Transcription
أصلي وأسلم على سيدنا محمد سيد الأولين والآخرين وحبيب رب العالمين، وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين. ونسأل الله تعالى من فضله أن يوفقنا جميعًا لرضاه، وأن يجعلنا من المقبولين عنده في شهرنا العظيم المبارك رمضان.
وصلنا في تفسير سورة ياسين إلى قوله تعالى: "وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَـٰنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ".
هنا إذا نظرتم أحبابنا في الله، نبي ربنا سبحانه وتعالى قال: "وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ" أي على هؤلاء المنذرين "أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ" لأن قول الله تعالى ثبت عليهم، ومشيئة الله عز وجل ثابتة فيهم أنهم لا يؤمنون. فلذلك أنذرتهم أو لم تنذرهم، ساء لأن قلوبهم طُمس عليها وختم عليها، فلا يدخلها الإيمان ولا يخرج منها الكفر.
ثم قال: "إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ". قلنا لكم من قبل، الذكر أريد به القرآن، لأن ربنا سبحانه وتعالى جاء في كتابه بألفاظ مختلفات، وكلها للدلالة على القرآن: القرآن والكتاب والذكر. وكنت قد بينت لكم سبب تسميتها بهذه الأسماء.
ما أن نبينا عليه الصلاة والسلام كان منذرًا لهم جميعًا، كان منذرًا لكل الذين ابتعث فيهم، بل هو نذير للعالمين، للانس والجن. فكيف يقول ربنا عز وجل ها هنا: "إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ"؟ كيف التوفيق بين كونه بشيرًا نذيرًا للعموم، وبين كون نذارته لمن اتبع الذكر؟ عرفتم الإشكالين.
حل هذا الإشكال أن يقال: قوله تعالى: "إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ" أي أن إنذارك يا محمد صلوات ربي وسلامه عليه ينتفع بها من اتبع الذكر. وإلا هؤلاء الذين لم يؤمنوا، جاءتهم إنذار رسول الله صلى الله عليه وسلم، خوفهم عذاب الله، وبلغهم دين الله، إلا أنهم لم يؤمنوا. فيكون معنى قوله تعالى: "إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ" أي إنذارك الذي ينتفع بها، إنما ينتفع بها من اتبع القرآن. لا سيما أن في هذه الآية يوجد أداة حصر "إنما". "إنما" وهذه حصر على جهة تخصيص من هذا الذي ينتفع بإنذارك؟ حصر في هؤلاء الذين آمنوا فانتفعوا بإنذارك.
"إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَـٰنَ بِالْغَيْبِ". وخشي الرحمن بالغيب، أي خاف الله عز وجل حال كونه غائبًا عن عيون الناس. وهذه فيها تفاسير، من التفاسير المقبولة أن يقال: قوله تعالى: "وَخَشِيَ الرَّحْمَـٰنَ بِالْغَيْبِ" هذه اللفظة "بالغيب" راجعة على من؟ راجعة على هذا الذي اتبع الذكر، على هذا الذي آمن واتبع الذكر. إذا خلا عن عيون الناس، بحيث أيقن أنه لا يراه إلا الله سبحانه، خشي الله سبحانه وتعالى. إذا ذُكر تذكر عظمته وجلاله، خشي الله سبحانه وتعالى في حال غيبته عن عيون الناس.
وهؤلاء أحبابنا، هذه الخشية من الله يعني ممدوحة، وهؤلاء ممدوحون. لأن العبد إذا خلا وحده فأطاع الله عز وجل بأنواع من الطاعات، ففاضت عيناه من خشية الله سبحانه، هذا له في الآخرة بشارة عظيمة. أنه يكون في ظل العرش يوم لا ظل إلا ظل العرش. في ذلك اليوم الذي تظهر فيه الأهوال والشدائد، تدنو الشمس من رؤوس العباد حتى تكون فوق رؤوسهم قدر ميل. يعني مسافة قريبة منهم جدًا. الميل ستة آلاف ذراع، والذراع يقرب من 45 سم. يعني مسافة قريبة. الشمس تدنو حقيقة، تترك فلكها في يوم القيامة وتقترب من رؤوس الناس، فيتصببون عرقًا. منهم من يصل عرقه إلى أنصاف ساقيه، ومنهم من يصل عرقه إلى ركبتيه، ومنهم من يصل عرقه إلى حجزته. الحجز معقد الإزار، أين يعقد الإنسان إزاره على وسطه، إلى هنا يصل عرقه. عرقه هو لا عرق غيره. الله يعطل طبيعة هذا العرق، طبيعته سيلان هذا العرق. لا تبتلعه الأرض، إنما تأخذ الأرض كفايتها، ثم يجتمع بعد ذلك من عرقه هو على بدنه، حتى أن منهم من يلجمه العرق لجامًا. تعرفون لجام الفرس؟ هذه الحديدة التي توضع في فمه. معناه هذا العرق يصل إلى أنفه، يغطي أنفه. ولو كان هنالك موت من الغرق، لأغرقه عرقه.
