يعتبر فشلا. هذا فشل في التعاطي مع، أيها الإخوة، هذه القوة، مع هذه الطاقة الجنسية في الإنسان. فشل، أه الذين ينزعون إلى تفريغ هذه الطاقة عبر وسائل كثيرة معروفة، لا نحب أن نجرح المشاعر بذكرها، يخفقون جنسيا، إنهم مخفقون وفاشلون أيها الإخوة، ويغامر أيضا بإفساد مستقبلهم الزوجي إن لم يكونوا قد تزوجوا، ويغامر أيضا بإفساد حياتهم الزوجية إن كانوا متزوجين، علموا أو لم يعلموا. هذه هي الحقيقة الجنسية، المثلية في الرجال وفي النساء، اخفاق، اخفاق لهذه الطاقة، اخفاق لهذه القدرة التي منحها الله للإنسان. أيها الإخوة، الجنسية المثلية اخفاق حقيقي، اخفاق حقيقي. حتى الفاحشة، الزنا والعياذ بالله مع الجنس الآخر، اخفاق أيضا، لأن الله قال إلا على أزواجه، إلا على أزواجهم. هذه هي المقدمة طبعا أيها الإخوة.
بعض الناس يرفض مثل هذا الطرح جملة وتفصيلا، مبتدأ ومنتهى، يقول هذا غير صحيح، من حقنا أن ننطلق في إشباع غرائزنا وحاجاتنا العضوية، والتخفيف عن توتراتنا بالطريقة المرضية عندنا التي نراها مناسبة، أو ربما الطريقة المتاحة أحيانا، ما تيسر. هذا هو المنطق الإباحي، هذا هو المنطق الإباحي. نريد أن نقف أيها الإخوة، وأن نؤصل للنظرة على أساس عميق وسليم. فنشر أيها الإخوة بالقول أولا، هل هناك حاجات بيولوجية أو غريزية عضوية بحتة في الإنسان، في الحيوان؟ نعم، هناك حاجات عضوية محضة ليس لها أكثر من هذا البعد، فهي الأمر كذلك في الإنسان. بعض الناس يقول نعم، ومن ذلكم الحاجة الجنسية، إنها حاجة عضوية تماما كال حاجة إلى الطعام والشراب وغير ذلكم. ومثل هذه النظرة أيها الإخوة، أنتجت موقفين متعارضين بالكلية، نفس هذا المنطلق، نفس هذا الفهم دائما مرشح أيها الإخوة، ويرشح لإنتاج نظرتين متباينتين تماما على طول الخط، نظرة إباحية ونظرة رهبانية. لأن هذه الطاقة أو هذا المنشط أيها الإخوة، القدرة الجنسية أو الرغبة أو التوق الجنسي في الإنسان، إذا كان محض حاجة عضوية، أه، أو حاجة حيوية فقط، إذا فعلى هذا الأساس، فكما تشرب أنت، أه، وكما تأكل، وكما تتخلص من الفضلات، فكذلك تمارس هذه الحاجة، نفس الاستخفاف، وأنت تشرب من هذا الكوب، ويمكن أن تشرب من كوب آخر، تشرب من هذا الماء وتشرب ماء آخر، لا بأس، قد تشرب عصيرا أو تشرب عصيرا آخر، لا بأس، تأكل في هذا المطعم أو في هذا المطعم، ونفس الشيء هذه الحاجة الجنسية، نفس الشيء. لذلك هذه أيها الإخوة هي منطلقات الإباحية، هي منطلقات الإباحية، انتبهوا، إذا الموقف خطير.
لذلك حين نقرأ حتى في الكتب الفقهية مثلا، عرضا، مذهب السادة الحنابلة، طبعا هم لم يعنوا هذا، وأنا جازم أنهم لم يفهموه أصلا، هم أطلقوا كلاما، أه، ظنوا أنهم يقاربون به الحقيقة وابتعدوا جدا، لكن هذه اجتهادات فقهية، هذا ليس الدين، هذا كلام البشر من أمثالنا، كل بشر، وفي نهاية المطاف المجتهد المطلق حتى هو بشر، الشافعي، أبو حنيفه، حنبل هو بشر أيضا، وينطلق من ثقافته ومن خلفياته ومن مدى سعة قاعدته المعرفية والعلمية في تناول الأمور، ليس أكثر من هذا، هو ليس نبيا يوحى إليه. حين نقرأ مثلا توصيفا أيها الإخوة لهذه المفرزات أو الإفرازات على أنها مجرد فضلات، ويمكن أن يتخلص منها كما يتخلص من سائر الفضلات، الموضوع خطير، هذا التوصيف غير مقبول، وهذا تخفيض لما هو إنساني إلى ما هو حيواني، انتبهوا، خطير، وإن ورد في المذهب الحنبلي لا يعنينا، وهذا يمهد للإباحية بشكل أو بآخر، وإن لم يقصد ولا يريد البت أصلا ويستنكر لهذه اللوازم، لكنها تلزمه شاء أم أبى، شاء أم أبي.
النظرة الثانية المتعارضة أيها الإخوة، أو الموقف الثاني المتعارض مع الأول وهو الموقف الإباحي، موقف التزمت والجمود والرهبنة، إنكار هذه الحاجات أصلا أو التعالي عليها، لماذا؟ لأنها محض حاجات حيوية، محض حاجات، إذا يشاركنا أو يشركنا فيها الحيوان، فلنتعاهد، لا تستطيع أن تتعالى على الطعام والشراب مدة متطاولة، لكن تستطيع مثلا أن تتعالى، وجربوا هذا، كل يعني المترهبين والمنقطعين أيها الإخوة، للعبادة أو العلم أو إلى أي أغراض حتى نبيلة أخرى، نعم جربوا هذا، ويبقى السؤال مفتوحا إلى أي حد نجحوا في التجاوز والتعالي، أم أنهم سجلوا اخفاقات متواصلة واستهلكت جوانب كثيرة من إنسانيتهم، وأخفقوا في أن يحققوا تكاملا إنسانيا حقيقيا كان متاحا لهم كما هو متاح لسائر البشر برحمة الله التي هي من آياته سبحانه وتعالى، يبقى السؤال مفتوحا، أه، مفتوحا أيها الإخوة، ومطرح أيضا للتقويم والاستقصاء، جوابه نعم. فإذا موقفان متعاندان من منطلق واحد، من طرح واحد، من افتراض واحد، افتراضنا ونحن أيها الإخوة معاكس تماما، افتراضنا أنه ليس في الإنسان، إذا تعلق الأمر بالإنسان، مجرد أن نقول الإنسان انتهى، كل ما تعلق بالإنسانية ينبغي أن يكون إنسانيا، أعتقد أن هذا طرح أخلاقي يقارب الطرح الديني الروحاني، أه، ولا بد أن نتشبث به جيدا، إذا تعلق الأمر بالإنسان، فكل ما يتعلق بالإنسان لابد أن يبرهن إنسانيته. الأكل له جانب إنساني أيها الإخوة، شربك له جانب إنساني، هذه الغريزة لها جانب إنساني رفيع جدا، لها جانب إنساني رفيع جدا، لا يمكن أن أغامر أيها الإخوة أو أغالط الحقائق والواقع وتركيبته وفطرته وتوجهاته وتوقه ونزوعه بتخفيض هذه الأشياء إلى محض أفاق حيوية، غير صحيح.
