Transcription
المشهد اللي قدامنا ده هو اللي معروف في السعودية النهارده بمدينه الاحلام، مشروع نيوم اللي بتبنيه المملكة العربية السعودية دلوقتي، واللي هيكلف المملكة بحسب بعض التقديرات قرب الترليون دولار.
لما نيجي بقى نبص على مشروع زي ده، تحس إن الدولة اللي بتبنيه وصلت درجة من الغنى والرفاهية، أو بمعنى أصح من الملاءة المالية، يعني إنها تقدر تمشي في حاجة زي كده وتبني مدينة على أعتاب معرفة البشرية. بس الحقيقة إن الواقع بيقول يعني غير كده شوية. المملكة العربية السعودية، رغم الاقتصاد والموارد المالية الضخمة وموسم الرياض والجوانب اللي عموما إحنا بنشوفها حديثاً يعني، إلا إن فيه جانب تاني تماماً بعيد عن الأنظار، جانب معاناة اقتصادية كبيرة بتضرب المملكة، واللي بدأت تظهر في آخر كم سنة تحديداً من بعد أزمة كورونا.
في تحليل مهم جداً لمجلة الإيكونومست، واللي هنتكلم عليه بشكل أعمق الحلقة دي، بيوصف العملية السعودية بأنها قدرت فعلاً تطور اقتصادها وتبني ويبقى عندها اقتصاد زي يعني اقتصاديات العالم الأول يعني، لكنها على غير قصد يعني نقلت مشاكل النوع ده من الاقتصاد برضه ليها. وده يخلينا نسأل شوية أسئلة مهمة قوي. هو إيه نوع المشاكل اللي بتواجه السعودية حالياً؟ وإيه سر الضغوط الاقتصادية على مشروع ولي العهد محمد بن سلمان؟ وإصلاً الاقتصاد السعودي هو عبارة عن إيه أو متشكل إزاي؟ وهل هتقدر المملكة إنها تواجه التحديات دي وتتغلب عليها؟
جازين لنا حاجة رايقة تشربها كده، وخلينا ندخل في التفاصيل على طول. أنا محمد خالد، وقهوتك وحصن.
وتواصل قواتنا حالياً قتالها مع العدو بنجاح. قبل ما نبدأ، حابب أقول إن الحلقة دي برعاية واحد من أكبر المطورين العقاريين في مصر، وهي شركة مصر العظمى للتطوير العقاري، أو "جادوكو"، واللي بتقدم لنا النهارده مفاجآت ضخمة في العاصمة الإدارية. تفتكر كده لما شركة يبقى عندها خبرة أكتر من 40 سنة في المقاولات والتطوير العقاري، ونفذت أكتر من 100 مشروع قومي من طرق وكباري ومحاور ومشاريع غيرت شكل الخريطة العمرانية تماماً، ولو بقت شركة مطورة بقى هنا هتعمل مشروعات عاملة إزاي؟ وده غير إنها ساهمت في تشغيل سلاسل كاملة من العمال، مهندسين، فنيين، وموردين ومصانع. والميزة الأهم إن "جادوكو" بتنفذ مشاريعها بمعدات وتنفيذ داخلي بدون الاعتماد على أطراف خارجية. وده يخلينا نسأل.
اسم "جادوكو" جه منين؟ في البداية، خلينا ناخد نبذة بس كده عن شرح الاقتصاد السعودي وهو عبارة عن إيه في الأساس.
تاريخياً، الاقتصاد السعودي كان قائم على النفط في الأساس. المملكة واحدة من أكبر منتجي ومصدري النفط الخام في العالم، ومن خلال دورها القيادي داخل أوبك يعني بتاثر بشكل مباشر في المعروض العالمي. عائدات النفط مش بس بقت مصدر دخل، دي بقت العمود الفقري للموازنة العامة، ومنها بتيجي القدرة على الإنفاق على الرواتب والدعم وحتى طبعاً المشاريع العملاقة. لكن الموضوع هنا أكبر من دولة بيدخل لها نفط فبتصرف الفلوس دي على الشعب من خلال الموازنة والدنيا بتمشي.
