Transcription
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره. ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جل عن الشبيه والمثيل والكفء والنظير. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صفيه وخليله، وخيرته من خلقه، وأمينه على وحيه. أرسله ربه رحمة للعالمين، وحجة على العباد أجمعين. فهدى الله تعالى به من الضلالة، وبصر به من الجهالة، وقوى به بعد الضعف والقلة والذلة. وجعلنا على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك. فصلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله الطيبين، وأصحابه الغر الميامين، ما اتصلت عين بنظر، ووعت أذن بخبر. وسلم تسليما كثيرا.
أما بعد، يا أمة الإسلام، إن المتتبع لأحوال العالم الإسلامي فيما حولنا من دول الإسلام، لا يكاد يجد دولة من دول الإسلام تخلو من طعنة من أعدائها. ففي كل يوم لنا جرح يزداد انبعاثا في الدم. وفي كل ساعة ترى مقتولا من المسلمين، أو ترى طفلا جريحا، أو يتيما، أو مشردا. حتى بتنا عند كثير من الأمم قد نزعت الهيبة من قلوبهم منا. وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام: "يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها". قالوا: أومن قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال: "كلا، بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل". ثم قال عليه الصلاة والسلام: "ولينزعن الله المهابة من قلوب أعدائكم منكم".
أيها الإخوة الكرام، إن من أعظم الأخلاق التي بعث الله تعالى جميع الأنبياء لتحقيقها وغرسها في شعوبهم، أن من أعظم الأخلاق التي كان نبينا صلى الله عليه وآله وسلم يعمل على غرسها في أصحابه، ويذم من لا يتصف بها، أن من أعظم الأخلاق التي هي طريق إلى العزة، وطريق إلى القيادة، وطريق إلى الريادة، وطريق إلى الظهور والعز، أن من أعظم الأخلاق التي هي طريق لاستعادة الأمة لمجدها الذي تتغنى به في كل يوم، حتى صرنا كما قال الأول:
ألا أبلغ بني تغلب عن كل مكرمة قصيدة قالها عمرو بن كلثوم.
إن من أعظم الأخلاق التي أنزلها الله تعالى في كتابه، ومدح أصحابها، وكان النبي عليه الصلاة والسلام يغرسها في أصحابه، بل الناس جميعا يقرون ويجمعون أنه خلق رفيع، إنه الشجاعة، إنه الإقدام، إنه الجرأة، إنه جعل الجبن والخور تحت قدمك عندما تريد أن تتخذ قرارا. إن ينبوع العزة هو الشجاعة، إن ينبوع الكرامة هو الشجاعة، إن سلم الصعود إلى القيادة هو الشجاعة. لا ينبغي لأحد لا يتحلى بالشجاعة أن يكون قائدا أو ظهيرا. إن الذي يكون جبانا أو خوارا أو ذليلا، لا يمكن أن يقود أمة، ولا أن يرفع شأنها، ولا أن يرفع راية من راية الإسلام، أو حتى من غير راية الإسلام. لا يمكن أن تسير في طريق النجاح إلا إذا كنت شجاعا.
قال الطرطوشي رحمه الله تعالى: "اعلم أن كل كريمة تكسب، إنما تكسب بطريق الشجاعة والقوة، وأن الجبان لا يمكن أن يحصل على كريم أبدا". ولذلك أيها المسلمون، كان النبي عليه الصلاة والسلام يحث أصحابه دائما على الشجاعة، وهو عليه الصلاة والسلام الذي يتولاها ويقوم بها. يقول أنس رضي الله تعالى عنه: "ما رأيت أحدا أجود من رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولا رأيت أحدا أشجع، ولا أحسن من رسول الله عليه الصلاة والسلام". كما في الصحيحين. وعند الطبراني عن علي رضي الله تعالى عنه قال: "كنا إذا اشتد البأس اتقينا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم". قال: "والله لقد رأيتنا يوم بدر، لو يوم أقبل إلينا المشركون، نلوذ خلف رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو أقرب إلى عدونا".