في هذا اليوم الشديد الهول، أناس يحفظون من أذى حر الشمس. لا يصيبهم أذى حر الشمس، بل يكونون في أمان تحت ظل العرش. منهم من هؤلاء الذين جاءت بهم أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، سبعة ذكرهم الرسول صلى الله عليه وسلم في حديث واحد. ومنهم شاب أو رجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه من خشية الله. من خشية الله. كان شيخنا رحمه الله يقول: لو حصل هذا الأمر مع الشخص في حياته مرة، مرة واحدة، يدخل تحت هذه البشارة. نسأل الله أن يبلغنا ذلك.
طيب، هذا تفسير. التفسير الثاني: قوله تعالى: "وَخَشِيَ الرَّحْمَـٰنَ بِالْغَيْبِ" أي خشي عذاب الله عز وجل وإن لم يره. وإن لم ير هذا العذاب. وإن لم ير هذا العذاب.
وهناك تفسير ثالث، وهو أن قوله تعالى: "وَخَشِيَ الرَّحْمَـٰنَ بِالْغَيْبِ" أي خاف الله سبحانه وتعالى مع كونه لم يره في الدنيا، لأن الله تعالى لا يراه الناس في الدنيا بأعين رؤوسهم، فهو غيب عنهم لا يرونه. لو رأى الواحد أن الله عز وجل في الدنيا لما تجرأ أحد على معصيته من هيبة الرؤية.
أما المؤمنون في الآخرة فيرون الله عز وجل رؤية لا اشتباه فيها. لا يكون بين الرائين وبين الله مسافة، لأن الله سبحانه وتعالى خالق الأماكن والجهات والمسافات، فلا يحتاج إليها. فلا يتحيز في جهة من الرائين، ولا يكون في مقابلة لهم، لأن الله تعالى غني عن خلقه. ومن جملة خلقه الزمان والمكان والمسافة والحيز والجهة. كل ذلك من جملة خلق الله. وكل المسلمين يقولون: الله غني عن سائر خلقه. الله غني عن سائر خلقه. فيخشون الله عز وجل مع كونهم لا يرونه في الدنيا.
ثم انتبهوا أحبابنا إلى قول الله عز وجل: "وَخَشِيَ الرَّحْمَـٰنَ بِالْغَيْبِ". لماذا ذكر اسمه الرحمن؟ لماذا لم يقل: "وخشي الله بالغيب"؟ بل قال: "وخشي الرحمن بالغيب". تنبهوا أحبابنا، بعرف أن أنتم صايمين، بس يعني درسنا ليس طويلاً، تحتاجون فيه إلى شيء من التركيز. لعلنا ننتفع جميعًا بما نذكر.
الرحمن صيغة مبالغة دالة على صفة الرحمة، أليس كذلك؟ مشتقة من الرحمة. لنفهم أحبابنا أن خشيتنا من الله عز وجل ليست خشية بغض وكراهية، بل خشيتنا من الله ومن صفته أنه رحيم بعباده. لنفهم أن خشيتنا منه إنما هي خشية إجلال وتعظيم له، ليست خشية وخوف كره وبغض. انتبهتم؟ لماذا؟ لأنك ربما تخاف وتخشى عدوك في الدنيا. عدوك في الدنيا تخشاه، لكن خوفك وخشيتك منه تكون مع إجلال وتعظيم له أم مع بغض وكراهية؟
آه، لأنك تخاف أذاه، وليس كذلك. أما خشية المؤمن من الرحمن الموصوف بالرحمة سبحانه، ليست من هذا القبيل. إنما هي خشية إجلال وتعظيم له سبحانه. لهذا ناسب أن يذكر اسمه الرحمن.
"فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ". هذا الذي نفعه إنذارك يا محمد صلوات ربي وسلامه عليه، وانضاف إلى هذا أنه يخشى الرحمن بالغيب، هذا بشره بمغفرة وأجر كريم.
ما الفرق بين المغفرة والأجر الكريم؟ انتبهوا أحبابنا، في شيء يذكره علماء الآداب والتزكية للنفس في علم التصوف. التصوف الذي يوافق القرآن والشرع، ليس التصوف الذي فيه شطحات وفيه مخالفات للشرع. لا نتكلم عن طريقة سيدي أحمد الرفاعي رضي الله عنه، طريقة الجنيد البغدادي رضي الله عنه، طريقة الشيخ عبد القادر الجيلاني ونحوها من الطرق التي هي قائمة معتمدة على كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. لا هؤلاء الذين ادعوا التصوف وشذوا في العقائد وفي الأحكام. كلامنا ليس عن هؤلاء.
يقول علماء التصوف حقًا: هناك شيء يسمونه التخلية قبل التحلية. التخلية قبل التحلية. أن تتخلى من المعايب أو عن المعايب والآثام التي تكون فيك، تتركها، تتخلى عنها، لتصل بعد هذا التخلي إلى أن تنال الأجر الكريم والثواب الجزيل. حين قال ربنا عز وجل: "فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ". معناه إن كان هذا الإنسان عليه بعض الذلات، يحتاج إلى أن يسترها الله سبحانه وتعالى عليه، فبشره بأن الله تعالى يسترها عليه. هذا معنى قوله: "فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ". لأن المغفرة أحبابنا مأخوذة من الغفر. الغفر هو الستر لغة. لغة الستر. لذلك الخوذة التي يضعها المقاتل على رأسه تكون من حديد. لماذا يضعها على رأسه؟ لتستر رأسه من ضربات عدوه، من سيف أو رمح أو نحو ذلك. هذه الخوذة في لغة العرب تسمى المغفر. المغفر. لماذا تسمى المغفر؟ لأنها من مادة الغفر في اللغة العربية. وما هو الغفر لغة؟ الستر. فقوله تعالى: "فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ" بشره بأن الله تعالى يستر عليه ذنوبه إن كانت.
هذا شيء. الشيء الثاني الذي له قول الله عز وجل: "وَأَجْرٍ كَرِيمٍ". الأجر هو الثواب الذي يحوزه هذا المبشر. بشر بالجنة. فإذا هذا الأجر غير المغفرة. لذلك عطف بينهما بواو العطف: "فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ". إذا هما شيئان ليسا شيئًا واحدًا. لأن الواو في لغة العرب تفيد المغايرة. ما معنى إفادتها المغايرة؟ يعني ما قبلها غير ما بعدها. هذا معنى المغايرة. أنت إذا قلت: جاء زيد وعمر، فزيد غير عمر. ليش؟ لأنك عطفت بينهما بالواو. إذا هذا الأجر الكريم هو ثواب الله تعالى المدخر لهذا الذي بشر. ما هو ثواب؟ دخوله الجنة وتنعمه فيها. هذا هو الجزاء الذي يجازاه المؤمن مما يسره في الآخرة.
ثم انتبهوا أحبابنا، كيف أن ربنا عز وجل ذكر هذا الأجر ووصفه بكونه كريمًا: "وَأَجْرٍ كَرِيمٍ". ليذهب ذهن كل واحد منا كل مذهب في أنواع وألوان الكرامة الصادرة من ربنا الكريم سبحانه. انتبهوا أحبابنا لتفهموا معنى هذا الكلام. الكريم سبحانه في ذهنك كم يكون الأجر الذي يعطيه لهذا العبد؟ ولا يعطي الكريم إلا شيئًا عظيمًا كريمًا على قدر مرتبته سبحانه. يعني أنا أقرب لكم الأمر بمثال. لو لو أني دعوت واحدًا منكم أو جماعتكم إلى الإفطار عندي في البيت، سأقدم له على قدر استطاعتي، أليس كذلك؟ يعني حبة تمر، كيسه شوربة، صحن فتة، ماشي. والطبخة اللي عاملينها، إذا عاملين طبخة بنطعميكم منها على قدر استطاعتك. أما إذا دعاك رئيس البلاد... صحة وهنا أكلت. لو دعاك رئيس البلاد، ماشي، أو نائب أو وزير أو زعيم في الناس، هيقدم لك فتة بس؟ ولا هيقدم لك على حسب منزلته؟ سوشي والمحمر والممر والمجمر والمحشي، وما هيك؟ آه، على قدر منزلته يضيفك. وبما أن الله تعالى هو الذي يجزل هذا الأجر على هذا الإنسان وهو الكريم سبحانه، فكم ستكون عطاياه؟ وأعطياته على هذا العبد؟ لذلك وصف الله سبحانه وتعالى هذا الأجر بكونه شو؟ كريمًا. "وَأَجْرٍ كَرِيمٍ".