طب يعني إيه الكلام ده برضه يا محمد؟ يعني جزء كبير جداً من الفلوس النفط دي بيعاد تدويرها محلياً عن طريق الإنفاق الحكومي والاستثمارات. وهنا بيجي دور الصندوق السيادي اللي أصبح أداة رئيسية في توجيه الاقتصاد السعودي عموماً. باختصار يعني، الصندوق ده بيجمع الفلوس من عائدات النفط علشان يرجع يستثمرها تاني في الداخل والخارج في مشروعات عقارية وسياحية وأسهم شركات عالمية علشان يضاعف الاستثمارات دي ويكون فيه فلوس أكتر، بحيث إن نضمن إن عائدات النفط ما تتصرفش بدون استثمار.
ولحد هنا الكلام طبيعي جداً وجميل كمان. لكن نقطة التحول اللي تتحول ليها المملكة حالياً علشان تنفذ رؤية 2030، إنها بتخطط إنها تتحول تدريجياً للقطاع الخاص القوي، يعني استثمارات ومشاريع ربحية وسوق عمل فيه تنافسية، مع فرض ضرائب زي القيمة المضافة وتقليل الدعم. الهدف إن الاقتصاد ما يبقاش معتمد بس على بيع النفط ومشتقاته، لكن كمان على الصناعة والسياحة والخدمات اللوجستية والتقنية والتكنولوجيا. ببساطة شديدة، النفط السعودي داير فيه حلقة واحدة أو واضحة جداً، وهي إن النفط هيولد إيرادات، فالدولة هتضخ الإيرادات دي في الاستثمار، يقوم القطاع الخاص يحقق نمو يعني بسبب الاستثمارات دي بقى، وده يوفر فرص عمل وتتحرك حركة المشاريع عموماً.
والتحدي الحالي إن الاقتصاد السعودي يتحول من اعتماد أساسي على النفط لنمو مستدام بتقوده قطاعات متنوعة تقدر تمشي حتى لو أسعار النفط حصل لها حاجة.
طب يا محمد، ما هو الكلام ده برضه حلو وجميل، فين المشكلة بقى؟ إيه مشكلة الاقتصاد السعودي؟ قفل. هو فعلاً الموضوع ده من بره وعلى الورق شكله جامد قوي، وده اللي بتقوله الإيكونومست. لكن على أرض الواقع بدأت برضه تظهر بعض المشاكل.
تحليل المجلة هنا بيقول إن حالياً بقى فيه شعور مختلف بيكبر عند قطاع واسع من السعوديين، خصوصاً الشباب، وهو إن إحنا هل فعلاً بنزدهر؟ وليه الضغوط بقت أكبر رغم المشاريع الكبيرة دي؟ طب إيه اللي يخلي الشباب يطرحوا سؤال زي ده رغم إن الاقتصاد السعودي خلق قفزات كبيرة؟ يعني خاصة بعد إطلاق رؤية 2030 سنة 2016، واللي بعدها الاقتصاد السعودي ما شاء الله بدأ يحقق قفزات كبيرة، لأن القفزات اللي حققتها السعودية وصلت لأكتر من 8% سنة 2022، وارتدت بسرعة جداً وتحولت بعد كده لتباطؤ في النمو آخر سنتين، وده مع استمرار الضغوط على الإيرادات النفطية.
كمان الميزانية رجعت تسجل عجز بعد ما كانت محققة فائض. وعشان نفهم أكتر المشكلة فين، فالاقتصاد السعودي في محاولات إنه يتنوع يعني، لكنه لسه معتمد بشكل كبير على النفط. يعني أكتر من 60% من إيرادات الدولة بتيجي بشكل مباشر من القطاع النفطي أو حتى ساعات غير مباشر. لكن أي هزة بقى في أسعار النفط أو أسعار الطاقة عالمياً بتترجم فوراً لضغوط على الإنفاق الحكومي. وده مهم لأن نموذج التنمية السعودي قائم أساساً على ضخ الدولة للاستثمارات العملاقة عبر صندوق الاستثمارات العامة.
