📱

Get Our Mobile App

Take your business learning on the go!

Download on the App StoreGet it on Google Play

فضل السيدة زينب عليها السلام وآياتها - سماحة الشيخ فاضل الصفار

مكتب سماحة الشيخ فاضل الصفار46:55

Transcription

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. بسم الله الرحمن الرحيم. والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين بقية الله في الأراضيين واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.

لو تأمل الباحث في الخصائص النفسية والمجاهدات العملية التي فعلتها عقيلة بني هاشم السيدة زينب سلام الله عليها، لجزم بأنها أعظم شخصية أنجبتها البشرية بعد أمها الصديقة الطاهرة سلام الله عليها في سمو نفسها وعلو همتها وكمالاتها الأخلاقية والمعنوية وعفتها وجهادها. تستحق أن يكون لها في كل بيت ذكر وأثر.

القمة التي قدمها القرآن والسنة في تربية المرأة الكاملة، تعاليم القرآن وتعاليم السنة ونور أهل البيت عليهم السلام، قدمت نموذجاً للمرأة الكاملة في شخصية زينب. وهذا الكلام لا نقوله شعاراً أو شعوراً، وإنما هي حقائق تتوافر الشواهد الكثيرة عليها.

الشاهد الأول: الدور الذي أُنيط بها وعظمة الشخص تعرف من عظمة دوره والمساهمة التي يقدمها في الإنجازات للبشر وعموم الحياة. شاركت الحسين صلوات الله عليه في أعظم مشروع إلهي أراد به الباري عز وجل أن يحيي جميع الأنبياء والديانات والرسالات السماوية ويحرر العباد من عبودية الشهوة والسلطة والخضوع للمال وللشيطان. هذه القضية عهد معهود بين الله وبين الحسين قبل عالم الدنيا، وعهد معهود بين الله وبين زينب في أن تشارك الحسين في هذا المشروع الإلهي. الحسين صلوات الله عليه له مكانة العلة المحدثة لهذا المشروع، والسيدة زينب شاركت في هذه العلة المحدثة ولها دور العلة المبقية أيضاً.

والذي يتأمل فيما قامت به السيدة زينب من دور في عاشوراء يحير العقول. القضية صارت عند بعض الأذهان من المألوفات لكثرة الاستماع ولكثرة النقل، ولكن الذي يتأمل في أحداثها ويقف في كل حدث حدث مرة في عاشوراء والسيدة زينب كانت شاهدة عليه، مطلعة به، مشاركة فيه، العقل يتحير. كيف يمكن لامرأة بهذه الجلالة والعظمة، بهذه الشفافية العالية من الروح، تصبر وتتجلد في مقابل أشد المواقف التي لا يتحملها الرجال. الأشد من عظمة الدور يعرف عظمة الشخص الذي يقوم وأُنيط به هذا الدور. اليوم كل من يذكر الحسين عليه السلام، متى ما ذكر الحسين، أول ما يخطر إلى ذهنه زينب. من بكى على الحسين، أول ما يخطر على ذهنه زينب. من يستغفر ربه ويستشفع بالحسين لأن يتوب عليه ويقربه منه، أول ما يخطر إلى ذهنه زينب. من يدخل إلى زيارة الحسين في كل مناسبة في كل وقت، أول ما يخطر إلى ذهنه زينب. هي مع الحسين كالشخص الواحد بوجهتين. حتى في شهادتها، في ذكرى شهادتها زيارة خاصة كل الحسين، وربما لم يصل إلينا بحسب المصادر المتوفرة زيارة خاصة للسيدة زينب عن المعصومين عليهم السلام. لعل الحكمة في ذلك أن زيارة الحسين تغني، لأن من يدخل إلى الحسين تحضر زينب أمامه. من يصرخ يا حسين، تحضر زينب عنده. تفكيك بينهما أمر صعب.

أعظم قضية الباري عز وجل اعتبرها قضيته وثاره هي قضية الحسين، ولزينب نصف هذا الدور، ليس الدور التابع وإنما الدور المكمل، النصف المكمل للنصف الأول. وهذه قضية تستدعي الانتباه. لذا إذا وصفت بأنها الصابرة المحتسبة، لعل من الأوصاف المناسبة أيضاً أن تلقب بمحيي الشرائع والسنن. أحيت الشرائع، أحيت الأنبياء والرسالات.

