Transcription
السلام عليكم. مؤخرا عرضت حلقة أعرض فيها تجربة المعالج النفسي الأمريكي المتقاعد جريج مارزنسكي، والتي ذكر فيها بالتفصيل، بعد أكثر من 35 عاماً في العلاج النفسي، أن ما تعلمه هو أن الهلوسات التي يراها ويسمعها مريض الذهان والفصام ليست من صنع عقله الباطن ودماغه وكيمياء الدماغ فقط، وإنما هي من صنع الشياطين. حتى لو ترافقت مع خلل في الدماغ، فهذا الخلل هو ما يرصد في العلم، وليس هو السبب الحقيقي.
فوجئت بعد عرض الحلقة بكمية تأييد لم أتوقعها من أطباء ممارسين بأنفسهم، والكثير منهم لا يريد أن يعرض اسمه وأن يعلن تأييده لهذه الحقيقة على الملأ. وأيضاً من أشخاص عانوا بأنفسهم، ومنهم أطباء أيضاً هم أنفسهم كانوا مرضى بالذهان والفصام والاكتئاب، ومنهم أيضاً مرضى عاديون. وكمية رسائل وتعليقات كثيرة يمكن أن نخصص لها حلقة لنعرض أهم ما فيها.
وفي المقابل أيضاً، كما هو متوقع، كانت هناك كمية من التعليقات والرسائل المهاجمة، بل بعضهم أيضاً شن هجوماً في منشورات على صفحاتهم، لأنهم يرون ما نطرحه هو خرافة. وهؤلاء كلهم مسلمون، والذين شنوا هذا الهجوم هم الذين بادروا. أنا لم أقصد أحداً ولم أتحدث عن أحد على الإطلاق. وحتى هؤلاء أيضاً سنخصص لهم حلقة لاحقة إن شاء الله. فهذه الحلقة لن أعرض فيها هذه التعليقات، ولن أناقش منها شيئاً، ولن أناقش في هذه الحلقة أيضاً أدلة المس الشيطاني في مقابل أدلة الطب النفسي. عرضت وناقشت بعض هذه الأدلة سابقاً، ونخصص حلقة أخرى أيضاً.
لكن الآن سأتحدث فقط عن السؤال: لماذا يرفض الأطباء النفسيون، بما فيهم المسلمون تحديداً، لماذا يرفضون وجود المس، وإن آمنوا به فيقلصون ساحته قدر الإمكان؟ لذا، أشدد من البداية، الأطباء الذين يتربصون بي الآن حتى يرصدوا أي نقطة تكون في صالحهم، هذه الحلقة ليست لمناقشة الأدلة. أكرر، هذه الحلقة لن أذكر فيها الأدلة التي تثبت بطلان فكرة أنه الهلوسة مجرد خيال من داخل عقل الإنسان. هذه الحلقة لمناقشة المنهج المادي العلمي تحديداً، وأيضاً سأتحدث عن الجانب النفسي الذي قد يدفع هؤلاء الأطباء وغيرهم أيضاً من الناس لإنكار فكرة المس والسحر. أما الأدلة، فنناقشها في حلقة أخرى إن شاء الله.
حتى نفهم المشكلة المنهجية قبل أن نتحدث عن المنهج، نأخذ مثالاً، وهو منشور على الإعلام، ليس رسالة جاءتنا ولا تعليق، منشور على الإعلام لأحد أطباء موقع الجزيرة. هذا المثال ذكرته سابقاً، ولكن أتوسع فيه الآن. هو استشاري في الطب النفسي، طبيب مسلم اسمه الدكتور محمد علي صديق، استشاري أول في الطب النفسي والمدير الطبي لخدمات الطب النفسي المجتمعية في مؤسسة حمد الطبية في قطر. أُجري معه لقاء في عيادة الجزيرة ونشر على موقع الجزيرة نت في 25/4/2018. العنوان لهذه المقابلة هو: "هل صديقك يتلبسه الجن؟ كيف تساعده؟". ويتلبسه الجن بين علامتي تنصيص، بمعنى أنه أكيد لا يتلبسون.
يقول هذا الطبيب: "إن طبيعة أعراض الفصام قد تجعل الشخص أو أسرته يظنون أنه ملبوس بالجن، مثل سماع الشخص لأصوات غير حقيقية أو رؤية أشياء غير موجودة"، يعني هلوسات سمعية وبصرية. "ويقول: وهذا ظن خاطئ تماماً تماماً، هو جزم". ثم يقول: "هذا الظن الخاطئ يدفع الأهل إلى عرضه على مشعوذين أو غيرهم، وهذا يؤدي إلى تأخير العلاج الطبي". السؤال الآن: هل هو مختص في الرقية في العلاج الروحي، حتى لو كان شامانية أو سحر؟ طبعاً لا. سيرته الذاتية هي أنه عضو الكلية الملكية للطب النفسي في لندن، دراسته من دبلن في أيرلندا ومن لندن. هل درس الرقية؟ واضح أنه لا. هو جزم بأن التفسير بالجن والتلبس ظن خاطئ تماماً، يعني هو ما عنده أي احتمال لوجود أي شيء آخر غير الطب المادي لتفسير هذه الحالة.
وأضاف، كما ذكرنا، أنه هذا الظن الخاطئ تماماً يدفع الناس إلى أخذه إلى مشعوذين وليس إلى رقاة. يعني هو جزم بأنه ما في إلا طبيب نفسي صادق وحقيقي، والمقابل له هو المشعوذين. ما في شيء آخر، ما في راقٍ صادق يعالج بالرقية بشكل صادق، ما في حتى شامان أو ساحر وليس مشعوذ. المشعوذ يعني كذاب. ممكن الشامان أو الساحر، كما ذكرنا ونكرر، حتى لو كان يعالج بالكفر، فهو يعالج، هو يتعرض لمرض روحي بعلاج روحي، ولكن بالطريقة المحرمة شرعاً وليست الخاطئة عملياً.
نعود الآن إلى ما قال: "إن اضطراب المريض في التفكير يؤدي لاضطراب في الكلام، مما يؤدي إلى التحدث بطريقة غير مفهومة، وعندها يظن شخص أو من حوله أن من يتكلم هو كائن يتلبس المريض، وهذا أيضاً خطأ". لماذا؟ بدون أي دليل. ثم يقول: "عندما يقال إن المريض يمتلك قوة عضلية كبيرة، فيعتقدون أيضاً أنه متلبس به". ولكن تفسيره هو: "بما أن المريض بالذهان يشعر بالاضطهاد وأنه في مؤامرة حوله وهناك من يستهدفه، فهذا يجعله يتصرف بعنف شديد". وكما ذكرت في الحلقة السابقة: هل عندك دليل يفسر لماذا يصبح كائناً خارقاً؟ لماذا نرى ونسمع بحالات بالآلاف لأشخاص مرضى وهم أصلاً عاجزون، وهم بعضهم حتى في سن متأخرة، عمره 70 مثلاً، وتراه قد تحول إلى كائن خارق يمكن أن يضرب كل من حوله وقد يقذفهم إلى أمتار أيضاً؟ هل هذا طبيعي في العلم الطبيعي التجريبي؟ هل هذا يمكن أن يحدث؟ هل هذا يمكن أن يفسر؟ أكيد، فوراً سيفسره بأي طريقة حتى لا يحرج.
