Transcription
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين. الإخوة الكرام، طابت أوقاتكم بكل خير. لقاء جديد متجدد كالعادة حول دلالات مترادفات القرآن الكريم. وكما كنا نكرر دائماً، أنه بحرٌ لا ساحل له، لا ينضب. وحتى لو عكف عليه المتدبر والباحثون، لما بلغوا العشر ولا العشير من العشر. وهذا بمثابة توجيه أو حث من الإخوة المهتمين بهذا الشأن، أن يعكفوا على جمع حقول المترادفات في النص القرآني، ويحاولوا يجتهدوا في عملية فك دلالات هذه المترادفات. وليس هذا بمقدور شخص أو شخصين، أو حتى 100، إنما الأمر يحتاج إلى جهد كبير.
في هذه الحلقة، سنتوقف عند، أو نحاول التفريق بين دلالات كلمات: الحوار، والجدال، والمراء، والمحاججة. هو عملية تحديد نقاط معينة، ويتم الأخذ والرد حولها لتتضح وتظهر جوانبها. هذا هو الحوار. عشان كده بيقول لك برنامج حواري يكون برنامج حواري، وأنت تستضيف ضيف، بتحدد نقاط يتم الأخذ والرد حولها بينك وبين الضيف، لتتضح جوانبها للآخر، أيًا كان الهدف والغاية شنو. المهم هو تحديد نقاط معينة يتم الأخذ والرد حولها، يعني مناقشتها زي ما نقول نحن بالعامية، مناقشتها لتتضح وتظهر جوانبها. هذا هو الحوار. عشان كده نقول برنامج حواري. قال تعالى: {وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ إِنِّي أَكْثَرُ مِنْكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَرًا}. لم يقل هو يجادله، قال: {وَهُوَ يُحَاوِرُهُ}، يعني في نقاط معينة اللي هو داير يحاول يظهر ما لديه من الولد والثمر.
في الآية هذه صورة الحوار. {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرُكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ}. فالمرأة كانت تجادل في زوجها، بينما الأمر بينهما كان حوارًا، لتتضح الرؤية لما نعرف ما هو مفهوم الجدال. أما الجدال، هو عملية جمع قدر من المعلومات للتعبير عن حالة وعي تام بكل ما يلزم الأمر ليتم قبوله من الطرف الآخر. يعني بما نسميه باختصار شديد مسألة المناظرات. فالمناظرة، إذا كانت مناظرة علمية مبنية على قواعد صحيحة حول موضوع أو موضوعات محددة، هذه المناظرات تسمى، تسمى مجادلة. لأن الجدال هو عملية جمع قدر من المعلومات، أنت تحاول تجمع أكبر كمية من المعلومات حول موضوع معين، للتعبير عن حالة وعيك التام بهذه المعلومات، لكل ما يلزم الأمر ليتم قبوله من الطرف الآخر. يعني تحاول تلزم الآخر بالحجة، زي ما نحن بنقول. هذه هي المجادلة. فالمجادلة أقرب لمفهوم ما نسميه بالمناظرات.
إذا لما نفهم موضوع الجدال ونرجع إلى الآية: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا}. هي جمعت أكبر كمية من الأدلة عشان تدين زوجها، اللي هو اللي قال لها: {أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ كَظَهْرِ أُمِّي}. دار تجمع أكبر كمية من الدلائل والمعلومات المنطقية عشان يكون حجة زوجها ضعيفة، فهي كانت شنو؟ مجادلة. لكن هل النبي كان واقف ضدها؟ النبي عليه الصلاة والسلام ما كان يمثل الطرف الآخر، حتى يصبح الأمر بينهما جدالاً. لا، النبي عليه الصلاة والسلام كان محايد، داير يسمع المشكلة هي شنو، وبالتالي داير كان يسال على النقاط: حصل شنو؟ والمفترض يحصل شنو؟ بحدد معها نقاط عشان تتضح جوانبها. لذلك العملية كلها القرآن سماها تحاور، ولم يسميها جدال. هي كانت تجادل، والعملية كلها كانت عبارة عن حوار. {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرُكُمَا}. {قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَ فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ}. دي لما زهج منه خلاص قوم نوح، قالوا له: يا أخي أنت طول ذاك تحاول تقنعنا بموضوعك ده، أو ببرنامجك ده، وهم طبعاً ناقشوه. {قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا}. يا أخي بعد ده افعل، أو زي ما يقولوا اركب على ما في خيلك. {فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ}.
فلما ذهب عن إبراهيم الرعب وجاءته البشرى {يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ}. إبراهيم عليه السلام عندما جاءت الملائكة وجاء بعجل حنيذ وبشروه بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب، كانوا ماشيين وين؟ كانوا ماشيين أصلًا الهدف المحطة النهائية بتاعتهم كانوا ماشيين للوط، ماشيين لسيدنا لوط عشان يبلغوه بأن الأمر قد انتهى، والمُدّة بتاعت قومك هذه استُنفدت، والآن هم يستحقون العقاب، عشان ياخذ بعضه وياخذ أولاده ويمشي. فكان إبراهيم، إبراهيم أواه حليم. إبراهيم يا جماعة رجل عجيب جداً. فإبراهيم كان بيحاول يجاهن أنه يدوهم فرصة، أو عنده محاولة ثانية، يعني عنده سفارة ثانية، ما خلاص العذاب يستحق. لعله يمكن ينجح أو يفلح في أنه يجنب سخط الله سبحانه وتعالى. فكانت العملية مجادلة، هو ما كان بيحجزهم بس، لا، كان بيحاول يقنع فيهم: يا جماعة الناس زِي ما أخذوا فرصة، يمكن لوط ما قدر يفهمهم كويس، ادوني أنا فرصة كده أنا بتكلم مع لوط أشوف الحاصل شنو، يعني زي أنا دا أشبه لكم بما يحصل الآن. فكان هو يجادل في الملائكة، يعني يجمع أكبر كمية من المعلومات فيما يخص هذا الموضوع بوعي، لكي يلزم الطرف الآخر على أنه على حق، أو هو كلام منطقي، أنكم ترجوا أو تمهلوا قوم لوط مزيداً من الوقت.
أحبائي، بنفس هذا الحقل، في الحلقة القادمة سنتناول الفرق ما بين المراء والمحاججة. هو عبارة عن أربع كلمات: الحوار، الجدال، المراء، المحاججة. إلى أن نلتقيكم، استودعكم الله. السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته. [موسيقى]