📱

Get Our Mobile App

Take your business learning on the go!

Download on the App StoreGet it on Google Play

كيف تعيش حياة اجتماعية مريحة... حتى لو كنت تفضل الوحدة؟

محمد المكي15:54

Transcription

تشير معظم الاستطلاعات الحديثة إلى أننا نسير نحو العزلة، وأصبحنا معزولين كبشر. وأصبحت الفردانية هي القيمة الأعلى، بمعنى أصبح الإنسان يتمركز حول ذاته، وكل ما يدور في حياته هو حول ذاته. وأصبح وجود الآخر بالنسبة له لا قيمة له في مقابل إعلان وجوده. وكأننا نقول الجملة الشهيرة لأحد الفلاسفة: "إنني لا يمكن أن أعلن وجودي إلا بغياب الآخر".

ولكن لماذا، بالرغم من توفر كل هذه الأدوات والوسائل التي تجعلنا نتصل، وبالرغم من هذه الرغبة عند الجميع في الاتصال، وإن كان عبر هذه الوسائل، ولكن هناك رغبة قوية في أن نتصل؟ وهنا ربما نأتي بسؤال: هل العزلة أو هذه الوحدة التي نشعر بها بشكل متكرر سببها هذه الرغبة الشديدة في الاتصال؟ بمعنى، وكأننا نقول: هذه تعتبر مثل ما يسمى "ريفيرس سايكولوجي" (Reverse Psychology)، وكأن هذه الرغبة الشديدة في الاتصال الدائم، بأن نكون متصلين على مستوى التواصل الاجتماعي مثلاً كوسيلة، وغير التواصل الاجتماعي أيضاً، هي السبب؟ هي الوجه الآخر لهذه العزلة؟ هل نحن نسير باتجاه أن تصبح العزلة شعاراً، إذا لم تكن أصبحت في بعض أجزاء العالم؟ وكلما اتجهنا شرقاً إلى الشرق الأقصى، سنجد أن هذه تمثل نوعاً من نموذج الحياة الذي تبناه الإنسان منذ وقت مبكر.

إذاً، لماذا هذه العزلة؟ وما هي أسبابها؟ وأيضاً كيف يمكننا أن نتعامل معها؟ سنناقش هذا الأمر في حلقة اليوم، فـأهلاً وسهلاً بكم إلى بودكاست "الرحلة المنسية" بين الحكمة والفلسفة والتساؤل.

المضي نحو نموذج الإنسان الفرداني، أو الذي يتمركز حول ذاته، هو شبه حتمي، لأننا نرى الآن أن كل ما يعلي من شأن رفاهية الإنسان تدور حول النموذج الفردي للإنسان. بمعنى أنني لكي أجد تلك القوة وذلك الجمال وهذا الأمر المبهر، أتمركز حول ذاتي على مستوى، مثلاً، بلغة بسيطة: المظهر، الاهتمام العالي بالمظهر، الصرف العالي على المظهر، العلاء العالي لقيمة الذات بشكل أصبحت حتى لا تتحمل الآخر. يعني كل واحد منا صار، يعني، أسطورة زمانه لدرجة أنه ما في أحد يناسبه، يعني كل واحد صار أفضل صديق لدرجة ما في أصدقاء يناسبوه، وكل واحد صار أفضل شريك حياة في وجهة نظره وهو يستحق هذا الشيء، لدرجة ما في أحد يناسبه. هذا التوجه هو مثل الخطوات الواضحة تجاه هذه العزلة التي نخشى أن تصبح يومًا من الأيام عاملًا رئيسيًا مؤثرًا على صحة وحياة الإنسان. لأننا الآن أوريدي عندنا نماذج، يعني الآن عندنا نماذج موجودة في أجزاء معينة من العالم، كلما اتجهنا إلى الشرق الأقصى سنجد نماذج كثيرة، يعني، موجودة تتبنى هذه منذ وقت مبكر.

فإذاً، على مستوى تأثير هذه الرغبة الداخلية، إلى أين نسير؟ ومن الذي يدفع الثمن؟ لأنك لو سألت نفسك الآن: من الذي يدفع الثمن؟ يعني لماذا هذا الزهو غير المبرر والاعلاء غير المبرر لهذه الذات التي لم تعد صالحة إلا لذاتها؟ يعني كأننا نقول إن الإنسان أعلى من قيمة ذاته إلى أن وصل إلى مستوى لا تصلح هذه الذات إلا أن تجالس نفسها. وللأسف هذه ليست المجالسَة المثْرية. نحن لا نتحدث عن عزلة بالعلاء المعري، لا نتحدث عن كافكا، لا نتحدث عن جورج أورويل، لا نتحدث حتى عن دوستويفسكي، لا نتحدث عن من كانت عزلته مثْرية. لا نتحدث عن هذا الإثراء المتوقع من هذه العزلة، بل هي عزلة ووحدة مقيتة وممرضة للإنسان. والنتائج الآن على أرض الواقع لدينا الكثير من الأمراض المنتشرة العضوية حتى، ويمكنكم العودة إلى كثير من مراكز الأبحاث التي تتحدث عن أن هناك أمراض عضوية مرتبطة بالتوتر والضغط النفسي، وبالتالي من أهم عوامل وعناصر التأثير هي الشعور بالوحدة والوحدة والعزلة واعتزال الناس، وهذا الاعلاء الكبير للذات.