ثم يقول: "إذا كان هناك صديق أو قريب يظن أنه متلبس بالجن أو الشياطين، فيجب عرضه على الطبيب والحصول على استشارته"، لأنه لا يرى أي حل إلا بالطب النفسي.
زملاؤه السابقون في الجزيرة أيضاً عرضوا تقريراً آخر في تاريخ 19/4/2023 عن نفس الموضوع، وعنوانه: "الفصام والشيزوفرينيا وانفصام الشخصية، هل لها علاقة بالجن والشياطين؟". الأصل طبعاً، لما تقرأ عنوانك هذا، سترى أنه في نقاش بين طب نفسي مادي إلحادي، حتى لو كان من يتبناه مسلماً ويصلي الصلوات الخمس، وبين عالم بالرقية. ولا أقول شيخاً، لأنه حتى المشايخ جزء كبير منهم الآن مضلل في هذا الأمر. ما في أي شيء من هذا النقاش، هم فقط أتوا برأي هذا الطبيب نفسه واستشهدوا بمقابلته السابقة.
ويقول التقرير: "قد يشعر المريض بأن أفكاره ليست له، وأن شخصاً آخر وضعها في عقله، أو أن جسمه مسيطر عليه مثل الرجل الآلي". هذه الأعراض التي نعرفها مليون بالمئة أنها أعراض المس، والتي تكررت في كل تاريخ البشرية، ومن ما قبل التاريخ، ونقلت لنا شفوياً عند ثقافات السكان الأصليين، وعولجت من قبل تلك الشعوب التي ما آمنت بالوحي. عالجت على يد الشامانات، وكانت تعالج أرواحاً شريرة. ما يعرفون مصطلح الجن، ما يعرفون أن في جن أصلاً. فعالجهم وشفوا منها. هذا كله بالنسبة لهؤلاء هو مجرد خرافة. فأنت متوهم في البداية، ومتوهم أيضاً في العلاج في النهاية.
ثم يقول التقرير: "الناس تفسر هذه التجارب بطرق مختلفة، بعضهم لديه تفسيرات تكنولوجية مثل أشعة الليزر، أو أن هناك جهازاً مزروعاً في جسده. وآخر يفسرها بالسحر والأرواح والشيطان". ثم أجريت أبحاث على أن العديد من الأشخاص يرون أشياء غريبة، مثل أشخاص مشوهين، أو أجزاء جسم، أو أشياء غريبة وغير عادية، مثل وحوش أو شياطين أو جن أو كائنات فضائية. وهذا الكلام الذي يؤكد تماماً أنها كائنات غير متخيلة في العقل البشري العادي، وأنها كائنات خارجية يراها أيضاً من يمارس الشامانية، ويراها أيضاً من يأخذ عقاقير الهلوسة، ويأخذها من يمارس السحر أصلاً ليتواصل مع الشياطين، فيظهرون له بنفس هذه الصور. ويراها أيضاً المريض المسكين هذا اللي ما له أي يد في الموضوع، ولكن تلبست به شياطين لأي سبب كان، وليس موضوعنا. كلهم يرون نفس الكائنات، نفس الصفات، ويتلقون نفس الرسائل. مع ذلك، بالنسبة للطب النفسي، هذا وهم، هذا مجرد خيال أنت صنعته في نفسك. طب ما، إيش الدليل؟ لا، أنت سمعت في طفولتك والله أنه في كائن فضائي شكله كذا، فأنت لما صرت مريض بالذهان وكيمياء الدماغ اختلت، فأنت تستعيد ذكرياتك الطفولية. ولما شفت فيلم E.T. وأنت صغير، فهذا هو، هذا هو تفسير الطب الآن.
لما يجي عامي وبسيط ويقرأ هذا التقرير، وفي استشاري أول في الطب النفسي يقول هذا الكلام، ما هي النتيجة؟ سيأخذ أي مريض عنده في العائلة إلى الطب النفسي، أو هو نفسه إذا كان من يقرأ هو من يتعرض لهذه الهلوسات، سيذهب إليهم ويسلمهم جسده وعقله، وهكذا يأخذ الدواء مدى الحياة. مرة أخرى، نحن لا نقول أوقفوا الدواء، ولا أقول لا تذهبوا لهؤلاء الأطباء، ولكن لا تعطوهم عقولكم أيضاً. تريد أن تذهب إليهم لتأخذ الدواء وتعاني من الأعراض الجانبية؟ أوك، ما عندنا مانع. لكن في نفس الوقت، يجب أن تفهم فقط أنه في هناك أيضاً أسباب أخرى روحية، وأن علاجها أيضاً بالعلاج الروحي. وهذا كل شيء.
ناتي الآن للمشكلة المنهجية التي سنناقشها في الحلقة. عندنا العلم التجريبي اللي اسمه "ساينس"، ومصطلح العلم التجريبي هنا كلمة "ساينس" لا تقال إلا على العلم التجريبي في الثقافة الغربية، وتترجم إلينا على أنها "العلم". ولكن عندنا مصطلح العلم في اللغة العربية أوسع. العلم التجريبي يشرح لك بالمنهج العلمي كيفية عمل الظواهر، "ذا ميكانيزم"، الآلية. ولا يشرح لك الغائية، اللي هي "تيليولوجي". لا يشرح لك أسباب الظواهر، أو إذا كانت هناك حكمة لها أو لا. بل يبحث فيها أصلاً. بمثال، هو يشرح لك كيف تتشكل الأمطار، تتكاثف، تتشكل، تتل الغيوم، ثم تسقط. هذه الآلية يشرحها من البداية للنهاية. ولكن لا يبحث في حكمة سقوط المطر. هل هناك كائن أعلى وأسمى أمر أو قرر أو سمح أو أراد لهذا الماء أن يتكثف ويتبخر وأن يتجمع ثم يسقط؟ لا يدخل في هذا الأمر.
هذا المنهج التجريبي بهذه الطريقة البسيطة في الشرح، وسنأتي للتفصيل لاحقاً، بدأت في عصر النهضة على يد ديكارت وفرانسيس بيكون ونيوتن. وهذا المنهج التجريبي كان قد عرفه عرفه المسلمون للبحث في الطريقة التي تستطيع أن تفهم منها الأسباب. ولكن طوال التاريخ تقريباً ما في أحد قال إنه هذا هو الوجود كله، إنه هذا ما يفسر الوجود بكل ما فيه من تفاصيل. بمعنى أن الوجود هو المادة فقط. فأرسطو مثلاً ما كان يستبعد الأسباب الغائية. وابن الهيثم، الذي ينسب له المنهج التجريبي نفسه، أيضاً هو ما كان يستبعد أبداً الجانب الروحي والفلسفي عن الطبيعة. فطوال التاريخ كانت هناك أسباب غائية. فقط هذا المنهج التجريبي من ديكارت وما بعده، حتى ديكارت ما كان بهذا التطرف في المادية. فقط في هذه المرحلة التي ما زلنا نعيشها اليوم، فقط استبعد تماماً البعد الروحي والغائي من الفهم ومن الوجود.