وقال أنس رضي الله تعالى عنه: "سمع أهل المدينة ليلة من الليالي صيحة عظيمة، سمعوا صيحة عظيمة فزع لها الناس. قال: فما كاد الناس يخرجون من بيوتهم، إلا ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قادم من مكان الصيحة على فرس لأبي طلحة عري، يعني الفرس من غير سرج. قال: على فرس لأبي طلحة عري، وهو عليه الصلاة والسلام يشير لنا يقول لنا: لم تراعوا، لم تراعوا". ذهب عليه الصلاة والسلام على أقرب فرس ركبه، ولم ينتظر عليه الصلاة والسلام ليشد السرج عليه، وإنما كان شجاعا مقداما جريئا، امتطى عليه الصلاة والسلام صهوة الفرس ومضى لأجل أن يقضي على ذاك العدو، أو ذاك الذي يفزع الناس.
وكان عليه الصلاة والسلام يمدح أصحابه الشجعان، ويقويهم، ويؤيدهم. ويعلم النبي عليه الصلاة والسلام وهو يمدحهم أن الشجاعة لا تعتمد على قوة بدن، ولا على طول في الجسد، ولا على صلابة في العظام، وإنما الشجاع ها هنا الشجاعة أن يكون القلب شجاعا، أن يكون القلب مقداما. وكم من أقوام ترى أجسادهم في جسم البغال، وأحلام العصافير، ولا يكاد أن يقدم، ولا على قتل ربما حشرة تؤذيه أو تؤذي أهله. ولذلك كان السلف رحمهم الله تعالى يعلمون أن الشجاعة لا تعتمد على قوة جسد، أو تعتمد على طول أو عرض، إنما تعتمد على إقبال داخلي.
البراء بن مالك رضي الله تعالى عنه، يراه الناس نحيلا قصيرا، ربما حركته الريح. ترى الرجل النحيل فتراه، وفي أثوابه أسد هصور. فلما حاصروا حديقة الموت التي تحصن فيها مسيلمة الكذاب مع أصحابه، وصار مسيلمة مع أصحابه يرقون على الأسوار ويرمون صحابة رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأولئك الكفار مسيلمة وأصحابه قد تحصنوا في هذه الأسوار، ولا يستطيع الصحابة أن يوصلوا إليهم سهامهم، فإنهم وراء أسوار ووراء صخور. فأقبل البراء بن مالك رضي الله عنه، قال للصحابة وكان غير بدين وغير ضخم، لكنه كان بطلا. قال للصحابة: "ضعوني في ترس"، والترس هو الذي يحمله المقاتل ليتقي به ضربات السيوف. قال: "ضعوني في ترس، واحملوني على رؤوس الرماح". لو كان بدينا عظيما، ما استطاعوا أن يحملوه. قال: "ضعوني في ترس أقعد فيه معي سيفي، وضعوا هذا الترس على رؤوس الرماح، واحملوني على رؤوس الرماح وقربوني من الجدار، فإني أقتحم في داخل هذه الحديقة، ويفتحها الله تعالى لكم". ففعلوا ذلك، وأقبل رضي الله تعالى عنه، وحملوه وهو قاعد في هذا الترس، حتى قفز في داخل الحديقة وحده، وجعل يقاتل حتى فتح الباب للمسلمين. شجاعة ليس شرطا أن يكون جسدك عظيما.
عبد الله بن أم مكتوم رضي الله تعالى عنه، الأعمى الذي كان لا يرى ببصره، لكنه يرى بقلبه. لما كانوا في معركة القادسية، قال للصحابة: "إني خارج معكم". قالوا: "قد عذرك الله". قال: "اخرج معكم". فخرج معهم وهو كفيف البصر. فلما وصلوا إلى موضع القتال، قال لهم: "أعطوني الراية". وهو لا يرى. قال: "أعطوني الراية". فسلموا له الراية. قالوا: "لما؟" قال: "إني رجل لا أرى، فإذا فر الناس لم أعلم كيف أفر، فأثبت إذا فر الناس وأنا أعمى لا أدري كيف أفر يمينا أو يسارا، فإني أفضل أن أثبت حتى أقتل، والراية ينبغي أن يكون حاملها ثابتا في موضع حتى يجتمع الناس إليه". فسلموا إليه الراية، فأقبل إلى الأرض يحفرها بيديه وهو أعمى، حتى غرس قدميه في التراب، ثم حمل الراية السوداء، ولم يزل حاملا لها حتى فتح الله تعالى على المسلمين. الشجاعة إذا كانت في القلب انطلقت بعد ذلك إلى النجاح.