والحق إن السعودية ضخت مليارات يعني كتير في المشاريع العملاقة آخر كم سنة، زي المشروع المكعب في الرياض اللي عبارة عن ناطحة سحاب ضخمة، ومشروع الخط أو "ذا لاين" ضمن مدينة نيوم، ومنتجع التزلج في "تروجينا" أو "تروجينا"، مش عارف بتنطق إزاي، ومخططات المدن الذكية. دي كلها مشاريع ضخمة. ومع ارتفاع التكلفة وتراجع الإيرادات، بدأنا نشوف إعادة تقييم وتأجيل وتقليص للمشاريع.
تقارير دولية مثلاً أشارت إلى إن بعض مراحل المشروع الخاص بـ "ذا لاين" يعني تقلصت مساحتها المستهدفة، زي ما قلنا قبل كده، من 170 كم لـ 2.4 كم تقريباً، وإن الجدول الزمني بقى أطول بكتير من المعلن عنه أول مرة. والمشكلة هنا مش بس في تكاليف المشاريع اللي بتوصل لمئات المليارات، لكن في طبيعة التمويل. الدولة بقت تعتمد أكتر على الاقتراض المحلي والدولي. والدين العام السعودي اللي كان منخفض جداً قبل 2016 ارتفع تدريجياً علشان يتجاوز 25% من الناتج المحلي. النسبة دي هي يعني بمقاييس العالم لسه معقولة عالمياً يعني، لكنها بتعكس تحول كبير في فلسفة الإدارة المالية السعودية.
الحكومة السعودية فرضت ضريبة القيمة المضافة من 5 لـ 15% بعد جائحة كورونا على طول، وده كان قرار صادم لناس كتير. الضريبة ما اتلغتش بعد الأزمة، إنها بقت جزء دائم من الهيكل الضريبي. ومع تخفيض دعم الكهرباء والوقود والمياه، المواطن السعودي بقى حاسس إن فيه حاجة بتتغير فعلاً. زمان كانت الدولة بتوفر وظائف حكومية مستقرة ودعم واسع وضرائب شبه معدومة. دلوقتي بقى فيه ضرائب أعلى، دعم أقل، وضغط إن الناس تشتغل في القطاع الخاص. وده اللي بيفكرك بيه حسب ما بيقول تقرير لـ "الإيكونومست".
والأجور بقى هنا نقطة حساسة جداً. متوسط الدخل السعودي ارتفع فعلاً من حوالي 100,000 ريال شهرياً إلى حوالي 110,000 وشوية، بس ده حصل في قد إيه؟ في سبع سنين بحالهم. الصدمة بقى إن في نفس الفترة دي، التضخم التراكمي عدى الـ 17%، يعني القوة الشرائية عملياً تاكلت. البنك الدولي بيقول إن التضخم في السعودية كان أقل من دول كتير، وده حقيقي، لكنه برضه بيأثر بشكل خاص على الإيجارات والخدمات والسلع المستوردة.
عشان كده السعودية بقى عندها أزمة كبيرة في السكن. الرياض تحديداً يعني شهدت قفزة ضخمة لإيجارات من بعد 2020. تقارير بتقول إن إيجارات بعض المناطق ارتفعت أكتر من 40 لـ 50% خلال سنين قليلة. يعني سعر المتر في الشقة الجديدة تجاوز حوالي 6,000 ريال في مناطق جديدة. وفي المقابل، مدن زي جدة والمناطق الشرقية ما شهدتش نفس الطفرة. وده خلق فجوة جغرافية واسعة. الشباب اللي بقى بينتقلوا للرياض علشان الفرص الخاصة بالعمل يعني بيلاقوا نفسهم دلوقتي قدام معضلة صعبة: وظيفة في القطاع الخاص غالباً في الخدمات أو المبيعات براتب أقل من التوقعات وإيجار بياكل جزء كبير من الدخل.