ولنبدا بأسهل، الطعام والشراب، حتى العامة يفقهون هذا جيدا، وليسوا فلاسفة ولا علماء نفس ولا علماء أخلاق ولا منظرين. أيها الإخوة، حتى العامة يفهمون هذا حين يقولون العين تأكل قبل الفم، طعم باحسن احسن طعام وأشهى وأنا في حرقة الجوع أيها الإخوة وشدته وثورته، لكن ضعه في إطار قذر، في إناء قذر، على خلفية في غرفة مثلا فيها بعض القمامة، فيها بعض القذورات تفوح منها روائح كريهه، ستعافى نفسي وسأوثق أن أواصل أي طعام، على أن أتناول هذا الطعام الشهي، لأن الإطار قذر، الخلفية العامة بشكل عام قذرة، صحيح؟ هذا هو، هذا هو. فالانسان ليس مجرد أكل، إنه يأكل فقط لكي يزيل التوتر الناتج عن أه عن حدته وحرقة الجوع، إنه أعلى من هذا، الإنسان أعلى من هذا، ربة البيت وقد تتساءل هذه التي لم تدرك هذه المعاني الراقية أيها الإخوة، وهذه الآفاق العالية، لماذا تنفق ربة البيت نصف ساعة تقريبا في تزيين الأطباق، في تزيين أطباق، وتصنع أشكالا أيها الإخوة من بعض الفاكهة وبعض الخضر، أه، ومشاكل تضعوها أه على الأطباق، لأنها تعلم أن العين تأكل قبل الفم، لماذا الحرص الشديد على النظافة وتهوية المكان والروائح الطيبة في المطاعم؟ لأنهم يفهمون هذا جيدا، الإعلان والدعاية، أه، سدنته الإعلان والدعاية يدركون هذا تماما أيها الإخوة، يدركون هذا تماما، وقد يروجون ويخدعون بسلعة محضة عادية، أقل من عادية، لكن بوضعها في إطار ممتاز وجميل وشهي، وستخضع وستسمح لنفسك أن تنخدع لأنك إنسان، انتبهوا لست بهيمة، بل لأنك إنسان تفعل هذا، لأنك إنسان تفعل هذا. إذا خطأ فادح أن نقول إن في الإنسان محض حاجات حيوية، ما في محض حاجات حيوية، حتى الأكل وحتى الشراب ليس مجرد حاجات، اللباس، اللباس أن تستر عورتك وأن تستدفع من الزمهرير، أه، وأن تخفف عن نفسك في جمار القيض والهجير، أيضا هناك البعد المعنوي، هناك الجانب المعنوي للباس وستر العورة، صحيح؟ الجانب المعنوي هذا هو الإنسان، كل ما يتعلق بالإنسان، أو هكذا ينبغي أن يكون، وكل ما يمس الإنسان أو تمس إليه حاجة الإنسان، يخضع إنسانيا، يخضع إنسانيا، مستحيل أن يبقى حيوانيا، مستحيل أن يبقى حيوانيا.
ونأتي الآن إلى هذه الغريزة، غريزة الجنس المناسبة بين الزوجين، هل هي محض شيء حيواني في الإنسان؟ مستحيل، مستحيل. نعم، في عالم الحيوان هي كذلك إلى حد بعيد، وخاصة الحيوانات الدنيا، كلما نزلنا في سلم أه الترتيب والتصنيف الحيواني صحت هذه النظرة، ولذلك اللقاء بين الأجناس الحيوانية أيها الإخوة بالمعنى اللغوي وليس بالمعنى البيولوجي، أه، يعني بين الذكور والإناث من النوع الواحد، بين جنسين نوع واحد أيها الإخوة، هو محض لقاء بين عضوين تناسلية، ليس بين شخصيتين، ليس بين كينونتين، إنما بين عضوين فقط، بدليل أنه في كثير من الحشرات وبعض الزواحف أيها الإخوة، كثير من الحيوانات الدنيا أيضا، ينتهي دور الذكر، وأحيانا دور الجنسين، الذكر والأنثى، إلى الهلاك، إلى الموت أيها الإخوة، بمجرد ماذا؟ القيام بالعملية، انتهى، لأنه في عالم الحيوان النوع له الأولوية وليس الفرد، النوع انتهى، انتهى دور هذه الحيوانات بعد أن قامت بهذه العملية، أحيانا تفترس الأنثى الذكر بأكل رأسه، أه، أحيانا تتغلب الإناث على الذكور كما في عالم النحل، أحيانا ينتهي الاثنان في نفس الوقت أيها الإخوة، وأحيانا يموتان بقدر، بقدر إلهي، ينتهي كل شيء بعد أن تحدث عملية الإخصاب أو التخصيب، لماذا؟ لأن النوع هو صاحب الأولوية، الأولوية للنوع وليس للفرد، ليس للشخص، ليس للوجه، إنما للنوع.
في الإنسان الوضع يختلف تماما، ليست الأولوية للنوع، نعم الجنس في الإنسان يخدم النوع بلا شك، يخدمه شئنا أم أبينا، ولكن الأولوية ليست له، وهذا ما يمكن أن يفسر استمرار علاقة زوجين منسجمين، متوائمين، قانعين، لا يفهم معنى الحياة والسعادة بغير هذا الآخر. هنا عظمة الإنسان، هنا عظمة الإنسان، هنا إنسانية الإنسان، ليست الأولوية للنوع، النوع يأتي في الدرجة الثانية. طيب، ما الذي يأتي في الدرجة الأولى؟ هذا ما سنفيض فيه إن شاء الله في خطبة اليوم، ما الذي يأتي في الدرجة الأولى؟ ما هو شيء؟ هو ذاك أيها الإخوة، هذا ما ينبغي أن نفهمه جيدا. ولذلك، نسارع أيها الإخوة إلى القول بأن الأزواج، سنقصر حديثنا على الأزواج، بأن الأزواج أيها الإخوة شركاء الحياة الزوجية الذين يفهمون، أو يفهم بعضهم، أن هذه العلاقة هي علاقة حيوية بحتة، إنما يتورطون في التنازل والتسامح أيها الإخوة، في إنسانيتهم، الذكور والإناث على سواء طبعا، الذين يفعلون هذا، أثر وإنكم منصفين، هم الذكور، الرجال، وليس النساء، النساء قل أن يفعلن هذا، الرجال يفعلونه بشكل أغلب للأسف الشديد، ولكن واضحا يبدو أن الرجل العربي متورط في هذا بشكل صميم، لأن ثقافتنا الجنسية وإدراكنا لأعماق هذه الأمور شبه معدوم للأسف الشديد. أفهم هذا من أدبيات من أمثالنا الشائعة، من استعاراتنا المألوفة، من تشبيهاتنا، من المواقف التي تحدث باستمرار أيها الإخوة بين الأزواج، من شكل حياتنا، من أنماط حياتنا، يبدو للأسف أننا شبه مفلسين في هذا الجانب، شبه مفلسين إلى درجة محزنة، لذلك علينا أن نبدا ونعيد كثيرا في هذه الموضوعات، وسنبدا من تحت، انتبهوا، لأننا مفلسون، لا بد أن نبدا من البداية الأولى أو ما تحت البداية، أن يكون الرجل في العقد الخامس أو السادس من عمره، وعنده سبعة أو ثمانية من الأولاد، ولا يزال يعني يتعانق ويتكابر، مشاكل يومية مع زوجته لأسباب سنرى أنها تتعلق بفهم مغلوط تماما لطبيعة العلاقة الجثمانية بين الزوجين، هذا معناه الإفلاس الحقيقي، بغض النظر، لا يعنيني كم شهادة عندك، كم كتابا قرأت، ما الذي تعرفه، ما الذي لا تعرفه، أنت إنسان تورط في تخفيض نفسه، أنت إنسان لم تحسن أن تتكامل إنسانيا وإن زعمت غير ذلك، لم تحسن، لم تنضج عاطفيا، لم تنضج إنسانيا، لا تزال طفلا نرجسيا يدور حول ذاته، لكن الطفل أسعد منك لأنه يعتقد بكليته القدرة.
