📱

Get Our Mobile App

Take your business learning on the go!

Download on the App StoreGet it on Google Play

شرح منظومة القواعد الفقهية لعثمان بن سند المالكي (2)الشيخ د.عبدالعزيز السعدي

دروس إدارة الأوقاف السنية - مملكة البحرين32:37

Transcription

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد.

انتهينا من القاعدة الأولى من القواعد الفقهية الكبرى، ونبدأ بالقاعدة الثانية، فقال: "فلا تزل بالشك ما تيقنا". مشقة تجلب تيسيراً لنا. وهذه القاعدة عبر عنها أهل العلم بقولهم: المشقة تجلب التيسير. المشقة تجلب التيسير.

وهذه القاعدة أخذها أهل العلم من عدة أدلة، من ذلك قوله سبحانه وتعالى: "يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر"، وقوله سبحانه وتعالى: "وما جعل عليكم في الدين من حرج". ومن حديث النبي عليه الصلاة والسلام: "إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة". وحديث أن أبا هريرة رضي الله عنه قال: قام أعرابي فبال في المسجد، فتناوله الناس، فقال لهم النبي عليه الصلاة والسلام: "دعوه وأهريقوا على بوله سجلاً من ماء أو ذنوباً من ماء، فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين". وحديث عائشة رضي الله عنها: "ما خير النبي عليه الصلاة والسلام بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً". إلى غيرها من الأدلة التي فيها دلالة على أن الشرع مبني على اليسر، وإذا وقع الحرج فإن هذا الحرج مرفوض.

هذه القاعدة: المشقة يؤدي إلى أنها تجلب التيسير. فقال: المشقة الشدة والحرج والضرورة تجلب أي تأتي، فيأتي حكم مكانه حكم آخر. الحكم الآخر الذي يأتي هو التيسير، وهو التسهيل والتخفيف والترخيص. ونلحظ في هذه القاعدة أن القاعدة: المشقة تجلب التيسير، فقبل أن نذهب إلى التيسير، لابد أن ننظر في الشطر الأول ألا وهو وجود المشقة حقيقة، فإذا وجدت المشقة، عندئذ المشقة تجلب التيسير. وهو خلاف ما يذهب إليه بعض الناس، وبالأخص من العوام، يأتون إلى الأحكام الشرعية فينظرون إليها بنظر العقل، ثم بعد ذلك يلجؤون إلى تغيير الحكم بحجة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: "الدين يسر". "الدين يسر". لما قال النبي عليه الصلاة والسلام، فالمقصود به أنه يسر في حقيقته. فبما أوجبه علينا من أوامر، وما أوجب على المرأة من الحجاب، وما أوجب على الرجل من الصلاة في جماعة، وكذلك الجهاد، كل ذلك فيه تعب وفيه شيء من المشقة، وديننا يسر كما أوجب وكما أمر وكما نهى. لكن إن خرج الأمر عن أصله، فكانت هناك مشقة إضافية عن أصل المشقة، عندئذ المشقة تجلب التيسير. ولهذا نقول في المعنى العام: إن الأحكام التي ينشأ عن تطبيقها حرج على المكلف أو مشقة في نفسه أو ماله، غير المشقة التي لا تنفك عن العبادة، أي أنها مشقة زائدة عن المشقة الأصلية، فهي هذه المشقة التي تجلب التيسير.

كمشقة الوضوء في البرد، أو الصوم في الحر الشديد، فيلحق بالإنسان مشقة زائدة عن مشقة عن المشقة الأصلية، عندئذ نقول إن المشقة تجلب التيسير. وعند النظر في المشقة عليه، فإننا نجد أن المشقة إما أن تكون هي مشقة لا تنفك عن العبادة غالباً، أو مشقة زائدة. فالمشقة التي لا تنفك عن العبادة غالباً كالوضوء، تحتاج أن تقوم وتتوضأ وتأتي بأفعال، وكذلك الغسل، وما يحتاج إلى المخاطرة بالنفس في الجهاد، عندئذ نقول إن هذه المشقة التي هي من أصل العبادة، فهي مقصودة بذاتها للتمحيص والاختبار من الله جل وعلا.

المشقة الثانية هي المشقة التي تنفك عن العبادة، أي مشقة زائدة عن المشقة الأصلية، هي على أنواع ثلاث: تكون مشقة يسيرة، برد يسير، إذا توضأت أحسست ببرودة الماء، لكن لا يؤدي إلى مرض، لا يؤدي إلى خوف هلاك إلى غير ذلك، فهذه نقول هي مشقة يسيرة، صداع يسير، حمى يسيرة، نقول هنا مشقة زائدة، لكنها مشقة يسيرة، فإن كانت المشقة يسيرة، فعندئذ هذه المشقة لا توجب التخفيف العبادة.

النوع الثاني: مشقة شديدة عظيمة، وهي التي تتجاوز حدود قدرة الإنسان وطاقة الإنسان، برد شديد ولا يجد ماء يستطيع به أن يغتسل ماء دافئاً وماء بارداً، فإذا اغتسل به بماء بارد في برد شديد خشي على نفسه من المرض الشديد أو من الهلاك، أو عنده جرح عميق، فإذا غسل هذا العضو تضرر العضو بسبب الماء، حر شديد ولا يجد ما يستظل به، فإن صام في رمضان خاف على نفسه الهلاك لما بلغ به من العطش والجوع بسبب الحر الشديد، فمثل هذه المشقة، المشقة العظيمة تجلب التيسير وتوجب التخفيف.

