📱

Get Our Mobile App

Take your business learning on the go!

Download on the App StoreGet it on Google Play

الصندوق الأسود: القصة الكاملة لـ هاكان فيدان.. وهل سيكون الرئيس القادم لتركيا؟

Yusuf Yeniturkogullari - يوسف يني تورك24:00

Transcription

في 7 شباط من عام 2012، الجو في أنقرة كان متوتر جداً، والكل حاطط إيده على قلبه. رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان كان عم يجهز نفسه ليدخل غرفة العمليات لإجراء جراحة معقدة وخطيرة جداً في الأمعاء. يعني الدولة كانت بأضعف حالاتها، وبهي اللحظة بالذات، رن تليفون واحد غير مجرى التاريخ.

على الطرف الثاني ما كان في صديق عم يتطمن، كان مدعي عام ومعه ورقة واحدة. الورقة هي مذكرة اعتقال بتهمة الخيانة العظمى. هون مفاجأة، إنه هالشخص المطلوب ما كان زعيم مافيا ولا جنرال انقلابي هربان. المطلوب كان رئيس جهاز الاستخبارات التركي شخصياً. المطلوب كان حقاً...

[موسيقى]

[موسيقى]

الخطة كانت ملعوبة صح. اعتقال العقل المدبر بينما الرئيس غايب عن الوعي تحت تأثير البنج. ولو نجحت هالمكالمة، كنا اليوم عم نحكي عن تركيا ثانية تماماً، وعن شرق أوسط مختلف كلياً. بس قبل ما الشرطة توصل لباب المخابرات، وصل اتصال ثاني. أردوغان على سرير المشفى رفض يدخل العملية، ومسك التليفون وحكى جملة واحدة كانت طوق النجاة لفيدان وللدولة كلها: "لا تروح، لا تسلم نفسك. سكر أبواب القلعة عليك، ولا تخلي مخلوق يفوت لعندك".

وبهذيك الليلة، تحصن فيدان بقلعته، وصدرت الأوامر للحرس بالاشتباك المباشر مع أي حدا بحاول يقترب من المبنى. نجى فيدان من الفخ، ومن يومها تغير كل شيء. تحول مجرد ضابط أمن للرجل الأخطر في تركيا. الرجل اللي ما بيحكي، وما بيطلع مقابلات، وما بنسمع صوته، بس بصماته موجودة بكل مكان. من الجواسيس اللي سلمهم لإيران، وصولاً للتحالفات الاستراتيجية. ولكن اليوم، هذا الصندوق الأسود انفتح، وخرج فيدان من الظل ليوقف تحت ضو الدبلوماسية.

بس السؤال اللي لازم نسأله اليوم: مين هو هكان فيدان الحقيقي؟ وهل نحن قدام وزير خارجية شاطر، أم قدام الرئيس القادم اللي عم يتم تحضيره لاستلام الدفة؟

كيفكم؟ يوسف معكم، وخلينا نحكي بصراحة. لحتى نفهم ليش كان في تحول بهذيك اللحظة من موظف كبير إلى خطر بالنسبة للبعض، لازم نرجع بالزمن لسنة 2010، للحظة اللي تم تعيينه فيها رئيس المخابرات العامة التركي. بتركيا القديمة، هذا المنصب ما كان وظيفة، كان عرش. والعرف الأمني كان واضح: مفتاح هي القلعة ما بيمسكه إلا جنرال كبير أو باشا من الطبقة العسكرية العليا. هو واحد من النادي المغلق.

أهمس، لما اجا فيدان، الجنرال، لا تنصدموا. لأنه بالنسبة لهم، فيدان ما كان مدني. كان أسوأ. فيدان كان ضابط صف سابق. وبالعرف العسكري التركي الصارم، هي رتبة خدمية. يعني بنظر الباشوات، الشخص اللي جاي يرأسهم كان المفروض يكون الشخص اللي بيحيي لهم. ومو بس هيك، فيدان ارتكب خطيئة ثانية بنظرهم. ترك الجيش بكير وسافر على أمريكا لحتى يدرس العلوم السياسية. يعني استبدل البندقية بالكتاب، واستبدل الولاء للجنرالات بفهم السياسة الدولية. ولما رجع، ما رجع كعسكري، رجع كبوقاطي ذكي وهادي وبيفهم لغة العصر الجديد.

