📱

Get Our Mobile App

Take your business learning on the go!

Download on the App StoreGet it on Google Play

الدروس العلمية لفضيلة الشيخ أ. د. أحمد بن علي السديس - كتاب التوضيح والبيان لشجرة الإيمان

الإنتاج الرقمي بالمسجد النبوي1:00:20

Transcription

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، رسوله وصفيه وخليله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً.

أما بعد، فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وعليكم السلام. وأسأل الله جل وعلا أن يوفقنا وإياكم لما يحبه ويرضاه، وأن يجعلنا وإياكم من الموفقين في الدنيا والآخرة. وكان الدرس السابق بدء التعليق على كتاب الشيخ رحمه الله، الشيخ عبد الرحمن السعدي، الموسوم بـ "التوضيح والبيان لشجرة الإيمان". تقدم القول بأن هذا الكتاب في مضمونه شرح وبيان للمثال الذي ذكره الله جل وعلا في قوله: {ألم تر كيف ضرب الله مثلاً كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون}. وتقدم معنا الكلام في مقدمة الشيخ رحمه الله، ونبدأ اليوم في قراءة الفصل الأول. نعم، تفضل يا شيخ.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللمستمعين. قال المؤلف رحمه الله تعالى في رسالته "التوضيح والبيان لشجرة الإيمان": "الفصل الأول في حد الإيمان وتفسيره. حدود الأشياء وتفسيرها الذي يوضحها تتقدم أحكامها، فإن الحكم على الأشياء فرع عن تصورها. فمن حكم على أمر من الأمور قبل أن يحيط علمه بتفسيره ويتصوره تصوراً يميزه عن غيره، أخطأ خطأ فاحشاً". قدم الشيخ رحمه الله مقدمة بين يدي تفسيره وذكره لحد الإيمان، وهي القاعدة المشهورة: "الحكم على الشيء فرع عن تصوره". وهي قاعدة جليلة مستخدمة في كلام العلماء، يطبقونها ويستعملونها في فهم الأحكام الشرعية. وكما قال الإمام ابن القيم رحمه الله:

إن البداره برد شيء لم تحط علماً به سبب إلى الحرمان

يعني سبب إلى أن يحرم الإنسان حقيقة المعرفة. ولا بد للمرء قبل أن يحكم على شيء أن يتصوره تصوراً كاملاً. والتصور الذي يقصده العلماء بقولهم: "الحكم على الشيء فرع عن تصوره" هو التصور التام الذي يعصم من الخطأ والزلل في فهم المقصود. وهذه القاعدة لها ما يدل عليها من نصوص الكتاب وسنة النبي صلى الله عليه وسلم. ومن ذلك قوله جل وعلا: {وكيف تصبر على ما لم تحط به خبراً}. فإن في هذا دليلاً على أن المرء لن يدرك الشيء إدراكاً كاملاً ويعرف حقيقته إلا بعد أن يتصوره تصوراً دقيقاً يعصمه من الخطأ والزلل فيه. ومما يدل على هذه القاعدة قوله جل وعلا: {ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولاً}. فإن الإنسان إذا تكلم بالشيء من غير علم أدركه الخطأ والقصور في فهمه ولا ريب. {ولا تقف ما ليس لك به علم} فيدل ذلك على أن الإنسان لا يتكلم على الشيء إلا بعد معرفته والعلم به، وهذه عادة العلماء رحمهم الله. ومن ذلك كذلك قوله جل وعلا: {ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون}. فدل ذلك على المقصود من وجوب التحري والفهم والبيان قبل إصدار الأحكام. ومن ذلك ما دلت عليه السنة في النهي عن أن يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان؛ لأن الغضب يقلقه عن فهم حقيقة الخصومة التي بينهما، ولذلك لن يتصور الأمر على حقيقته تصوراً كاملاً. وهذا معنى قولهم: "الحكم على الشيء فرع عن تصوره". فهي قاعدة جليلة مستعملة في كلام العلماء، يطبقونها في طريقتهم في فهم أدلة الكتاب والسنة. نعم، أحسن الله إليكم.