مبدئياً، هنا لن تكون لدينا مشكلة إذا كان العلماء هنا يقتصرون في بحثهم في الطبيعة على هذا المنهج وقالوا: نحن نتوقف هنا. لكن أكرر، هم لا يتوقفون هنا. هم يمدون الخط أيضاً إلى البداية وينفون الغائية. وعندما يريدون أن يبحثوا في الغايات أيضاً، الأسباب، يحشرون، ونها، ويحصرونها أيضاً في داخل المادة فقط. فهم هنا صنعوا فلسفة مادية للوجود، والعلم التجريبي هنا حل محل الدين في تفسير الوجود نفسه، وليس في رصد ظواهره.
وللفهم أكثر، قبل حوالي 10 سنوات، لما كنت أتحدث بالتفصيل أكثر عن الإلحاد في حلقة كانت بعنوان "حرية الملحدين: الرد على برنامج ستيفن هوكينغ مع العباقرة". في هذه الحلقة كنت أتحدث عن ستيفن هوكينغ، الذي اعتبر أن الإنسان عبيد لأعصابه وجيناته، لأنه مادة بدون روح. وهذا يؤدي إلى نفي حرية الإرادة في النهاية. وحتى هذا في المنهج التجريبي أصلاً في كثير من الردود عليه، يعني بالتجربة هذا غير مثبت. لكن المهم هنا هو أنه ستيفن هوكينغ اقتحم الفلسفة من أوسع أبوابها، مع أنه يصر على أنه الفلسفة ما عاد لها دور. وهذا ما يقوله حرفياً، فيقول: "الآن العلم هو الذي يجيب على كل الأسئلة، وهذا بحد ذاته تمت الفلسفة". ولم نريد التفصيل أكثر في المنهج المادي وكيف نشأ هذا المنهج التجريبي العلمي.
تحدثت في حلقة نشرناها في سبتمبر الماضي بعنوان "قصة الثورات العلمية: كيف تراجع المسلمون وتقدم الغرب؟". في جزء منها أتحدث عن كيف ظهرت الثورات العلمية، وآخرها الثورة العلمية التجريبية المادية، كيف نشأ هذا المنهج. وأيضاً لمن يريد أن يفهم أكثر كيف كانت نتائج تطبيق هذه الفلسفة المادية، وليس فقط المنهج التجريبي المادي، على الوجود بشكل عام، فلا شيء أفضل من التعرف على نظريات هذا المنهج العلمي المادي على نشوء الدين، وبشكل عام على العلوم الإنسانية كلها. فلذلك خصصنا حلقة أيضاً قبل بضعة أشهر بعنوان "الدين بعيون إلحادية: قصة فشل للنظريات المادية في فهم الأديان". ذكرت فيها بالتفصيل، وهذا هو اختصاصي أصلاً، كيف تناول العلماء الأوروبيون من القرن الثامن عشر وحتى لنقول منتصف القرن العشرين نظريات نشوء الدين. كيف لم يتوقفوا عند العلم المادي لرصد الظواهر. هم اعتبروا الإنسان هو بحد ذاته جزء من الظواهر المادية التي يجب أن تدرس، بما فيه العلوم الإنسانية: علم الدين، علم النفس نتحدث عنه في الحلقة هذه، وعلم الاجتماع، وكل هذه العلوم الإنسانية كلها اعتبروها مجرد ظواهر مادية، ويجب أن تدرس بالعلم التجريبي، الملاحظة والتجربة. فلذلك ذكرت في هذه الحلقة نظريات نشوء الدين البدائي كما يسمونه، ثم من داخل هذه المنظومة المادية كيف ظهرت انتقادات لهذه النظريات، ثم أيضاً كيف وصلوا في هذا القرن وفي أواخر القرن العشرين إلى التخلي عن كل هذه النظريات، وكيف صارت الآن المنظومة منظومة ما يسمى بالعلوم الدينية، وليس العقيدة نفسها. يعني دراسة نشوء الدين، كيف كلها الآن انتهت إلى اللادرية والتوقف والتواضع، لأن كل التأويلات القائمة على فكرة أن الإنسان كان كائناً بدائياً ويحاول أن يقدس الطبيعة قياساً على أشياء أخرى، هذا كله ثبت فشله. وهذا ذكرناه بالتفصيل في تلك الحلقة، فأنصح بالعودة إليها.
لكن للأسف، مع كل ما ذكرناه الآن، هناك من ما زال يقول لك: "أنا أكتفي برصد الظواهر، أنا ما زلت متمسكاً بالمنهج العلمي المادي التجريبي". وفي نفس الوقت يريد أن يفسر لك ظهور الدين، ويفسر لك أيضاً الظواهر النفسية المتعلقة بالعقل الباطن. العقل الباطن نفسه، هل تستطيع أن ترصده أصلاً؟ هل تستطيع أن تثبت وجوده في أي عضو مادي في الدماغ أو غيره مثلاً؟ هنا فعلاً في استهبال للناس. هو لا يكتفي أولاً برصد الطبيعة كما يقول، ومن البداية هو يريد أن يصر على أن يقتحم المجالات الفلسفية والأيديولوجية والدينية بأدوات العلم التجريبي، ويظل مع كل ما سبق يقول لك: "أنا أكتفي بالرصد فقط". أنت لماذا أقحمت الجانب اللامادي أصلاً في الظواهر كلها، وعلى رأسها الظاهرة الإنسانية نفسها، والعقل والوعي؟ لماذا أقحمتها؟ في لماذا أنت أصلاً افترضت من البداية أنها يجب أن تكون مادة فقط؟ ومن خلال ذلك افترضت أصلاً، وربما جزمت، ولو أن هذا نفي لاحقاً، على أنه الدين يجب أن يكون له تفسير مادي بحت.
يعني حتى أحاول أن أبسط مثال، مع أنه لا ينطبق تماماً. لو افترضنا هناك إنسان يقول لك: "أنا اختصاصي هو دراسة كيف يتشكل الجنين في الرحم، ثم كيف يتطور حتى يولد". هنا يجب أن يكون صادقاً مع نفسه، ولا يبحث أبداً فيما قبل ذلك. يعني بمعنى يجب أن لا يبحث أصلاً كيف دخلت النطفة إلى الرحم، ويبحث في التخصيب من البداية، كيف وصلت هذه النطفة؟ يجب أن لا يبحث، يجب أن لا يحاول أن يفسر. لكن هو لأنه عالم ويريد أن يفسر كل شيء، فسيبدأ ويفترض افتراضات أخرى. لو افترضنا أصلاً أنه هذا ممكن. مرة أخرى، هذا المثال لا ينطبق، لكن لو طبقت هذا المبدأ نفسه على العلم الطبيعي، هو لا يستطيع أن ينفي وجود بداية للحياة، ولكن يجب أن يفسرها تفسيراً مادياً تطورياً. والتطور هنا ليس في الآلية، بل في البدايات أيضاً.