وهذا بالضبط اللي لقطته عين أردوغان. أردوغان ما كان بده جنرال يضرب رجله بالأرض، كان بده عقل يفكك الألغام بهدوء. بده شخص مو من النادي القديم، ولا عنده ولاءات للماضي. بده شخص ولاؤه الوحيد للمشروع الجديد. فكان هكان فيدان هو قطعة الدومينو الناقصة. الرجل اللي بيعرف كيف بيفكر العسكر لأنه منهم، وبيعرف كيف بيفكروا الغرب لأنه درس عندهم. وهو بيعرف شو بده أردوغان لأنه آمن بمشروعه. بس تعيينه ما كان قرار إداري، كان إعلان حرب. رسالة مباشرة من أردوغان للدولة العميقة: زمن الباشوات انتهى، واجا دور المهندسين.

ومن هاللحظة، بلش فيدان مهمته المستحيلة: كيف يمسك جهاز مخابرات عتيق، مصنم، راكد، ويحوله لجهاز حديث يصنع نفوذ إقليمي. وهون بلشت عملية هندسة الظل. قبل ما يستلمها، كان فيدان مفاتيح الألعاب. جهاز المخابرات التركي كان أشبه بساعي بريد. شغلته يسمع، يكتب تقارير، ويحطها بظرف مسكر ويسلمها للحكومة، وكأنه عم يقول: تفضلوا سيدي، هي المعلومة قدامكم ودبروا راسكم. بس الكارثة ما كانت هون. الكارثة إنه هالجهاز كان أعمى. تخيلوا إنه دولة بحجم تركيا كانت تعتمد بأخطر ملفاتها على معلومات جاية من برا. يعني باختصار، عيون تركيا ما كانت لها، كانت مستعارة.

ولما قعد فيدان على الكرسي، أول كلمة قالها: "هذا الزمن انتهى". ما عمل انقلاب إداري، ولا طلع بخطابات. عمل شيء أخطر بكثير: نسف العقلية القديمة بالكامل، وحط مبدأ واحد جديد: الاستخبارات مو دفة ملاحظات. الاستخبارات غرف عمليات. يعني المعلومة مكانها مو بيدرج الأرشيف، مكانها على الطاولة لتتحول لقرار. ومن أول سنة بلشت التغييرات تظهر. للعلم، شبكات قديمة تسكرت، وضباط كبار طلعوا على التقاعد، وتن ضخ جيل جديد داخل الجهاز. جيل بيعرف إنه الكيبورد أخطر من الرصاص. سلاحه مو الترهيب، ومعركته بتبلش قبل ما الطلقة تنضرب.

وهيك تحول جهاز المخابرات من أرشيف بياكل الغبار لعقل استراتيجي ما بينام. تغيرت عقيدته الأمنية بالكامل. من عقلية دفاعية بتقول: خلينا نراقب وننتظر، للعقلية هجومية ذكية بتقول: المعلومة لازم تسبق الحدث، مو الحدث. وهون صار جهاز المخابرات مو مجرد جهاز أمني، صار عقل الدولة.

بس السؤال الأهم: بعد ما جهز فيدان هالقوة الضاربة، بأي ساحة قرر يختبرها؟ وهون بنفوت على أخطر مرحلة: مرحلة استخدام العقل الجديد وسط حقل ألغام إقليمي. الفكرة عن فيدان كانت واضحة: تركيا ما عاد بدها بس تحمي حدودها، تركيا بدها تكون مؤثرة إقليمياً. ومن هون طلعت الاستخبارات من أقبية أنقرة لعواصم المنطقة. مو لتدخل حرب، بل لتدير الفوضى. وفيدان كان يفضل يشتغل بالظل، بينما الإعلام مولع بالعناوين، الصراخ والاتهامات. وهو كان عم يؤسس لشيء جديد اسمه "دبلوماسية الغرف المغلقة".

شو يعني هالكلام؟ بيعني القدرة على فصل الملفات. يعني ممكن نكون أعداء بميدان معين، وشركاء بغرفة ثانية. كان يجلس مع الإيرانيين بنفس الطاولة اللي جلس عليها مع الأمريكي. وهو يحكي مع الروس بلغة غير لغته مع الأوروبيين. كانت فلسفته غريبة وبسيطة بنفس الوقت: كل دولة لها مفتاح، والذكاء الحقيقي إنك تعرف من وين تفوت بدون ما تفجر الألغام.