لدينا أيها الإخوة، التابعة للرغبات النرجسية، والتي كثيرا ما يبرهن الآباء صدقيتها الزائفة بتحقيق رغائبه إذا بكى أيها الإخوة، وإذا حرد، وإذا غضب. أما الكبير، فإن الظروف أيها الإخوة، وإن شخصيات الآخرين، وإن حقوقهم، وإن الإمكانات المطروحة ستبرهن له دائما أنه عاجز وغير كلي القدرة، وتتحطم نرجسيته في حالة الغضب المتواصل ليحيل حياته وحياة من حوله إلى جحيم مستعر دائم وهو لا يفهم من أين أتى، لأنه منزو الوعي، ليس عنده وعي، ليس عنده أدنى درجات الوعي في هذه المسألة بالذات، وهذا شيء خطير جدا. في لغتنا العربية العامية أيها الإخوة، يكثر جدا أن تشبّه المرأة مثلا، كما قلت الرجال يفعلونها أكثر من النساء، الرجال كثيرا جدا جدا وباستمرار، واليوم والساعة، تشبّه المرأة بالتفاحة، الخدود تفاحة، تغار من تفاحة، أليس كذلك؟ والتفاحة معدّة لماذا؟ للاستهلاك، للأكل، صحيح؟ للأكل، وأكلها منين يا بطة؟ للأكل، للأكل. هذا المنطق الاستهلاكي هو منطق ليس منطقا إنسانيا، منطق استهلاكي، انتبهوا، كل منطق استهلاكي هو منطق تشيئ يحول إنسان الذي هو كينونة وشخصية وفرد، فرد متوحد أيها الإخوة، نسيج وحده، يحوله إلى مجرد شيء، الشيء معد للاستخدام، لا يعد للاستخدام إلا الشيء. ولذلك، كل نزعة استهلاكية هي بدورها ماذا؟ نزعة تشيئ، كل تشيئ هو ضد إنسانية، وإنسان، الإنسان يختلف معه على طول الخط، ومن يدرك إنسانيته وشخصيته ومعنى كونه شخصية أيها الإخوة، بوجه وباسم وبحقوق وواجبات ومزايا وفرد وخصائص وشيء وسمات وعلامات، سيرفض هذا المنطق، رجل كان أيضا أم امرأة، وسيدخل في صراع مع مديره، مع رئيسه، مع أستاذه، مع شيخه، مع رئيس الجمهورية، مع زوجة، مع زوج، ولن يتحطم، من يتحطم؟ لكن لن تتحطم ماذا؟ فرديته، لن أضحي إنسانيتي من أجل زوج غبي، أو رئيس متسلط، أو شيخ جامد متخلف رجعي، أبدا، لابد أن أبقى أنا الإنسان، هذا ما أفهمه من إنسانيته، فهذا هو المنطق الاستهلاكي، التشيئ. نسمع باستمرار عن بعض هؤلاء المتخلفين من الوحوش البشرية للأسف الذين ينتمون إلى عالم العرب والإسلام، تدخل زوجاتهم المشافي أو المستشفيات أيها الإخوة، المشافي لأنهم يأكلون أه بعض جزء أه من أزواجهم، ما هذا التخلف النرجسي الطفولي؟ ما هذا؟ ويظنون أن هذا رجولة وتعبير عن عرام جنسي، هذا تعبير عن انحطاط حيواني، هذا الرجل أيها الإخوة مستحيل أه، يعني استحال، مسخ في الحقيقة، هو ليس استحال، إنما مسخ إلى حيوان من حيث لا يشعر أيها الإخوة، أو يشعر والأمر لا يعني له لأنه مجرد حيوان، ليس عنده معين إنساني يستمد منه ليرتقي به أيها الإخوة ويقوم أفعاله. نسمع عن هذا ونقرأ عنه في المجلات المبتذلة الرخيصة العربية، شيء محزن ونحن في القرن الحادي والعشرين، من أمثالنا العربية الشائعة، وكم سمعنا هذا الآلاف المرات، إذا طلق أحدهم زوجته أو طلقته هي أو ماتت أو حدث ما حدث، يأتي من يقول له هم بالعشرات طبعا من ذويه وأقربائه، أه، ما الذي كان؟ ما الذي حصل؟ لماذا أنت حزين؟ لماذا أنت تاعس وبائس وكئيب؟ النساء غيرها كثير، يأتونك بعشرات، بعشرات، انتبهوا، مثلما أه يأتونك بعشرات الكتب مثلا، أو عشرات لفائف السجائر، أو عشرات المناديل أو القمصان أو الأحذية، عشرات، يأتونك بحشرات غيرها، يأتونك بست ست، يا من هي، مستحيل.
الإنسان الذي يعرف ما هي العلاقة، ما هي الزوجة، ما هي المودة والرحمة التي خلقها الله وجعلها من آياته بين الزوجين، يعلم يقينا أنه ليس على وجه الأرض من ستحل محلها، أنت قد تأتي أخرى، لكنها لن تحل محلها. النبي علّمنا هذا الذي أحب عائشة كثيرا، أه، أيها الإخوة، وقربها كثيرا، وصرح بهذا الحب، لكنه كان يصر أبدا حتى آخر يوم ونفس أن خديجة هي رقم واحد، خديجة لا والله يقول ما أبدل الله خيرا منها، خديجة انتهت يا رسول الله، صارت ترابا، انتهى كل شيء، يعني انتهت العلاقة الجس الجثمانية أو الجسمية بينكما، بغض النظر، الحب ليس مجرد علاقة جنسية، الزوجية ليست علاقة جنسية، أبعد من هذا بكثير، أبعد من هذا بكثير، حتى وإن ماتت خديجة من عشرين سنة، ستبقى خديجة أه على بال محمد، وعلى ذكر منه صلى الله عليه وسلم يتذكرها باستمرار ويهفو إليها ويحب أيامها أيها الإخوة، يود صديقاتها، تعلمون هذا، الأحاديث مشهورة جدا جدا، يسمع باستئذان هالة أختها لها طريقة في الاستئذان فيقول اللهم هالة يعني أسألك أن تجعلها هالة، يحب يشم منها رائحة خديجة، ما هذا الوفاء؟ هذا هو الحب، هذه الإنسانية، يفتح مكة أيها الإخوة بعد أن تهدأ الأمور قليلا، يأتي إلى قبره الشريف ويضرب قبة هناك ويجلس يبكي، يتذكر عهد خديجة صلى الله عليه وسلم، أعظم شخص في البشرية أيها الإخوة، هذا هو الحب، لا أتحدث عن وفاء، انتبهوا، ليست قضية، قضية وفاء، هي وفاء بلا شك، وليست قضية أه أمانة على الميثاق الغليظ، وأخذنا منكم ميثاقا غليظا، هل من يقرا أه الميثاق الغليظ يقول إنّهن مثل الأحذية؟ سمعت هذا مئات المرات، يقول ماذا؟ المرأة مثل حذاء، تلبس حذاء وتنزع حذاء، تنتعل حذاء ثم أه تنتعل حذاء غيره، الله أكبر يا أخي، أه، المرأة مثل القميص، أه، قميص يلبس قميص ينزع، ما في النساء غيرها كثير، غيرها بالفلوس، انتبهوا، أسوأ ما يمكن أن يصل إليه الإنسان في تصوره لهذه العلاقة الحميمية، المقدسة، الإلهية ذات البعد الإلهي، وسياتي برهان هذا كتابا وسنة أيها الإخوة، هو فهمه أو اعتقاده أو ظنه أن عقد الزواج يعطيه حق ملكية الزوجة أو ملكية الزوج، صك بالملكية، صك بالملكية، انتهى، ملك، أتصرف فيها، ومن هنا أيضا ما يبرر المرء لنفسه أن يضرب زوجته ضرب البعير، ضرب الدواب، أحيانا يموت، طبعا هذا ليس في العالم العربي، في العالم كله تضرب المرأة، أحيانا حتى تموت أو تدخل أه المستشفى مكسورة مهيضة، ما هذا؟ ما هذا؟ حتى لو كانت حيوانا في ملكك لا ينبغي لك هذا، لكنها إنسان في ملكه، وهو يرى أنه ينبغي له هذا بمقتضى ماذا يا رجل؟ بمقتضى العقد، العقد الإلهي، العقد الذي وثق أيها الإخوة أه وثق وأكد بسم الله، يعطيك هذا الحق؟ إذا لم يكن هذا العقد، ولا كان هذا التوثيق، تجعلون الناس يشكون أصلا في صدقية أن يكون العقد ممهورا بسم الله تبارك وتعالى؟ هل الله هو الذي أعطاكم هذا الحق؟ متى وأين وكيف؟ من الذي أفهمكم هذا؟ شيء عجيب أيها الإخوة، كل هذا يتم باسم الدين وباسم العادات والأعراف والأخلاق والمرجلة والرجولة، كلام فارغ، فيه فارغ، في فارغ، إلى آخر نفس حتى ينقطع النفس، هو فارغ أيها الإخوة، حتى ينقطع النفس.