وفي نفس الوقت، الدولة بتحاول تجذب كفاءات أجنبية في التكنولوجيا والمال برواتب أعلى بكتير. والفجوة دي بقت واضحة ومؤلمة لناس كتير. نسبة مشاركة المرأة في سوق العمل ارتفعت فعلاً في أقل من 20% لـ 34% بحسب البيانات الرسمية، وده إنجاز مهم. لكن كمان الضغط على سوق العمل بقى أكتر وزود المنافسة على الوظائف. المتوسط، كثير من الوظائف الجديدة في القطاع الخاص بالخدمات المنخفضة الأجر، وده بيخلي الإحباط أكبر، خصوصاً مع ارتفاع سن التقاعد لـ 65 سنة.
طب المؤسسات الدولية بقى بتقول إيه على الكلام اللي قلناه ده؟ صندوق النقد بيشيد بالإصلاحات الهيكلية، لكنه بينبه إن الاستدامة المالية مرتبطة بقدرة السعودية على رفع الإيرادات غير النفطية، مش مجرد ضرائب استهلاكية. وكانت "فيتشي" حصلت أكتر من مرة إن الاستمرار الإنفاق الضخم مع أسعار النفط المنخفضة ممكن يضغط على التصنيف الائتماني لو ما تمش ضبط الأولويات. وكده المعادلة بقت معقدة جداً.
من بره صورة ازدهار وتحديث وانفتاح اجتماعي واضح، ومن جوه فيه قلق على الوظيفة وعلى الإيجار وعلى القدرة على تكوين أسرة. وخلينا نقول إن رؤية 2030 نجحت فعلاً في خلق اقتصاد أكثر حيوية، لكن كمان جابت معاها مشاكل تشبه مشاكل الاقتصاديات المتقدمة في أوروبا، زي تفاوت الدخل وضغط المعيشة والمنافسة الحادة في سوق العمل. وده برضه ما حسب ما بتوصف مجلة "الإيكونومست".
وبين المشاكل اللي بتواجه برضه الاقتصاد السعودي هي حاجة غريبة شوية بتحصل في سوق العمل. أكتر من 60% من السكان تحت سن الـ 35، وكل سنة في آلاف الخريجين بينزلوا السوق، وكلهم مستنيين فرص حقيقية مش مجرد وظائف مؤقتة. معدل البطالة بين السعوديين انخفض رسمياً في السنوات الأخيرة ووصل في بعض الفترات يعني لـ 7 أو 8% حسب بيانات الهيئة العامة للإحصاء، وده رقم أقل بكتير من اللي كان في الظروف الـ 12% اللي كان سجلها قبل سنين.
لكن الرقم العام ده بيخبي وراه تفاصيل مهمة، وهي إن بطالة الشباب أعلى، وبطالة النساء أعلى من المتوسط. ونوعية الوظائف نفسها بقت محل جدل. وده اللي بيخلي ناس كتير بتتكلم على برامج أو برنامج معين مثير للجدل في العملية السعودية، وهو "السعودة"، يعني يقللوا الاعتماد على العمالة اللي جاية من بره والوظائف اللي هتكون لأهل البلد السعوديين نفسهم. صحيح البرنامج ده نجح في نقل أعداد كبيرة من السعوديين لقطاعات زي التجزئة والبنوك والاتصالات، لكن قطاعات تانية لسه معتمدة بشكل أساسي على العمالة الوافدة، خصوصاً البناء والخدمات منخفضة المهارة.