قال رحمه الله تعالى: "أما حد الإيمان وتفسيره فهو التصديق الجازم والاعتراف التام بجميع ما أمر الله ورسوله بالإيمان به والانقياد ظاهراً وباطناً. فهو تصديق القلب واعتقاده المتضمن لأعمال القلوب وأعمال البدن. وذلك شامل للقيام بالدين كله. ولهذا كان الأئمة والسلف يقولون: الإيمان قول القلب واللسان وعمل القلب واللسان والجوارح، وهو قول وعمل واعتقاد يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. فهو يشمل عقائد الإيمان وأخلاقه وأعماله. فالإقرار والاعتراف بما..." نعم، هذا هو تعريف أهل السنة والجماعة للإيمان، فإن له تعريفاً لغوياً وتعريفاً اصطلاحياً. فالتعريف اللغوي كما ذكر الشيخ هو التصديق، فالإيمان هو التصديق. ومنه قوله جل وعلا: {وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين} في قول إخوة يوسف لأبيهم: {وما أنت بمؤمن لنا} يعني: وما أنت بمصدق لنا. وأما في الاصطلاح فإنه اعتقاد بالجنان وقول باللسان وعمل بالجوارح والأركان، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. هذا هو حد الإيمان في كلام أهل السنة والجماعة. وخالفهم في ذلك بعض الطوائف المنحرفة في باب الإيمان كالجهمية، فإن الإيمان عندهم هو التصديق بالقلب، ويخرجون الأعمال من مسمى الإيمان، مع أن الأعمال على الصحيح كما يدل عليه نصوص الكتاب والسنة داخلة في مسمى الإيمان. بل إن غلاة الجهمية يقولون إن الإيمان هو المعرفة، هو مجرد المعرفة، وهذا ضلال مبين. ولذلك تهكم بهم الإمام ابن القيم رحمه الله في نونيته بقوله:

قالوا وإقرار العباد بأنه خلاقهم هو منتهى الإيمان

والناس في الإيمان شيء واحد كالمشط عند تماثل الأسنان

فاسأل أبا جهل وشيعته ومن والاهم من عابد الأوثان

واسأل كذاك إمام كل معطل فرعون مع قارون مع هامان

واسأل أبا الجن اللعين أتعرف الخلاق أم أصبحت ذا نكران

فليبشروا ما فيهم من كافر هم عند جهم كامل الإيمان

إذا كان الإيمان هو مجرد المعرفة فالخلق كلهم يستوون في ذلك. أن يقولون إن الناس في الإيمان كأسنَان المشط، هذا قول باطل مردود. وقد تكلم أهل العلم رحمهم الله في تفنيد هذا القول، والقول بأن الأعمال ليست داخلة في مسمى الإيمان. والصحيح في هذا هو اعتقاد أهل السنة، وهو ما دلت عليه الأدلة الكثيرة المتوافرة المتظافرة في كتاب الله جل وعلا وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، أن الأعمال داخلة في الإيمان، وأن الإيمان يزيد وينقص. يزيد بماذا وينقص من ماذا؟ يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. وهذا أمر يجده الإنسان، وشاهد العيان فيه كما يقولون يغني عن البرهان. فإن للطاعة أنساً وسعادة يجدها الإنسان في نفسه، وتقوده الطاعة إلى طاعة أخرى، ولا تزال الطاعات يقود بعضها بعضاً حتى تنقاد جوارحه كلها لطاعة الله سبحانه وتعالى، فيكون عمل يومه وليلته في طاعة الله سبحانه، إما في اعتقاده بالقلب، وإما في أقواله باللسان، وإما في عمله بالجوارح والأركان. وكذلك المعاصي يزين بعضها بعضاً ويدلل بعضها بعضاً، فيجد الإنسان إذا وقع في شيء من ذلك نفرة في قلبه، هذا إذا كان عنده نفس تستشعر هذا المعنى وتحس به، وهي النفس اللوامة التي تلوم الإنسان إذا فرط في طاعة أو وقع في معصية. نعم، أحسن الله إليكم.

قال رحمه الله تعالى: "فالإقرار والاعتراف بما لله تعالى من الأسماء الحسنى والصفات الكاملة العليا والأفعال الناشئة عن أسمائه وصفاته هو من أعظم أصول الإيمان. وكذلك الاعتراف بما له من الحقوق الخاصة وهو التأله والتعبد لله ظاهراً وباطناً من أصول الإيمان والاعتراف". لا شك أن مما يرسخ الإيمان في قلب العبد معرفة العبد لربه بمعرفة أسمائه الحسنى وصفاته العليا ودلالات هذه الأسماء والصفات. وعلى قدر معرفة العبد ربه ومعرفته أسماء الله جل وعلا وصفاته سبحانه وتعالى تكون خشيته لله جل وعلا. ولذلك يقول الله جل وعلا: {إنما يخشى الله من عباده العلماء}. وهي الخشية الكاملة. ولماذا خص العلماء دون غيرهم من سائر الناس بخشية الله؟ لما وقر في قلوبهم من تعظيم الله. وباب التعظيم، باب تعظيم الله جل وعلا، إنما يكون بمعرفة أسمائه وصفاته ودلالات هذه الأسماء والصفات. ولذلك تنوع في كتاب الله جل وعلا ذكر أسمائه وصفاته، وفي أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، وفي الأدعية المأثورة في كتاب الله جل وعلا وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم. وهذا فقه عظيم في فقه الأسماء والصفات، وينبغي على المسلم أن يكون له حظ ونصيب في معرفة أسماء الله جل وعلا وصفاته، وما يدل عليه كل اسم من أسمائه الحسنى ومعرفة الصفات، فيدعو الله جل وعلا بما يناسب مطلوبه من أسماء الله وصفاته. هذا هو الفقه والفهم الذي ينبغي أن يكون عليه المسلم، وهذا طريق بين ومسلك معروف في الوصول إلى تعظيم الله جل وعلا وخشيته. وتعظيم الله وخشيته أعظم مانع من معصيته. تعظيم الله جل وعلا وخشيته أعظم مانع من معصيته. فإنما يتجرأ على معصية الله جل وعلا من قلت معرفته بأسماء الله جل وعلا وصفاته. وعلى قدر فهم العبد أسماء الله وصفاته تكون خشيته من مولاه سبحانه وتعالى. نعم، أحسن الله إليكم.