هذا يقودنا إلى مثال التطور. التطور كما نعرف هو نموذج تفسيري لفهم كيف تتكيف الكائنات، ومن تكيفها مع الطبيعة تحدث لديها طفرات جينية، فتتطور وترتقي أكثر فأكثر. ومع آلية الانتقاء، يموت الأضعف ويستمر الأقوى والأفضل جينياً. هذا المنظور، هذه النظرية، نشأت عنها العلوم كاملة. عندك علم الأحياء التطوري، علم الجينات التطوري، علم الطب التطوري. وهذا هو الأهم الآن، هو الذي يطبق المبادئ التطورية لفهم الأمراض البشرية، وكيفية تطور مقاومة البكتيريا مثلاً للمضادات الحيوية، أو لماذا إذا تصاب البشرية أيضاً ببعض الأمراض المرتبطة بهذا العصر أكثر من أي عصر آخر، كالسمنة والسكري وغيرها.
الآن هذه العلوم، لو اقتصرت فقط على فهم آلية التكيف ونشوء طفرات جينية مثلاً، ما في مشكلة. نحن نتحدث هنا عن علم مرصود، يمكن أن ترصده بالملاحظة وتثبته بالتجربة. لكن هم لا يكتفون بهذا. هم مرة أخرى سيمدون الخط إلى البداية، ويدخلون في الفلسفة، ويقولون: "هكذا نشأت الحياة من البداية، وهكذا نحن سنحذف الدين والخالق من الوجود سبحانه وتعالى، ونعتبر أن هذه الحياة، بغض النظر عن كيف كانت بدايتها، ولكن هذا يفسر لنا أنها يمكن أن تنشأ بالصدفة وتستمر أيضاً بهذه الآلية". ولو قلت له: "من وضع الآلية؟" يقول لك: "لماذا افترضت وجود من سيضع ذلك؟ لماذا لا تفترض أنها نشأت بالصدفة أو لوحدها؟" أو أكثرهم تواضعاً في هذا العصر يقول لك: "لا أدري، أجنوستيك".
مرة أخرى، في هذا المفهوم نقول: هذا يشرح لك كيفية التطور، ويشرح لك كيف تحدث هذه الأمور من أجل البقاء. ولكن أيضاً، لا أقول فقط من وضعها من البداية. أنا أقول هنا: من الذي قرر أصلاً أن البقاء بحد ذاته هو هدف أسمى؟ حتى هذه الآلية كلها تقوم على فكرة أنه يجب أن نبقى ويجب أن نتكاثر، وكل ما يحدث من صراعات ومن تطور ومن تحسين ومن انتقاء، وكل هذا من أجل استمرار هذه الآلية واستمرار هذه الحياة. فمن الذي قرر أنه الحياة هي شيء يجب أن يبقى؟ لماذا لا يكون الموت هو الأفضل؟ من الذي قرر أنه في أفضل وفي أسوأ أصلاً؟ من الذي وضع الغريزة في كل الكائنات الحية تقريباً لتفضيل الحياة على الموت؟
الآن لما تحشر الطبيب أو التطوري أو المادي، أي كان، في الزاوية وتحشره بهذه الأسئلة، ماذا سيقول لك؟ "أنا لا أدخل في كل هذه الأمور، وهذا اختصاص الفلسفة". مع ذلك، هو يمارس الفلسفة أكثر من الفلاسفة. بل أيضاً بعض التطورين البيولوجيين أصلاً، وليسوا فلاسفة متطرفين، مثل تشارلز دوكينز، هو نفسه يقول لك: "نحن لسنا مضطرين للإيمان، لسنا مضطرين نقول من وضع هذا، بل أنا سأجزم وأقول لك هذا كله حدث بالصدفة". ويجزم بالإلحاد وينادي به، ويمارس الدعوة الإلحادية مثل ما نمارس نحن الدعوة إلى الدين. تصبح عنده مهمة رسالية، مع أنه ملحد، حيث يجب أن يفترض أن ما في هدف للحياة.
الآن نعود بعد كل هذا لنطبق هذا المبدأ على الأعراض. أعراض الأمراض. الطبيب هو الذي يصنف ويشخص ويصف الدواء للعلاج، ويفترض أنه لا يبحث عن الأسباب ولا في الغائية، لأنه لا يملك الأدوات أصلاً للبحث في ذلك. ويملك أدوات الربط بين الظواهر. هو يربط بين حدوث التروما، اللي هي صدمة، وبين حدوث الذهان بعد سنوات مثلاً. يعني إحصائياً، لما تحدث التروما، غالباً إن لم يكن دائماً، ستحدث حالة الذهان أو الفصام أو أشياء أخرى كآليات دفاعية تطورية.
الآن لو سألته: لماذا يحدث أصلاً؟ سيقول لك: "هذا ليس دوري". ولكن لأن هذا حدث، فالتالي سيحدث بعد ذلك. ثم أنا سيأتي دوري لأشخص وأعطي الدواء حتى أخفف من هذه الأعراض. هو لو اكتفى بذلك، شكراً جزيلاً. نحن هنا أيضاً ممتنون لك، لأنك لن تخوض فيما هو قبل ذلك. لكن هو لا يسكت هنا. هو لا يسكت حتى عندما يقول إنه من أجل البقاء والتكاثر، الدماغ ابتكر ذلك. هو يريد أيضاً أن يعود لينفي أيضاً أي سبب آخر أو أي مسببات لا يمكن لأدواته المادية أن ترصدها. لذلك السؤال الذي أطرحه هنا: أنت إذا كنت تكتشف أن الجسم لديه أدوات وآليات للتطور وللبقاء، وأن العقل الباطن أو الدماغ لديه أيضاً آليات للبقاء والتطور أو معالجة بعض المشاكل الموجودة في العقل الباطن، يعني لديه آليات المقاومة، هل هذا بحد ذاته دليل على غياب أي مسبب آخر؟ بمعنى، هل تستطيع أن تنفي وجود مسبب آخر؟ أدواتك المادية لا تستطيع أن تثبته. وبوضوح أكبر: هل تستطيع أن تثبت أنه ما في إله خالق كان وراء هذا التطور؟ وما في شياطين أيضاً غير مرئية هي وراء هذه الهلوسات؟ هذا سؤال منهجي. هل تقدر أن تنفي؟ بغض النظر عن أي شيء آخر، فقط سؤال منهجي: هل تستطيع أن تنفي؟ "عبء الإثبات على المثبت". لنفترض أني لم أثبت أنا، ولكن أنا أسأل هنا: هل تستطيع أن تنفي؟ طبعاً منهجياً لا يستطيع أن ينفي، بغض النظر عن الإثبات أصلاً. لكن هو أدواته المادية لا تقدر أن تنفي أصلاً.