أطاعن خيلا من فوارسها الدهر وحيدا
وما قولي كذا ومعي الصبر
وأعني كل يوم سلامتي
وما ثبتت إلا وفي نفسها أمر
تمرست بالآفات حتى تركتها
تقول أمات الموت أم ذعر الذعر
وأقدمت إقدام الأبي كان لي سوى
سوى مهجتي أو كان لي عنده وتر
لما أقبل النابغة الجعدي إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام، وكان سيدنا ومولانا عليه الصلاة والسلام محبا للشجاعة، محبا لمن يفاخر بها، لا محبا لمن يفاخر بنسبه وحسبه، وإنما يفاخر بشجاعته وإقدامه. فوقف بين يدي النبي عليه الصلاة والسلام وجعل ينشد، فكان مما قال:
تذكرت والذكرى تهيج على الفتى
ومن عادة المحزون أن يتذكر
فلما قرعت النبع بالنبع لم تكن
على البعد في عيدانه أن تكسر
سقيناهم كأسا سقونا بمثلها
ولكننا كنا على الموت أصبرا
سقيناهم كأسا سقونا بمثلها
إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون
وترجون من الله ما لا يرجون
سقيناهم كأسا سقونا بمثلها
ولكننا كنا على الموت أصبرا
الشجاعة أيها المسلمون، ليست خاصة فقط بالقتال والنزال. الشجاعة في كل شيء. الأمر بالمعروف، الناهي عن المنكر، لابد أن يكون شجاعا. المربي لأولاده لابد أن يكون شجاعا. الناصح للناس، المنبه لهم على أخطائهم، كن شجاعا. الذي يخطب على المنابر لابد أن يكون شجاعا. الذي يتقدم ليصلي بالناس لابد أن يكون شجاعا. الذي يبدي رأيه في مسألة لابد أن يكون شجاعا. الذي يطالب بحقه لابد أن يكون شجاعا. ولذلك مدح الله تعالى أنبياءه ورسله في كتابه، مدحهم الله تعالى بالجراءة والإقدام والنضال والشجاعة. ولم يمدح ربنا جل في علاه شجاعتهم في النزال والقتال بالسنان فقط، وإنما مدحهم في كل في كل أحوالهم.
ولذلك ذكر ربنا جل وعلا يوسف عليه السلام وتغريبه امرأة العزيز وهي تقول له: "هيت لك". فيكون شجاعا جريئا ويصرح بعفتها. لم يقل: "أنا أخجل، أنا أخاف أن تقتلني، أخاف أن يتهموني". لم يدع الأوهام ووسوسة الشيطان تسيطر عليه، وإنما ضرب بها عرض الحائط. قال: "إني أخاف الله رب العالمين، إنه ربي أحسن مثواي، إنه لا يفلح الظالمون". وجعل يفر من بين يديها حتى لا يقع في الفاحشة. ثم صار شجاعا لما قالت هي لزوجها: "ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن". لم يسكت يوسف فيخفض رأسه ويقول: "هذا بلاء وسأصبر". كلا، وإنما تكلم: "هي راودتني عن نفسي". شجاع جريء يدافع عن نفسه، لم يكن خوارا.
نوح عليه السلام يصنع السفينة، وكلما مر به ملا من قومه سخروا منه. لم يضع عينه على مسماره ومطرقه ويبدأ يقول: "حسبي الله ونعم الوكيل، هذا بلاء وسأصبر". كلا، وإنما كان شجاعا يلتفت إليهم ويقول: "إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون. أنتم تسخرون من تسخرون مني أن أبني سفينة في الصحراء؟ أنا أسخر منكم أنكم تعبدون أحجارا وأصناما لا تضر ولا تنفع، تنحر عندها ذبائحكم وتنفق لها أموالكم، وتشكو إليها ضعفكم وقربتكم. إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون، فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم".