أمم، حين ذكر الكفار، المخاطبون... أمر إنكارهم للبعث، وهذا كان مشتهرًا فيما بين الناس زمان ابتعاث الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم. كثير من الناس كانوا ينكرون البعث، يقولون: لا بعث، لا حساب، لا عذاب، لا جنة، لا نار. "إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ". يعني على زعمهم إذا متنا خلاص، ما في قيامة، ما في عذاب، ما في جنة، ما في نار. ينكرون البعث. ولكن ربنا سبحانه وتعالى أثبت البعث في آيات كثيرات من كتابه. منها مثلاً، وهذه لأن فيها مؤكدات. قال ربنا عز وجل: "زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَّن يُبْعَثُوا قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ". رد قول لهم: قل بلى. وأكد هذا الإثبات بالقسم. فقال: "وَرَبِّي". والقسم إنما يؤتى به للتوكيد إذا كانت هناك قضية اختلفت الآراء فيها، فيؤتى بالقسم لإثبات أحد الوجهين المختلف فيهما.
هنا ربي، ربنا عز وجل يقول: "قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي". قسم. "بَلَىٰ" معناه أمر البعث حق كائن. وأكد هذا الحق بقوله: "وَرَبِّي". ثم زاد في التأكيد. لماذا زاد في التأكيد؟ لأنهم كانوا ينكرون البعث إنكارًا شديدًا. فناسب أن يؤكد بمؤكدات، لا بمؤكد واحد، لا بمؤكد واحد. كيف يعني؟ أنا وأنت أصحاب، وبتصدقني شو ما قال لك. ماشي. إذا قلت لك: إيه، رحت زرت فلان. فإذا كنت صدقتني، انتهى الموضوع. بس إذا حسيتك شاكك أنه أنا زرته، آتي بمؤكد. فأقول: قول إنّي زرت فلان. هيدي "إنّي" تفيد التوكيد. بعدك شاكك أنه زرته؟ لا. فبقول له مثلاً: "إنّي وربّي زرته". زدت مؤكدًا ثانيًا، هو القسم. إذا بعده متردد، من هو صاحبي هذا؟ فإذا كان لازالة له ترددا، أقول له مثلاً: "إنّي وربّي لزرته". زدت اللام هذه. اللام. لماذا أتيت بها أيضًا؟ للتوكيد.
إذا حين كان إنكارهم للبعث عظيمًا شديدًا، ربنا عز وجل أتى بمؤكدات في هذه الآية الكريمة ردًا على شدة إنكارهم للبعث. "قُلْ بَلَىٰ" هذا تأكيد. "وَرَبِّي" قسم يفيد التوكيد. "لَتُبْعَثُنَّ" اللام والنون المشددة في الآخر، كلها تفيد التأكيدات. انظروا إلى كم تأكيد ذكر ربنا عز وجل. انتبهتم يا أحبابنا؟
طيب، حين كانوا ينكرون البعث، وهو خروج الموتى من القبور في القيامة، قال ربنا عز وجل: "إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَىٰ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ". "إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَىٰ". هذا للتعظيم. "إنّا" للتعظيم. الله تعالى للمعظم، لأنه يعظم نفسه. قال: "إنّا" ولم يقل: "إنّي". ولم يقل: "إنّي" بالأفراد، بل قال: "إنّا" الدالة على شو؟ على الجمع. المؤكد. وزاد هذا التأكيد بصيغة الجمع التي بعد: "نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَىٰ". "إنّا نحن" أي لا غيرنا. "إنّا نحن" أي لا غيرنا من يحيي الموتى. معناه عز وجل وحده القادر على أن يحيي الموتى ويخرجهم من قبورهم، ولو تفتتت أبدانهم وتناثرت وتباعدت أجزاؤها، وقلبت المقبرة رأسًا على عقب، وصارت الذرات متباعدة متناثرة، قدرة الله صالحة لأن يجمع ذرات هذا الجسد، وليبعثه من جديد. "إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَىٰ". "إنّا نحن" هذه صيغة الجمع تدل على التعظيم أحبابنا. وإلا فإن الله تعالى واحد لا شريك له. واحد لا شريك له. ليس متعددًا كثيرًا. "وَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ".