فهنا، إذا كان ما يستطيع أن ينفي، أنا هنا آتي بالأدلة، والتي قلت أني لن أتحدث عنها في هذه الحلقة. فلدي شواهد وقرائن وأدلة يقينية على وجود الشياطين. طبعاً لا أتحدث الآن عن قضية وجود الله سبحانه وتعالى. موضوعنا الآن هو الهلوسات والجن. فلما أقول أدلة وقرائن على أن هناك أنماط متكررة، كما شرحها جريج مارزنسكي، وعلى أن هذه الأصوات ليست من فعل الإنسان، وحتى لو كانت متشابهة مع خبراته السابقة، ولكن هناك قرينة ملازمة له، وأن هذه الأصوات أيضاً، بين قوسين "ذا فويس"، هي تكره الأديان وتحب أيضاً أن يبقى الإنسان دائماً مريضاً وفي حالة حالة سيئة، وأنها تأتيه بأفكار خارجية لم تخطر على باله نهائياً، وأحياناً تأتيه بحقائق، وأحياناً تدير معه حوارات كاملة أيضاً لتبقيه في هذه الحالة، وأنها أيضاً تزول بالرقية أو بالعلاج الروحي، حتى لو ما كان شرعياً. هذه الأدلة كلها بالتوازي مع استحالة نفي الطبيب لوجود هذه المسببات، هذا بحد ذاته أكبر دليل.
لكن الذي حدث أنه الأطباء الذين اعترضوا وهاجموا بعد كل ما ذكرناه، قالوا: "إحنا من 30 سنة نعالج هؤلاء المرضى وما رأينا شياطين وما ثبت عندنا شياطين". أنا بصراحة ضحكت، مع احترامي للجميع، من هذا التفكير الطفولي. هؤلاء الأطباء الذين هم أكبر مني في العمر وفي القدر، يظنون أنهم لما يعالجوا المريض بالأدوية، فهنا الشيطان سينطق كما ينطق لما نحن نعالجه بالرقية مثلاً. مع أنه مارزنسكي يقول: "هم لا يريدون أصلاً هذه الشياطين، لا تريد أن تعرف، لا أنت كطبيب ولا المريض أن تعرف بأنها موجودة أصلاً". أنك تعرف أنها موجودة في العالم في الوجود، فضلاً عن أن تكون هي تصيبه بالتلبس أصلاً. أول هدف لهم هو أن يبقوا متخفين حتى يستمر بقائهم وأضرارهم بالناس وتلبسهم وتغذيهم على طاقتهم وقوتهم السلبية، كما يقول بودلير: "أعظم خدعة اخترعها الشيطان في هذا العصر هي إقناع العالم بأنه غير موجود". بل أقول أيضاً، كما أن هذه الشياطين توسوس للمريض بأنها غير موجودة، وأنها تأتيه بأصواته هو وليس بأصوات خارجية، هي أيضاً قادرة بالوسوسة التي لا ينكرها أحد إلا الملحد، توسوس للطبيب نفسه بأنها غير موجودة، وتدفعه دائماً للتفكير بالمنهج المادي أيضاً.
من التعليقات المضحكة التي وجدتها لبعض الأطباء: "نحن أهل الخبرة، ومن أنتم لتصححوا لنا؟". بغض النظر عن الاستعلاء هنا والسبب النفسي، فأنا أيضاً لا أريد أن أقع في نفس الفخ. أدافع عن نفسي. نحن هنا نبحث في الحقيقة. وأقول بكل تواضع لكل طبيب يفكر بهذه الطريقة: لو درست مليون سنة وعالجت مليونين سنة أيضاً بهذا المنهج التجريبي، ما الذي سيزيد سوى الخبرة فقط في العلاج داخل هذا الصندوق المادي الفلسفي التجريبي والمادي البحث؟ ما الذي سيحدث؟ إلا لو كنت تفكر بطريقة نقدية وتخرج من هذا الصندوق. لكن نحن لا نرد بالتجربة، لا نرد من داخل الممارسات، نحن نرد بفلسفة العلم، وهذا هو تخصصنا أصلاً، وليس العقيدة أيضاً. نتحدث هنا عن فلسفة العلم المادي التجريبي التي تنفي عن الوجود أي شيء غير مادي. فيكفي لأي شخص متخصص أو فاهم بفلسفة العلم، ولو ما درس شيء عن الطب، يكفي أن يقرأ صفحتين ثلاثة فقط عن الأعراض والتشخيص وكيف يعالج المرضى بهذه الطريقة، يفهم الطريقة فقط. وهذا هو ما يكفي لينقض المنهج، وليس ينقض الطرق العلاجية، ولا يريد أن يبتكر دواء جديد حتى يطبق عليه المنهج التجريبي من ملاحظة وتجارب وإحصائيات ويعالج مرة أخرى بجوع أخرى. ليس هذا موضوعنا هنا. نحن لا نعالج بأدوية أخرى ولا بعلاج سلوكي آخر. نحن هنا نبحث في الغائية نفسها، موجودة ولا لا؟ وإذا كانت موجودة، فما هي أيضاً؟
في نقطة أخرى، كل ما يذكر عن عالم الشياطين والجن والسحر، فوراً للأسف، حتى عند بعض، يرفع راية الوسوسة. حتى صارت هستيريا. الشيطان لا يؤثر إلا بالوسوسة. ورددنا على هذه المغالطة في حلقة خاصة "أخطاء شائعة عن الجن"، أول حلقة في هذه السلسلة. ما زلنا نكرر. فلذلك لن أرد على هذه الجزئية، ولكن فقط أقول: أصلاً كل ما نقوله عن أعراض الأمراض النفسية من فصام وذهان واكتئاب ووسواس قهري وغيرها، كلها أصلاً هي وسوسة. لكن للأسف، المغالطة الشائعة في عقول الجماهير المسلمة، بما فيها الكثير من العلماء، أنه الوسوسة أنك لما تصلي يأتيك الشيطان ليبطل عليك صلاتك، أو فقط ليخرب العلاقة بينك وبين زوجتك. هذا كل شيء. دعك الآن من السحر أيضاً، هذا موضوع آخر. هذا بالنسبة لهم الوسوسة. الوسوسة هي التأثير في القلب إلى درجة أنها ستأتيك بأصوات أخرى، وقد تدفع المريض إلى الانتحار وينتحر عملياً. وهي التي تأتي إلى الطبيب نفسه وتؤدي أيضاً إلى هذه الأفكار. وهي التي عانيت منها أنا وعانيتم منها جميعاً، ليس فقط في الصلاة وفي أمور حياتية. لما تشعر بأنه في صوت يزن عليك حتى يبطل عليك حياتك.
أول سلسلة نزلتها على هذه القناة كانت "لماذا آمنت بالله؟". وذكرت فيها بالتفصيل لما كنت في العشرينات من العمر، كيف كانت هناك مرحلة شك، شك منهجي، وشك في كل شيء. والأساس هنا الشك في وجود الله. وذكرت ربما لماذا أصلاً كانت تأتي أكثر ما تأتي في الصلاة؟ ما قطعت الصلاة، وما شككت، يعني ما وصلت في مرحلة أني أبتعد عن الله سبحانه وتعالى. أبقيت الصلاة، واللي هي الصلة مع الله، في الصلاة تحديداً تأتي هذه الوساوس أكثر من أي شيء آخر. هذا هو الشيطان، هذه هي الوسوسة، هذا هو الوسواس القهري. سميه ذهان، سميه فصام، سميه شيء دون هذه المرحلة من المرض النفسي. لكن أنا متأكد لو صنفت تلك المرحلة، لو ذهبت إلى طبيب، سيصنفني على أني مكتئب في بعض المراحل. وأنا هنا لن أشخص، ليس هذا موضوعي الآن، ولا يهمني. الحمد لله انتهيت منها، وهذا بتوفيق إلهي وبالاعتماد على الله سبحانه وتعالى. لكن هذا كله جزء كبير منه كان من الشياطين، والتي تأتي على أنها أصوات داخلية، وهي تتزامن مع قراءتي في الشبهات. هي ترى أني أقرأ الشبهات وتعرف كيف أفكر وتزيد في الأمر. وأنا كنت أقرأ أيضاً الرد الشرعي والعقلي والفلسفي المضاد لإثبات وجود الله، ولكنها تأتي دائماً بشبهات، وخصوصاً عندما أصلي.