إذاً، إذا قلنا لماذا؟ لأن الإنسان بذل مجهودًا كبيرًا جدًا في أن يعزل هذه الذات عن الإنسان الآخر. وربما بلغة فوكو، إذا قلنا إن الإنسان تشيأ ثم مات، يصبح موت الإنسان هنا وتشيؤه أيضًا ناتج عن هذه العزلة. لأن حتى لو اقتنعنا بأن الإنسان لم يمت، بل تشيأ، أصبح شيئًا فردانيًا، وأصبح الإنسان لا يرى الجمال إلا بذاته، وأصبح الإنسان لا يستطيع، لا يتحمل الآخر. وربما لو أخذناه على مستوى علم الاجتماع، يمكن أن نقول بأن نموذج الإنسان المعاصر لا يصلح للمجتمعات. لا يمكن أن يؤسس لمجتمع، هو إنسان يعيش ضمن دائرة معينة ولكنه ليس ضمن مجتمع. بمعنى أن المجتمع الخارجي لا يعني له تلك القيمة الاتصالية. بمعنى هو لا يتصل بالآخر إلا عند الضرورة المؤقتة. بمعنى هو يتصل بالآخر لقضاء أمر معين ثم يعود إلى عزلته في كثير من أجزاء الكرة الأرضية. وبالتالي أصبحت العزلة والوحدة، بالرغم من هذا الدافع وبالرغم من هذه الوفرة للوسائل، نموذجًا يشكل تفكير ومستقبل الإنسان. لأننا لو تساءلنا: إلى أين نتجه؟ يعني ربما الموضوع لا يحتاج إلى هذه العبقرية الكبيرة من المفكرين حتى نستنتج إلى أين المسير، إلى أين نسير. يعني بنموذج الإنسان المعاصر، نموذج أن الإنسان حتى داخل المنزل يتمركز حول جهاز معين. أصبحت رغبة الإنسان في الاجتماع لمجرد الاجتماع، لهذه القيمة المهمة لصحته، لم تعد شعارًا، أصبحت وسيلة لغاية. يعني حتى الإنسان ربما هنا نعيد فوكو: بعد موت الإنسان وتشيئه، أصبح حتى الإنسان في نظر الإنسان الآخر هو شيء، لم يعد تلك القيمة المهمة، فأصبح شيئًا من أشياء الوجود، وبالتالي مات.

بناءً على كل هذه المؤشرات، وحتى نحمي ذواتنا من هذا المستقبل المتوقع، يعني لو قلتها بلغة بسيطة، نتوقع ربما خلال 20، 30 سنة من عمر الإنسان، حتى ربما 50 سنة، أن يتحول الإنسان إلى كائن لا اجتماعي. والآن نجد ربما الكثير ممن فقد المهارة الاجتماعية في التواصل، وربما نجدها في النشء خاصة مع استخدام الكثير من الألعاب وإلى آخره، تجد أن هناك بعض النشء ليست لديه أي مهارة اجتماعية في التواصل، وعندما يتواصل ربما تجد لديه عنفًا عاليًا جدًا وسوء أخلاق عند البعض بشكل مؤذي جدًا. فتوجه الإنسان نحو كونه، أو نحو تحوله إلى أن يكون لا اجتماعي، هو منذر بأنه سيصبح إنسانًا غير قادر، لا يملك مهارة التواصل الاجتماعي. بمعنى هو لا يستطيع أن يتصل بالآخر إلا في حدود بسيطة جدًا، وربما ما تعتريها أشكال العنف المختلفة. لأنه الإنسان عندها يصبح مجهولًا أمام الإنسان الذي أمامه، فيصبح الإنسان يتعامل مع المجهول. يفقد الإنسان المهارة بغياب الاتصال إلى أن يصبح العنف بشكل أو بآخر شعارًا عند الإنسان في التواصل، أو على الأقل قريب جدًا وأداة يمكن استخدامها في أي لحظة. لأنه لا يوجد تواصل حقيقي. غياب الاتصال الاجتماعي وفهم الآخر، وأيضًا خلق هذه الذكرى المهمة مع الآخر، يغيب ويضعف من مهارتك الاجتماعية. فلذلك المسير المنذر نحو الفردانية ونحو الوحدة والعزلة هنا في هذا السياق أمر مزعج للأمانة.