هذا شاهد أول. الشاهد الثاني: أنها مع الحسين واست جميع الأنبياء. وسأذكر لكم بعض الشواهد لهذه الحقيقة. كل ما جرى على الأنبياء جرى على الحسين. كل ما لاقاه الأنبياء من مصائب ومن آلام في طريق تبليغ الرسالة نزل بالحسين أيضاً. هو مواسي لجميع الأنبياء، وهذا أحد معاني الوراثة. أنه وارث للأنبياء، وفي نفس الوقت الأنبياء واسوا الحسين صلوات الله. وهذه من القضايا العجيبة حقاً أن شخص واحد يواسي جماعة كبيرة في مصائبهم وآلامهم، وجماعة كبيرة يواسون سيد الشهداء قبل وقوع مصائب كربلاء وعاشوراء. هذه المواساة.

شاركت الحسين، فيا زينب وزادت عليه مصائب التي نزلت بالسيدة زينب زادت على المصائب التي نزلت بالحسين صلوات الله عليه، لأنها واسات الحسين في شهادته وبعد شهادته، ورأت بنفسها كيف ذبحوه، كيف حرموه من الماء، كيف سحقوه بحوافر الخيل، كيف أحرقوا خيامه وشردوا أطفاله وعياله، وكيف أسروهم وضربوهم وعرضوهم لأشد أنواع العذاب الروحي والجسدي.

الشاهد الثالث: أنها واسات الأنبياء في مصائبهم وزادت عليهم. أعظم الأنبياء هم أولو العزم. هي واسات أولي العزم من الأنبياء فضلاً عن غيرهم وزادت عليهم. لاحظوا مثلاً قبل أولي العزم، آدم هو أول الأنبياء، أول الأنبياء وأول البشر. السيدة زينب واساته وزادت عليه. آدم بكى لفراق الجنة عمره بكاه لأنه فارق الجنة حتى حفرت دموعه خدوداً في خديه وعد من البكائين أيضاً، وكل هذا البكاء لفراق جنة واحدة فارقها آدم. أما زينب فارقت جنتين، مو جنة واحدة. خرجت من جنة رسول الله صلى الله عليه وآله من حرم رسول الله لأداء العهد الإلهي بينها وبين ربها، وفارقت جنة كربلاء مرغمة نسبياً مذكورة. فإذا آدم فارق جنة، هي فارقت جنتين. الجنان أكثر، بس محل الكلام الآن هنا. آدم ابتلي بمصيبة ولده هابيل، وابتليت هي بمصائب أهلها جميعاً، مصيبة جدها وأمها وأبيها وأخويها، وقدمت ولدين مع الحسين صلوات الله عليه. إذا آدم حزن على فراق ولد، هي كل هذه العصبة الطيبة من البشرية هي ابتلي.

نوح، أول أولي العزم، بقومه وبعناد قومه وكفرهم ناح عليهم ألف سنة إلا خمسين عاماً كما ورد عن أمير المؤمنين صلوات الله عليه، ولذا سمي بنوح. رواية عن الإمام الصادق عليه السلام أن نوح اسمه عبد الغفار، سمي بنوح لكثرة بكائه على نفسه بسبب عناد قومه وكفرهم. أما زينب فناحت وبكت على ما هو أعز من نفسها ومن روحها، مو عزيز واحد. نوح بكى من جهل قومه وكفرهم، أما هي من عناد قومها وظلمهم وتجبرهم.

إبراهيم عليه السلام، أبو الأنبياء وهو إمامهم إلا رسول الله صلى الله عليه وآله، ابتلي بتقديم ولده إسماعيل للذبح لربه تبارك وتعالى، ففداه الله عز وجل بكبش عظيم من الجنة كما في بعض الروايات. فإبراهيم لم يذق طعم الذبح، وإنما فدي ذبيحه بذبح عظيم. وقدمت هي من هو أعظم من إبراهيم وإسماعيل إلى الذبح وذاقت هذا الطعام أمام ناظريها. حصل ذلك شاهدته. قدمت ليس ذبيحاً واحداً، قدمت ذبائح ليس لهم على الأرض من مثيل كما في رواية الإمام الرضا صلوات الله عليه، ورفعت جسد الحسين المضرج صابرة ثابتة راضية وقالت: اللهم تقبل منا هذا القربان. موقف ليس له نظير في عالم البشر. هذا ابتلي إبراهيم بنار نمرود وواجهها وحده، أُلقي فيها ولكنه لم يحترق، ناره صارت برداً وسلاماً. ماذا قد طعم الحرق؟ تبدلت النار إلى برد. وابتليت هي بنيران بني أمية أُضرمت خيامهم وهم نساء وأطفال حتى احترقت أقدامهم وثيابهم وفروا منها إلى البيداء، وبعضهم داستهم خيول الأعداء. أين نار إبراهيم من هذه النار؟

