Transcription
هل تونس فعلا في خطر؟ ومن هي الأطراف التي تحاول افتراسها؟ وتلقت اليوم إنذارًا جزائريًا شديد اللهجة. ولماذا اعترف الرئيس تبون علانية، ولأول مرة، بالفشل في هذا الملف الحساس جدًا؟ اليوم نكشف سرًا يذاع لأول مرة عن مواجهة حدثت في العهد البائد حول أراضي سيدي عبد الله. ونحلل لغة الأرقام التي تعد الجزائريين بزيادات في الأجور قد تصل إلى 100%. منجم غار جبيلات، الأمن الدوائي، والرسائل المشفرة للخارج. خطاب المصارحة والخطوط الحمراء تحت المجهر. حلقة دسمة جدًا بالتفاصيل. لا تذهبوا بعيدًا.
أهلاً بكم في هذا الفيديو الجديد من قناة صوت الجزائر، حيث نغوص اليوم في تفاصيل الخطاب السنوي الذي وجهه الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون للأمة عبر غرفتي البرلمان. هذا الخطاب لم يكن مجرد سرد بروتوكولي للإنجازات، بل جاء بمثابة كشف حساب دقيق ورسم لمسار المرحلة المقبلة برسائل مباشرة للداخل والخارج، وبنبرة تعتمد لغة الأرقام والمصارحة، بعيدًا عن العاطفة الفضفاضة التي لا تغير شيئًا على الأرض.
دعونا نبدأ من الشق السياسي الذي يعتبر حجر الزاوية في استقرار أي دولة. لقد جدد الرئيس الجزائري التزامه بالحوار السياسي مع الأحزاب، مؤكدًا أن هذا الحوار ليس مناورة ظرفية، بل التزام قائم ما زال متمسكًا به، مثلما صرح وشرح لبعض رؤساء الأحزاب الذين استقبلهم. لكنه ربط انطلاق هذا المسار بمحطة تشريعية مهمة، وهي المصادقة على قانون الأحزاب الجديد. هذا الربط يحمل معنى واضحًا: تنظيم المشهد أولاً، ثم الجلوس إلى الطاولة بقواعد مضبوطة، حتى تكون مخرجات الحوار قابلة للتطبيق الفعلي وليست مجرد حبر على ورق. والأهم أنه لم يكتفِ بوعد الحوار، بل قال إن الحوار سيعقبه تطبيق ما يتم الاتفاق عليه مع الأحزاب. وهذه نقطة عملية تقاس نتائجها لاحقًا في القرارات لا في الشعارات.
ومن السياسة ننتقل إلى العصب الحيوي للدولة، وهو الاقتصاد. هنا حاول الرئيس أن يتحدث بلغة واضحة، واضعًا الناس أمام صورة سابقة وصفها بالتصحر الصناعي الذي عاشته البلاد عندما تم خفض مساهمة الصناعة في الدخل الوطني الخام عمدًا إلى حدود 3% في سياق قال إنه دفع السوق نحو ذهنية الاستيراد. ثم انتقل إلى الرقم الذي يعتبره عنوان التحول: مساهمة الصناعة عادت لتبلغ 10%، مع طموح واقعي للوصول إلى 12 أو 13%. الفكرة هنا ليست في الرقم وحده، بل في الرسالة السياسية التي خلفه: استعادة قرار اقتصادي وبناء إنتاج وطني يعوض ما كان يستورد بلا حساب.
وفي سياق الحديث عن السيادة الاقتصادية، برز ملف الأمن الدوائي. الرئيس قال إن الصناعة المحلية تغطي اليوم 82% من احتياجات السوق، وهو رقم يوفر على الخزينة العمومية ما يقارب 200 مليون دولار مع نهاية عام 2025. المعنى المباشر: تقليص كبير للاعتماد على الاستيراد في قطاع حساس، وتحويل جزء من الفاتورة إلى تصنيع محلي، وهو ما ينعكس على الاستقرار الصحي والمالي معًا.
ولأن الاقتصاد الحديث يبنى أيضًا على الثروات الباطنية والاستثمار الذكي، كان لمنجم غار جيبيلات نصيب واضح من الاهتمام، حيث وصفه الرئيس بأنه تحويل للحلم إلى واقع ليصبح ثالث أكبر منجم في العالم. هذا المشروع العملاق، بالتوازي مع مشروع الفوسفات الذي سيرتفع إنتاجه من مليون ونصف المليون طن إلى 10 ملايين طن، يبعث الجزائر في مسار مختلف على مستوى الموارد الأولية. ولم يتوقف الأمر عند ذلك، بل أكد أن الفوسفات سينتج وسينقل بشكل آمن، وأن القدرات ستتضاعف خمس مرات، في إشارة إلى أن المسألة ليست مجرد استخراج، بل منظومة إنتاج ونقل وحماية.