قال رحمه الله تعالى: "والاعتراف بما أخبر الله به عن ملائكته وجنوده والموجودات السابقة واللاحقة، والإخبار باليوم الآخر، كل هذا من أصول الإيمان. وكذلك الإيمان". وسيشير الشيخ رحمه الله إلى الحديث المشهور في حديث جبريل عندما سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإسلام والإيمان، فقال: "الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره". فلا يتحقق وصف الإيمان للعبد إلا أن يؤمن بالله جل وعلا، تضمن الإيمان بربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته. يؤمن بالله وملائكته، فيؤمن بالملائكة وبما ذكر الله جل وعلا من أسمائهم وأوصافهم وأفعالهم ووظائفهم التي ذكرها الله جل وعلا في كتابه أو بينها النبي صلى الله عليه وسلم في سنته. ويؤمن كذلك بالرسل الذين أرسلهم الله جل وعلا إلى خلقه، فإن الله جل وعلا بعث في كل أمة رسولاً كما قال سبحانه: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت}. وما من أمة من الأمم السابقة إلا خلا فيها نذير، بعث الله به فيها رسولاً، حتى ختم الله جل وعلا الرسل والأنبياء ببعثة سيد المرسلين نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. وإلا فالأنبياء قبله كثر، فالرسل كثر والأنبياء أكثر، كما مر معنا في بعض المناسبات بيان ذلك. كذلك يؤمن بالكتب، وهي التي أرسلها الله جل وعلا مع الرسل، ما علمنا منها وما لم نعلم، هذا لازم من لوازم الإيمان. يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، ثم يؤمن كذلك باليوم الآخر، وهو يوم البعث والنشور وما يكون فيه من الأحوال والتي ذكرها الله جل وعلا في كتابه وجاءت مبينة في سنة النبي صلى الله عليه وسلم. ثم يؤمن كذلك بالقدر خيره وشره، وأن الله سبحانه كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، هذا التقدير الأزلي. وهناك تقدير سنوي أيضاً، وهناك تقدير يومي، وتقدم معنا ذكر ذلك في عدد من المناسبات. هذا ملخص أركان الإيمان التي لا يتحقق للعبد وصفه بالإيمان إلا أن يعتقدها ويؤمن بها. وعلى قدر معرفته بهذه الأركان وإدراكه لها وعنايته بها ونصيبه منها يكون تحقق الإيمان في قلبه. نعم، أحسن الله إليكم.

قال رحمه الله تعالى: "وكذلك الإيمان بجميع الرسل صلوات الله وسلامه عليهم، وما وصفوا به في الكتاب والسنة من الأوصاف الحميدة، كل هذا من أصول الإيمان. كما أن من أعظم أصول الإيمان". كم رسولاً ذكر في القرآن؟ كم عدد الرسل الذين ذكروا في القرآن؟ 25. نعم، ها؟ نعم، 25 رسولاً. يعني ذكر الله منهم 18 في سياق واحد في سورة الأنعام: {وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم وهبنا له إسحاق ويعقوب كلاً هدينا ونوحاً هدينا من قبل ومن ذريته داوود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين وإسماعيل واليسع ويونس ولوطاً وكلاً فضلنا على العالمين}. هؤلاء 18. يبقى سبعة. في تلك حجتنا منهم ثمانية من بعد عشر، ويبقى سبعة وهم: إدريس، هود، شعيب، صالح، وكذا ذو الكفل، آدم، بالمختار قد ختموا. هؤلاء 25. وأما عددهم على الإجمال فهم ثلاثمائة وبضعة عشر رسولاً: {قد قصصناهم عليك من قبل ورسلاً لم نقصصهم عليك}. وأما الأنبياء فهم أكثر، فهم وبضعة ألفاً، كما جاء ذلك في الآثار. نعم، أحسن الله إليكم.