في معالي السبطين عن بعض المقاتل يقول إن زينب الكبرى عليه السلام أقبلت على زين العابدين حينما أظلم النار في الخيام وقالت: يا بقية الماضين وثمال الباقين، يا بقية الماضين وثمال الباقين، قد أضرموا النار في مضاربنا فما رأيك فينا؟ فقال عليه السلام: عليكن بالفرار. فرار إلى أين؟ إلى بيداء كلها أعداء. ففرت بنات رسول الله صائحات باكيات نادبات. إلا زينب الكبرى فإنها كانت واقفة تنظر إلى زين العابدين لأنه لا يتمكن من النهوض والقيام، كان مرتثاً. وهي تارة تنظر يمنة ويسرة، وأخرى تنظر إلى السماء وتصفق بيديها، وتارة تدخل في الخيمة وتخرج. قال بعض من شهد الموقف: هذا أسرعت إليها وقلت: يا هذا ما وقوفك هنا والنار تشتعل من جوانبك؟ قالت: يا شيخ، إن لنا قليلاً في الخيمة وهو لا يتمكن من الجلوس والنهوض، فكيف أفارقه وقد أحاطت به النار؟ هكذا هي نار زينب وتلك كانت نار إبراهيم.

في بعض المقاتل لما ظهر المختار بطلب ثأر الحسين عليه السلام في الكوفة، جاؤوا بخولي لعنه الله عليه أو خولي. فلما وقف بين يدي المختار قال له: ما صنعت يوم كربلاء؟ سأله قال: أتيت إلى علي بن الحسين فأخذت نطعا من تحته، شيء الذي يؤلم أكثر هذا، وأخذت قناع زينب بنت عليه، وقرطيها. فبكى المختار وقال: فما قالت لك؟ قال: قالت: قطع الله يديك ورجليك وأحرقك الله بنار الدنيا قبل نار الآخرة. قال المختار: فوالله لأجيبن دعوة الطاهرة المظلومة. كل من يطلع على هذه الحقائق، أي النارين أعظم؟ نار إبراهيم أم هذه النار؟

موسى عليه السلام ابتلي بفرعون زمانه، حتى موسى دعا على فرعون فأهلكه الله غرقاً. يعني صبر موسى على فرعون هم نفذ حتى دعا عليه وأهلكه غرقاً. وموسى فرعون عفواً عند الهلاك أذعن لموسى وقال: آمنت برب موسى. وابتليت زينب بطاغ فاسد حتى استغاث من فساده الناس، وكانوا يتوقعون أن ترميهم السماء بالحجارة أو تنهد بهم الأرض من ظلمه ومن فساده، ومات كافراً يصرح بالكفر وبالإلحاد. هذا كان عدو زينب وكان يظلمها عن تشفٍ وانتقام وشماتة. وشماتة العدو بالكريم الجليل أشد من وقع السيوف والسهام على القلب. مع ذلك صبرت على أذاه وفاءً بعهد الله وبعهدها مع الحسين. أي نفس كبيرة هذه؟ أي روح عظيمة هذه؟ موسى من أنبياء العزم نفذ صبره على فرعون.

ابتلي عيسى عليه السلام بمطاردة بني إسرائيل وعداوتهم، ولما قبضوا عليه ليقتلوه، عرج الله تعالى به إلى السماء وشبه لهم. إذا عيسى ماذا قطعنا القتل؟ هذا الشيء اللي صار في العالم معتبر شعار يدعون به الناس إلى النصرانية. قتل؟ ماذا قطع؟ مقتل ما جرت دماؤه لأجل الله تبارك وتعالى، وإنما رفعه الله عز وجل. وابتليت زينب بمطاردة بني أمية وهم الشجرة الملعونة في القرآن، خاليين من الرحمة، خاليين من الرأفة، ومناصبة لها العداء. قتلوا رجالها وأخذوها سبية إلى الكوفة والشام، أذاقوها ألوان الألم.

