📱

Get Our Mobile App

Take your business learning on the go!

Download on the App StoreGet it on Google Play

الجزائر ومالي على خط النار.. تبون يوجه رسالة نارية لباماكو!

صوت الجزائر13:20

Transcription

أهلاً بكم. الساحل الأفريقي لا يعلن عن تحولاته الكبرى ببيان صحفي واحد ولا بمؤتمر عاجل. إنه يعلنها بطريقة أخرى تماماً. يعلنها حين تتبدل نبرة العواصم التي كانت هادئة، وحين تتغير لغة الحدود من التجارة إلى الترسانة، وحين يصبح الملف الذي كان بالأمس القريب عنواناً للتسوية والمصافحات هو نفسه عنوان الاشتباك السياسي اليوم.

نحن اليوم أمام مشهد جديد كلياً. في عام 2026، تصريحات الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون الأخيرة بخصوص مالي لم تكن مجرد عتاب عابر أو زلة لسان دبلوماسية، بل كانت جرس إنذار يقرع ليعلن أن قواعد اللعبة القديمة بين الجزائر وباماكو قد دُفنت تحت الرمال، وأن المنطقة تتجه نحو سيناريو أخطر مما نتخيل. سيناريو قد يبدأ في الساحل بلا وساطة وبلا ضامن كما عرفناهم لعقود. اليوم سنفكك معاً تقارير وكالة الصحافة الأفريقية، وإي بي آي نيوز، ومصادر دولية أخرى لنفهم لماذا وصل الجاران إلى حافة القطيعة، وما هي قصة الطائرة المسيرة والمحكمة الدولية والتحالف العسكري الجديد الذي يطوق الجزائر من الجنوب. اربطوا أحزمتكم لنبدأ الرحلة إلى عمق الصحراء.

لنبدأ من أحدث التطورات. بحسب تقرير مفصل لوكالة الصحافة الأفريقية (إي بي آي نيوز) نشر مطلع هذا العام، وقف الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون أمام غرفتي البرلمان في خطاب غير تقليدي. لم يتحدث بلغة الخشب، بل توقف عند مفارقة مؤلمة للجزائر. تخيلوا هذا المشهد: الرئيس يقول بصريح العبارة إن الجزائر قدمت الكثير لمالي، ليس فقط مساعدات غذائية أو لوجستية، بل كوادر بشرية. أشار تبون إلى نقطة قد لا يعرفها الكثير منكم: أن رموز السلطة الانتقالية الحالية في باماكو، هؤلاء الذين يهاجمون الجزائر اليوم، هم في الأصل أبناء المدرسة الجزائرية. نتحدث هنا عن رئيس الوزراء المالي عبد الله مايجا، وعن وزير الخارجية عبد الله ديوب. كلاهما درس وتكون وتخرج من المدرسة الوطنية للإدارة في الجزائر.

لماذا يركز الرئيس على هذه النقطة؟ الرسالة هنا أعمق من مجرد الحديث عن شهادات جامعية. إنه يتحدث عن ذاكرة دولة. الدولة الجزائرية تقول ضمنياً: نحن استقبلناكم طلاباً، ورافقناكم سياسيين، ودعمنا استقراركم حين تخلى عنكم الجميع. لكن، وبدلاً من أن يكون هذا التاريخ رصيداً للشراكة، ترى الجزائر أن المقابل في 2026 صار شكاً واتهامًا وتنصلاً من الجميل. هنا يجب أن نسأل: كيف تحول التلميذ بالمعنى السياسي إلى خصم لأستاذه؟ ولماذا قررت باماكو حرق جسورها مع القوة الإقليمية الأكبر بجوارها؟

لفهم الحاضر، علينا أن نعود قليلاً للوراء، وتحديداً إلى الزلزال الذي ضرب العلاقات في مطلع عام 2024. في ذلك الشهر، وبشكل مفاجئ، أعلنت السلطات العسكرية في مالي انسحابها رسمياً من اتفاق السلام والمصالحة الموقع عام 2015. قد يقول قائل: مجرد ورقة وتم تمزيقها، ما المشكلة؟ المشكلة يا صديقي أن هذا الاتفاق لم يكن عادياً. لقد ارتبط تاريخياً وسياسياً بما سمي "مسار الجزائر". كانت الجزائر هي المهندس والراعي والضامن لهذا الاتفاق الذي أوقف الحرب بين الدولة المالية في باماكو وبين المجموعات المسلحة الطوارق وغيرها في الشمال. عندما قررت باماكو سحب اعترافها بهذا الاتفاق، هي لم تلغِ وثيقة قانونية فحسب، بل هدمت آلية كاملة كانت تمنح الجزائر دور الضامن الإقليمي، وتمنح باماكو قناة تفاوض غير مكلفة سياسياً.