التحدي إن القطاع الخاص بطبيعته بيدور على أقل تكلفة وأعلى كفاءة، وده بيخلق فجوة بين التوقعات الخاصة بالشباب السعوديين وبين واقع السوق. وكثير منهم متعلم تعليم جامعي، لكن يعني بيلاقوا نفسهم قدام وظائف يعني خدمة عملاء أو مبيعات برواتب محدودة. وفي المقابل، الدولة بتحاول تبني قطاعات جديدة بالكامل. السياحة مثلاً بقت قصة النجاح الأسرع. عدد الزوار قفز بشكل ضخم بعد فتح التأشيرات السياحية ووصل لعشرات الملايين سنوياً حسب وزارة السياحة. بس قبل ما تتصدم من حجم الرقم ده، خلينا نقول إن أغلبهم بيروحوا يعملوا حج وعمرة.
لكن إلى جانب الحج والعمرة، المملكة شغالة على استقبال نوع تاني من السياحة عن طريق موسم الرياض والمناسبات واللي بتحصل في جدة عموماً يعني. فخلينا نقول إن القطاع ده وفر وظائف فعلاً، لكنه في معظمها موسمي، خدمي، رواتبها غالباً أقل من طموحات خريجي الجامعات.
المشهد ده أثر بشكل كبير جداً على المشاريع العملاقة اللي في السعودية اللي كانت شغالة عليها، زي مشروع "ذا لاين" الخاص بمدينة نيوم، واللي كان مخطط إنه يمتد الـ 170 كم في الصحراء، مدينة مستقبلية بدون سيارات. لكن تقارير غربية بقت بتقول إن التنفيذ الفعلي للمرحلة الأولى هيبقى أقل بكتير من الطموح الأصلي. وكمان التكلفة الضخمة اللي كانت متوقع إنها تتجاوز الـ 500 مليار دولار خلت الحكومة تعيد ترتيب الأولويات مع تراجع الإيرادات النفطية.
مشروع المكعب في قلب الرياض كان رمز للجرأة المعمارية، لكن التحفظات الهندسية والمالية خلت وتيرة التنفيذ أبطأ من المعلن. حتى استضافة دورة الألعاب الشتوية الآسيوية في "تروجينا" اتأثرت بتأجيلات في الجاهزية. وفي نفس الوقت، الانفتاح الجماعي السريع خلق مفارقة لفتح مجالات ترفيه جديدة، يعني فعاليات، مطاعم عالمية. وده أظهر فجوة واضحة في دخل فئة كبيرة من السعوديين. يعني فئة صغيرة من التنفيذيين الأجانب أو السعوديين بيقبضوا كتير، لكن غالبية الموظفين في قطاعات الخدمية مرتباتهم نوعاً ما مش أفضل حاجة.
اللي بيحصل في السعودية هي مش أزمة اقتصادية تقليدية، هو تحول هيكلي عميق. الدولة بتحاول إنها يعني تنتقل من نموذج النفط اللي بيمول الازدهار لنموذج الاستثمارات والضرائب والعمل التنافسي. والتحول ده طبيعي إنه يكون مؤلم في المراحل الأولى دي. مش أزمة، لكن المشكلة إن التوقعات كانت أعلى بكتير من الواقع. لما اتقال إن البلد هتبقى مركز عالمي خلال السنوات اللي جايه، الناس خلاص تخيلت إن المكاسب هتوصل لكل بيت بسرعة. ولكن الحقيقة إن بناء اقتصاد متنوع بياخد وقت أطول من بناء مرسى أو حتى مدينة ذكية.
ويمكن التحول اللي بتحاول تعمله المملكة يعني هو هدفه حاجة واحدة، وهي إنها تتجنب أي انخفاض يحصل في أسعار النفط وياثر على اقتصادها. وهنا يجي سؤال مهم: إيه اللي ممكن يحصل لو فضلت أسعار النفط منخفضة لوقت طويل؟
السعودية محتاجة سعر النفط مرتفع نسبياً علشان توازن ميزانيتها، لأن الإنفاق الرسمي يعني ضخم جداً. تقديرات غير رسمية من بيوت أبحاث مالية بتشير إلى إن سعر التعادل المالي للمملكة أعلى بكتير من 70 دولار اللي هو سعر برميل في بعض السنوات، خصوصاً مع توسع الاستثمارات. لو الاستثمارات فضلت أقل من كده، العجز هيزيد والاقتراض هيكتر. وده مع الوقت هيضغط على التصنيف الائتماني وعلى قدرة الدولة على تمويل مشاريعها العملاقة بنفس الزخم.