هذا الكتاب للعبيدلي جدير بالاقتناء. هذا الكتاب أخيراً طبع، متوفى سنة 277، ويعد من أقدم المصادر التاريخية. أخبار الزينبات هو الرجل العبيدلي من ثقات الرجال الذين روى عنهم المشايخ الأجلاء كالشيخ المفيد، الشيخ الطوسي، الشيخ الصدوق، ابن شهر آشوب، العلامة الحلي في تذكرة الفقهاء. هذه الثلة من الأعاظم رووا عن العبيدلي لأنه رجل في كامل الاعتبار والوثاقة، وكتابه من أقدم المصادر التاريخية. في الأزمنة الأخيرة طبع هذا الكتاب. هناك يقول في هذا الكتاب إن زينب أُجبرت على الخروج من المدينة بعد عودتها من كربلاء. أجبروها على الخروج بسبب تأليبها الناس على يزيد وبني أمية. جهاد ومثابرة واستقامة على الطريق. ورحلت من الدنيا غريبة. أعداؤها لاحقوها وأخفوا كل شيء يرتبط بها إلى يومنا هذا. كثير من الأشياء من الأحداث والوقائع مخفية عن السيدة زينب. هي عاشت ربما ما يقارب الستين سنة. شنو هذه الستين سنة؟ شخصية جليلة، أشرف نساء بني هاشم بعد السيدة الزهراء، أعظم امرأة في العرب بعد السيدة الزهراء، عالمة غير معلمة. شنو تاريخها؟ ستون سنة. أعداؤها أخفوا كل شيء يرتبط بها حتى يوم شهادتها أخفوه. الروايات مختلفة. هذه الرواية اللي في 15 رجب سنة 62 للهجرة هذه مشهورة، أخذ بها المشهور. وحتى في 15 رجب بعضهم يقول 14، مختلفون فيها. واختلفوا أيضاً في كيفية وفاتها. كيف توفيت السيدة زينب؟ هل ماتت موتة طبيعية بسبب شدة الآلام والمصائب التي نزلت عليها، أم ماتت مسمومة خفية سمها بنو أمية تخلصاً من آثارهم، آثار جريمتهم في كربلاء التي كانت هي تؤلب الناس عليهم؟ وهذا الرأي الثاني أرجح من الأول. ليست فقط هي ماتت في تلك السنة، وإنما في خلال بعد عاشوراء إلى مدة سنة، سنة ونصف، كل من كان من النسوة الكبار في عاشوراء مات. وهي قرينة قوية على أنه بالسم قتلوا غير الأدلة الأخرى اللي موجودة. واختلفوا في مكان دفنها أصلاً. في زمان موتها، في مكان دفنها أقوال عديدة متناثرة. الأقوال بعضهم يرى في المدينة، بعضهم يراها في مصر، بعضهم يرى في الشام. في الشام هم في كم موقع يقولون. هل يعقل أن شخصية مثل السيدة زينب يخفى يوم شهادتها ويخفى مكان دفنها؟ عالم جليل إذا مات يعرف يوم موته ويوم دفنه ومكان دفنه. شخصية بعظمة السيدة زينب لا يعرف لا لها زمان في وفاتها ولا مكان في دفنها. استقط النظر عن القضايا التحقيقية وأن النتيجة الرأي الأصوب شنو؟ الآن مو نحن في مقام هذه القضية، في مقام بيان ما تعرضت له السيدة زينب وما واجهته من مصائب، واست جميع الأنبياء وزادت عليهم، واست جميع أهل البيت وزادت عليهم.

