Transcription
لا يهزم جيش فيه مثل هذا الرجل، ولصوته بالجيش بالف رجل. فهو الرجل الذي يقلب المعادلة في الحروب، الرجل ذو الفضل العظيم في الفتوحات الإسلامية، الداهية والمحن، صقر من صقور العرب، وفارس بني تميم: القعقاع بن عمرو التميمي.
أمر أبو بكر الصديق رضي الله عنه من سيف الله المسلول خالد بن الوليد التوجه شمالاً تجاه بلاد فارس بالعراق، بعد أن اعتدوا على أرض المسلمين. فلما وصل خالد بن الوليد، وجد جيش المسلمين عدده قليل بالنسبة لأعداد الفرس الكبيرة، فطلب المدد من أمير المؤمنين: يا أمير المؤمنين، لقد وصلتنا رسالة خالد حيث يطلب المدد لجيش المسلمين. فأرسل له أبو بكر القعقاع، ومعه رسالة لخالد بن الوليد.
فلما وصل القعقاع، أعطى الرسالة لخالد التي كان مكتوباً فيها: من عبد الله أبو بكر إلى خالد بن الوليد، أما بعد، فهذا مدد أرسلته إليك. ولعلك تعجب وتقول: رجل واحد؟ وأنا أقول لك يا خالد: إن جيشاً فيه القعقاع لا يهزمه أحد على وجه الأرض، ولا صوت القعقاع في الجيش خير من ألف فارس.
فيقف خالد أمام المسلمين ليقول: أيها المسلمون، أعدوا أنفسكم لقتال الفرس، فلقد جاء مددنا. لقد كان ذلك الفارس جيشاً جراراً لوحده. ولكن كان قائد جيش الفرس هرمز يكيد لخالد بن الوليد، حيث وضع خطة يستدرج فيها خالد ويبعده عن أصدقائه وجيش المسلمين. ستكون الخطة التي سوف نغلب فيها المسلمين هي أن أُبارِزَ مع خالد بن الوليد، وإذا انقض عليّ وأسقطني أرضاً، تهجم عليه كرجل واحد.
فتقابل الجيشان، وقام قائد الفرس هرمز بالنداء على خالد ليبارز فارساً لفارس. وتقدم خالد لمبارزة هرمز، وسرعان ما قام خالد بالانقضاض على هرمز كالأسد الكاسر. ولكن قام هرمز باستدراج خالد إلى صفوف جيش الفرس، فطرح خالد هرمز بدرعه أرضاً، وتمكن منه.
فلاحظ القعقاع أن هنالك مجموعة من مقاتلي الفرس يستعدون للانقضاض على خالد بن الوليد، فاستلّ وهجم عليهم بفرسه كلمح البصر، قبل أن يتمكنوا من خالد. الله أكبر! فسرعان ما التفت خالد ليأخذ سيفه بعد أن اجتمعوا عليه، فرفع رأسه ولم يرَ سوى الرؤوس تتطاير، والقعقاع يقف أمامها. فتذكر مقولة أبي بكر: رجل بألف فارس. فقتل خالد بن الوليد القائد هرمز، وسرعان ما فرّ الفرس بعد أن رأوا قائدهم يقتل. وكان هرمز قد قام بربط الآلاف من الجنود بسلاسل من حديد في أقدامهم حتى لا يهربوا من المعركة، فانقض عليهم المسلمون كالسهام الخاطفة، وانتصروا على الفرس. وكانت هذه المعركة سميت بذات السلاسل، معركة القادسية. إذا كان لكل معركة رجل، فالقعقاع بن عمرو التميمي هو رجل القادسية.
وصل القعقاع إلى اعتاب القادسية وقد فاته اليوم الأول من أيام القتال الذي سمي بيوم أرماث، وكان يوماً صعباً بعد أن أنهك الفرس بفيلةتهم المسلمين، حيث كانت تطحن الرجال طحنًا، ويترا هذه الحيوانات الضخمة فيل أبيض كبير. ولاحظ قائد المسلمين سعد بن أبي وقاص أن هنالك نقطة ضعف لهذه الفيلة وهي الحبال التي كانت تحت كل صندوق موضوع على ظهرها، فأمر بنو أسد بأن يقطعوا الحبال التي تثبت هذه الصناديق، واستطاعوا أن يقوموا بتقويض قوة الفيلة، وانتهى اليوم الأول بهذه الخطة.