ولذلك ما نحتاج أن نقوم به هو أولًا أن نتخذ القرار. أولًا اتخذ القرار بأنك إذا كنت لا ترى أو لا تريد ربما هذه التأثيرات وهذه المؤثرات السلبية للعزلة وللاعتزال، أن تتخذ القرار نحو التوازن. أولًا نحو التوازن في الرغبة الشديدة، كما ذكرنا في البداية، التي ربما تكون هي السبب، الرغبة الشديدة في الاتصال عبر الوسائل، ربما تكون هي السبب أو الوجه الآخر أيضًا للوحدة والاعتزال. إذاً، أن نتخذ القرار في الاتصال، وإن كان بشكل مؤقت، بمن هو مناسب. وأن نتخذ القرار في المحافظة على الصحة، بأن تصبح صحة الإنسان هي الأولوية، هي القيمة الأعلى، هي التي يبدأ بها وليست هي التي ينتهي بها. بمعنى لا تصبح الصحة، سواء الصحة النفسية أو الجسدية، آخر ما يمكن أن يعود إليه الإنسان لكي يعلي من قيمته ومن شأنه. إذاً، أولًا نبدأ بالقرار. ربما ينتج عن وعي، ربما ينتج عن إدراك، ربما ينتج عن رغبة. أهم شيء أن يأتي القرار أولًا، ثم نحلل مدى إدراكنا لأبعاده، ومدى وعينا بتفاصيله، ومدى أيضًا قوة المعرفة التي نمتلكها حول الوجهة القادمة أو القرار القادم بهذا الخصوص.

بعد القرار، هناك أمر مهم. قرارك بانفصالك عن العقل الجمعي يساعدك على اتخاذ القرار المناسب لك. يجب أن تصل إلى مرحلة أن السائد بين البشر ليس بالضرورة أنه صحيح. بل كما أقول دائمًا، ربما يكون الأمر الذي يفعله الجميع مؤشرًا على أنه يحتاج إلى إعادة تفكير. لأن في الغالب البشر، كوجود إنساني عبر تاريخهم الممتد لآلاف السنين، لا يتفقون على سلوك إيجابي. في الغالب يتفقون على أمر فيه نوع من الأتمتة. ولذلك القرار الذي يأتي بوعي عن الانفصال عن هذا المجموع المضر هو أيضًا خطوة نحو الحل.

ثم نأتي إلى أحد الحلول المهمة جدًا: أن يبحث الإنسان بتواضع، وليس بهذا الاعلاء الذاتي للذات، عن من يناسب ومن يشارك الحياة على المستوى العاطفي وأيضًا على مستوى الصداقة. بمعنى، إذا ضخمت من نفسك، فمن الذي يمكن أن يكون مناسبًا لك؟ كل البشر يبحثون عن النموذج الأفضل. إذاً، يجب أن يتواضع الإنسان أمام ذاته. تواضعك هنا يصبح لصحتك. وللأسف أن هذا التضخيم يجد كثير ممن يشجعه. وغالبًا من يشجعك على أن تضخم من ذاتك وأن تكون أنت الأفضل وتستحق الأفضل، لن يدفع الثمن معك. بمعنى أنت تدفع ثمن عزلتك ووحدتك لوحدك. أما هو ربما يكون في زاوية من زوايا الحياة يعيش النموذج الذي يراه راه مناسبًا. ولنا أمثلة كثيرة في أقسام مختلفة من الحياة، أن هناك الكثير ممن كان يدفع ويعزز في فكرة العزلة والاستحقاق العالي، وأنت في النهاية ذهبت لكي تعيش نموذج حياة خاص بك بعيدًا عن تلك الشعارات التي كان يدعو إليها، وترك من كان يدعوهم إلى الاعتزال ورفع قيمة الذات إلى السحب، إلى أن تعاني من عزلتها لوحدها وتدفع الثمن لوحدها.

ولذلك دائمًا يقول: انتبه من الأفكار والقناعات التي ستدفع ثمنها لوحدك. يعني أي فكرة فكر فيها، أي فكرة، أي قناعة فكر فيها، يجب أن تكون واعيًا وعاقلًا على الأقل حتى تسأل نفسك: لماذا أنا الوحيد الذي سيدفع ثمن هذه الفكرة؟ يعني لماذا أتبنى فكرة، سواء كانت العزلة أو الاعتزال أو غيرها، أو فكرة أنني أنا أفضل، أنا أفضل رجل في العالم؟ ويجب إذا تبنيت هذه الفكرة، من الذي سيدفع ثمنها؟ هل سيدفع ثمنها مثلاً هنا على مستوى الفلسفة كمثال؟ هل سيدفع ثمن مثلاً بركامو وأصبحت عدمية؟ هل بركامو سيدفع ثمن هذه العدمية إذا اقتنعت بها وأمضيت في الحياة بأن لا شيء له قيمة؟ أم أنا الذي سأدفع الثمن؟ اسأل نفسك هذا السؤال.