انتبهوا أحبابنا إلى هذه الفائدة. "إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَىٰ" بصيغة الجمع. حين يذكر الله تعالى إنعامه على خلقه، وإظهار قدرته عليهم، وعظيم إنزاله للقرآن، وعظيم حفظه له، جاء في هذه المواضع الثلاثة بصيغة الجمع الدالة على التعظيم. انتبهوا. "إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَىٰ".
طيب، موضع آخر: "إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ". "إِنَّا أَنزَلْنَاهُ". ليظهر عظيم امتنانه علينا بإنزاله القرآن على نبينا عليه الصلاة والسلام، وضمانه الله تعالى لهذا القرآن من التحريف والتبديل في ألفاظه، إظهارًا لعظمته وقدرته. "إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ". إن لم يقل الله عز وجل: "إنّي أنزلته في ليلة القدر". "إنّي" للأفراد. "أنزلته" للأفراد. لكنه سبحانه وتعالى قال: "إِنَّا أَنزَلْنَاهُ". ناه. صيغة شو؟ الجمع. للدلالة على شو؟ على تعظيم الله عز وجل لنفسه. وهذا حتى العرب يستعملونه في لغتهم أحيانًا. رئيس العشيرة، رئيس البلاد، رئيس الناحية الفلانية يقول: نحن عملنا لكم كذا وكذا وكذا. هو واحد في تعظيم نفسه.
أما حين ذكر توحيده سبحانه، وانفراده بالوحدانية، وانفراده وحده باستحقاق العبادة، جاء بصيغة الإفراد. جاء بصيغة الإفراد. قال تعالى: "إِنَّنِي أَنَا اللَّـهُ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي". ليش بصيغة الإفراد؟ لأن الله تعالى واحد. فناسب أن يأتي ليفهمنا وحدانيته في ذاته وصفاته وأفعاله. "إِنَّنِي أَنَا اللَّـهُ". لم يقل الله: "إنّنا نحن الله". انتبهتم؟ قال: "إِنَّنِي أَنَا اللَّـهُ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي". لنفهم أحبابنا أن الله تعالى واحد في ذاته، فلا يشابه أحدًا، ولا يشاركه أحد. واحد في صفاته، فلا يوجد أحد يتصف بصفة كصفته سبحانه. لا أحد يقدر على كل شيء إلا الله. لا أحد يعلم كل شيء إلا الله. لا أحد شديد الإرادة لكل شيء إلا الله. لا أحد يتصف بالسمع والبصر كصفته سبحانه بمعنى صفته سبحانه. لذلك هو واحد في صفاته. واحد في فعله. معناه هو خالق، ولا خالق سواه. الله خالق أعمالنا، وخالق حركاتنا، وخالق سكناتنا، وخالق نطقنا، وخالق نوايانا، وخالق خواطرنا، وخالق عزومنا. خالق كل شيء، كما أنه خلق أجسامنا، خلق أعمالنا كلها.
"إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَىٰ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ". "وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا" يعني من خير أو شر. هناك ملائكة تحصي أعمالنا، ما نقدمه من خير أو شر. ملائكة يكتبونه ويحصونه علينا. ويحصونه علينا. ملك يكتب الحسنات، وملك يكتب السيئات. "وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ". شو يعني وآثارهم؟ ما دامت هذه الأعمال التي تقدمها يكتبها الملائكة لتوافي بها ربك يوم القيامة. فما معنى كتابة الآثار؟ انتبهوا أحبابنا. أحيانًا يعمل الإنسان عملاً حسنًا، يسن سنة حسنة، فيكون له أجرها، ويكتب له زيادة على أجرها حسنات بقدر من قلده فيها، من تبعه فيها. وهذا مصداقه قوله عليه الصلاة والسلام فيما رواه الإمام مسلم في صحيحه من رواية جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه، أن رسولنا صلى الله عليه وسلم قال: "من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا". ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها بعده، لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئًا.