شعيب عليه السلام كان شجاعا، يمشي بين قومه يقول لهم: "ولا تنقصوا المكيال والميزان، إني أراكم بخير". يعظ قومه بكل شجاعة وجرأة. ما قال في نفسه: "كيف أمنعه من الربح في أموالهم؟ لا أستطيع أن أتكلم معهم". كلا، وإنما كان شجاعا صالحا يقول لقومه: "لقد أبلغتكم رسالة ربي بكل صراحة وجرأة". لما لم يقبلوا منه، قال: "الذي علي عملته، لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم، ولكن لا تحبون الناصحين".
هود عليه السلام يقف أمام قومه بكل جرأة وشجاعة ويشير إلى أصنامهم ويقول: "إني أشهد الله وأشهد أني بريء مما تشركون من دونه، فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون. اعملوا ما تريدون أن تفعلوا".
والسحرة الذين آمنوا بموسى عليه السلام، لما هدددهم فرعون بالقتلة البشعة، لم يقل: "سأقتلكم". لا، أراد أن يدخل إلى قلوبهم الوجل والفزع. فيقول: "لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف، ولأصلبنكم في جذوع النخل". أنت ستقتلني؟ سأقتلك! لا، أراد أن يدخل إلى قلوبهم وجل وخوف. "إني سأقطع يدك وسأقطع رجلك وأعلقك في نخلة وأدعك تنزف حتى تموت". وإذا بالأبطال الشجعان يقولون له: "لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا، فاقض ما أنت قاض، إنما تقضي هذه الحياة الدنيا. إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر، والله خير وأبقى".
وموسى عليه السلام لما قال له فرعون: "وإني لأظنك يا موسى مسحورا". فإذا بالجريء البطل الشجاع يدافع عن العقيدة والتوحيد ويقول: "لقد علمت ما أنزل هؤلاء ما أنزل هذه الآيات إلا رب السماوات والأرض بصائر، وإني لأظنك يا فرعون مثبورا".
الشجاعة أيها المسلمون، شجاعة القلب والإقدام التي تدفع الإنسان إلى أن يقول الحق وأن يثبت عليه. وسيدنا ومولانا عليه الصلاة والسلام يقول فيما رواه الإمام أحمد: قال عليه الصلاة والسلام: "أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر". وكان أبو بكر رضي الله تعالى عنه يقول لخالد بن الوليد: "احرص على الموت توهب لك الحياة". احرص على الموت توهب لك الحياة.
أيها المسلمون، وعندما نقول الشجاعة، لا ذم التروي وعدم التعقل. كلا، بل الشجاعة تكون مقرونة بالعقل والحكمة. لا يعني أن الإنسان عندما يستثار يغضب على من أمامه ويضربه ويقتله ويقول: "أنا شجاع". كلا، هذا تهور. ولذلك كان سيدنا وقدوتنا عليه الصلاة والسلام يخرج إلى معركة بدر فيلبس الدرع حديد، ثم يلبس فوقها درعا أخرى حديد أيضا. هل هذا يعني أنه ليس شجاعا، وهو الذي يتقي به أصحابه ويلوذون به وراءه عند القتال؟ وإنما كان عليه الصلاة والسلام كان شجاعا، لكن مع الشجاعة حكمة وعقل.
ولما كان صلوات ربي وسلامه عليه مهاجرا من مكة إلى المدينة، لم يقف عليه الصلاة والسلام أمام هذه الجموع ويقول: "إني مهاجر ها ها أنا بين أيديكم". كلا، وإنما هو شجاع وبطل، ومع ذلك خطط لهذا عليه الصلاة والسلام، ليس متهورا، خطط لهذا ومضى إلى طريق جنوبي وهم يبحثون في الشمال. ثم جلس عليه الصلاة والسلام مع صاحبه في الغار ثلاثة أيام. وهذا كله شجاعة، لكنها مقرونة بالحكمة.
وكان عليه الصلاة والسلام إذا أراد غزوة ورى بغيرها. إذا أراد أن يغزو في الشمال، جعل يسأل الناس عن طريق الجنوب وعن الماء الذي في الجنوب وعن الآبار، ليظن الناس أنه سيذهب جنوبا، ثم يمضي بهم شمالا. إذا أراد غزوة ورى بغيرها، لا يعني أنه جبان، وإنما هو شجاع مع حكمة وتعقل. ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: "من كظم غيظا وهو قادر على أن ينفذه". إنسان غضب غضبا شديدا واغتاظ، وكان قادرا على أن ينفذ غيظه بضرب أو قتل، قال: "من كظم غيظا وهو قادر على أن ينفذه، دعاه الله يوم القيامة حتى يخيره من الحور العين ما شاء".