قال رحمه الله: "كما أن من أعظم أصول الإيمان الاعتراف بانفراد الله بالوحدانية والألوهية، وعبادة الله وحده لا شريك له، وإخلاص الدين لله، والقيام بشرائع الإسلام الظاهرة وحقائقه الباطنة، كل هذا من أصول الإيمان. ولهذا رتب الله على الإيمان دخول الجنة والنجاة من النار، ورتب عليه رضوانه والفلاح والسعادة. ولا يكون ذلك إلا بما ذكرنا من شموله للعقائد وأعمال القلوب وأعمال الجوارح؛ لأنه متى فات شيء من ذلك حصل من النقص وفوات الثواب وحصول العقاب بحسبه. بل أخبر الله تعالى أن الإيمان المطلق تنال به أرفع المقامات في الدنيا وأعلى المنازل في الآخرة، فقال تعالى: {والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون}. والصديقون هم أعلى الخلق درجة بعد درجة الأنبياء في الدنيا وفي منازل الآخرة. وأخبر في هذه الآية أن من حقق الإيمان به وبرسله نال هذه الدرجة". نعم، لأن الله جل وعلا يقول: {أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين}. فذكر أن مرتبة الصديقين هي بعد مرتبة الأنبياء. وقال هنا: {والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون}. فبين لنا في هذا السياق، بين الله لنا في هذا السياق من هو الصديق. والصديق في الأصل هو المكثر من الصدق، الذي جمع صدقاً إلى صدق، وصار لا ينطق إلا بالصدق ولا يعتقد إلا الصدق، يسمى صديقاً. وبينه الله جل وعلا هنا بقوله: {والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون}. فدل على أن من لازم مرتبة الصديق الإيمان بالله جل وعلا والإيمان برسله. المقصود بذلك الإيمان التام الكامل الذي تتحقق به شرائط الإيمان كلها. نعم، أحسن الله إليكم.

قال رحمه الله: "ويفسر ذلك ويوضحه ما ثبت في الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف في الجنة كما تراءون الكوكب الشرقي أو الغربي في الأفق لتفاضل ما بينهم". فقالوا: يا رسول الله، تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم. قال: "بلى، والذي نفسي بيده، رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين". يعني كان هذا نصيبهم في الجنة، أن لهم درجات رفيعة ومنازل عالية، والجنة درجات. فهؤلاء يتراءون غرف الصديقين كما يتراءى الإنسان، كما جاء في الحديث، الكوكب الشرقي أو الغربي في الأفق، يعني الذي يخرج من شرق في الأفق أو يخرج من غرب. ولماذا ذكر في الحديث الشرقي والغربي ولم يذكر ما يكون فوق من النجوم والكواكب المسامتة للإنسان؟ لأن الكوكب البعيد إذا كان في أقصى الشرق أو في أقصى الغرب صار ذلك أشد بعداً وأبعد لناظره. وهذا أمر محسوس، فإن الإنسان إذا نظر إلى شيء بعيد فوقه يكون أقرب إليه في نظره من أن يكون بعيداً عنه إما شرقاً وإما غرباً. فهؤلاء لهم منازل رفيعة، والجنة درجات. وقد جاء في أحاديث صحيحة في الصحيحين أن في الجنة مائة درجة، أن في الجنة مائة درجة أعدها الله جل وعلا للمجاهدين في سبيله. ولكن الصحيح أن درجات الجنة أكثر من ذلك وليست محصورة في مائة درجة. وإنما قوله في الحديث: "مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله" كقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إن لله تسعة وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة". مع أن أسماء الله جل وعلا أكثر من ذلك كما يدل عليه الحديث: "أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحداً من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك". فأسماء الله أكثر، لكن هذه الأسماء التسعة والتسعين مختصة بفضيلة من أحصاها دخل الجنة. ولذلك منازل الجنة أكثر، لكن يمكن أن تكون هذه المنازل خاصة بالمجاهدين في سبيل الله. وذكر الخطابي رحمه الله في بعض الآثار أن مرات منازل الجنة بعدد آي القرآن، أن درجات الجنة ومنازل الجنة بعدد آي القرآن. ويستدلون لذلك بالحديث المشهور، الحديث الصحيح، أنه يقال لقارئ القرآن يوم القيامة: "اقرأ وارتقِ ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرأها". وكم عدد آي القرآن؟ 6200، 6000. يعني المتفق عليه أن عدد آيات القرآن 6200، ثم اختلفوا فيما زاد على ذلك، اختلفوا فيما زاد على ذلك بحسب عد علماء العدد واختلاف العد، هناك العد المدني والعد المكي والعد البصري والشامي والكوفي، فيختلف مقادير العد بينها، لكنها في مجموعها تزيد على 6200. وقد ذكر بعض أهل العلم أن القراءة لأهل الجنة، لأنه يقال: "اقرأ وارتقِ"، أنها تكون بمنزلة التسبيح للملائكة، فلا تشغلهم عن التلذذ بما يتمتعون به في الدنيا، كما أن التسبيح للملائكة لا يشغلهم عن وظائفهم التي كلفهم الله إياها، لأن الملائكة كما تقدم يسبحون الليل والنهار لا يفترون، ومع ذلك لا يشغلهم هذا التسبيح، فهو كالنفس بالنسبة لهم. وكذلك أهل الجنة في قراءتهم للقرآن. لكن المقصود أن هذه المنازل العالية تكون في الجنة كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عندما قالوا له، قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: "تلك منازل الأنبياء" لما سمعوا من رفعتها وعظيم شأنها. قال: "بلى". لأنهم قالوا: "تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم". قال: "بلى، والذي نفسي بيده، رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين". فهؤلاء أعد الله جل وعلا لهم هذه المنازل العالية. نعم، أحسن الله إليكم.