إذا سن الإنسان أي فعل سنة حسنة، عملاً حسنًا، فيكتب له عمله، ويكتب له آثار هذا العمل كالعمل الذي يتعدى نفعه للناس. حفرت بئرًا، لا سيما في وقت اشتداد حاجة الناس إلى المياه. أنت أغناك الله، فحفرت بئرًا في قرية الناس بحاجة فيها إلى هذا الماء، ثم مت. كل إنسان يشرب من هذا الماء الذي أنت قدمته، يكتب لك حسنات، لأن نفعك تعدى إلى الناس. تعدى إلى الناس. انتبهتم يا أحبابنا؟ هذا معنى الآثار. لأن هذا الإنسان سن سنة حسنة، فانتفع بها وقلده فيها، أو عمل مثله أناس، فيكتب له حسنات لأنه أول من سن ذلك. وكذلك الأمر في السيئات أحبابنا في الله. يعني لو أن إنسانًا سن معصية، عمل معصية لم يعمل مثلها أحد قبله، ثم إن أناسًا جاؤوا بعده قلدوه فيها، فيرجع عليه إثم حصة، نصيب من هؤلاء الذين قلدوه في المعصية. لماذا؟ لأنه هو أول من سن هذه السنة السيئة. وهذا ذكره الرسول عليه الصلاة والسلام فيما رواه البخاري في صحيحه في قصة قتل قابيل لأخيه هابيل. قال عليه الصلاة والسلام في هذا: "ما من نفس تقتل ظلمًا بغير حق إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها". ليش قال عليه الصلاة والسلام؟ لأنه أول من سن القتل. الله. أول إنسان سن القتل بغير حق، قتل بشريًا، هو قابيل. فكل قاتل بغير حق بعد قابيل مستند بسنة قابيل السيئة، أليس كذلك؟ فيرجع على قابيل إثم حصة من ذنب كل قاتل. من غير أن ينقص ذنب هذا القاتل، يرجع كفل، أي حصة ونصيب، من هذا الإثم إلى قابيل. انظروا كم يرجع إليه من الآثام لأنه أول من سن القتل. نسأل الله السلامة.
ولا يعرف عن قابيل ندم وتوبة. لأنه لو عرف عنه توبة من هذا الذنب، تم توبة من هذا الذنب، لما رجع عليه إثم بقدر ذنوب كل قاتل بغير حق. قد يشكل عليكم الآن أحبابنا، ولا سيما أنكم تقرؤون كتاب الله، فاحتاج أن أنبه إلى هذه القضايا حتى لا تنصرف أذهانكم منصرفًا بعيدًا عن الحق. الله تعالى وصف قابيل فقال: "فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ". انتبهوا. ندم قابيل ليس ندماً لأنه قتل أخاه. لا. لو ندم ندامة التوبة لأنه قتل أخاه، لما رجع عليه آثام بقدر ذنوب كل قاتل بغير حق. فإذا ما معنى قوله تعالى: "فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ"؟ أي أصبح من النادمين أنه لم يعرف ماذا يفعل بأخيه بعد أن قتله. وعرف الغراب الذي قتل الغراب الآخر. هذه موجودة القصة في القرآن. الله تعالى أراه. أراه أمر الدفن. لم يكن حصل أن مات من ذرية آدم أحد حتى يعلم الدفن. لذلك كان يحمل أخاه، يطوف به، يتعب، يضعه، لا يعرف ماذا يفعل فيه. إذا تركه تأكله الوحوش، استباع، فيحمله من جديد، يمشي فيه. أرسل الله تعالى له غرابين اثنين. قتل أحدهما الغراب الآخر، ثم حفر في الأرض ودفنه. رأى قابيل ذلك، فأصبح من النادمين أن بهيمة تعرف ماذا تفعل بأخيها وهو لم يعرف. انتبهتم يا أحبابنا؟