فجر اليوم الثاني، فجر القعقاع بن عمرو التميمي يوم أغواث. فلما نظر القعقاع إلى جيش المسلمين، وجدهم قلة بالنسبة لجموع الفرس الكثير الذي كان يتراس ملكهم وقائد جميع قوات الفرس، عظيم إمبراطورية بلاد فارس، رستم. فقال القعقاع: أنا قلة، وعددهم كبير، ويجب علينا أن نغير من استراتيجية القتال. يجب عليكم أن توهموا الفرس أن عندنا مدداً لا ينقطع، ونقسم إلى عشرة أقسام، كل مئة فارس يأتون كل ساعة، ويجعلوا خلفهم غباراً كثيفاً، فيدبر العب في قلوبهم.
فدخل القعقاع مسرعاً إلى صفوف الجيش، ونظر في أحوال الجنود، وقام فوراً بتغيير الصفوف: غير الميمنة بالميسر، والمقدمة بالمؤخرة، ووقف في أول الجيش ونادى بأعلى صوته: إن كان عندكم كبير يا فارس، فاخرجوه لمبارزة أنا! فكان رستم يسمع دوي هذا الصوت الذي زلزل الجيش الفارسي، فسأل: من هذا الذي يريد المنازلة؟ فقالوا له الفرس: إن نرى أن تخرج له من قادة الفرس من يعلمه فنون القتال. فأخرجوا له رجلاً اسمه بهمن جاذويه، وهذا بهمن قد انتصر على المسلمين في معركة الجسر، وقتل أبا عبيدة بن الجراح في تلك المعركة. فلما علم أنه بهمن، قال له القعقاع: لثأر أبي عبيدة بن الجراح، والحارث بن المثنى، ذكروا لنا أنك كنت قائداً للفرس في تلك المعركة. فسرعان ما قضى عليه القعقاع، ولم يُمهله حتى ضربه ضربة لم تخطئ رأسه، وأشار إلى بني تميم وكان يقول: هكذا اصنعوا بأعدائكم، فإنما يحصدون بالوفي.
وفي ذاك اليوم برز القعقاع بن عمرو التميمي أكثر من ثلاثين رجلاً، وانتصر عليهم جميعاً. ولاحظ القعقاع ماذا تفعل الفيلة بالمسلمين، فأشار عليهم أن يلبسوا الجمال البراقع لتخيف خيول الفرس. وكان اليوم الثاني يوم حصاد الفرس.
اليوم الثالث يوم عماس، احتار قائد المسلمين سعد بن أبي وقاص ماذا يفعل بالفيلة التي كانت تقتل المسلمين، ولاحظ قوتها المدمرة من فوق سطح بيته، حيث إنه لم يكن قادراً على القتال بسبب الدمامل التي كانت في جسده. فأشار لهم أحد الجنود المسلمين الذي كان فارسياً: أن الفيلة إذا أصيبت بعينها اختل توازنها، وأصبحت ترجع على من خلفها. فقال سعد بن أبي وقاص: عليكم بالفيلة، وأنت يا قعقاع عليك بالفيل الأبيض! فهجم عليه القعقاع وأخيه، وقاموا بضرب الفيل الأبيض بنفس وقعوا عينيه، وقام القعقاع بقطع خرطومه، والذي أخاف الفيل وأخذ يرجع على الفرس ويطحن طحنًا، وقتل منهم العدد الكبير، فهربت باقي الفيلة بعد أن رأت قائدها يرجع إلى الوراء. وقال القعقاع في ذلك اليوم بعد أن حل الظلام: لا توقفوا القتال، استمروا، فإنما النصر صبر ساعة، النصر صبر ساعة. واستمر القتال بين المسلمين والفرس أربع ساعات بدون راحة، والذي أنهك جيش الفرس وجعلهم يتساقطون من شدة التعب.
اليوم الرابع يوم الهرير، يوم النصر، وأعلنوا في الصباح بأن أحد المسلمين قتل رستم بعد أن هرب واختبا بين البغال في الحظيرة. ويذكر أن جيش الفرس ولّ هارباً، وترك رستم يواجه مصيره، وقام ذلك الفارس بقتل رستم، وصاح بأعلى صوته: قتلت رستم، الله أكبر! قتلت رستم، الله أكبر!
تلك بعض من بطولات ذلك الفارس الكبير الذي سطر بتضحياته وشجاعته معانٍ كبيرة لا يمكن وصفها. وكان أول من حارب ليلاً من العرب، وخلق استراتيجية جديدة في فنون القتال، وخطط الإرهاق. في الختام، يجب علينا أن نحفظ تلك البطولات، ونحكي لأطفالنا لكي تكون مصدر إلهام للأجيال القادمة.