قال رحمه الله: "وإيمانهم بالله وتصديقهم للمرسلين في ظاهرهم وباطنهم، في عقائدهم وأخلاقهم وأعمالهم، وفي كمال طاعتهم لله ولرسله. فقيامهم بهذه الأمور به يتحقق إيمانهم بالله وتصديقهم للمرسلين. وقد أمر الله في كتابه بهذا الإيمان العام الشامل وما يتبعه من الانقياد والاستسلام، وأثنى على من قام به فقال في أعظم آيات الإيمان: {قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون}. فأمر الله عباده بالإيمان بجميع هذه الأصول العظيمة، والإيمان الشامل بكل كتاب أنزله الله وبكل رسول أرسله الله، وبالإخلاص والاستسلام والانقياد له وحده بقوله: {ونحن له مسلمون}. ولا يتحقق الإيمان إلا بذلك". كما قال الله جل وعلا في الآية التي ذكرها المصنف رحمه الله: {قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط}. ومن هم الأسباط؟ الأسباط في بني إسرائيل كالقبائل عند العرب من بني إسماعيل. وللعلماء في ذكرهم رأيان: الرأي الأول أن المراد بالأسباط هم إخوة يوسف وعددهم مع يوسف 12، فهم أولاد يعقوب، هم عددهم 12، هذا قول. والقول الثاني أنهم ليسوا من صلب يعقوب، هم من نسله وذريته، لكنهم ليسوا أولاده من صلبه. وهذا هو الذي اختاره جماعة من المحققين كشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وغيره من أهل العلم، أن الأسباط هم من نسل يعقوب ولكنهم ليسوا من صلبه، ليسوا إخوة يوسف، بل هم ممن جاء بعد ذلك، وهم في العرب كالقبائل، وهم كالقبائل عند العرب من بني إسماعيل. فقال: {وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق} وهما ابنا إبراهيم، {ويعقوب} وهو ابن إسحاق: {فبشرناه بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب}. فبشر بالولد وولد الولد. قال: {وما أوتي موسى وعيسى}. موسى أوتي التوراة وعيسى أوتي الإنجيل. {وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم}. وهذا من لوازم الإيمان، الإيمان بالرسل وعدم التفريق، بخلاف من يفرق بين الرسل، يقولون: نؤمن ببعض ونكفر ببعض، كما حكى الله ذلك عنهم: {ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلاً}. حكم الله عليهم بقوله: {أولئك هم الكافرون حقاً}. أي من يؤمن ببعض ويكفر ببعض. ولا يتحقق الإيمان إلا بالإيمان الكامل بالرسل جميعاً، وخاتمتهم نبينا صلى الله عليه وسلم. قال: {لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون}. نعم، أحسن الله إليكم.

قال رحمه الله: "كما أثنى على المؤمنين في آخر السورة بالقيام بذلك فقال: {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير}. فأخبر أن الرسول ومن معه من المؤمنين آمنوا بهذه الأصول ولم يفرقوا بين أحد من الأنبياء، بل آمنوا بهم جميعاً وبما أوتوه من عند الله، وأنهم التزموا طاعة الله فقالوا: {سمعنا وأطعنا}، وطلبوا من ربهم أن يحقق لهم ذلك وأن يعفوا عن تقصيرهم ببعض حقوق الإيمان، وأن مرجع الخلائق كلهم ومصيرهم إلى الله يجازيهم بما قاموا به من حقوق الإيمان وما ضيعوه منها. كما قال تعالى عن أتباع الأنبياء عيسى وغيره أنهم قالوا: {ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين}. فآمنوا بقلوبهم والتزموا بقلوبهم وانقادوا بجوارحهم، وسألوا الله أن يكتبهم مع الشاهدين له بالتوحيد وأن يحقق لهم القيام به قولاً وعملاً واعتقاداً". نعم، ذكر الشيخ رحمه الله استدلالاً بالآية الأخيرة، بالآية قبل الأخيرة من سورة البقرة. وهاتان الآيتان الأخيرتان من سورة البقرة لهما مزية عظيمة دلت عليها جملة من النصوص والآثار في قوله تعالى: {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير}. والآية بعدها. وكان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم أن يقرأ هاتين الآيتين في كل ليلة. ومن قرأ الآيتين الأخيرتين في ليلة كفتاه، كما جاء ذلك في الحديث الصحيح. وهذه الآية، آية في قوله: {آمن الرسول} تضمنت الثناء على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى المؤمنين: {كل آمن بالله} رباً، {وملائكته وكتبه ورسله}. قال: {لا نفرق بين أحد من رسله} فيؤمنون بهم إيماناً كاملاً. وقالوا: {سمعنا وأطعنا}. وهذا يتضمن مقصود الإسلام وهو الاستسلام لله بالطاعة، الاستسلام لله جل وعلا والانقياد له بالطاعة والخلوص له من الشرك. فالإسلام هو الاستسلام. وقالوا: {سمعنا}. وهذه طريقة المؤمنين أن يكونوا أهل إيمان بالله جل وعلا، وأن يسلموا لما يأمرهم به الله سبحانه وتعالى في كتابه أو في سنة نبيه صلى الله عليه وسلم. وقالوا: {سمعنا} يعني استسلمنا، {وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير}. فأثنى الله جل وعلا عليهم، أثنى الله سبحانه وتعالى عليهم بإيمانهم وتصديقهم وتسليمهم لأمر الله سبحانه وتعالى. نعم، أحسن الله إليكم.