إذا "وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ". نكتب السيئات التي هم سنوها وفعلُوها وقلدهم الناس فيها، أو نكتب الحسنات التي قلدهم الناس فيها بعد أن سننتها لهم فانتفعوا بها وانتفعت أنت بذلك. "من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده". في ناس بتقول لك: كل شيء ما عمله النبي بدعة ضلالة. منه صحيح. ما كل شيء ترك النبي عليه الصلاة والسلام فعله يكون بدعة ضلالة. لا يوجد في قواعد الشرع أحبابنا أن ما تركه الرسول صلى الله عليه وسلم فهو حرام. هذا لا يوجد في قواعد الشرع. بل الحرام ما حرمه الشرع، ما نص الله تعالى على حرمته، أو نص رسولنا صلى الله عليه وسلم على حرمته. هذا الحرام. أما مجرد ترك الرسول صلى الله عليه وسلم فعل شيء ما، هذا الترك المجرد عن قرائن التحريم لا يحمل على الحرمة. هل أمر النبي عليه الصلاة والسلام بنقط المصحف؟ لا. هل نقطه؟ لا. لا نقطه ولا أمر بنقطه. من الذي نقط المصحف؟ يحيى بن يعمر. ويقال يعمر. وهو تابعي جليل. من صحابي يعني لم يجتمع بالنبي عليه الصلاة والسلام. هو الذي نقط المصحف. واستحسن المسلمون في الشرق والغرب رب فعلته وسنته هذه. لولا أنه نقط المصحف، ماذا يكون حال الناس في زماننا؟ ما بدي أقول بزمانهم، هو منقوط ومطبوع وخط حلو ومشكول، فتحة وضمة وكسرة وشده وسكون. وأحيانًا بعض المصاحف بتكون ملونة كمان، أحمر وأزرق، بس من شان تركز أنت أثناء القراءة. وبعض الناس يلحن في قراءته، يغلط غلطًا شنيعًا. فكيف هو الحال أن هذا المصحف ليس فيه نقط؟ تشكل بعض الكلمات على القارئ. لابد، لابد أنها ستشكل على أهل زماننا بعض الكلمات. أضرب لكم مثالًا: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا". في قراءة ثانية: "فتثبتوا". شيل النقط من كلمة "فتبينوا". غمضوا عيونكم وتخيلوها بدون نقط. "فتبينوا" مثل "فتثبتوا". إذا شلنا النقط، ما هي نفس الرسم. ويوجد على هذا النحو أمثلة كثيرة في كتاب الله. القرآن. لذلك تسمعون بالقراءات العشر المتواترة. لذلك نقط. لا أمر النبي عليه الصلاة والسلام به، بل ترك نقطه. هل نقول عنه بدعة ضلالة لمجرد أن النبي تركه؟ أم نقول هذه بدعة حسنة وسنة حسنة؟ سنة حسنة وبدعة حسنة. إذا مجرد الترك ليس دليلاً على التحريم.
ويدل لهذا الأمر قوله عليه الصلاة والسلام: "من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا". خبيب بن عدي. وأنهي الدرس. خبيب بن عدي صحابي. حين أسره الكفار، قدموه للقتل. بدهم يقتلوه. قال لهم: لو أنكم أذنتم لي أن أصلي ركعتين. هذا هذا طلبي. أصلي ركعتين قبل أن تقتلوني. فأذنوا له. ثم لم يطل فيهما. قال لهم: لولا أني أخشى أن تظنوا أن بي خوفًا وجزعًا من الموت، لطولتهما. فصلى ركعتين، ثم قتلوه. الرسول عليه الصلاة والسلام حين عرف بخبره، أقر ما فعله. مع أنه هذا الصحابي خبيب بن عدي ما سمع من النبي أنه إذا واحد قرب للقتل يصلي ركعتين. لا أمر النبي بذلك، ولا فعله النبي عليه الصلاة والسلام. بل ترك ذلك. وترك الأمر به. لولا أن القاعدة المقررة في قلوب الصحابة جواز إحداث أمر لا يخالف الكتاب والسنة، لما صلى خبيب بن عدي هاتين الركعتين. يقول سيدنا أبو هريرة رضي الله عنه وأرضاه: "فكان خبيب أول من سن صلاة ركعتين عند القتل".
نسأل الله تعالى أن يوفقنا جميعًا لرضاه، وأن يصلح أحوالنا، ويقبلنا بقبول حسن. اللهم علمنا ما جهلنا، وانفعنا بما علمتنا، وبارك لنا فيما أعطيتنا. ونسألك رضاك والجنة، ونعوذ بك يا ربنا من سخطك ومن النار. وإن شاء الله تعالى نلقاك.