ثم يأتي ملف الفلاحة الاستراتيجية. الرئيس تحدث عن نجاح زراعة 3000 هكتار من الذرة، مع خطة طموحة للوصول إلى 200 ألف هكتار بحلول عام 2027، بما يعني تقليصًا تدريجيًا لفاتورة الاستيراد في مواد أساسية. كما أشار إلى أن الفلاحين نجحوا في إنشاء 15 ألف مؤسسة فلاحية بعيدًا عن التحكم الإداري التقليدي، وأصبحوا يؤثرون إيجابيًا في الاقتصاد الوطني، مضيفًا أن التكنولوجيا وصلت إلى قطاع الفلاحة في الجزائر. الرسالة هنا بسيطة: القطاع يتحرك، لكنه يحتاج استمرارًا وانضباطًا حتى يتحول إلى أمن غذائي فعلي.
ولكن، ومن باب المصارحة التي ميزت الخطاب، لم يتردد الرئيس في الاعتراف بوجود إخفاقات، وتحديدًا في ملف اللحوم، حين قال بوضوح: "فشلنا في إنتاج اللحوم بكل أنواعها". كانت الرسالة أنه لا يريد لهذا الملف أن يبقى عبئًا دائمًا بلا مساءلة. ثم وجه نداء لأهل القطاع حتى يكونوا غيورين على بلدهم، لأن أموال استيراد اللحوم أبناء الجزائر أولى بها. هنا لم يتحدث عن مشكلة تقنية فقط، بل عن نزيف اقتصادي يحتاج قرارات وتغييرًا في السلوك داخل القطاع.
وبالحديث عن المواطن، كان للشق الاجتماعي حيز واسع في الخطاب عبر أرقام ومؤشرات أرادها الرئيس أن تكون مفهومة بلا تعقيد. تحدث عن ارتفاع متوسط العمر في الجزائر إلى 77 عامًا، وربط ذلك بتحسن الرعاية الصحية والقضاء على الأمراض وتعميم التلقيح. واعتبر أن التلقيح أمر عادي للجزائريين، لكنه استثناء في دول أخرى كثيرة. كما تحدث عن رفع الأجور بنسب 47%، مع السعي لمضاعفة الزيادة حتى تصل إلى 100%. وتوقف أيضًا عند مؤشر البطالة، قائلًا إنها تدور في حدود ما بين 9.5% إلى 15%، في إشارة إلى أن السوق ما زال يحتاج إلى ضخ مناصب وفرص منتجة لا حلول شكلية.
ثم دخل إلى النقطة التي تهم الناس يوميًا: القدرة الشرائية. الرئيس شدد على أنها لا تحسب بالراتب فقط، بل يجب احتسابها أيضًا بدعم أسعار المواد الغذائية والماء والكهرباء والسكن ومجانية التعليم. وأكد أن التاريخ لن يسجل على الدولة أنها أوقفت دعم المواطن البسيط. وفي المقابل، تحدث عن أن القدرة الشرائية تحرس من المضاربين والطفيليين الذين يستهدفون امتيازات الدولة الممنوحة للمواطنين، وأن هناك تصديًا يوميًا لمن يحاول كسرها، بمعنى أن المعركة ليست مع الأرقام فقط، بل مع من يحاول العبث بها.
ولا يمكن إغفال ملف السكن الذي يعتبر في نظر الناس ترمومتر الاستقرار الاجتماعي. الرقم الذي كشفه الرئيس ضخم: إنجاز مليون و700 ألف وحدة سكنية منذ بداية العهدة الأولى. وهنا استحضر موقفًا كشف عنه ضمن ما سماه خفايا العهد البائد، يتعلق بإلغاء استفادة البعض من أراضي سيدي عبد الله وإعادتها للشعب من خلال مشاريع السكن. هذه الإشارة تحمل معنى واضحًا: السكن ليس مجرد بنايات، بل قرار يتعلق بالأرض والامتيازات، ومن يستفيد ومن يحرم. ولهذا شدد على أن العدالة ستكون بالمرصاد لكل من يعبث بالمال العام، مع توفير الحماية للإطارات النزيهة حتى لا تتحول الدولة إلى إدارة خائفة من التوقيع واتخاذ القرار.
