Transcription
[موسيقى] بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين. الأخوة الكرام، لكم التحية. العاطلات، لازم نتواصل في هذا الباب. مفهوم رواية السنة والسلطة التشريعية للروايات، السنة النبوية، كما ذكرت لكم من قبل. أهمية هذا الباب، الأهمية المنهجية لهذا الباب، الذي سيبنى عليه الكثير من المفاهيم والنتائج المستقبلية. في هذه الحلقة، إن شاء الله، سنتحدث عن علاقة روايات السنة بين مفهوم الدستور وبين مفهوم القانون. أين موقع رواية السنة بين الدستور وبين القانون؟ وأين موقع كتاب الله سبحانه وتعالى بين مفهوم الدستور وبين مفهوم القانون؟
وكبداية، يجب أن نحرر مسألة في غاية الأهمية، وهي وظيفة القرآن الكريم. ما هي الوظيفة الكلية الابتدائية لكتاب الله سبحانه وتعالى؟ هل هو كتاب معرفي؟ هل هو كتاب ثقافي؟ هل هو كتاب علمي؟ أم أن له وظيفة تعتبر أرفع من ذلك؟ وهذا لا ينفي أنه لو عدم وجود العلمية في كتاب الله سبحانه وتعالى. ولكن هل نقول القرآن الكريم أو كتاب الله كتاب علمي؟ إذا تتبعنا آيات القرآن الكريم، نجد أن الله سبحانه وتعالى قد حدد وظيفة كبرى وغايه هامة تنضح بها آيات الله سبحانه وتعالى. باعتبار أن القرآن كتاب هداية، لأن الثنائية التي تحكم مصير الإنسان يوم القيامة هي ثنائية الضلال والهداية. ضلال والهداية هي الثنائية التي تحكم مصير الإنسان من ضمن الثنائيات الأخرى مثل الخطأ والصواب، الحق والباطل، الحرام والحلال. والهداية هي التي تتحكم في المصيدة. [موسيقى] فلن تجد له ولياً مرشداً.
إذن القرآن كتاب هداية. من أول سورة البقرة: ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين. وفي سورة البقرة: شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس. قوله تعالى أيضاً: إن هذا القرآن، انظر التوكيد، إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم. وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء. فإما يأتينكم مني هدى فمن تبعه هدى فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون. في سورة البقرة. وفي سورة طه: فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هدايا، انظر إلى التشديد، إضافة الجهد والنتيجة تختلف عن: لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، بل هي نتيجة أرفع في الاتباع، بذل الجهد في الاتباع. بمعنى أنك تبذل مجهوداً من التعقل والفكر في اتباع هذا القرآن، النتيجة ليست فقط أنك لا تحزن، وإنما فلا يضل ولا يشقى. ومن اتبع هدايا فلا يضل ولا يشقى. إذن وظيفة القرآن هي كتاب هداية، يضع لك النقاط على الطريق، ويترك حدوداً مرنة جداً تحمل الكثير من المعطيات واحتمالات التطبيق. ولذلك نستطيع أن نقول القرآن كتاب حدود وليس كتاب تفصيل. ولو نظرنا إلى القرآن لا نجد مفردة حب، وذلك حد الله، إنما يقول: وتلك حدود الله. بمعنى القرآن تابعه حدودي، حدودي مرن يضع لك ما بين الحد الأعلى والحد الأدنى، لا في احتمالات التطبيق التي تتظهر عبر تسلسل الزمني مع مراعاة تغير الواقع والزمان. قرآن كتاب هداية، إذن هو الهادي لصياغة دستور الأمة الإسلامية. هذا هو القرآن، والسنة، السنة هي التفصيلات، القرآن التفصيلات القانونية تحت مظلة الدستور. ونحن نعلم أن التفصيلات القانونية يمكن أن تخضع للتغيير المستمر عبر الزمن. الدستور ممكن يصمد 300 سنة، يعني على سبيل المثال، ده الصورة الولايات المتحدة، له أكثر من 300 سنة، وممكن يصمد الدستور 500 سنة. هذا السنة البشري. أما التفصيلات القانونية المنظمة لحياه المجتمع والتي تنضوي تحت الدستور يمكن أن تتغير كل خمس سنوات. يعني قبل مئة سنة من تاريخ هذه اللحظة ليس هنالك قانون للسير والمرور في جمهورية السودان اطلاقاً، لأنه ما كان في سيارة أصلاً. الآن إذا أتينا بكتاب قوانين المرور والسير قد يكون كتاب ضخم. قبل 100 سنة ما كان فيه. التفصيلات القانونية هي التي تتغير هي التي تتبدل، لأنها تخضع لتغير الواقع الزماني والمكاني. بينما المسودات الدستورية وهي التي توضح فيها القضايا الكبيرة المتعلقة بهوية البلد، المتعلقة بديانة البلد، المتعلقة بالتعايش السلمي. أما التفصيلات القانونية، قانون الأحوال الشخصية، القانون الجنائي، قانون السير، قانون المرور، قانون الأراضي، هي التي تخضع للتغيير المستمر.
السؤال، هذا ما نعتقده أن الروايات النبوية، أي ما صدر عن النبي في ذلك الزمن من تفصيلات، هي مسودات قانونية لتنظم حياة الناس في العقوبات، في الأحكام الجنائية، في أحكام السلب والحرب، في قوانين الأحوال الشخصية من طلاق ونكاح وزواج وغيره. هذا هو الصحيح. لكن أين المشكلة؟ المشكلة أن العلماء السابقون قد رفعوا هذه التفصيلات النبوية اعتقاداً منهم أن النبي قد أفرغ النص القرآني في تطبيقاته، فرفعوا هذه التطبيقات إلى مرتبة الدستور، وجعلوها دستوراً مستمراً إلى قيام الساعة. جعلوها هي دستوراً إلى قيام الساعة. وبالتالي أفرغوا القرآن من محتواه، وركلوا جانباً لا يتم الاحتياج إليه إلا في الصلاة والرقية الشرعية وافتتاح الحفلات. إذن هنالك انقلاب كامل في المفاهيم. يجب أن يظل هو القرآن الدستور الدائم، بل الهادي إلى صياغة الدساتير، ومستمر كسحائب مطر راحلة عبر الأزمان، يستنطرها كل أهل جيل بما يوافق حاضرهم، حاضرهم مواقعهم، بناء على التفصيلات القانونية التي التي يحتاجونها، استئناساً برواية السنة النبوية. ولكن لا يمكن أن ترفع الروايات السنة إلى مظلة الدستور. لكي نستبين هذه القضية، انتظروني في الحلقة القادمة. وإلى أن ألتقيكم، أترككم في حفظ الله ورعايته. السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته. [موسيقى]