يقول علماء الأخلاق إن الإنسان لا يبلغ حقيقة الإنسانية ولا يكتمل إلا بالموت الاختياري في مقابل الموت القهري. الموت القهري موت الأجل. الموت الاختياري هو الذي باختياره يميت شهوات نفسه، رغبات نفسه. أربع مراحل اكو للموت الاختياري عند علماء الأخلاق. وأين لكم حتى يصير فائدة ونشوف الأثر المترتب عليه للموت الأحمر؟ هذه المرتبة الأولى بحسب اصطلاحاتهم. الآن نحن لسنا في مقام تنقيح الاصطلاحات، بس هكذا يقولون. أريد نستفيد من هذا فيما نحن فيه. الثاني الموت الأبيض، الثالث الموت الأخضر، الرابع الموت الأسود. أربع مراحل للموت للكاملين من البشر. اللي يريد يكتمل لابد أن يطوي هذه المراحل الأربعة من الموت الاختياري. أرادوا بالأول إماتة النفس الأمارة بالمجاهدات. هذا الموت الأحمر. شهد للسيدة زينب القريب والبعيد بأنها خاتمة النساء في الفضائل بعد أمها الزهراء سلام الله. حتى من السيدة زينب، السيدة مريم التي ذكرها القرآن. الذي يقرأ سيرة السيدة مريم ويقرأ سيرة السيدة زينب يشوف الفرق ايش قد اكو كبير بينهما. هم ثلاثة من آل محمد عليهم السلام ختموا الأمور بما بعدهم. رسول الله صلى الله عليه وآله ختم النبوات كلها، الخاتم لما سبق والفاتح لما استقبل، وحجة الزمان المهدي صلوات الله عليه خاتم الأوصياء وخاتمهم. والسيدة زينب خاتمة النساء بعدها. كل من جاء من النساء لم يبلغ مقامها أصلاً. ختموا من كان قبلهم. السيدة زينب بعد أمها الزهراء صلوات الله عليها في الزمان ختمت ما بعدها.

أرادوا بالموت الثاني الموت الأبيض: تحمل الجوع في سبيل الله تبارك وتعالى، الزهد في الطعام، تجويع النفس. لأن للجوع الأثر الكبير على تنوير الباطن وتنظيف الضمير. هذا الطعام الذي يأكله الإنسان، خصوصاً إذا كان من الحرام، خصوصاً إذا كان فيه شبهة، خصوصاً إذا كان نجساً، يترك المعدة، بس يلوث الروح والقلب. قدر في حقيقته كل ما جاع الإنسان تلألأ قلبه وتنور أكثر. لذلك الأنبياء والأولياء عاشوا الجوع في حياتهم. مو لفقر منهم، لتزود منهم. ورسول الله صلى الله عليه وآله كان يشد حجر المجاعة على بطنه، وهو الذي يقلب التراب ذهباً. رسول الله في ثلاث ليالٍ شبعاناً لا بد وأن واحدة من الليالي ليلة النبات جوعان طاوياً إلى صباح. الجوع وهذا ما عاشته السيدة زينب. الجوع خاصة وهي أسيرة سبية بيد أعدائها. ما كانوا يطعمونهم الطعام. وإذا أعطوهم القليل تعطيه لأطفالها. في بعض المقاتل كانت تصلي في خربة الشام عن جلوس، فسألها الإمام زين العابدين عن سبب جلوسها، فأجابت: يا ابن أخي، إن الجوع أخذ مني قوى وسلبني القدرة على القيام في الصلاة. هي ليست عاجزة، هي لو رفعت يدها بالدعاء نزلت إليها مائدة من الجنة، لكن هذا عهد معهود بينها وبين ربها أن تعيش هكذا لأجل رسالة الله عز وجل بأي ثمن. تقدر مثل هذه المرأة؟ بأي قيمة؟ من يقف أمامها من الأنبياء من الأولياء في هذه الفضائل؟

أرادوا بالموت الأخضر: التواضع والزهد في الملبس. موت أخضر وهو دأب الأنبياء والأولياء. تميز به أمير المؤمنين صلوات الله عليه، وهو حاكم على رقعة واسعة من الأرض. في هذا الزمان تشكل مجموعة من الدول، ما كان عنده وهو حاكم إلا ثوب واحد إذا انمزق منه جانب، رقعه حتى قال: لقد استحييت من واقعها. وهو الحاكم الأعلى في دولة كبيرة واسعة عظيمة. هكذا هم أولياء الله، وهكذا كانت زينب، خاصة بعد عاشوراء ما نزعت لباس الحزن والعزاء والحداد.