ولم يترك الخطاب الجانب الخدمي في العموميات، إذ أمر الوزير الأول بالشروع في إنشاء محطتي مياه في تندوف وتمنغست كخطوة عملية لتدعيم التزويد في مناطق الجنوب. وهذه رسالة من النوع الذي يقاس لاحقًا بالآجال والإنجاز لا بالكلمات.
أما في الشأن الخارجي، فقد جاء الخطاب حاسمًا وواضحًا، خاصة فيما يتعلق بالجارة تونس. الرئيس تحدث عن محاولات لإثارة البلبلة والتفرقة بين الجزائر وتونس، ورفض ذلك من أساسه، واضعًا قاعدة ذهبية: "أمن تونس امتداده في الجزائر، وأمن الجزائر امتداده في تونس". ثم فنّد بشكل قاطع كل الكلام عن التدخل في الشأن التونسي، مؤكدًا أن الجزائر لم تتدخل يومًا في الشأن الداخلي لتونس الشقيقة، وأن الجيش الجزائري لم يطأ الأراضي التونسية. وأضاف أن الروح الوطنية في تونس قوية جدًا، وأن من يحاول تصويرها بأنها سهلة الافتراس مخطئ، وأن هناك من يريد تفكيك الرابطة الأخوية بين الجزائر وتونس لاعتقاده أن ذلك يسهل افتراسها. وفي السياق نفسه، جاءت عبارته الدالة: "إذا لم يأتِ من جوار الجزائر الخير، فلن يأتي منه الشر أبدًا". ثم كانت جملة الدفاع السياسي المباشر: "الرئيس قيس سعيد لا هو مطبع ولا هو مهزوز". وختمها برسالة صارمة: "من يمس تونس فقد مس الجزائر".
كما عرج الخطاب على الملف الليبي، مجددًا المقاربة الجزائرية الثابتة بأن الحل لا يمكن أن يكون إلا بين أبناء الوطن الواحد، بعيدًا عن أي مسارات تزيد الانقسام. وبالتأكيد، ظلت القضية الفلسطينية حاضرة كبوصلة لا تحيد عنها الجزائر، بموقف ثابت قال عنه الرئيس بوضوح: "سنبقى ثابتين على موقفنا من فلسطين، لن نتغير".
إن قراءة ما بين سطور الخطاب تكشف محاولة لتثبيت مسار متكامل: إصلاح سياسي عبر حوار بعد قانون الأحزاب، ومسار اقتصادي يركز على الصناعة والإنتاج الوطني ومشاريع كبرى في المناجم والفوسفات وتحديث للفلاحة، مع الاعتراف بعقدة اللحوم، وتحصين اجتماعي عبر الأجور والدعم وحماية القدرة الشرائية. وفي جانب آخر، ركز الخطاب على الرد على من يتحدث عن عزلة أو ضعف، إذ أشار إلى مشاركة الأجانب في 309 مشاريع استثمارية، مع الإشارة إلى تراجع في معدل التضخم كأحد المؤشرات التي تستخدم للرد على من يصف الاتجاه الاقتصادي بالخاطئ.
ما يميز هذا الطرح هو الواقعية. فالرئيس لم يبع الأوهام، بل قدم أرقامًا قابلة للقياس، واعترف بالنقص حيث وجد، وتعهد بالمزيد حيث أمكن. إنه خطاب يؤسس لمرحلة جديدة عنوانها "الجزائر المنتصرة" التي تعرف ماذا تريد وكيف تصل إليه، معتمدة على سواعد أبنائها، سواء كانوا شباب المؤسسات الناشئة الذين بلغ عددهم 13 ألف مؤسسة، أو الفلاحين الذين تحدوا البيروقراطية، أو الإطارات النزيهة التي تسهر على تسيير الشأن العام.
في الختام، يبدو أن الرسالة الأهم التي أراد هذا الخطاب إيصالها هي أن قطار التنمية قد انطلق، وأن محاولات التيئيس والتشكيك وزرع البلبلة لن تجدي نفعًا أمام لغة الأرقام والحقائق المنجزة على الأرض. الجزائر اليوم، وبحسب ما جاء في هذا العرض المفصل، ورشة مفتوحة وبناء مستمر، يسابق الزمن لتعويض ما فات وتأمين مستقبل الأجيال القادمة في كنف دولة سيدة قوية ومزدهرة.