وقال تعالى: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً وعلى ربهم يتوكلون الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون أولئك هم المؤمنون حقاً لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم}. فوصف الله المؤمنين هذه الصفات المتضمنة للقيام بأصول الدين وفروعه وظاهره وباطنه. فإنه وصفهم بالإيمان به إيماناً ظهرت آثاره في عقائدهم وأقوالهم وأعمالهم الظاهرة والباطنة. وأنه مع ثبوت الإيمان في قلوبهم يزداد إيمانهم كلما تليت عليهم آيات الله، ويزداد خوفهم ووجلهم كلما ذكر الله. وهم في قلوبهم وسرهم متوكلون على الله ومعتمدون في أمورهم كلها عليه ومفوضون أمورهم إليه. وهم مع ذلك يقيمون الصلاة فرضها ونفلها، يقيمونها ظاهراً وباطناً، ويؤتون الزكاة وينفقون النفقات الواجبة والمستحبة. ومن كان على هذا الوصف فلم يبق من الخير مطلباً ولا من الشر مهرباً. ولهذا قال: {أولئك هم المؤمنون حقاً} الذين يستحقون هذا الوصف على الحقيقة ويحققون القيام به ظاهراً وباطناً. ثم ذكر ثوابهم الجزيل: المغفرة المتضمنة لزوال كل شر ومحذور، ورفعة الدرجات عند ربهم، والرزق الكريم المتضمن من النعم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. ذكر الله جل وعلا في هذه الآيات من سورة الأنفال التي أوردها المصنف رحمه الله جملة من صفات أهل الإيمان. وينبغي على المسلم إذا سمع ذكر صفات أهل الإيمان في كتاب الله جل وعلا، كما في قوله جل وعلا: {ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين} ثم ذكر صفاتهم: {الذين يؤمنون بالله}. وكما في السياق هنا: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً وعلى ربهم يتوكلون الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون}. وكما في قوله جل وعلا فيما سيذكره المصنف في ذكر صفات أهل الإيمان: {قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون والذين هم عن اللغو معرضون والذين هم للزكاة فاعلون} إلى آخر السياق الذي ذكره الله سبحانه وتعالى. ينبغي على المسلم إذا سمع هذه الصفات أن يتفقد نفسه وينظر في نصيبه من هذه الأوصاف التي وصف الله جل وعلا بها عباده المؤمنين. يجب أن ينظر في ذلك، هل تتحقق فيه هذه الصفات؟ {إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً وعلى ربهم يتوكلون يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة} وغير ذلك من الصفات والأوصاف. فالواجب على المسلم أن يتفقد نفسه في مثل هذه السياقات، فإن ذلك من دواعي محاسبة العبد لنفسه. وهذا السياق بدأه الله جل وعلا بقوله: {إنما المؤمنون}. وإنما كما يقول ابن عطية: "لفظ لا تفارقه المبالغة والتوكيد حيث وقع". يعني إنما لفظ لا تفارقه المبالغة والتوكيد حيث وقع، فحيث وقع في الكلام فإنه يدل على مبالغة وتوكيد، ثم إنه أيضاً يفيد الحصر كذلك كما هو معلوم. قال: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله}. وهذا إجمال بديع في قوله سبحانه: {الذين إذا ذكر الله} فيشمل ذكر أسمائه وصفاته، ويشمل كذلك ذكر وعده ووعيده وأحكامه وشرائعه وما يتصل بذلك من مقاصد الكتاب العزيز. فهو وصف عام: {إذا ذكر الله وجلت قلوبهم}. والوجل هو الخوف والفزع. وجلت