وسوريا كانت أول اختبار بالنار. حدود طويلة، ولاجئين بالملايين، وتنظيمات مسلحة، وتدخل دولي، وتوازنات طائفية. يعني حقل ألغام كامل. فيدان فهم شغله واحدة من أولها: إذا تركيا ما لعبت دور مباشر، رح تتحول لساحة والكل يصفي حساباته فيها. وهون فتح قنوات مع أطراف كانت تعتبر بالعرف الأمني خط أحمر. كان هدفه يضبط الانفجار ويمنع حدوث كوارث أكبر.

وبالتوازي، كان في ملف أخطر وهو إيران. ملف معقد فيه نووي وعقوبات وتهديدات بالحرب وشد دولي. والغرب كان بحاجة لقناة يحكي فيها مع طهران بدون ما يترك بصمته. وهون دخل فيدان. فتح قناة خلفية هادئة، بعيدة عن الإعلام، ويفاوض ويضغط ويقدم تنازلات صغيرة لياخذ مكاسب كبيرة. وبهيك صارت أنقرة واحدة من أهم محطات التفاوض غير المعلنة بالملف النووي الإيراني.

وبعدها دخل فيدان على خط أخطر في المنطقة: الخط الروسي. والتعامل مع الروس ما فيه مجال للمسح. نحن عم نحكي عن قوة نووية ودولة عظمى ما بتتقبل تكون رقم بملف أي حدا. وبسوريا كان في تصادم استراتيجي كامل بين الدولتين. وهون أي خطأ صغير كان ممكن يشعل مواجهة كبيرة. بس فيدان عمل قاعدة ذهبية مع روسيا: ما فيك تربح ولا فيك تخسر، فيك تتوازن. ففتح قنوات مبنية على لغة واحدة بس: المصلحة الصافية. ما حكى شعارات، حكى خرائط وخطوط إمداد ومعادلات قوة. وهون تحولت العلاقة من صدام مباشر إلى إدارة صراع ذكي. لا صداقة ولا عداء، بل توازن دقيق على حد السكين.

وبالجنوب، الملف الفلسطيني. ملف حساس وثقيل ومليان خطوط حمراء. فيدان كان من القلة اللي قدروا يفتحوا قنوات وثقة مع فصائل بغزة. قناة خلت تركيا تلعب دور وسيط فعلي بملفات ما كانت سهلة أبداً. وبهذيك المرحلة، نفوذ فيدان بلش يكبر بسرعة مرعبة. بسوريا والعراق وليبيا، تركيا صارت حاضرة بكل الملفات الثقيلة. وهون صار اسمه هكان فيدان يدخل غرف قرار ما كان يفوتها إلا الكبار. تحول من مجرد موظف أمني إلى لاعب إقليمي بعيد رسم المعادلة.

بس قاعدة آسيا معروفة: كل ما كبر نفوذك، كل ما كثر أعدائك. وكل ما قربت من الخطوط الحمراء، كل ما صار ظهرك مكشوف أكثر. وهون بدا العد التنازلي لأكبر فخ رسم بعناية ليطيح برأس رجل الظل. فخ لو نجح، كان رح يغير وجه تركيا ويرسم شرق أوسط مختلف تماماً. ولحتى نفهم قصة الفخ وليش كان مطلوب رأس فيدان بأي ثمن، لازم نعرف شو الخطيئة الكبرى اللي ارتكبها بحق أخطر جهاز استخبارات بالعالم: الموساد الإسرائيلي.

العقود طويلة كانت علاقات بين المخابرات التركية والموساد علاقة سمنة على عسل. تعاون وثيق وتبادل معلومات يومي، لدرجة إنه ضباط الموساد كانوا يعتبروا أنقرة الحديقة الخلفية لهم، وبيدخلوا وبيطلعوا وبيجندوا عملاء وكأنهم ببيتهم. بس لما استلم فيدان، كل شيء تغير. أول قرار أخذه: قطع الحنفية ووقف التبادل التلقائي للمعلومات. وقال جملة واضحة: "معلوماتنا ملكنا فقط".