وعمر رضي الله تعالى عنه، لما كان في الحج وأقبل إليه رجل، قال: "يا عمر" وكان هو الخليفة في ذلك الحين، هو أمير المؤمنين رضي الله عنه. أقبل إليه رجل قال له: "يا عمر، إن فلانا يقول: لو قد مات عمر لوليت فلانا، فإنما كانت ولاية أبي بكر فلتة". فأراد عمر أن يصعد على مرتفع على منبر في الحج ويمنع مثل هذا الكلام. فأقبل إليه بعض الصحابة قال له: "يا عمر، إن مقامك في الحج يسمعه العربي والأعجمي والآفاق والقريب، وينقلون الكلام عنك، وربما نقلوه على غير ما تريد. ناس بسطاء حضروا معنا، ربما يفهمون قصدك على غير الصحيح. فانتظر حتى ترجع إلى المدينة، فإذا رجعت إلى المدينة كان الذي عندك هم أهل الحكمة والعلم، فتكلمت بما تريد". فقال له عمر: "صدقت ونصحت". وسكت. لم يقل عمر: "أنا ما يهمني أحد، الذي ما يعجبه الكلام سأقطع رأسه". أنا لا، وإنما شجاعة، لكن معها عقل وحكمة.
"الرأي قبل شجاعة الشجعان
هو أول وهي المحل الثاني
فإذا هم اجتمعا لنفس حرة
نالت من العلياء كل مكان
ولربما طعن الفتى أقرانه
بالرأي قبل تطاعن الشجعان"
إذا اجتمع الإنسان عقل، استطاع أن يحصل به شجاعة وجرأة. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يتحلون بالشجاعة والإقدام مع حكمة وعقل.
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله الجليل العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه واتوبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم.
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيما لشأنه. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، الداعي إلى رضوانه. صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وإخوانه وخلانه، ومن سار على نهجه واقتفى أثره وأسنى بسنته إلى يوم الدين.
أما بعد، أيها الإخوة الكرام، إن من أعظم الأخلاق السيئة التي كان نبينا عليه الصلاة والسلام يستعيذ بالله تعالى منها الجبن والخور. فقد صح أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان من دعائه الذي يكرره دائما أنه كان يقول: "اللهم إني أعوذ بك من الجبن والكسل، ومن غلبة الدين وقهر الرجال". ومن الجبن والكسل. وكان عليه الصلاة والسلام يحفظ ذلك أصحابه. ولذلك كانت العرب منذ القديم إذا رأوا رجلا جبانا ذموه أكثر مما يذمونه بغيره.
ومن تامل في كلام العلماء وجد أنهم ذكروا طرقا يستطيع بها الإنسان أن يحصل الشجاعة. أول ذلك: أن تعلم أن الضر والنفع بيد ربنا جل في علاه. يقول صلى الله عليه وآله وسلم في وصيته لابن عباس رضي الله تعالى عنهما: "واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وأن النصر مع الصبر، وأن مع العسر يسرا". وربنا جل وعلا يقول: "قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا، هو مولانا، وعلى الله فليتوكل المؤمنون". ولو اجتمعت الأمة على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك. إذا رسخت عقيدة الإيمان بالقضاء والقدر، صرت شجاعا. رسخ في قلبك أن الذي يقضي الأقدار ويوزع الأرزاق هو ربنا جل في علاه، وأن الموت لا يكون معه إقدام أو خور، إنما الموت كما قدره الله تعالى يقع. أي يومي من الموت أفر؟ يوم لا قدر؟ أم يوم قدر؟ يوم لا قدر لا أرهب، ومن المقدور لا ينجي الحذر. إذا قدر الله تعالى على المرء شيء وقع عليه ولو كنت في بروج مشيدة.
ومما يبعث في الإنسان الشجاعة: القراءة في قصص الشجعان والمقدمين والأبطال، ليس فقط الشجعان في القتال والنزال. اقرأ يا أخي في الذين نجحوا في حياتهم وصار عندهم شجاعة لينجح في تجارته، عنده شجاعة ليختر، عنده شجاعة ليطلب العلم، عنده إقدام، عنده جرأة.