قلوبهم. والله جل وعلا وصفهم في هذا السياق بذلك. قال: {الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم}. ووصفهم في سياق آخر بقوله: {الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب}. فقوله: {وجلت قلوبهم} عند سماع وعيده وعذابه، وتطمئن قلوبهم عند سماع وعده وثوابه وحسن جزائه لعباده المؤمنين. أو أن يكون المقصود في قوله: {وجلت قلوبهم} في الوهلة الأولى تعظيماً وخوفاً وفزعاً من خطاب الله سبحانه وتعالى، ثم بعد ذلك يحصل الاطمئنان، كما قال الله جل وعلا: {الله نزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله}. {تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم} قال: {ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر ذلك هدى الله يهدي به من يشاء}. قال الله جل وعلا: {إذا ذكر الله وجلت قلوبهم} أي يعظمون الله سبحانه وتعالى في قلوبهم ويعرفون قدره سبحانه وتعالى. وهكذا المسلم، فإذا بصر بحق الله جل وعلا تبصر، وإذا ذكر بأمر الله تذكر، وإذا خوف بالوعيد الشديد خاف وأمسك، وإذا ذكر له حسن الوعد والثواب والجزاء بادر وأقبل. هكذا تكون حاله مع أوامر الله جل وعلا في كتابه سبحانه وفي سنة نبيه صلى الله عليه وسلم. {وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً}. إذا تليت عليهم آياته، آيات القرآن الكريم، زادتهم إيماناً لما فيها من عظيم الدلائل على وحدانية الله سبحانه وتعالى وعلى ألوهيته وربوبيته جل وعلا. وهكذا حال المؤمن، فعليه أن ينظر في نفسه عند سماع القرآن الكريم، فإن وجد أنساً وراحة وطمأنينة وانشراحاً لنفسه وراحة في سماع القرآن، فليحمد الله جل وعلا، فإن ذلك دليل خير ودليل ظاهر على محبة العبد لربه، فمن أحب شيئاً أكثر من ذكره. وإذا وجد نفرة من سماع القرآن الكريم وحرجاً وضيقاً، فعليه أن يتفقد إيمانه ونفسه: {وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خساراً قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك ينادون من مكان بعيد}. قال: {وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً} زادتهم يقيناً بالله جل وعلا وطاعة لله سبحانه وتعالى وتقرباً إليه سبحانه وتعالى. {وعلى ربهم يتوكلون}. فيتوكلون على الله جل وعلا ولا يتوكلون على غيره؛ لأنهم يعلمون أن الأمر كله بيد الله سبحانه وتعالى، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. ثم ذكر لهم صفتين متلازمتين مقترنتين، قال: {الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون}. يقيمون الصلاة يعني يأتون بها مستقيمة بتحقيق أركانها وشروطها وواجباتها وسننها وفعلها في أوقاتها وما يتصل بذلك من إتمامها. {يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون} ينفقون النفقات الواجبة من الزكاة وما يجب على الإنسان نفقته مما هو مبين في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم. من قام بهذه الصفات وتحققت فيه هذه الأوصاف، فما هو جزاؤه؟ قال الله جل وعلا: {أولئك هم المؤمنون حقاً}. أولئك هم المؤمنون لا غيرهم، حقاً أي صدقاً وعدلاً. {لهم درجات عند ربهم ومغفرة} بذنوبهم وسيئاتهم، {ورزق كريم} من الله سبحانه وتعالى. نعم، أحسن الله إليكم.