ثم تحليلات إي بي آي نيوز: بمعنى آخر، باماكو قالت للجزائر: لم نعد بحاجة لوساطتكم، ولم نعد نؤمن بمساركم، وسنحسم مشاكلنا بالسلاح لا بالتفاوض. من هنا بدأت لغة جديدة ومخيفة تتشكل في الساحل. عواصم الانقلابات العسكرية، باماكو، نيامي، واجادوجو، قررت أنها تريد إدارة ملفاتها الأمنية وحدها، وبشروطها الصارمة، ومع حلفاء جدد (روسيا وغيرها)، بعيداً عن الوصاية الفرنسية القديمة، وبعيداً أيضاً عن الأبوة الجزائرية. هذه الخلفية السياسية المتوترة تفسر لماذا صار كل حادث حدودي بسيط قابلاً للتحول إلى أزمة سيادة كبرى.

دعونا نأخذكم إلى ليلة 29 مارس إلى 1 أبريل 2025. في تلك الليلة، وعلى الحدود الملتهبة قرب منطقة بينزاواتين، أعلنت وزارة الدفاع الجزائرية إسقاط طائرة مسيرة عسكرية تابعة للجيش المالي. الرواية الجزائرية كانت حاسمة: الطائرة اخترقت مجالنا الجوي، وهذا خط أحمر. في المقابل، ردت باماكو برواية مناقضة تماماً: المسيرة كانت في مهمة مراقبة واستطلاع داخل حدود مالي، وتعرضت للاستهداف ظلماً. هنا انتقل الخلاف من التصريحات الدبلوماسية إلى لغة النار والخرائط. لم يعد النقاش حول نصوص الاتفاق، بل حول أين تمر خطوط السيادة، من يملك حق تعريف الحادثة، وهل السماء فوق الحدود منطقة مشتركة أم جدار عازل؟ هذه الحادثة لم تكن مجرد احتكاك عسكري، بل كانت رسالة بالنار: الثقة انعدمت تماماً، وأي خطأ تقني قد يشعل فتيل حرب لا يريدها أحد.

لم يتوقف الأمر عند الرصاص والمسيرات، بل انتقل إلى أروقة المحاكم وقاعات المخابرات. اتخذت مالي خطوة تصعيدية غير مسبوقة في سبتمبر 2025. لقد توجهت بملفها إلى محكمة العدل الدولية، متهمة الجارة الجزائر بانتهاك سيادتها الوطنية. طبعاً، المسار تجمد عملياً من الناحية القانونية لأن الجزائر رفضت اختصاص المحكمة واعتبرت الخطوة مناورة سياسية رخيصة. لكن في قاموس العلاقات الدولية، اللجوء إلى القضاء الدولي من دولة ضد جارتها ليس بحثاً عن حكم قضائي فقط، بل هو محاولة لفرض سردية إعلامية عالمية. باماكو تريد أن تقول للعالم: الجزائر ليست وسيطاً نزيهاً، بل طرف معتدٍ. والجزائر ترد بأنها حارس حدود يدافع عن مجاله الجوي ضد الفوضى.

وفي الوقت الذي كانت فيه المذكرات القانونية تكتب، كان هناك ملف أشد حساسية يطبخ على نار هادئة: ملف الإمام محمود ديكو. من هو ديكو؟ إنه الشخصية الدينية والسياسية الأكثر إثارة للجدل في مالي. وكالة إي بي آي نيوز تحدثت عن وجوده في الجزائر منذ ديسمبر 2023، لكن المفاجأة كانت في ديسمبر 2025 حين أعلن ديكو من الخارج تأسيس "ائتلاف قوى الجمهورية"، وهي حركة معارضة صريحة للسلطات العسكرية الانتقالية في باماكو. باماكو قرأت المشهد كالتالي: الجزائر تؤوي رجلاً يحرض الشارع ضدنا، وتوفر له منصة لإسقاطنا. بينما الجزائر ترى المشهد بمنظور مختلف تماماً: استقبال الشخصيات هو جزء من تقاليد الدولة، ووجود معارضين لا يعني تبني أجندتهم، والسياسة الجزائرية تدار بحسابات المصالح العليا لا بالشائعات والمؤامرات.

أضف إلى كل هذا، استدعاء السفراء وانغلاق المتبادل للمجال الجوي في فترات متقطعة، لتدرك لماذا نقول إن الساحل دخل مرحلة التجميد. لا توجد حرب معلنة لنا، لكن لا توجد مصالحة أيضاً. نحن في حالة "لا حرب ولا سلم"، وهي أخطر الحالات لأنها تجعل أي شرارة صغيرة قادرة على إحراق الغابة بأكملها.