صندوق النقد الدولي شايف إن الإصلاحات الضريبية وتوسيع القاعدة غير النفطية يعني خطوة صحيحة، أو كلها خطوات صحيحة، لكن الاستدامة محتاجة قطاع خاص هو اللي يقدر يعني يكمل النمو ويقوده، مش الدولة. ولحد دلوقتي القطاع الخاص السعودي لسه في البداية، هو لسه بيتكون. والدولة من خلال صندوقها السيادي هي المستثمر الأكبر وهي اللي بتحرك السوق. وده اللي بيخلق نشاط سريع، لكن بيخلي الاقتصاد معتمد على قرار سياسي أكتر من ديناميكية السوق الطبيعية.
السيناريو المتشائم بيقول إن الإنفاق تقلص فجأة والنمو هيتباطأ بسرعة ومشروعات كتير هتتأجل وسوق العمل هيستقبل صدمة. وده خطر حقيقي، لأن سوق العمل السعودي لسه في مراحل انتقالية. نسبة كبيرة من السعوديين تحولوا من القطاع الحكومي للخاص، لكن القطاع الخاص نفسه بيعتمد على عقود ومشروعات حكومية. لو الدولة خففت الإنفاق هيتأثر. أو التأثير هنا عموماً هيبقى مضاعف.
الخطير بقى في الموضوع هو ملف الشباب. جيل كامل اتربى على وعود إن البلد هتبقى نموذج عالمي وإن الفرص هتكون غير محدودة. لما الشباب يلاقي نفسه هنا في وظيفة خدمة عملاء براتب متوسط وإيجار مرتفع وتكاليف معيشة بتزداد طبيعي، فيحس إن الضغط، حتى لو البلد رسمياً بتنمو، هو مش حاسس بأفضل حاجة يعني. وده مش في السعودية بس، في دول كتير في مجموعة الـ G20. فـ يعني في دول يعني التوب 20. لأن المجتمع السعودي عاش له عقود بنمط مختلف، فالتغيير هنا طبيعي ممكن يجيب صدمة شوية.
السنين الخمسة اللي جايه هتكون اختبار حقيقي. لو النفط استقر عند مستويات مربحة أو مريحة شوية، هتفضل الدولة قادرة على تمويل التحول وتشتري وقت إضافي لحد ما القطاعات غير النفطية تبدأ تشتغل وتنتج. لكن لو الأسعار ضعفت، هنضطر نختار بين تقليص المشاريع أو زيادة الدين أو فرض ضرائب ورسوم إضافية.
في النهاية، المفارقة اللي أشار ليها مقال "الإيكونومست" هنا منطقية جداً. السعودية نجحت إنها تخش نادي الاقتصاديات الحديثة، لكن معاها دخلت مشاكل زي التضخم وإيرادات مرتفعة وقلق وظيفي ومنافسات شرسة. وده الصراحة، علشان نكون واضحين، طبيعي إنه يحصل على الأقل في المراحل الأولى مع دولة زي السعودية عندها طموح واضح وعندها تمويل حكومي ورؤية واضحة. الفترة دي مش هتستمر كتير، بل بالعكس، هي فترة انتقالية لاقتصاد متنوع أكتر علشان لما يجي اليوم وسعر النفط مثلاً ينزل أو البرميل يعني، السعوديين ما يكونوش قلقانين، لأن أوريدي بقى فيه حاجات تانية بتخدم على الاقتصاد مش بس ده. رؤية طموحة والشعب السعودي من حقه إنه يبص اليوم زي ده.
ولحد ما نشوف إيه اللي هيحصل بعد كده، بفكرك طبعاً تعمل اشتراك في القناة. وبس كده.