ومما يبعث على الشجاعة: البعد عن الأوهام. كثير من الأوهام التي نتوهم فتدعو إلى الخور والجبن هي غير حقيقية. ولذلك تجد الإنسان ربما لو أراد أن يتخذ قرارا شجاعا في تجارة، يبدأ يقول في نفسه: "قد لا يكون هذا الموقع غير مناسب، وقد لا يأتي إلي الزبائن، وقد يحتال علي التجار، وقد لا يدفعون إلي الأموال". ويبدأ يفتش عن سلبيات من سوء ظنه بالله. أحسن ظنك بالله سبحانه وتعالى في تربيتك لأولادك، كن شجاعا. والأوهام والظنون السيئة اطرحها عنك. كما قال الله جل وعلا: "إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون". لما خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع أصحابه إلى القتال، وجعل الشيطان يوقع في قلوب المنافقين: "إن عددكم قليل، وإن عدتكم ضعيفة، وإن أعداءكم أقوى منكم، وإنكم لم تستعدوا للقتال". وجعل يلقي ذلك في قلوبهم أوهاما غير حقيقية. قال الله جل وعلا: "إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه". ولذلك أيها المسلمون، الجبن والخور والهلع هو من صفات المنافقين. يقول الله جل وعلا عن المنافقين: "يحسبون كل صيحة عليهم". كل حدث يقع يقول: "هذا فيه موتي، هذا فيه فقري، هذا فيه كذا". قال: "يحسبون كل صيحة عليهم، هم العدو فاحذرهم". أما المؤمنون فيعلمون أن الأمر كله لله.
أسأل الله جل في علاه أن يرزقنا وإياكم حسن الأخلاق. أسأل الله أن يهدينا لأحسن الأخلاق والأعمال والأقوال، لا يهدي لأحسنها إلا هو. اللهم واصرف عنا سيئها، لا يصرف عنا سيئها إلا أنت يا رب العالمين. اللهم إنا نسألك أن توحد أمتنا على قائد شجاع. اللهم إنا نسألك أن توحد أمتنا على قائد شجاع يسمع كلام الله ويسمعها وينقاد إلى الله ويقودها يا رب العالمين. اللهم اجمع كلمة أمة الإسلام في كل مكان. اللهم املأ قلوبهم شجاعة وإقداما، واجعل لنا القيادة والريادة على الأمم يا حي يا قيوم يا رب العالمين. اللهم وحد أمتنا، اللهم اجمع شملنا، اللهم ودحر عنا عدونا ومن أرادنا بسوء فرد كيده في نحره، يا قوي يا عزيز يا رب العالمين. اللهم وإنا نسألك لإخواننا في كل مكان أن تكون معهم يا قوي يا عزيز يا رب العالمين. اللهم اجمع كلمة إخواننا في مصر. اللهم اجمع كلمة إخواننا في مصر. اللهم اجمع كلمة أهلنا وإخواننا في مصر. اللهم من أرادهم بسوء وتفرقة فاكشف سره وافضح أمره ورد كيده في نحره، ورد كيده في نحره، ورد كيده في نحره. اللهم احقن دماءهم واجمع كلمتهم. اللهم اجعلهم على الخير يا قوي يا عزيز. اللهم إن تنصرهم فلن يخذلهم أحد. اللهم إن تنصرهم فلن يخذلهم أحد. اللهم كن معهم ووحد صفهم يا حي يا قيوم. اللهم وكن لإخواننا المجاهدين في سوريا. اللهم وحد صفهم واجمع كلمتهم وسدد رميهم. اللهم يسر وصول المال والسلاح إليهم يا حي يا قيوم. اللهم رحماك بهم. اللهم أرنا عجائب قدرتك في عدوهم. اللهم اضرب الظالمين بالظالمين. اللهم اضرب الظالمين بالظالمين. اللهم اضرب الظالمين بالظالمين، واخرج إخواننا المستضعفين منهم سالمين يا رب العالمين يا حي يا قيوم. اللهم وإنا نسألك لأهلنا في كل مكان أن تكون معهم يا قوي يا عزيز يا رب العالمين. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.