أرادوا بالموت الأسود: التحمل والصبر على أذى الناس من جاهلين ومعادين. أي أنبياء الله لم يستهزئ به الناس ولم يتهموه بالجنون أو يسخروا منه؟ أي واحد من الأئمة عليهم السلام لم يتعرض لهذا الأذى؟ أذى الناس من جاهلين ومن معادين. حتى قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ما أوذيت نبي مثل ما أوذيت. أكثر من تعرض للأذى من قبل الجاهلين أو المعادين، ورث النبي صلى الله عليه وآله أمير المؤمنين والأئمة عليهم السلام في هذا، ونالت السيدة زينب الحظ الأوفر. هذا الجاهلين وأذى المعادين لازمها ذلك في حياة أبيها وأمها وأخويها. كل ذلك هي حصلته وعاشته وكانت تتحمل الألم الجسدي والنفسي. اللي هذا النفسي أشد من الألم الجسدي عليها درجة. القمة في الصبر هي الوحيدة التي مرت بمثل هذه الأحداث والوقائع. الحزن اليوم إذا يذكر، أول ما تخطر إلى الأذهان الصبر. إذا يذكر، أول ما تخطر إلى الأذهان زينب. الاستقامة، التدين، التقوى. لذلك مثلها تستحق أن تكون في كل بيت يكون لها ذكر وأثر. في حجاب كل امرأة، في عفاف كل امرأة يكون لها ذكر وأثر.

السؤال الذي يوجه إلى كل المعنيين من تربويين، إعلاميين، مؤرخين، أصحاب قرار في العالم، ليس فقط من المسلمين، مسلمين وغير مسلمين، وليس فقط المسلمين مسلمين وموالين. اليوم اللي للموالين المجال الواسع في كلمة الحق وبيان الحق. هذا الكلام موجه إلى كل المعنيين: هل تستحق شخصية مثل السيدة أن تُخلد في ذاكرة الأجيال وأن يكون لها حضور في مناهج التعليم وفي وسائل الإعلام أم لا؟ هل يملك العالم شخصية مثلها بهذا المستوى؟ هذا الساحة مفتوحة. قدموا لنا فرد شخصية يمكن أن تضاهي السيدة زينب في كل ما قدمت وأنجزت. الإعلام الذي يلهف وراء بعض الرموز الناقصة في كمالاتها لا تتميز إلا بالتوافه يخلدها، وبعضها يدرجها في مناهج التعليم. كل ما عندها قدمت شيء من التبرع مثلاً للخدمة الإنسانية، بعضها قدمت بعض القصائد الشعرية الأدبية، بعضها قدمت فنون البدن يخلدها. شخصية بهذه العظمة الإنسانية الكبرى ما تستحق التخليد في مناهج الإعلام، في مناهج التعليم؟ ما تستحق الدخول في الموسوعات الإنسانية الكبرى وأن يصنع لها الأفلام والمسلسلات لأجل أن يتعلم منها البشر، تتعلم منها النساء، تتعلم منها الأسر؟ كيف يمكن للعالم يعتبر نفسه إنسانياً وأنه يحترم الإنجازات ويحترم القيم ويغفل عن شخصية مثل شخصية السيدة زينب؟ إلا يعد هذا من الغرائب؟ الحق والإنصاف أن الذي يتأمل لا يمكن أن يحتمل بأن العالم يجهل مثل شخصية السيدة زينب. العالم الذي يتحرى عن الأحداث وعن الشخصيات ويلمع وجوهاً مخفية بسبب بعض الأمور الدنيوية، يغفل عن شخصية مثل السيدة زينب قامت بأعظم نهضة إلهية ربانية إنسانية وقدمت هذه الإنجازات إلى البشر، يغفلها؟ يجهلها؟ هذا الاحتمال غير وارد. ولكن القول بأن العالم متناقض، نعم هذا الاحتمال موجود. العالم يرفع شعار الإنسانية إذا كانت في مصلحته، ويغفل الإنسانية إذا لم تكن في مصلحته. يلمع الشخصيات الناقصة لأنها في مصلحته، ويغيب الشخصيات الكاملة لأنها ليست في مصلحته. إذا هذا يقال، هذا تمام وهذا الواقع الخارجي هم شاهد على هذه الحقيقة.

سلام على الحوراء يوم ولدت ويوم صبرت وجاهدت ويوم رحلت من الدنيا صابرة محتسبة. وإنا لله وإنا إليه راجعون. نسأل الله تبارك وتعالى أن يصحينا من نوم الغافلين وأن يجعلنا من الناصرين لحقه وحق أوليائه وأن ينور عقولنا وقلوبنا بمعرفته ومعرفة أوليائه والطاعة لهم والبراءة من أعدائهم ببركة الصلاة على محمد وآله الطيبين.