ليست كل الأفكار والقناعات صالحة لكل إنسان في كل الأوقات. يعني كثير من الأفكار هي مؤقتة، وكثير من الأفكار تصلح لإنسان في ظروف معينة في مكان معين. هذه نقطة يجب أن ننتبه إليها. ليست كل الأفكار وليست كل القناعات صالحة للكل في كل الأوقات. يعني ربما هناك فكرة تصلح لك الآن، ولكن لا تصلح لك بعد سنة من الآن. وربما هناك فكرة لا تصلح لك الآن ولن تصلح لك بعد سنة، ولكن تصلح لك الآن لو كنت في مكان مختلف. إذاً، المكان والزمان والظرف الشخصي هو الذي يجعلك تحدد الصالح لك. فدائمًا فكر في ما ستدفع ثمنه لوحدك. يعني إذا كنت أبًا، كنت زوجًا، أو كنت زوجة، أو أمًا، يعني هناك أفكار لا تصلح لكم نتيجة هذا الظرف، حتى وإن كانت الأفكار زاهية وجميلة، ولكن لا تصلح لك الآن. بمعنى هي غير صالحة لهذا النموذج، وربما تكون غير صالحة لهذا الظرف. يعني من لديه أطفال مراهقون، نموذج قراراته تختلف في حياته عن من لديه أطفال في عمر مبكر، عن من لديه أبناء في سن النضج أو هم ناضجون. وبالتالي الظرف الزماني والمكاني والحالة الخاصة بك هي التي تحدد صلاحية الفكرة.

فالعزلة هنا، كمثال، ربما لا تصلح للجميع. وكثير من الأفكار ربما ليست هي الشعار الذي يجب أن أتبناه. ولذلك الوحدة هنا والعزلة بهذا النموذج غير المثري، يعني هي ليست عزلة كافكا، وليست عزلة بوكوفسكي، وليست عزلة أبي العلاء المعري. يعني هي ليست عزلة تثري المكتبة أو تثري الإنسان أو تضيف لصحة الإنسان فيها إضافة أو فيها إثراء. هي عزلة تأخذ الإنسان نحو نحو اللا شيء، وربما نحو أمراض مختلفة يدفع ثمنها لوحده. فدائمًا تذكر وخلي بالك من أي فكرة حتدفع ثمنها لوحدك. لأنه العالم بالذات الآن مع السوشيال ميديا، في أفكار كثيرة. واحد يقول لك: سوِّ كذا، وواحد يقول لك: لا تسوِّ كذا. أنت اجلس مع نفسك وفكر، شوف الصالح لك اللي يناسبك. الأفكار المعروضة لا تعني بأنها كلها صالحة. فكر بما يناسبك. والله أنت شايف العزلة أو الوحدة تناسبك الآن لأنه عندك مشروع تخرج، عندك دراسة دكتوراة، عندك كتاب بتؤلفه، وعن... إذا هذه حاجة مؤقتة، ولكن لا يعني أن تعتزل جميع البشر. ربما تعتزل مجموعة ما تساعدك على التأليف والكتابة، وتتصل بمجموعة ثانية تساعدك على التأليف والكتابة. إذاً، تصبح عزلة مؤقتة من مجموعة معينة إلى نموذج اجتماعي مع مجموعة أخرى. هذا فقط كمثال.

ولكن بشكل عام، دائمًا كن حريصًا على أن لا تتبنى الأفكار التي أو القناعات التي ستدفع ثمنها لوحدك. لأنه في ذلك قوة، وفي هذه القوة إعلان مهم للفرح الذي ندعو إليه دائمًا. ولأن الفرح هو الذي يضفي الشرعية على كل ما نفعل. نقول: عيشوا بفرح، واتركوا مجالًا للفرح أن يتسلل إلى أفعالكم. بودكاست "الرحلة المنسية"، فلسفة، حكمة، وتساؤل. إلى أن نلتقي في الحلقة القادمة، اعتنوا بذواتكم، ثم اعتنوا بذواتكم، ثم اعتنوا بذواتكم. صباح أو مساء سعيد أتمنى لكم، وإلى اللقاء. أنا سعيد بكم وبتواجدكم في قناتي. أتمنى لكم رحلة جميلة موفقة. هنا في هذه الزاوية نخوض رحلة نحو الحياة، نخوض رحلة نحو الاهتمام بصحتنا الذهنية، وأيضًا لفهم طبيعتنا البشرية. فـأهلاً وسهلاً بكم، ولا تنسوا الاشتراك في.