الآن قبل أن ننتقل إلى نقطة أخرى، ما رأيك عزيزي المستمع؟ أخبرتك أن من وضعوا المنهج التجريبي تحديداً، بيكون ونيوتن وغيرهم، هم أنفسهم لم يكونوا ماديين ولا ملحدين. تخيل أن هؤلاء كانوا غارقين في الباطنيات، في "ذا كالت"، يعني العلوم الباطنية السرية، "ذا إيزوتيريك"، اختصاراً يعني الحركات الباطنية الشيطانية. وهذا ذكرناه سابقاً، وله تفصيل. ابحث فقط في ويكيبيديا، ستجد التفاصيل التي ستفاجئ الكثير من الناس. هؤلاء كانوا يعلنون المادية الظاهرية، وفي نفس الوقت هم يستبطنون الشيطانية. لذلك أقولها بالصوت العالي أيضاً، شاء من شاء وأبى من أبى، أني ما زلت أرى أن الكثير من الإنجازات المادية التجريبية، والأساس هو المنهج التجريبي، والقفز الثورة العلمية الهائلة التي حدثت فقط في العصر الحديث، هي أيضاً بفعل الشياطين، هي بإيحاء من الجن، بتواصل بين من وضعوا هذا الأساس المنهجي، وأيضاً الابتكارات والنظريات الكبيرة في العلم. القفزات الكبيرة التي حدثت كانت على يد من كانوا يتواصلون مع الشياطين، لأن الجن سابقين علينا في الوجود ومتقدمين علينا في العلم أيضاً. نحن نثبت ونفهم، أيضاً يمكن أن تفهم لما تدرس الفيزياء النظرية، تفهم كيف هذه الفيزياء تفسر لنا الظواهر. لكن من الذي اكتشفها؟ وكيف حدثت هذه القفزات؟ ولماذا جاء المنهج التجريبي المادي هذا، والذي حصر الوجود في المادة، هو الذي جاء على يد هؤلاء وبإيحاء من هؤلاء. ومنهج إبليس في هذه المرحلة كان هو أن تقنع البشرية بأنه غير موجود، لأن عبودية البشرية في هذه المرحلة لإبليس غير الموجود أكثر بكثير من كل المراحل الوثنية السابقة التي كانت تعبده على هيئة أصنام.
والمنهج الذي فصلناه في حلقة "قصة العلم الحديث"، منهج أوغست كونت، والذي رأى البشرية تتطور من ديني إلى سحري إلى طبيعي بنفس المعنى أيضاً. بل أيضاً ماكس فيبر لاحقاً قال: "من أكبر إنجازات البشرية في هذا العصر الحديث هي نزع السحر عن العالم". وهذا هو المنهج الذي نعيش فيه اليوم، وهذا هو الذي يسير الطب أيضاً على هواه. فلا يمكن لأي طبيب الآن أن يتمرد على ذلك.
ناتي الآن إلى الجانب النفسي. ولا أعمم ما سأقوله الآن على كل طبيب، حتى لو كان من المنكرين والذين يهاجمون ما نقول. بكل اختصار وتواضع أقول: الطبيب هو ابن بيئته العلمية، كما أن أي إنسان في أي مجال علمي هو ابن هذه البيئة. هو درس فيها وتعلم فيها. الطبيب تحديداً، الطبيب النفسي خصوصاً في العالم العربي، يجب أن يدرس ما بين ستة إلى سبع سنوات في البداية في كلية الطب البشري، ثم سنة أو سنتين للتدريب حسب الدول. ثم أربع سنوات في برنامج الزمالة، يعني حتى يأخذ البورد. يعني أنت الآن ستدرس ما بين 10 إلى 11 إلى 12 سنة، ربما، حتى تصبح طبيب نفسي مرخص وتعالج الناس. من درس كل هذه المدة، هل يمكن عليه يخطر على باله أنه كل ما درسه هذا يعني مجرد عبارة عن دراسة لظواهر، ويمكن أن يكون هناك سبب آخر لها؟ حتى لو كان هو يرى أنه فعلاً أنه ما يفعله يعالج ويحسن حالة الناس، ولكن أن تخبره الآن أنه في شيخ ما درس كل هذه المرحلة، ويمكن أن يتعلم الرقية في أشهر ويمارسها ويحقق نفس النتائج؟ هل يمكن أن يتواضع ويقول لك: "والله الشيخ أفضل مني؟" أو "أنه على حق أكثر مني؟" أو "أني سأطلب من المرضى أن يتحولوا إليه بدل من أن يأتوا إلي؟".
ولا تنسى أيضاً الـ 12 سنة التي درس فيها هي من أصعب أشكال الدراسة في كل التخصصات. كلها قراءة وحفظ وبصم. وأيضاً لما يدخل في التدريب، سهر ومناوبات وتعب. وكل أصدقائي من طلاب الطب والذين تخرجوا وصاروا أطباء، كلهم يتأخرون في الزواج. فالآن لما تأتي بـ احتمالات أخرى وتقول له: "والله يا دكتور، الذي درسته أنت يعني ليس كله ناجح وليس كله يجدي عملياً، وحتى لو أنت كنت تعترف أنه المرض النفسي لا يمكن أن يشفى نهائياً، وأن هناك أسباب أخرى أيضاً ميتافيزيقية ومرائية غيبية". كيف سيكون رده؟ هذا سيحتاج إلى بارادايم، إلى الخروج من هذا الصندوق المادي التجريبي ويفكر بشكل مختلف جذرياً.
هنا السؤال أيضاً: لماذا لا يفكر فيه؟ لماذا لا يخرج من هذا الصندوق؟ لأنه البشرية عموم الناس لا يفكرون خارج الصندوق. حتى الشيخ أيضاً لن يخرج من منظومته الفقهية والعقدية. الذي يولد في إيران ويتدين غالباً سيكون شيعياً. والذي يولد في السعودية غالباً سيكون سلفياً. والذي سيولد في بيئة صوفية في سوريا سيبقى صوفياً مدى حياته. ولكن هناك قلة تتمرد على هذه المنظومة وتبدأ تفكر في الأساسيات، في الأسس التي درسها على يد مشايخه، ويبقى يحتفظ لهم بالود ولا ينكر فضلهم عليه، ثم يتمرد أو يخرج. يخرج فقط بدون أن يتمرد ويعلن. ومن يفعل هذا إلا القلة من الناس. نفس الشيء ينطبق على الطب. فنقول: يعني حتى لو كان عنده قدرة على النقد، والتفكير النقدي، هل أيضاً ستكون لديه جراءة على التفكير خارج الصندوق؟ وجراءة على التفكير حتى على التمرد؟ ثم المجاهرة والإعلان؟ وخصوصاً لو كان الأمر يتطلب ذلك.