بس الضربة الحقيقية ما كانت هون. الضربة كانت بملف العيون. الموساد كان زارع شبكة تجسس ضخمة داخل تركيا، مهمتها الأساسية تراقب وتتجسس على الجارة إيران. وكانوا مرتاحين ومطمنين ومفكرين إنه المخابرات التركية نايمة أو متواطئة. بس فيدان كان عم يراقب بصمت. كان عم يرسم خريطة كاملة. وباللحظة المناسبة، كبس الزر. ما اكتفى بتفكيك الشبكة، شيء اعتبرته إسرائيل زلزال. وبحسب تقارير أمريكية نشرتها واشنطن بوست، فيدان سلم أسماء هدول العملاء للإيرانيين. تخيلوا حجم الصدمة بتل أبيب. بلحظة واحدة، الموساد خسر عيونه اللي بناها لسنين، وصار أعمى بأهم ساحة له.

ديفيد إغناتيوس، الصحفي الأمريكي الشهير والمقرب من السي آي إيه، وصف الحادثة بجملة مرعبة: "وأهل المسؤولين بالموساد كانوا عم يمسحوا الدموع من عيونهم". هي ما كانت مجرد عملية أمنية، هي كانت إهانة. رسالة من فيدان بتقول: تركيا ما عادت جسر لعملياتكم، وتركيا ما عادت شرطي بيحمي مصالح غيره. وبالنسبة لإسرائيل، هكان فيدان تجاوز كل الخطوط الحمراء، وتحول من شريك صعب لخطر وجودي، ولشخص بيعرف أكثر من اللازم. وبعالم الاستخبارات، لما حدا يصير خطير لهالدرجة، بصير في حل وحيد بس: الإزالة.

وبما إنه الاغتيال الجسدي كان صعب بهذيك الظروف، قرروا يغتالوه بالقانون. وهون تحركت دمى الداخل لتنفيذ أوامر الخارج. وبدت ليلة كانت رح تقلب تركيا راساً على عقب. ليلة السابع من شباط. بهذيك الليلة، الهدف ما كان هكان فيدان كشخص. الهدف كان عقل الدولة الجديد. لأنه بعالم الاستخبارات، ما بتختالوا الرؤساء، بتختالوا العقول.

وبعد ضربة الموساد، وبعد ما صار اسم فيدان حاضر بأخطر ملفات المنطقة، صدر قرار بغرفة العمليات الدولية: "هذا الرجل لازم يشال". بس سؤال: كيف بتشيل رئيس مخابرات بتركيا بدون انقلاب عسكري، وبدون اغتيال مباشر، وبدون فضيحة دولية؟ والجواب الشيطاني كان بالقانون.

بهذيك المرحلة، كان في جسم غريب وخطير داخل الدولة. شبكة عنكبوتية مخترقة القضاء والشرطة والإعلام. واجهة دينية وخطاب أخلاقي، بس تحت الطاولة جهاز كامل بياكل الدولة من جوا. وهون رسموا السيناريو: استدعاء رسمي من مدعي عام لرئيس جهاز المخابرات، واتهامه بالخيانة العظمى. وبسبعة شباط 2012، التوقيت كان محسوب بالملي. بهذيك اللحظة، كان رجب طيب أردوغان عم يتحضر لدخول غرفة العمليات لإجراء جراحة خطيرة. يعني رأس الدولة خارج الوعي، والدولة بلغاء سياسي، والفخ جاهز للتطبيق. المدعي العام أرسل مذكرة حضور فوري واتهم بالتخابر مع منظمة إرهابية. والمقصود مفاوضات سرية. مفاوضات كان هدفها إنهاء حرب مستمرة من 30 سنة. بس بدل ما تحسب محاولة سلام، حولوها لسكين انغرس بظهر فيدان. السيناريو كان: كش ملك. يعني إذا حضر فيدان، بيتوقف فوراً. وإذا رفض، بصير متمرد على القضاء. وهذا فخ ما له مخرج.