وقال تعالى: {قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون والذين هم عن اللغو معرضون والذين هم للزكاة فاعلون والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون والذين هم على صلواتهم يحافظون أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون}. ففسر الله الإيمان في هذه الآيات بجميع هذه الخصال، فإنه أخبر بفلاح المؤمنين ثم وصفهم بقوله: {الذين هم في صلاتهم خاشعون} إلى آخر الآيات المذكورة. فمن استكمل هذه الأوصاف فهو المؤمن حقاً، ومضمونها القيام بالواجبات الظاهرة والباطنة واجتناب المحرمات والمكروهات. وبتكميلهم للإيمان استحقوا وراثة جنات الفردوس التي هي أعلى الجنات، كما أنهم قاموا بأعلى الكمالات. وهذه صريحة في أن الإيمان يشمل عقائد الدين وأخلاقه وأعماله الظاهرة والباطنة. نعم. هذا السياق كذلك ذكر الله جل وعلا فيه جملة من صفات أهل الإيمان في قوله: {قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون والذين هم عن اللغو معرضون} إلى آخر السياق. وجاء عند الترمذي من حديث أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان عند النبي صلى الله عليه وسلم فسمع كان ينزل الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم، فسمع دوياً كدوي النحل، ثم استقبل النبي صلى الله عليه وسلم القبلة ورفع يديه وقال: "اللهم زدنا ولا تنقصنا، اللهم زدنا ولا تنقصنا، وأكرمنا ولا تهنا، وأعطنا ولا تحرمنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وارضنا وارض عنا". ثم قال عليه الصلاة والسلام: "أنزل علي عشر آيات من قام بهن دخل الجنة". وقرأ هذه الآيات: {قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون والذين هم عن اللغو معرضون والذين هم للزكاة فاعلون والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون والذين هم على صلواتهم يحافظون أولئك هم الوارثون}. هذه عشر آيات من أقامهن دخل الجنة، يعني من عمل بهن دخل الجنة. قال النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بعد هذا الدعاء في قوله: "اللهم زدنا ولا تحرمنا" يعني زدنا من الخير وأعطنا من الخير، أو زدنا زيادة في العدد ولا تحرمنا، "وأكرمنا" من الكرامة "ولا تهنا" يعني من الذل، "وآثرنا بالخير ولا تؤثر علينا أحداً من خلقك"، "وزدنا ولا تنقصنا، وارضنا وارض عنا". ارضنا يعني بما أعطيتنا وبما قدرت لنا مما قدرته في علمك، وارض عنا. ورضا الله جل وعلا هي أعظم غاية يدركها المؤمن في هذه الحياة. ثم قال النبي عليه الصلاة والسلام: "عشر آيات أنزلت علي من أقامهن دخل الجنة". وهذه الأوصاف أوصاف عظيمة ذكرها الله جل وعلا: {قد أفلح المؤمنون}. وقد هنا تفيد التحقيق، تحقق الوقوع؛ لأنها دخلت على فعل ماض. والفلاح هو الفوز والظفر بالمطلوب والنجاة من المرهوب. الفلاح هو الفوز والظفر بالمطلوب والنجاة من المرهوب. {قد أفلح المؤمنون} ثم ذكر أخص صفاتهم: {الذين هم في صلاتهم خاشعون}. ومعنى الكلام: الذين هم خاشعون في صلاتهم. وإنما قدم في السياق ذكر الصلاة للتنبيه على عظيم شأنها ولتبقى قريبة من الإيمان، فإن الصلاة وثيقة الصلة بالإيمان. {قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون}. والخشوع هو سكون الأطراف، وهو عمل في القلب يظهر على الجوارح. وقد جاء في بعض الآثار أن الناس في صلاتهم كانوا يلتفتون، فلما نزلت هذه الآية: {الذين هم في صلاتهم خاشعون} كانت أبصارهم في موضع سجودهم وتركوا الالتفات. {والذين هم عن اللغو معرضون}. واللغو اسم جامع لكل ما لا ينفع من الكلام، لكل ما لا ينفع من الكلام ولا فائدة منه. والأصل في الإنسان ألا يتكلم إلا بما تحصل به المنفعة؛ لأنه محاسب على الكلام الذي يتكلم به. فكل ما يتكلم به المرء فهو محاسب عليه: {ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد}. أو لما سئل النبي عليه الصلاة والسلام: "نؤخذ بما نتكلم به؟" ماذا قال عليه الصلاة والسلام؟ نعم، "ثكلتك أمك، وهل يكب الناس في النار على وجوههم أو قال على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم؟" فاللغو وصف للكلام الذي لا منفعة فيه، ويدخل فيه دخولاً أولياً ما يحرم من الكلام من غيبة ونميمة وسب وشتم وقذف وغير ذلك. وكما قال الله جل وعلا في وصف عباد الرحمن: {وإذا مروا باللغو مروا كراماً}. وقال هنا: {والذين هم عن اللغو معرضون} فيعرضون عن الكلام الذي لا ينتفعون به. {والذين هم للزكاة فاعلون} فيخرجون النفقة الواجبة عليهم في الزكاة المفروضة. {والذين هم لفروجهم حافظون}. أي يحفظون فروجهم إلا مما أباحه الله جل وعلا لهم من زوجاتهم وملك يمينهم. قال: {إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين}. وقال الله جل وعلا: {والذين هم عن اللغو معرضون والذين هم لفروجهم حافظون}. ذكر هذين الأمرين؛ لأنهما أعظم ما يورد الإنسان موارد الهلاك. وكما جاء في الحديث الصحيح: "من يضمن لي ما بين لحييه وما بين فخذيه أضمن له الجنة". فأشد ما يورد الإنسان المهالك هي معاصي اللسان والفرج، نسأل الله السلامة والعافية. قال: {والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك} يعني ابتغى قضاء وطره وشهوته في غير ما أحله الله له من الزوجة وملك اليمين، {فأولئك هم العادون} المعتدون على حدود الله جل وعلا وحرماته. {والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون والذين هم على صلواتهم يحافظون أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون}. ويأتي الكلام عليها إن شاء الله في الدرس القادم بإذن الله تعالى لقرب وقت الأذان. نسأل الله جل وعلا أن يرزقنا وإياكم العلم النافع والعمل الصالح، وأن يغفر لنا ولوالدينا ولأئمتنا ومشايخنا والمسلمين أجمعين، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.