والكلام السابق الذي كنت أقوله عن المنهج العلمي ينطبق هنا على من درس الطب النفسي، وحتى على كل الكليات الطبية والصحية. يعني معالج نفسي درس في كلية علم النفس وليس في الطب النفسي، أو حتى من درس الصيدلة أو أي منهج تجريبي آخر. كل من درس في العلوم الطبيعية في هذا المنهج، وما درس أي منهج آخر، ما درس أي مادة في التفكير النقدي، هذا غائب تماماً. طبعاً هذا طبيعي تماماً أنه ما يشغل نفسه بالتفكير في الأساسيات. هو وقته أصلاً كله لن يكفي لدراسة تخصصه الدقيق فقط، وأيضاً ليمارس التدريب ويحصل على الرخصه ويستمر فيها عمره كله. لن يكفي حتى يستمر في مجاله. فمن لديه الوقت ليفكر هنا في الأساسيات؟ فلذلك حتى لو كان عنده تفكير نقدي وصار بروفيسور ويخرج الأطباء ويدرس الناس، وما عنده وقت ليفكر في كل هذا، هو محصور في هذه المدرسة وهذا المنهج.
إضافة إلى ذلك أيضاً، هو يعمل في منظومة ناجحة عملياً. هو يرى النتائج. يرى أنه هؤلاء المرضى عنده لما يأخذوا هذا الدواء وهذا الدواء يطفئ العقل أصلاً ويطفئ الأسباب نفسها، فيظن أنه هذا كل شيء. فيقول لك: "أنتم المشايخ المتخلفين، نحن نرى نتائج". مع أنه يعترف في كل خطوة بأنه لا يستطيع أن يحذف المرض من الوجود، ويقول لكل مرضاه: "ستستمرون في أخذ الدواء مدى الحياة". ونحن نقول: الشياطين هي لا تخلق هذا السبب الدماغي، هي ترى أنه في سبب دماغي، في خلل كيميائي، في تروما، في جينات. تستغل هذا الأمر وتوسوس له أكثر مما توسوس للناس العاديين، فتتلبس به وتستحوذ عليه. هي لا تخلق هذا السبب، هي تستثمره وتوظفه لتستفيد منه. فأنت مهما درست ومهما بحثت ومهما رصدت من ظواهر، لن تستطيع أن تنفي وجود هذه الشياطين. وأيضاً لا ننكر أبداً أنك تستطيع أن تعالجه، ولكن علاجاً جزئياً ومرحلياً ومؤقتاً.
فهذا كله يفسر لك لماذا هناك عباقرة أيضاً لا يتمردون على منظوماتهم الأيديولوجية. لماذا ترى هناك طبيب أو عبقري في الفيزياء ما زال مؤمناً بدين خرافي، ما زال يضع القرابين لبعض الآلهة الوهمية، وهي في النهاية ليست وهمية كما يقولون، هي شياطين وجن. لكن لماذا ما زال يؤمن بما يسمى خرافات؟ حتى في المنهج التجريبي هو في العيادة وفي المختبر مؤمن بالتجربة. وفي الحياة الاجتماعية يمكن أن يسد الفراغ الروحي بالإيمان بهذه الأمور، ولا يتمرد لا على هذا ولا على ذاك. لأنه أيضاً غالباً معظم الناس لا تريد أن تفكر بما قد يسبب هذا الخلل المنهجي الذي قد يخرجه من المنظومة الاجتماعية التي يعيشون فيها. منظومة اجتماعية للمهنة من أطباء وزملائهم، ومنظومة اجتماعية أيضاً في الدين والحياة. فيظل خاضعاً وعضواً في هذه المنظومات، سواء اجتماعياً أو مادياً أو علمياً. وحتى لو صار عنده شك في هذه الأمور، فلا يريد أن يجاهد بذلك حتى لا يدخل في مشاكل أخرى.
أضف إلى ذلك أيضاً، أن المنظومة الطبية لها مؤسسات ولها هياكل ولها جامعات ولها خبرات ولها قدر كبير من الفضل على البشرية، هذا لا ينكر نهائياً. فلذلك هو لا يستطيع أن يرى أنه البديل الديني والميتافيزيقي والسحري يمكن أن يكون بديلاً عن كل هذه المنظومة الهائلة بكل ما فيها من بهاء وعظمة. فلما تقول له: "والله الشيخ هذا اللي لابس جلابية وله لحية طويلة وشكله..." مع احترامنا طبعاً للناس كلهم، أنا أتحدث عن الرأي الآخر هنا، "أنه هذا يمكن أن يكون أفضل منك، ويستطيع أن يبحث في الأسباب أكثر منك، ويصل إلى الغائية، ويصل إلى علاج كامل وليس علاج جزئي كما يفعل الدواء نفسياً". وتلقائياً يعني سيرفض ذلك.
ثم أضف إلى كل ما سبق أيضاً، ما لا ننكره من وجود الكثير من الدجالين أيضاً في الطرف الآخر، طرف الرقية والعلاج الروحي. فربما لا تكون لدى الطبيب النفسي مشكلة مع الشيخ اللي لابس جلابية وعنده لحية، لكن عنده مشكلة مع المشعوذين والدجالين. وهذا لا ينكر. ولكن أيضاً أعتقد في مبالغة في هذا الأمر. مثلاً، كنت أتحدث مع أخت معالجة نفسية تؤمن بكل ما قلته الآن، وهي نفسها لما يأتيها مريضة ترى أنه عنده أعراض التلبس، تقول له: "اذهب إلى المشايخ". هي نفسها كانت تقول لي في محادثة قبل يومين: "إن 99% من المعالجين والرقاة هم كذابون ودجالون". فأسألي هنا: هل هناك إحصائية لنقل في 90% مثلاً؟ هل هذا ينفي أصلاً أنه في حل؟ المطلوب هنا من المريض ومن يريد أن يساعده أن يبحث له عن هذه الـ 10% أو حتى لو كان 1% من الصادقين. ثم أقول هنا أيضاً: أنا عندي نفسي أيضاً انطباع سيء عن الكثير من المعالجين، حتى من أراهم من معالجين صادقين، ولكن أيضاً أرى عندهم الكثير من الخلل. وذكرنا في حلقة...
سابقه كيف أنه اثنين من كبار من عملوا في الرقيه صار عندهم خلل وعندهم نقص في المعلومات وفي التصور. لانه هذه النقطه المهمه علم الرقيه هذا علم الرقيه ليس علما مكتوبا يستند في جزء منه إلى النصوص في الوحي. لكن النبي صلى الله عليه وسلم كما ذكرت سابقا هو عالج بالرقيه في حالات محدوده جدا. اخرج عدو الله ما قرا قراءه طويله والصحابي الذي قرا ايضا على سيد القوم الملدوق قرا الفاتحه. ما في تفاصيل اخرى ما في التفاصيل كيف لما ينطق الجني وترد عليه والى اخره. هذا كله جاء بالتجربه من العلماء المتمكنين في الدين وقراوا الرقي وعرفوا كيف يتفاعلوا مع الجن. وهذا كله منقول شفويا لا تجده مكتوبا.