بهذيك اللحظة المصيرية، رن الهاتف في مكتب فيدان. وعلى الطرف الآخر كان أردوغان، بن سرير المشفى. الجملة كانت قصيرة وحاسمة وتاريخية: "لا تروح، لا تسلم نفسك. سكر الأبواب وخلي الكل بره". بهذيك الثانية، تحول مبنى المخابرات لقلعة محاصرة، وصدرت الأوامر للحراس: أي محاولة اقتحام من الشرطة هي تهديد أمني مباشر يجب التعامل معه بحزم. تركيا كانت على بعد ساعة من أخطر صدام داخلي بتاريخها: قضاء ضد استخبارات، وشرطة ضد مخابرات، ودولة ضد دولة بقلبها. لكن أردوغان تحرك بسرعة من غرفة العمليات وأصدر أوامره. وخلال ساعات، تعطل مفعول المذكرة، وتوقف المدعي العام، وانكشف المشهد الحقيقي. هي ما كانت إجراءات قضائية، هي كانت محاولة انقلاب ناعمة. محاولة لاغتيال الدولة بسلاح القرن.

بهذيك الليلة، نجى فيدان. ولكن خرج من الأزمة مو كموظف أمني، خرج كرجل دولة من الصف الأول. لأنه اللي بينجو من هيك فخ، ما بيكون مجرد لاعب، بيصير رمز. ومن هون، فتحت صفحة جديدة. صفحة اسمها "حرب الظلال". حرب ما بتظهر على الشاشات، وهلا بتنكتب بالعناوين. حرب بتخوضها بالقضاء، وبالملفات، وبتفكيك الشبكات بصمت. وبهالفترة، بدأت أطول وأعقد معركة داخل الدولة التركية: هكان فيدان ضد التنظيم الموازي.

المعركة ما كانت بالسلاح، كانت بالتقنية، وبالصمت، وبالأعصاب الطويلة. أول صدمة كانت بمكتب رجب طيب أردوغان نفسه. أجهزة تنصت دقيقة مزروعة بقلب مكتب أردوغان. مين زرعها؟ لا الموساد ولا السي آي إيه. زرعها ضباط شرطة أتراك مكلفين بحمايته. بهذيك اللحظة، فيدان فهم إنه سرب الدولة صار وهن، وإنه الدولة مكشوفة من جوا. فإعلن حالة طوارئ صامتة، وبدأ مرحلة اسمها "تشفير الدولة". سحب الأجهزة القديمة، وغير أنظمة الاتصال، وبنى جدار حماية رقمي، وأعاد هندسة أمن المعلومات من الصفر.

وبالتوازي، بدأ التطهير الداخلي. كل ضابط، وكل موظف، وكل منصب حساس صار تحت المجهر. التنظيم حسب الخطر: عيونه عم تنطفئ، وأذانه بطلت تسمع، وشبكته عم تتفكك عقدة ورا عقدة. فيدان ما اكتفى بالدفاع، بدأ بالهجوم. فك الشفرات السرية، واخترق تطبيقات التواصل الخاصة، وجمع الداتا: اسم وراء اسم وراء اسم. ومن 2012 لـ 2016، كانت حرب استخباراتية طاحنة. حرب أعصاب وحرب ملفات. بمعرفة نكب على صوت. وبالتدريج، سقط نفوذ التنظيم بالقضاء، وتراجع حضوره بالشرطة، وتكسرت أذرعه الإعلامية. الدولة السرية كانت عم تنهار، وما ظل بإيدهم غير ورقة واحدة فقط: الورقة الأخيرة، وهي الجيش.

والوحش المحاصر قرر يقلب الطاولة. قرر يحرق الأخضر واليابس. وفيدان كان بيعرف المعركة الجاية ما رح تكون بالملفات، رح تكون بالدبابات. ولكن السؤال الوحيد كان: إمتى؟ والجواب اجا بليلة صيفية حارة. ليلة 15 تموز. الليلة اللي رح يخرج فيها رجل الظل ليواجه الانقلاب وجهاً لوجه.

وصلنا لتاريخ 15 تموز عام 2016. اليوم اللي انحطت فيه كل النظريات تحت الامتحان العملي. بالساعة الرابعة عصراً، وصل لمقر المخابرات معلومة يتيمة. ضابط برتبة رائد دخل وقال جملة واحدة: "في تحرك مشبوه الليلة، وفي خطة لخطف رئيس المخابرات". لو كان فيدان أي مسؤول تقليدي، كان اعتبرها معلومة روتينية، وهو طلب حماية إضافية، أو حتى تخبى من مكان ما حدا يقدر يوصل له فيه. بس فيدان شم ريحة الدم، وعرف إنه الموضوع أكبر بكثير من عملية خطف. عرف إنه في سكين عم تنسل لاغتيال الدولة كلها.