لكن مهلاً، الأخطر في عام 2026 ليس ما يحدث بين الجزائر ومالي كدولتين منفردتين، بل ما يتشكل حول مالي. في أبريل 2025، نقلت شبكة أفريكا نيوز خبراً يجب التوقف عنده طويلاً: دول تحالف دول الساحل (AES)، وهي مالي وبوركينا فاسو والنيجر، قامت باستدعاء سفرائها من الجزائر بشكل جماعي بعد حادثة المسيرة، معتبرة ما حدث عملاً غير مسؤول. هذه النقطة مفصلية في قراءتنا للمشهد. الجزائر اليوم لم تعد تواجه باماكو وحدها، بل تواجه اصطفافاً إقليمياً جديداً. كتلة صلبة تحاول أن تتعامل كجسد واحد سياسياً وأمنياً. هذا التحالف الجديد ليس مجرد شعارات. وكالة أسوشيتد برس أشارت في تقرير لها أواخر ديسمبر 2025 إلى أن هذا التحالف أعلن إطلاق قوة عسكرية مشتركة، كتيبة قوامها نحو 5000 جندي. الهدف المعلن: عمليات واسعة ضد الجماعات المتطرفة. لكن السياق السياسي هو مسار اندماج أمني واقتصادي كامل بعد انسحاب هذه الدول من مجموعة "إيكواس" وتغيير شركائها الدوليين. هذا يعني ببساطة أن عام 2026 يضعنا أمام ساحل مسلح مؤسساتياً أكثر من أي وقت مضى، ولكنه في نفس الوقت ساحل أكثر توتراً وعدائية مع جيرانه الذين لا ينضمون تحت راية هذا التحالف، وعلى رأسهم الجزائر.

دعونا نبتعد قليلاً عن السياسة ونتحدث بلغة الجغرافيا والميدان، وهي اللغة التي تهم المشاهد والباحث في الشأن الأمني. الحدود الجنوبية للجزائر ليست مجرد خط مرسوم على الخريطة، إنها بوابة الجحيم إذا لم تُحرس جيداً. نحن نتحدث عن حدود صحراوية تقارب 1360 إلى 1370 كيلومتراً، مسافة هائلة عبر مناطق نائية، تضاريس وعرة، وكثبان رملية لا تنتهي. هذه الحدود هي ممر لثلاثة كوابيس تتقاطع فوق الرمال: واحد، مسار الجماعات المسلحة التي تجد في الفراغ الأمني فرصتها للتمدد. اثنان، مسار التهريب (سلاح، مخدرات، ووقود) يغذي اقتصادات الظل. ثلاثة، مسار الهجرة غير النظامية الذي يتحول في لحظة إلى ضغط سياسي وإنساني وإعلامي هائل على الجزائر.

في السابق، كانت هناك أطر تنسيق مثل "سي آي إم أو سي" لتبادل المعلومات الاستخباراتية وتنسيق الدوريات. لكن حين تتعطل هذه القنوات الدبلوماسية وتقطع خطوط الهاتف الأحمر بين القادة، يصبح الفراغ المعلوماتي أخطر من الخلاف السياسي نفسه، كما تشير تقارير "ميدل إيست كونسل أون جلوبال أفيرز". الجزائر ترى نفسها مسؤولة عن منع انتقال هذه الفوضى إلى عمقها الاستراتيجي، وفي نفس الوقت، عقيدتها العسكرية تمنعها من التورط في مستنقعات خارج الحدود. المعادلة دقيقة جداً. الجزائر تقول: "لا للمساس بسيادتي"، وتصر على الحدود السياسية، لأن الحل العسكري سيحيل شمال مالي إلى ساحة بلا دولة، وهذا يعني تدفق ملايين اللاجئين وآلاف المسلحين نحو حدودها. بينما مالي، تحت حكم عسكري، ترى أن الوقت هو لقبضة حديدية وليس وقت طاولات مستديرة، وتريد إعادة رسم علاقاتها بمعايير السيادة المطلقة.

الصدع بين الجزائر ومالي يكبر لأن الملفات انتقلت من الغرف المغلقة إلى الساحات العامة. السؤال الذي سنراقبه بحذر في الأسابيع المقبلة ليس هل ستتصالح الجزائر ومالي غداً، بل أي طريق سيختاره الساحل الآن؟ هل هو طريق التسويات التي تدار بالعقل البارد، أم طريق الاستقطاب الذي يفتح شهية الفوضى والتدخلات الخارجية؟ الأيام وحدها كفيلة بالإجابة، والساحل، كما قلنا في البداية، لا يعلن أسراره إلا حين تقع الواقعة. شاركونا آراءكم في التعليقات. هل تعتقدون أن الجزائر قادرة على احتواء هذا التحالف الجديد، أم أن القطيعة أصبحت أمراً واقعاً لا مفر منه؟ لا تنسوا الاشتراك وتفعيل الجرس ليصلكم كل جديد في تحليل المشهد الجيوسياسي. إلى اللقاء.