والرقاه هؤلاء غالبا لا يجرؤون اصلا ولا اطالبهم بذلك بان يبوحوا بهذا على الملاء. لانه ايضا المفروض انه ليس كل الناس يطبقون هذا الامر. ولانه ايضا ليس كل الناس بنفس القوه الروحيه. ليس كل من يستطيع ان يقرا الرقيه يستطيع ان يؤدي الى نفس النتيجه. الجزء الاساسي من نجاح الرقيه هو القوه القوه الايمانيه والروحيه للمطبق للراقي. مره اخرى حتى للشمان الساحر حتى لو كان يمارس الكفر قوته الروحيه في العالم الروحي حتى لو كان كافرا هي التي لها الدور الاكبر في العلاج. هو يعالج بالشياطين وبالقوه الروحيه شياطين اخرين. فنفس الشيء ايضا الراقي يعالج بقوته الروحيه فيجب ان يكون هو عنده قوه روحيه وايمانيه. وعنده ايضا الرقيه اللي هي موجوده عند كل الناس قران نعرفه. ثم ايضا ايمان المرقي وقوته الروحيه ايضا واستعداده للتلقي. وقد لا يكون مسلما نعرف حالات كثيره لمسيحيين وملحدين ذهبوا الى مشايخ ورقاء وقروا عليهم وشوفوا وعولجوا.
السؤال الان ما هو الحل؟ اختصار هذه مشكله حضاره مشكله امه. نحن امه منهاره منهزمه ضعيفه امه تستورد هذا العلم التجريبي. احنا ما نستطيع للاسف ما عندنا القابليه الان ما عندنا هذا التراكم العلمي حتى ننتج العلم ننتج العلم التجريبي المادي الذي لا يتعارض مع العلم الروحي. طوال التاريخ كما ذكرت ما انفصلت هذه الجوانب. الكون كله كان متداخل فيه الروح مع الماده والعلم المادي التجريبي مع الفلسفه. والانسان ايضا لا يمكن ان تفصل الروح عن الجسد فيه. والطبيب المسلم يعترف بذلك لكن ما عنده هذا المنهج ما عنده شيء ما عنده شيء مكتوب حتى يستطيع ان يعالج.
البديل كما ذكرنا الراقي اللي لابس جلابيه. لذلك سيقول لك انا ماذا افعل انا سابقى ملتزم بهذا المنهج التجريبي الذي احصل على الرخصه عليه. واذا خالفته ستصحب الرخصه مني. فلذلك حتى تنهض هذه الامه وتنتج علمها بنفسها ودوائها بنفسها هنا يمكن ان تجد الفارق. وعندها ستجد ان الكثير من المشايخ والعلماء الكبار والذين يحترمهم علماء الدين والعقيده الكبار ولن اذكر اسماء الان هؤلاء هم ايضا دافع عقده النقص والخوف من انه ربما العلم التجربي يكتشف غدا انه هذا ما كان مسه و سحر وانما هو شيء نفسي وانه له تفسير. فيقول لك والله انا اتوقف انا اقولري اذهب الى الطبيب طبيب مسلم ومؤمن واعتبر انه يعني اذا كان طبيب مسلم فيعني هو موثوق هو يعالجك. اذا هو فشل روح على الراقي هذا هو الشائع الان ربما هذا كلام 90% من العلماء المسلمين والمفتيين اليوم.
وانا اقول العكس اذهب الى الراقي الموثوق وليس الدجال وابدا العلاج معه. ثم بنفس الوقت ايضا بنفس الوقت اذهب الى طبيب نفسي وخذ الدواء والذي له اعراض جانبيه ايضا. ولكن هذا الدواء سيخفف من قوه الشيطان وتاثيره على نفسك. هناك سبب نفسي اخر فيما نقوله هو كما يقول الاخوه في مصر سبوبه. ومره اخرى انا هنا لا اعمم. الطبيب النفسي يعرف انه لو قال المريض اذهب الى الشيخ والراقي سيبقى هو بلا عمل. واضف الى ذلك هناك فئه لنقل صغيره من الاطباء هم مجرمين كما هو الحال في اي مهنه. في طبيب مجرم هو يعرف الحق او قد يغلب على ظنه انه بالفعل قد يكون هناك مس واسباب روحيه. ولكن هو مصلحته في ان يبقى هؤلاء المرضى عنده حتى يبقى يتكسر منهم. وذكرنا في حلقه مارزينسكي ما تحدث عنه بالتفصيل عن مافيات الدواء الشركات الراسماليه الكبرى التي تصنع الدواء مصلحتها هي وكل هذه المصحات النفسيه والعقليه وكل هذه المنظومه الراسماليه والحكوميه كلها مصلحتها ان يبقى هذا المنهج المادي التجريبي. فكل من يتحدث عن شياطين هذا فورا سينفى وربما يسجن ويحاكم ايضا. هو قال انا استقلت قبل ان احاكم والان صار معالج بالطب الزائف خلاص هذا صار معتبره الان هو مجرد مخرف واللي يريد ان يذهب اليه على مسؤوليته.
حتى نفهم اكثر يعني كل المهن مره اخرى اقول فيها مجرمين وفيها صادقين وفيها مخلصين. يعني المحامي مثلا مهنه المحاماه دورها هو حمايه القانون تجد هناك محامين مجرمين دوره هو ان يساعد المافيات حتى تعمل خارج القانون بطريقه قانونيه. فنفس الشيء ايضا قد تجد طبيبا مصلحته ان يكون جزءا من هذه اللوبيات والمافيات. بل ايضا مع كل ما سبق حتى لو كان الطبيب يؤمن بكل ما ذكرناه ويعترف بوجود مس وهو يخاف الله وليس مجرما وليس متواطئا مع مافيات الادويه. هو قد يبرر لنفسه بانه لما ياتيه مريض ويعرف انه في مس هو يساعدهم بدلا من ان يقول لهم اذهبوا الى الدجال. لانه عنده التصور كما ذكرنا انه 99% من الرقاه هم دجالين. فهو يساعدهم بما يستطيع.
واخر نقطه هنا حتى لو نفينا كل ما سبق كما ان الشياطين توسوس للمريض وتاتيه بهذه الهواجس والهلوسات وتقنعه بان هذا صوته الداخلي هي ايضا توسوس للطبيب وتريد ان تقنعه بانه ما في اي شيء اسمه شياطين. واعظم خدعه قام بها الشيطان هي انه اقنع العالم بانه غير موجود. واشدد هنا على اني لا اعمم ما ذكرت على اي احد. فهناك دائما صادقين ومخلصين. هناك ايضا اطباء قادرين على الخروج من هذه المنظومه والتفكير خارج الصندوق. وهذا هو هدفنا. وفي حلقه اخرى ان شاء الله سنرد بشكل مفصل اكثر على الادله التي يطرحونها بل المغالطات التي يفكرون فيها وكيف نرد عليها. شكرا لاستماعكم اتمنى الشفاء لكل المرضى والسلام عليكم ورحمه الله وبركاته.