تحرك فوراً، واستنفر الجهاز بالكامل، وفتح الخطوط الساخنة، وتفعلت غرف الطوارئ، وبلش سباق مع الزمن لتأمين الرئيس وتنبيه القيادة السياسية. والساعة العاشرة مساءً، انفجر البركان. طائرات الـ F16 والمروحيات بدأت تقصف أنقرة، والبرلمان انضرب، والجسور تسكرت، والشوارع دخلت بحالة صدمة. بس الهدف الحقيقي كان مبنى واحد: مبنى المخابرات العامة التركية (MIT). الانقلابيون كانوا بيعرفوا شغله واحدة: إذا سقطت القلعة، سقطت الحكومة. ولأنه هذا المبنى مو مجرد جهاز أمني، هذا هو العقل اللي بيفكر، والذاكرة اللي بتعرف كل شيء.

المروحيات فتحت النار بشكل جنوني، وحاولوا يعملوا إنزال جوي لاقتحام المقر. وهون صار شيء ما كان حدا متوقعه. الجهاز اللي نظفوا فيه فيدان الأشباح، واللي بناه كراس حربة، تحول بلمحة بصر لجيش مصغر. لأول مرة بتاريخ الانقلابات، جهاز مخابرات بيشتبك مع الجيش بسلاح ثقيل. حراس المبنى ردوا بصواريخ مضادة للطائرات وبمدافع رشاشة، والمبنى اشتعل، بس ما سقط. ومن قلب النيران، كان فيدان بغرفة العمليات. عشرات الشاشات، مئات الاتصالات، وقرار كل دقيقة. والوضع كان يا حياة يا موت. خط مفتوح مع الرئيس، وتنسيق مع القوات الخاصة، وتحريك للوحدات المخلصة، وتغذية مستمرة للشارع بالمعلومات.

وبهذيك الليلة، فيدان ما كان عم يحمي منصبه، كان عم يحمي بقاء الدولة. ومع بزوغ الفجر، كان الدخان مغطي أنقرة، بس علم تركيا فوق مبنى المخابرات ظل يرفرف. الانقلاب سقط. بس بالنسبة لفيدان، هي الليلة ما كانت مجرد انتصار. كانت نقطة تحول. طلع منها شخص آخر تماماً. بهي الليلة اللي أثبت فيدان إنه تركيا الجديدة صار عندها جهاز مناعي حقيقي، وهن الاستخبارات. ما عادت جهاز للتجسس على الناس، إنما صارت درع لتحمي الناس.

وبعد 15 تموز، ما عاد ينفع يضل بالظل. الرجل صار أكبر من الأقبية، وصار السؤال ينطرح بالأروقة المغلقة: هل ما كان هيك عقل يضل حبيس الظل؟ وهون تجهز المسرح للنقلة النوعية الكبرى: من عالم الظل إلى عالم الدبلوماسية.

وبعام 2023، وبعد انتخابات حبست أنفاس تركيا والعالم، الرئيس أردوغان يعلن تشكيل الحكومة الجديدة. وهون نزلت القنبلة الإعلامية: هكان فيدان، رجل الصندوق الأسود، يغادر قلعة الاستخبارات وينتقل إلى مبنى وزارة الخارجية. التحيات الغربية اشتعلت فوراً. والبعض قال: هي محاولة لقص أجنحته وتقييده ببروتوكولات الدبلوماسية بدل ما يكون مطلق الصلاحية بالميدان. والسؤال كان واحد: هل فعلاً هكان فيدان خرج من اللعبة الأمنية؟

ولكن الجواب الحقيقي كان مخبأ بين السطور. فيدان ما ترك اللعبة، فيدان نقل اللعبة إلى مستوى أعلى. بمفهوم فيدان، الدبلوماسية ما عادت حفلات استقبال ولا مجاملات بروتوكولية. انتهى زمن الدبلوماسية الناعمة. نحن اليوم بزمن "دبلوماسية الميدان". يعني المسدس تحت الطاولة، والقلم فوق الطاولة. فيدان انتقل للخارجية ومعه شيء ما كان يملكه أي وزير خارجية قبله: وهو الأرشيف الكامل. بيعرف مين الكاذب، وبيعرف مين الصادق، وبيعرف نقاط ضعف المفاوض اللي قاعد قدامه، وبيعرف الخفايا اللي ما بتنكتب بأي تقرير رسمي.