نعود، إذا هذا هو المنطق الاستهلاكي الذي هو بدوره منطق تشيئ يمسخ الإنسان إلى مجرد شيء، والشيء قابل للاستهلاك وقابل للإحلال والإبدال، الذي يحب مثلا أن يلبس قميصا كما يقولون فعلا، ممكن يستعيض عنه بقميص آخر، هذا لا يعجبني، ألبس الآخر الأزرق، الأزرق الوردي، الأزرق السماوي، كذا، نفس الشيء الذي يحب أن يدخن لفافة كما يقول الرافعي، لفافة سيجارة يعني أه، سياتي عنده، دخّن هذه اللفافة أو تلك أو تلك، المهم أن تكون مثلا ماركة البورو، لكن أي لفافة تصلح؟ سمعت أحدهم من إخواننا يقول مرة، وهذه لا أنساها وعلقت عليها في الدروس كثيرا، لا أنساها لأنها قاع الانحطاط في تصور هو لا يقصد المسكين، لكن هذا مستوى، هذا مستوى ما نشأ عليه وربّي وفهمه للأسف الشديد، فإن الأوان له ثال أن يفهموا فهما جديدا، يقول بالنسبة لي النساء سواء تزوجت حمراء بيضاء سوداء كذا، النساء سواء، تعرفون لماذا؟ لأنه لا يبحث عن الشخص، لا يبحث عن الكينونة، لا يبحث عن الذات، يبحث عن الهو، ويبحث عن الأنوثة المطلقة فقط، الأنوثة بالمعنى الهيولاني، بالمعنى الهيولاني، الأنوثة من حيث هي هي، تجسدت في شخص س، في شخص عين، في شخص إكس، في شخص أبسلون، غير مهم، هو يريد الأنوثة المريحة التي تدغدغ خياله المريض الملتف وتصوراته الطفولية النرجسية البهيمية أيضا هذه هي. ومثل هذا الزواج الذي قد يكبد أيها الإخوة شقاء حياته، مستعد أن يدفع مئات الآلاف على أن يحظى بهذه الأنثى، لماذا؟ وجد فيها الأنوثة الهيولانية التي يرتضيها، مرشح للفشل لحظة أن تفرض هذه الأنثى المطلقة أنوثتها الشخصية، تقول له أنا أنا فلانة الفلانية بمواصفات، كما قلنا، بحقوقي، بسماتي، بعلاماتي، بفرديتي، أنا لي حقوقي، أنا فلانة، لست مجرد هي. لذلك يقول الفيلسوف الشخصاني الكبير أه، جاند لاكروا، يقول الحب حين ينضج بين الزوجين أه يستعيض مباشرة عن الهو بالذات، هذا هو، ما عاد يتكلم أه لغة الهو، يعني الهو لا لغة الذات الآن، ولا تتكلم هي لغة الهو، بل الذات، الذات مقابل ذات، ليس ذات أيها الإخوة مقابل شيء، لا ذات مقابل شيء، استهلاك، تشيئ، هذا تتعاطى مع أقلام الرصاص، مع السيارات، مع المنازل، مع اللباس، مع الأحذية، نعم بمنطق الذات والشيء، أما مع البشر، مع الناس، مع الزوجة بالذات، أه، لا، ذات مقابل ذات، أنا مقابل أنا. تقول ولكن أليس ينبغي على الزوجين أن يسعيا إلى الاتحاد والانسجام؟ هن لباس لكم وأنتم لباس لهن، انتبه، الآية نفسها تقول لكم لهن، اتحاد ومفارقة، هذا الاتحاد أن فردية كل من المتحدين تبقى موجودة، يقول أريش فروم من أحسن وأروع وأعمق من كتب عن الحب في كتابه المشهور عالميا فن الحب، يقول مفارقة الحب هي أن اثنين يسعيان ليكون واحدا في حين يبقى الاثنان اثنين، هي المفارقة. ولذلك، إلغاء شخصية الآخر الذي هو في الحقيقة تشيئ له أيها الإخوة لا يعتبر حبا، لذلك من يحب زوجة، من تحب زوجها، ينبغي أن يكون لسان حاله ناطقا بهذا المعنى أيها الإخوة، أن تكون لي ليس معناه إلا تكون لك، بل معناه أن تكون لك، وإذا غامرت بأن تكون لي ولم تجد نفسك فقد غامرت بالتخلي عن إنسانيتك وأصبحت شيئا بعد أن كنت شخصا، انتبه، لا بد أن أبقى شخصا، ولا بد أن تبقى هي أيضا شخصا حتى آخر لحظة. البعض يقول مثل هذا الاتحاد أيها الإخوة الذي لم يرتقِ إلى وحدة حقيقية أيضا هو مرشح لإفراز صراعات، نعم، ومن يقول إن الحياة الزوجية وحياة الأزواج المحبين هي بلا صراعات؟ انتبهوا، الإنسان الطاغية، الزوج الطاغية، الزوجة الطاغية التي والتي أه يطلبان أو يطلب كل منهما من الآخر حياة زوجية هادئة بلا نزاع، أيضا هو يطلب تشيئ الآخر، يطلب أن يتحرك الآخر بمنطق ماذا؟ ميكانيكي، أه، إذا أقول له شرق شرق غرب غرب، مثل السيارة التي تقودها، انتبهوا، أقف يقف، باستمرار طبعا، هو لا نزاع، لذلك مثل هذا أيها الإخوة لا يحب ولا يعرف ما هو الحب، إنما يحب ذاته متنكرا في خدعة حب الآخر، هو لا يحب الآخر ولم يحبه لحظة أصلا، ويحب ذاته، وبمقدار ما يعطيها الزوج هذه الميزة، بمقدار ما تعطيه زوجته هذه الخصلة أيها الإخوة، أو خاصية، يكون مرتاحا ويظن أن الحياة الزوجية ممتازة وهانئة بلا مشاكل، لأنها حياة فرد واحد مع أشياء من ضمن هذا الشيء مسمى زوجة أو زوجا، حياة الأنانية النرجسية. بالعكس، الآن علماء الاجتماع ومن قبلهم علماء النفس، خاصة علماء النفس العائلي أيها الإخوة، بدأوا يركزون بشكل مكثف ليس فقط على أهمية الفوارق الشخصية بين الزوجين والشريك، وإنما على أهمية التوتر الناجم والحادث والمستمر في الحياة الزوجية على أنه عامل حيوي ومهم ومخصب ومثمر للحياة الزوجية والتعايش والمحبة، بشرط أن يتم تجاوزه، أن يتم تجاوزه. كيف يتم تجاوزه؟ ليس بقمع، إنما بفهمه، لذلك أيها الإخوة، الحب نفسه، يتحدثون عن حب قبل الزواج، لا بأس، أه، طبعا بعض الناس المتزمتين جدا الذين يقفون مع الحروف، خاصة المشايخ، لا يفهم الكلام هذا، يقول لا لا لا أنت منحل إذا تتحدث عن حب قبل الزواج، لماذا؟ هذا موجود هذا الشيء، لا تستطيع لا أن تؤكده ولا أن تنفيه لأنه شيء واقعي، مثل ما أن هناك بعض الناس يعطشون وبعضهم يجوعون، هذه حقائق ووقائع وأنت لا تستطيع أن تهندس مشاعر الناس، أن يحب وأن لا يحب، الإنسان بنظر قد يرى أحدا من الناس فيرتاح إليه من الجنس الآخر، أو حتى أه كصديق من نفس جنسي، شيء طبيعي، هذا لا تستطيع أن تتحكم في هذا، تهندسه بالشرع، بسم الشرع ممنوع عليك أن تحب، هذا كلام فارغ، ولم يفعلها الرسول مرة، بالعكس هو فعل عكسها تماما وأكد عكسها تماما، نحن نؤكد العكس. لا أدري، قبل أيام استمعت إلى عالم شهير رحمه الله عليه، أه، يعني أطلق الع
لماذا؟ لأننا لا نستمد تصوراتنا ومفاهيمنا فعلاً من الإلهي، إنما من الآباء، من الموروث، من الجاهلية إلى الآن. لسنا مستعدين أن نتخلى عن هذه الجاهليات، وأن نتفتّ بكل سلامة وبكل طيبة صدر، أيها الإخوة، وبكل رغبة في التلقي. وإنك لتلقى القرآن بكل رغبة في التلقي. نفتح أمام وبين يدي المائدة القرآنية، بين يدي الله تبارك وتعالى، لكي نعيد بناء مفاهيمنا، بناء نظرياتنا، بناء منظورات وأطر تفكيرية. حسناً، مستعدين. ما بعرف خمود جمود بلاده أبوية. لا أعرف، أطبعاً أُطر كما قلنا أكثر ربما منها من أي شيء آخر، أُطر معينة جمدنا عليها. أقول: ادركوا هذا بشكل واضح. أحدهم يكتب على لسان بطلة ماجنة داعرة، أيها الإخوة، الذي يحتفظ بكشن مجموعة كبيرة من مغامراته مع مجموعة كبيرة من النساء واليات، يقول: ليسهم في المجون هو الشهوة، إنما الإله. هذا الماجن يفهم هذا. عجيب جداً. لكن هل ينجح أو يخفق؟ طبعاً هو يخفق ويخفق، لكن يفهم هذا فهم البداية، ولكن لم تَقذْ إلى نهاية صحيحة، لأن الطريق كانت خاطئة. البداية صحيحة والطريق خاطئة، فالنهاية مفقودة، الغاية غير موجودة، لم تَلِحْ له، لم تَلِحْ له.
أَهْ الملاحدة من هؤلاء؟ سيمون دي بوفوار، عشيقة سارتر، خليلته، وهي ملحدة لا تعترف بالله تبارك وتعالى، تكتب في الجنس الثاني بالحرف الواحد تقول: المرأة تجد رسالتها ودعوتها الأسْمى في أن تهب نفسها للرجل الذي تبحث فيه عن الله. تفهم هذا؟ هي تقول: يختلط الإلهي بالبشري، الحب الإلهي يعني بالحب البشري. وهنا هي تتلمّع للرد على سيجموند فرويد، الذي صحّح موقفه بكل أمانة علمية في آخر حياته، سأشير إلى هذا في وقته. تقول: يختلط الحب الإلهي بالحب البشري، والذي هو يعني الحب الإلهي ليس مجرد إعلاء للحب البشري. هذه نظرية فرويد. فرويد كان يرى أن الشعور الديني والتوق الديني عند الإنسان هو مجرد إعلاء للنوع الجنسي. ترد عليه سيمون دي بوفوار تقول: بل لأنه، أي الحب الإلهي، هو تحريك لجزء حقيقي فينا نحو المطلق. هو هذا موجود. إذن الإلهي هو الذي يستقطب فينا أية النزوع الجنسي، هو الذي يستقطب، وليس النزوع الجنسي هو الذي يفرز الإلهي بالاستعلاء السيكولوجية. تقول: هذا غير صحيح. عجيب منها هذا الكلام ممتاز، أنا أبصم عليه بالعشرة، صحيح. ستقولون: معنى كلامك هذا يعني أن ممارسة هذا الشيء في الإطار المشروع، آه طريق الله، نعم. القرآن يقول هذا، النبي يقول هذا بشكل واضح، بشكل واضح. القرآن يقول هذا، وهذا شيء عجيب يا إخوان، شيء عجيب. لكن هذا الط ليس يكون مفضية إلا إذا سبقها ماذا؟ خضوع وخشوع لأمر الله، لخبر الله وللشرعية. [تصفيق]
انتبهوا يا إخوان، هذا كلام الله، ليس كلام أي شاعر يهيم في أودية الخيال ويحلق، أيها الإخوة، فيما يعن له أبداً من معانٍ وصور، أبداً. كلام رب العالمين. لو كانت الآية في سياق النهي عن الفحشاء ومقارعة الذنوب، لفهمنا مسوغ هذا الربط بين أولها الناهي المثر وبين آخرها: واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه. لكن أول آية في ماذا؟ أول آية هي أيها الإخوة في الحث، لا نقول حتى في الإباحة، إنما في الحث على مواقعه الأهل، على اتيان أية الأهل. بسم الله تبارك وتعالى، نساؤكم حرث لكم فاتوا حرثكم إن شئتم. يَأْمُرُون بالكيس كما أمر النبي جابر بن عبد الله ليلة زفافه، قال له: إنك تأتي أهلك الليلة فعليك بالكيس، الكيس، الكيس. بعضهم قال: الكيس هو طلب الولد. ليس هذا ثبت في السنة بالذات. إن الكيس في السنة بلسان رسول الله أن الكيس هو حسن التقديم لعملية اللقاء الجثماني، ما يعرف بالفور بلاي، وهذا اسمه تقديم، اسمه تقديم فور بلاي. الله يقول: وقدموا لأنفسكم. لذلك النبي في حديث آخر قال: من العجز أن يقع الرجل عن أهله ثم ينزع قبل أن تبلغ حاجتها. قال: هذا عاجز. وعكس العجز ما هو؟ الكيس. أين المفسرون؟ يقول: الكيس طلب الولد. ليس طلب الولد الكيس. تعرف كيف تأتي أهلك؟ كيف تتفنن في هذا الشيء؟ كيف تعليه وتعلو به من أفق حيواني حيوي ميكانيكي بحت إلى أفق إنساني، يكون لقاء بين كونتين، بين شخصيتين، وليس بين أية آلاتين أو بين شخصية وآلة، أبداً. على فكرة، طبعاً كل لقاء يُراد له أن يكون لقاء بين شخصية وبين آلة ينتهي أن يكون أية بين آلاتين، حتى الشخص لن تبقى شخصية، ستضيع وسنقول: ما يبرهن هذا؟ الله يقول: وقدموا لأنفسكم واتقوا الله، اتقوا الله، اتقوا الله. أمر بالتقوى بعد آية أن أمرنا بأن نأتي أهلنا. وهل هذا يعني آه من سبل التقوى؟ نعم، هذا من سبل التقوى. الإمام النووي وأنا أعتقد أن هذا بفتح إلهي لأنه لم يتزوج حالاً. طبعاً نحن نزعم ونجادل أن الطريق الأوسع لتكامل الإنسان إنسانياً هي بالزواج وما يتلوه. هناك طرق ضيقة محصورة تصح مع الأنبياء والقديسين والأولياء الكبار، ولكنها طرق ضيقة ومحصورة. فيما عاد الأنبياء يبقى السؤال أيضاً مفتوحاً إلى أي حد نجحوا في التكامل. انتبهوا، يبقى السؤال مطروحاً إلى أي حد نجحوا في التكامل. هذا هو لماذا؟ تعرفون لماذا؟ لأن الله حين خلق الإنسان لم يخلق آدم وحده، ولم يجعله حواء بِرأسها، إنما خلق الإنسان آدم وحواء جميعاً. هذا هو الإنسان. إذا تكلمنا عن إنسان لا نعني الذكر ولا نعني الأنثى، نعني ماذا؟ الذكر والأنثى، وهذه لغة القرآن، وهذه لغة الق... هذا هو الإنسان. إذن، إذا تكلمت عن أي تكامل إنساني لا بد أن يسلك طريقه عبر ماذا؟ عبر الآخر، الآخر الجنسي ضمن النوع الواحد. الذين يخفقون، بعض الناس يعتقلون، أيها الإخوة، في فترة المراهقة لأسباب لن نطيل لأنها نظرية طويلة جداً، في فترة المراهقة يعلقون، أيها الإخوة، في التماهي وفي مواصلة الجنس ذاته، فتى مع فتى، وفتاة مع فتاة. للاسف هذا يخفق إنسانياً، ليس فقط جنسياً، يخفق إنسانياً، وتبقى شخصيته غير ناضجة وغير متزنة وغير مكتمة، مطبوعة بطابع أية عدم الاكتمال باستمرار، للاسف الشديد.
أَهْ لماذا؟ لأنك كرجل ترى في الرجال جميعاً في كل العالم أمثالاً لك، لا يمكن أن أرى في الرجل الآخر. انتبهوا، أنا أرى مثلاً لي، صورة معدلة لي، لكن أرى في الأنثى الآخر، الآخر النوعي، وهي ترى في الرجل الآخر النوعي، ولا يمكن أن يحدث التكامل إلا أية إلا مع الآخر، رجل مع امرأة، امرأة مع رجل، ليس امرأة مع امرأة ولا رجل مع رجل. ولذلك حين تستنفد البشرية، أيها الإخوة، قدرتها وإمكاناتها على أن تحقق هذا التكامل الإنساني، النبي يقول: ويكتفي الرجال بالرجال والنساء بالنساء إلى آخره، يكون الله تبارك وتعالى قد أذن بطيب ساطع، هذا الوجود البشري انتهى، خلاص، اقتربتم من النهاية، لم تعودوا صالحين، كففت أن تكونوا بشراً، آناساً، إنساناً، يعني انتهى. إذن فلينتهِ كل شيء. بدأنا، للاسف هذا المشروع وهذا المشوار المنحط، التدهور، مشوار الاكتفاء، للاسف، وهذا حيث وجفاء لإنسانيتنا، لإمكانية تكاملها كإنسان. آه، طيب. فالله عز وجل إذا يقول آية: واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه. لا مسوغ لهذا الربط وهذا التذييل في هذه الآية الكريمة إلا بالتسليم بهذا الافتراض، ما هو؟ أن هذه العملية لها جانبها الإلهي، لها جانبها العبادي، لها جانبها التقديس. نعم، لذلك جعلها الله من آياته. كما قلت: مجان ودعارة، طبعاً علماؤهم ومحللوهم فهموا هذا بشكل واضح. برتراند رسل أيضاً، الملحد الذي عاش ومات في الإلحاد، يكابر على الله وبراهينه، يكتب بشكل واضح يقول: إني أعلم أنني أقر في أعماق نفسي بأن طلبي لهذا الحب الأنثوي، حب الآخر يعني في شكل أية الجنس الآخر، إنما هو بديل عن سعي غير المجدي نحو الله. الله أكبر، شيء عجيب أن يفهم هذا. هو الرجل، هو عقليّة بلا شك، عقلياً إنسان ضخم، ليس سهلاً فهم هذا، فهم هذا، فهم الإلهي في هذه العلاقة، فهم المقدمة. بلاش الفيلسوف الفرنسي الداعش، شارل بودلير، صاحب أزهار الشر، والذي عاش حياة مجنونة من أولها إلى آخرها، يسمي النساء الساقطات في رواياته وفي شعره ماذا؟ يسميهنّ الساعيات إلى اللانهاية، إلى المطلق. عجيب، عبر هذا الشيء. لكن طبعاً كل هذا، أيها الإخوة، كما قلنا، أخفق في أن يبرهن على أن هذه سبيل لماذا؟ للتكامل. عبر هذه المنظورات البداية صحيحة، لكن السبيل مفقودة، السبيل خاطئة. لذلك هل وصل بودلير، هل عنق المطلق، أيها الإخوة؟ يعني هل وصل إلى الله حقاً؟ هل ارتاح؟ هل ألقت عصاها واستقرت بها النوى كما قرّ عينا بالاياب المسافر؟ لم يفعل، وكتب يقول أيضاً بالنص والفصّ يقول: أجدني باستمرار ملاحقاً لتلكم اللذة المسعورة التي وعدت بالارتواء، لكنها لم تروِ. ما فيش فايدة، تحطمت. ولذلك، أيها الإخوة، دون جوان أو دون خوان في أسبانيا، والدون جوان أصبحت ظاهرة الرجل الذي يعدد فتكاته ومغامراته، وعنده مش كولكشن واحد، كولكشنات، أيها الإخوة، مع عشرات وأحياناً مع مئات. في نهاية المطاف، كما قال أحد الفلاسفة الكبار، قال: دون جوان أو دون خوان ليس مجرد شخص غير أخلاقي، بل مجرد، عفواً، بل هو شخص لم يحقق التوازن الراشد والنضج العاطفي، مختل، هو إنسان مختل. لذلك أحب أن أقول لإخواني المتزوجين والذين سيتزوجون: كثرة المغامرات والبحث والعين الفارغة آه لا تدل لا على رجولة ولا على نشاط جنسي ممتاز، إنما تدل على فشل عاطفي وعدم رشد وعدم اتزان. أنت شخصية غير متزنة. فقل لي: عندي مبرراتي الموضوعية. ما هي، أيها الطفل الكبير؟ المبررات الموضوعية، أيها الإخوة، أن بدن زوجته، صدر زوجته، قوام زوجته قد تحول، لم يعد يغرّها. إذن أنت أولئك الاستهلاكي، هذه قضيتك، إذن هذه مشكلتك، أنت استهلاكي، أنت لست إنساناً، أنت لم تفهم كيف تكون العلاقة بين إنسان وإنسانة، لم تفهمها يوماً، لم تعشها، لذلك أنت تاعس وأنت بائس، أنت معثر. بعض الناس يرى بالعكس أن الجواذب الجسمية، على فكرة، حتى في اللغة الإنجليزية وفي اللغة الفرنسية آه هناك مصطلح الشهية الجنسية، هذا المصطلح غير علمي، غير إنساني. لماذا؟ مرة أخرى تقول لي: الشهوة، الشهـ، عفواً، والجوع، الجوع الجنسي، والجوع الجنسية، معنى هذا أية أنك تعكس ماذا؟ تعكس موقفاً تشيئياً استهلاكياً، شهية نريد أن نأكل، أن نشبع، شهية غير شهوة، شهية غير صحيحة. هم لا يتكلمون عن شهوة الآن، عن شهية وعن جوع، لابد أن تشبع، غير صحيح. فهؤلاء يفهمون، أصحاب هذا منطق التشييء، أيها الإخوة، يفهمون أن الجواذب الجسمية فقط آه هي التي ترشح لحياه جنسية سعيدة، والحياه الجنسية الموفقة تلد الحب، غير صحيح. يقول إيريك فروم: الحب لا تلده علاقات جنسية موفقة، إنما الحب هو الذي ينتج حياة جنسية هانئة. الحب، حين تفهم ما هو الحب، ما هو اللقاء، وأنت ستفشل دائماً في تحقيق هذا اللقاء إذا أصررت أو بقيت مصراً على أن تحوّل الآخر إلى أداة لمتعتك، وهذه الأداة طبعاً ثم تستنفد غرتك منها، ستلقي بها صحيح وستبحث عن أخرى وثالثة ورابعة بالطريقة الطفولية باستمرار. إذن أنت مشكلتك أنك غير ناضج عاطفياً، غير ناضج إنسانياً. في نهاية المطاف ستسقط، تاعساً بائساً، غير مرتاحاً. لن تكون أكثر مغامرات من بودلير هذا مثلاً، لن تكون بأي حال من الأحوال محبوب الفتيات في عصري، لن تكون ساقطاً، أيها الإخوة، محطماً، لم يصل. وأنت ستطيع أن تصل وأن تشعر بالملء والامتلاء والإشباع مع زوجة واحدة، مع زوجة واحدة. ولذلك نعود إلى الموقف المتزمت من قضية الحب، وكالعكس، الأحسن، أيها الإخوة، والأفضل أن يتم الزواج ما كانت الشروط مهيئة والظروف مواتية على اتفاق وانسجام واستلطف. لا نغير أن نقول: حب، باستمرار، لكن في استلطف، في مقبول، هذا هو الموقف النبوي وليس هو الموقف الفقهي. هذا الموقف النبوي، ما صح عن رسول عليه الصلاة والسلام من أحاديث يؤكد هذه الحقيقة، أنه، أيها الإخوة، لا يجوز أن تتزوج ولا تزوج لا بكراً ولا ثيباً إلا برضاها. واحد يقول: يعني برضاها بهواها؟ نعم، بهواها، يعني بمحبتها، نعم، بحبها ومحبتها. إذا ارتاحت وأحبت أن تقترن بهذا من الناس فهي وذاك. إن لم تحب فلا، ثم لا ممنوع، ولا تقول لي: سأرغمها لأنها بكراً لا تفهم، غير مجربة، لا تعرف الرجال. كلام غير صحيح في منطق رسول الله. كل ما صح عنه من أحاديث لا نطول بذكرها، كثيرة جداً، سنذكرها في محاضرة غد إن شاء الله عن زواج الصغيرات، ولكن كل ما صح عنه يؤكد هذا. يقول ابن عباس: جاء النبي بكراً وثيباً، زوجها أبوهما بغير رضاهما، وده بكراً وواحدة ثيب آه فابطَل النبي نكاحهما، صلّ وتم الزواج. زوجتك قبلت على بركة الله، انتهينا. النبي قال: زواج باطل، زواج باطل. طبعاً أبطل الزواج في الاثنتين ممنوع. يقول أيضاً آية ابن عباس على ما أذكر يقول: سئل النبي في بنت، بنت صغيرة، بكراً، طلبها رجلان، خطبها إلى أهلها، يعني رجلان، رجل غني وآخر شاب فقير، وهي تحب الفقير وهم يهوون الغني، طبعاً حبّوا الغني، الجانب المصلحي آه المادي. فقال النبي: زوجوها بمن تحب. استغرب، بمن تحب؟ إيش كلام هذا؟ إيش، بمن تحب؟ زوجوها بمن تحب. لم يرى للمتحابين، مثل للمتحابين، كما بعضهم، لا، المتحابين بالمثنى، لم يرى للمتحابين مثل الزواج. والنبي هنا أيضاً يريد أن يفهمنا أن الزواج هو ظرف، أيها الإخوة، ومجال وميدان لماذا؟ لاستدامة وإنعاش وتخصيب الحب. طبعاً في المنظور العام الزواج هو العدو رقم واحد للحب. كلام فارغ لأننا لم نفهم الزواج. بالعكس، أنا أقول لكم: أكبر ما يفرخ الزواج من الحب أن الحب مهدد باستمرار، الحب محاصر، معروف، ومن هنا الغيرة الشديدة التي تشب نيرانها في قلب الم آية المحبين، مهدد باستمرار لأسباب أو لأخرى أو بأسباب وأخرى. أما الزواج فهو وعد الأمان. قال تعالى: واخذنا منكم ميثاقاً غليظاً. يقول علماؤنا بالإجماع: الأصل في الزواج أنه عقد على التابيد، عقد مؤبد، يبقى إلى الأبد، الطلاق استثناء، كما يقول: آخر الدواء الكي، يعني إذا لم يبقى إلا الطلاق فلاسف آه لا نقول أهلاً وسهلاً بالطلاق، لكن للاسف. أما الأصل، الأصل كما في المسيحية وغيرها، الزواج عقد مؤبد، المفروض أن يبقى أية عقداً أبدياً. واحد يقول: عقد أبدي، معناها الاختيار لابد أن يأخذ أية مدى طويل، نعم، وفرصة حقيقية. حين تختار لابد أن تفكر ألف مرة وليس مئة مرة، ألف مرة: هل هذه هي التي أريدها؟ هل هذه التي يمكن أن أجد تكاملي معها وتجد تكاملها بي ومعي؟ هذه أم أية أم ليست هي؟ مسألة مش سهلة. بعض الناس، خص الرجال، يسارعون في الاختيار ثم يندمون، ثم يندمون. لا، عليك أن تفكر طويلاً في موضوع الاختيار. كيف؟ من منطق هذا الحب الذي ينبغي أن يكون أيضاً أبدياً. يقول أحدهم: أن تحب معناها أن تقول للاخر: أنت لن تموت. طبعاً الحب الحقيقي في نزوع الأبدية، في نزوع للأبدية. ومن هنا تشبث المحبين بالهدايا التي يتبادلونها، وتكون في أغلب الأحيان من أشياء ثمينة، أيها الإخوة، ويظنون بها آه ويحفظونها في حلهم وترحالهم وليلهم ونهارهم وفي اسمهم ونواديهم أيها باستمرار. لماذا؟ علامة على ماذا؟ على التابيد. طبعاً لابد أن يكون الحب والحياه الزوجية عثرات، تجبرها ماذا؟ وتجبرها الإرادة الواعية، إرادة الاستمرار، إرادة التقويم، إرادة التفهم وأخذ الآخر أية على ما هو. أنا أحبك كما أنت، لا أحبك كما أريد. انتبهوا هذا الفرق. على فكرة، الحب قبل الزواج هو حب في الأغلب كما أريد، لكن الحب في الزواج هو ماذا؟ هو حب كما أنت. هذا الزواج الحقيقي. هذا معنى الزواج، وهذا معنى لقاء شخصيتين. كل من يفشل أن يلتقي بالآخر، أيها الإخوة، هو سيفشل في أن يجد حقيقته وتكامله. أقول قولي هذا وأستغفر الله لكم فاستغفروه. الحمد لله، الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون، ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله، والكافرون لهم عذاب شديد. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وصحابه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد أيها الإخوة، عائشة رضوان الله تعالى عليها وعنها حين قالت للرسول صلى الله عليه وسلم: قد أبدلك الله خيراً منها، تعني نفسها لأنها بكراً وخديجة لم تكن بكراً، لأنها في مقتبل شبابها، وخديجة كانت كهلة حين توفيت، على الأقل كانت أية كهلة أو في بداية كهولتها على الخلاف في قضية سنها أيضاً. نعم. آه لذلك قالت: يعني قد أبدلك الله خيراً منها، عجوز حمراء الشدقين، هلكت في الدهر الغابر. ضحك النبي قال: لا لا والله ما أبدلني الله خيراً منها. منظور عائشة وأنا متأكد أنها لا تؤمن به لكن تصنعه بدافع الغيرة ودافع أية إعلان أية أيها الإخوة، عفواً، ليس إعلان، إعلاء آه إعلاء مثابتها وقيمتها والاستعلاء بها، لكن مستحيل كإمرأة واعية ومحنة أن تؤمن به. منظور عائشة هو منظور تشيّئي، بكراً خير من ثيب، صغيرة خير من كبيرة، وهكذا، وحياة موجود، لحم غضّ طريّ خير من ميت. أما منظور النبي فمنظور إنساني ليس استهلاكياً ولا تشيئياً، قال: لا، ما أبدلني الله خيراً منها. تبقى خديجة كإنسانة عندها مواصفات تلائم، التئم بها، انسجم معها أكثر بكثير من غيرها وأنت أية من ضمنهم نبي يحب أن يفتح على هذا المنظور، أيها الإخوة، أن يفتح على هذا المنظور. قبل سنوات حين أتينا إلى أوروبا وأختم بهذا، للاسف آه كنا نظن دائماً، أحياناً يصح هذا، لكن ليس في كل الأحوال، كنا نستغرب، رأى مثلاً شاباً جميلاً، طول وعرض وقامة ووسامة وقسامة آه مع امرأة تكبره سناً وليست في مثل وسامته ولا حتى في نصفها، وتشعل بينهما، ودا حقيقياً، يعني كيف النظرة وكذا، فنقول: هؤلاء الناس مصلحيون ماديون. كنا نظن هذا، هذا منطلقنا في التفسير. الآن استبعدنا هذا الكلام، غير صحيح. يبدو أن من هؤلاء الناس من هم أعمق نظر منا، مش شرط، ليست المسألة الوسامة والقسامة وكبير، لا لا لا، مسألة أعمق من هيك، الحياة الزوجية تستدعي أموراً أعمق من هيك. في العالم العربي مثلاً عنّا الأولوية بدرجة أولى للجمال، بدرجة ثانية للخلف، بتخلف ولا بتخلفش، وبتخلف إيش؟ ها أولاد، قال لك أية، يعني من خلف أولاد بالذات، فما مات اللي خلف بنات، طبعاً ما ته، حي عندهم هيك، طبعاً لأنه هذا يعني قال لك أية، بنونا بنوا أبنائنا ها آه بنوا بناتنا، أبناء الرجالي قال بعدي، قال: إحنا أولادنا أولادنا من الذكور. قال: أولاد البنات؟ قال: هذول الناس الثانيين ما لها علاقة فيهم، للاسف، منطق جاهلي غير قرآني وغير إنساني. طبعاً منطق غير إنساني، تخيل بنتك، عاد بنتك من صلبك يا أخي، من لحمك ودمك، من رحمك يا امرأة آه وبتفهم أنك أنت أولادك ما لنا علاقة فيكم أنتم للناس الأجانب آه أخ هي ابنتنا يا أخي. عجيب، منطق جاهلي، منطق عجيب، غير قرآني كما قلنا، غير قرآني، غير إلهي، غير إلهي. هذا عندهم كل ما هنالك الجمال وخلف الذكور بس. بالعكس هنا في أوروبا يبدو بعض الناس عندهم نوع من التعمق أكثر من هيك في مواصفات شخصية بين الشريكين آه ممكن بتأخر الجمال فيها، بتأخر اعتبارات كثيرة، حتى الخلف بتأخر أحياناً، ويستمر بلا خلف فترة طويلة وينتهي كان بهذا، وهذا شيء نبيل حقيقة، شيء نبيل. لا لا نشجع عليه دائماً، القضية تحتمل النقاش، ولكن يدل على شيء أعمق مما نظن، أعمق مما نحن حصرنا أنفسنا، وعمق وإدراكاً في أية في استجلاء الجمال. جميل يأخذ جميلة، جميلة تستحق جميلاً، ما هذا في مسألة المسلاح والجلود آه الهيئات فقط؟ وأين الصفات والشات، أيها الإخوة، والسمات والخصائل والخلّال الإنسانية الحقيقية؟ أبداً، هذا كله أضنّا الطرف عنه، أضنّا الطرف عنه. نسأل الله تبارك وتعالى أن يفتح علينا وأن يعلمنا من لدنه علماً. اللهم اهدنا واهدِ بنا، واصلحنا واصلح بنا. اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً وفقه ورشداً. اللهم إنا نسألك أن تجعل تجمعنا هذا تجمعاً مرحوماً وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، لا تدع فينا شقياً ولا مطروداً ولا محروماً، برحمتك يا أرحم الراحمين. افتح علينا بالحق وأنت خير الفاتحين، واهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم. اللهم أعز الإسلام وانصر المسلمين وارفع بفضلك وعزتك راية الحق والدين. اللهم من أراد بالإسلام والمسلمين خيراً فكن له خيراً معيناً، ومن أراد به وبهم شراً فخذه أخذ عزيز مقتدر، فإنه لا يعجزك إلهنا ومولانا رب العالمين. عباد الله، إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون. اذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه يزدكم، واسألوه من فضله يعطيكم، وقوموا إلى صلاتكم، يرحمني ويرحمكم الله. الله.