الصحافة الألمانية وصفت المشهد بجملة ذكية: "تركيا دمجت الاستخبارات بالدبلوماسية لتصنع جهازاً جديداً كلياً لا مثيل له". يعني عملياً، غرفة العمليات ما تسكرت، غرفة العمليات انتقلت مع فيدان لمكتب الوزير. ومن هون، بلشنا نشوف دبلوماسية من نوع آخر. زيارات مكوكية، وملفات تطبخ على نار هادئة، بالإضافة لاتفاقيات بتولد بصمت بس نتائجها ملموسة إقليمياً. من سوريا إلى روسيا إلى إيران وأمريكا وأفريقيا والخليج. تركيا تحولت من دولة بتنتظر الحدث إلى دولة بتصنع الحدث.

فيدان بيعرف إنه العالم عم يتغير، وإن التحالفات التقليدية مع الغرب ما عادت تكفي، ولا عادت مضمونة. لهيك بدأ ينسج بصمت خيوط لعبة جديدة. لعبة كبيرة بتتجاوز كل حدود الجوار. وهون، هون بوصل لأخطر ملف حمله فيدان بحقيبته الدبلوماسية. ملف بيجمع بين القوة النووية، والثقل المالي، والتصنيع العسكري. بقلب مكتب وزير الخارجية، فيدان حاطط قدامه خريطة العالم وعم يرسم عليها خطوط ما حدا غيره شايفها.

فيدان بيعرف حقيقة مرة: المظلة الأمريكية اللي حمت المنطقة لـ 70 سنة صارت مهترئة، وما عاد فيك توثق فيها وقت العاصفة. لهيك كان لازم يبحث عن بوليسة تأمين جديدة. بوليسة بتضمن بقاء تركيا قوية حتى لو انسحب الغرب أو غدر. وهون بدأ ينسج بصمت أخطر تحالف بالقرن الـ 21. تحالف على شكل مثلث، أضلاعه من نار وماله وتكنولوجيا. والضلع الأول هو باكستان. ليش باكستان؟ لأنه ببساطة، القوة النووية الإسلامية الوحيدة. فيدان بيعرف إنه العالم ما بيحترم إلا الذرة. وبما إنه تركيا ممنوع تمتلك السلاح النووي حالياً، فالحل هو صداقة استراتيجية مع اللي بيمتلكه.

والضلع الثاني: السعودية. العلاقات كانت متوترة لسنوات، بس فيدان بأسلوبه الأمني والدبلوماسي قدر يطوي الصفحة السوداء. لأنه السعودية مو بس بنك الطاقة العالمي، السعودية هي العمق الديني والجغرافي. والرياض اليوم عندها مشروع طموح لتنويع السلاح. وهون بيجي دور الضلع الثالث: تركيا. تركيا بهذا المثلث هي المصنع، هي العقل التقني، والقوة العسكرية داخل الناتو المحترفة. والمعادلة اللي ركبها فيدان بسيطة ومرعبة: باكستان بتعطي الردع الاستراتيجي النووي والجيش الضخم. والسعودية بتعطي التمويل والثقل السياسي. وتركيا بتعطي السلاح والتصنيع والخبرة الأمنية.

وهذا المثلث لو اكتمل، رح يكون قادر يغير توازنات القوى بالشرق الأوسط وآسيا. والتحركات الأخيرة بتأكد هالشيء: زيارات مكوكية لإسلام آباد، وصفقات دفاعية تاريخية مع الرياض، من ضمنها صفقة البيرقدار الأضخم بالتاريخ، ومناورات مشتركة بتصير بالظل. فيدان عم يبني منظومة دفاعية خارج سيطرة واشنطن، وخارج رحمة موسكو. والهدف مو إعلان حرب، الهدف هو تحقيق توازن الرعب، بحيث لما حدا يفكر يهدد تركيا أو يهدد حلفائها، يفكر 1000 مرة، لأنه ما رح يواجه دولة واحدة، رح يواجه كتلة بتمتلك المال والسلاح والردع. وهذا المشروع هو ذروة فكر هكان فيدان الاستراتيجي: إنه ما يستنى الحماية من حدا، بل يصنع الحماية بإيده. وهون بيكون فيدان جهز تركيا لتكون قطب مستقل بالعالم الجديد.

بس بعد كل هالنجاح الأمني والدبلوماسي والاستراتيجي، بظل في سؤال واحد معلق بذهن كل تركي. سؤال إجابته رح تحدد مستقبل تركيا العقود القادمة: هل هكان فيدان اكتفى بدور الرجل الثاني، أم خزنة الأسرار تتجهز لتكون على رأس الطاولة بالسياسة؟ يقال دائماً: الذين يتكلمون كثيراً لا يفعلون، والذين يفعلون نادراً ما يتكلمون. وهاكان فيدان هو سيد الصمت في تركيا طوال أكثر من 13 عاماً. الرجل ما عمل مقابلة صحفية وحدة، ما وقف يخطب بالجماهير، ما دخل بمناظرات سياسية. كان يشتغل بالظل، يبني، يخطط، وينفذ. واليوم، مع خروجه للضوء كوزير للخارجية، صار السؤال يتردد بكل الصالونات السياسية: هل نحن أمام مجرد وزير ناجح، أم نحن أمام الرئيس القادم لتركيا؟

الجواب مرتبط بطبيعة المرحلة اللي دخلتها تركيا. تركيا بالمرحلة القادمة تجاوزت مرحلة إثبات الوجود، ودخلت مرحلة إدارة النفوذ. مرحلة التأسيس كان بدها زعيم، بس مرحلة التمكين بدها مهندس. تركيا اليوم دولة إقليمية ثقيلة، ملفاتها معقدة، حروبها مفتوحة، ومصالحها متشابكة من البحر الأسود للخليج لآسيا الوسطى. هيك دولة بدها مهندس، بدها عقل بارد بيعرف كيف يدير العواصف بدون ما يغرق المركب. وفيدان بيمتلك أوراق ما بيمتلكها أي مرشح آخر.

أولاً: الذاكرة. هو الصندوق الأسود الأخطر في الدولة. بيعرف ما الذي قيل في الغرف المغلقة، وما الذي لم يكتب في أي تقرير رسمي. ثانياً: النفوذ. كان أحد المهندسين الأساسيين في بناء الجهاز العصبي للدولة التركية الحديثة، من الاستخبارات إلى الدبلوماسية إلى شبكات التأثير الإقليمية. ثالثاً: الثقة. هو ظل أردوغان الأمين. الرجل اختبر بالانقلابات والمؤامرات والحروب، وخرج منها دون أن ينكسر.

لكن الطريق إلى القصر الرئاسي مو مفروش بالورود. فيدان رجل مكاتب لرجل منابر. والانتقال من عقل أمني صارم إلى زعيم شعبي محبوب هو من أصعب اختبارات يمكن أن يواجهها أي رجل في السلطة. لأنه التاريخ أثبت شيء واحد: ليس كل من يفهم الدولة يستطيع أن يقود الشارع. فهل يستطيع هكان فيدان أن يخلع بدلته رجل الظل، وأن يرتدي عباءة الزعيم؟ هل بيقدر ينقل ثقله من الغرف المغلقة إلى الساحات المفتوحة؟ الأيام وحدها هي اللي بتملك الجواب. لكن من المؤكد إنه تركيا مقبلة على أخطر مرحلة بتاريخها الحديث. مرحلة إعادة رسم الخرائط، وإعادة تعريف الدور، وإعادة تشكيل موازين القوى. وفي هي المرحلة، رح تظل العيون مسلطة كلها على الرجل الهادئ. الرجل الذي خرج من الظل ليعيد تشكيل الدولة وعلاقاتها الإقليمية، وقد يكون القدر القادم لتركيا.

وإذا وصلت لهون، فشكراً إنك تحملتني. لا تنسوا تشتركوا بالقناة وتفعلوا زر الجرس، وتشوفوا الحلقات السابقة. وبكل تأكيد المصادر، واكتبوا لي بالتعليقات: هل ممكن هكان فيدان يكون رئيس تركيا؟ ولا تنسوا نحكي بصراحة.