ثالثاً: مشقة بين هذين النوعين متوسطة، لا تستطيع أن تجعل من الشديدة وليست هي مشقة يسيرة، وهنا يأتي موضع الاجتهاد، فإلى أيهما غلب أخذ حكمه لتجاذب الحكم بين الطرفين، بين الشديدة وبين اليسيرة. قال القرافي: وبعض تلك المشاق هو أعظم المشاق، كما في الجهاد الذي فيه بذل النفس، فإنه لا يوجب تخفيفاً في العبادة لأنه قرر معه. واحد يقول: الجهاد فيه مشقة شديدة، نعم، لكن جعل الجهاد بما فيه من المشقة، فلا نقول المشقة تجلب التيسير لأن الأصل العبادة هنا، لما شرع الله جل وعلا هذه المشقة، إنما من ضمن ما فرض الجهاد أو فرضت العبادة أو غير ذلك. إذاً لا يلجأ الإنسان إلى التخفيف والتيسير إلا أن كانت هناك مشقة حقيقية. وكذلك ذلك غلب على ظن الإنسان أنه سيتضرر، فعندئذ قلنا المشقة تجلب التيسير.

وقد يكون ما يجلبه التيسير أما بسبب النسيان، بسبب السفر، بسبب المرض، بسبب الجهل، هناك أسباب كثيرة مما يجلب التيسير. فنقول مثلاً في السفر، السفر يجلب التيسير سواء وجد مشقة أو لم يجد مشقة، فالنبي عليه الصلاة والسلام جعل السفر جالب للتيسير في الصلاة، وجواز الفطر والجمع بين الصلاتين وقصر الصلاة. التيمم عند مشقة استعمال الماء للمريض، وهو المرض مما يجلب التيسير، إن كان مع المرض أراد أن يصوم وبه مرض شديد، ومع الصوم يؤدي إلى مضاعفات في المرض وعدم قدرته ووجود مشقة شديدة في إتمام الصيام، قلنا المشقة تجلب التيسير. كذلك الإكراه، إن أكره الإنسان على أمر فهي مشقة، فهذه المشقة مما تجلب التيسير، فلو أكره الإنسان على النطق بكلمة كفر أو بطلاق أو بأي شيء، فالإكراه مما يجلب التيسير. كذلك النسيان، فمن أكل أو شرب ناسياً، فالمشقة أي مشقة الاحتراز من النسيان كان جالباً للتيسير، أن ذلك لا يضر في الصيام. كذلك من أسلم حديثاً في مكان بعيد عن المسلمين ولا يعلم أن شرب الخمر حرام، فعلم علمه مما جلب التيسير، أي أنه لا يأثم فيما أتى به. ويختلف هنا الأمر لو كان يعلم أنه حرام ولكن لا يعلم ماذا يترتب لو أنه فعل، فإنه يلزم بما يترتب على التحريم. مثلاً، يعلم أنه في حال الإحرام يحرم عليه الجماع وأن يأتي أهله، ولكن لا يعلم علم أنه لو أتى أهله لزمته كفارة كذا أو كذا، وعليه أن يبطل حجه إلى غير ذلك، ولكن يعلم أنه حرام، فهنا نلزمه بما ترتب على فعله للحرام حتى لو كان جاهلاً لما يترتب بما أنه يعلم أن ذلك حرام. كذلك جواز إمساك الصبيان للمصاحف وهم الصبيان لغرض التعليم على غير وضوء، لأن الأصل أن الإنسان لا يمس المصحف إلا وهو على وضوء، فلما كان شاقاً على الصبيان قالوا يجوز للصبيان في حال تعلم القرآن أن يمس المصحف وهو على غير وضوء. كذلك أمثلة كثيرة في هذه القاعدة.

القاعدة الثالثة: "ولا تزل لضرر بضرر". ولا تزل لضرر بضرر، هي قاعدة: الضرر يزال الضرر يزال. وقد تم استنباط هذه القاعدة من أدلة مختلفة، وأصرح الأدلة، وبعض أهل العلم عبر عن هذه القاعدة بقول النبي عليه الصلاة والسلام: "لا ضرر ولا ضرار". فمنهم من يذكر القاعدة بلفظه: لا ضرر ولا ضرار، ومنهم من يعبر بقول: الضرر يزال. وقال النبي عليه الصلاة والسلام: "من ضار ضار الله به، ومن شاق شق الله عليه". وقوله تعالى: "ولا تمسكوهن ضراراً لتعتدوا"، وقول الله جل وعلا: "لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولد". إلى غير ذلك من الأدلة التي هي أصل لهذه القاعدة.

الضرر خلاف النفع، وهو الأذى والضيق وسوء الحال، والإزالة تنحية الشيء عن مكانه. ولما نقول: لا ضرر، لا يؤذي الرجل أخاه، ولا ضرار، إن وقع الضرر فإنه يزال. وقيل: إنه لا يجازيه على أضراره، لو أضره لا يجازيه على أضراره. "أدمن إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك". والمعنى أنه كل فعل يؤدي إلى الضرر والأذى على النفس أو الغير، سواء يؤدي، لا تقل: أنا أملك نفسي فتأتي بما يضر هذه النفس، لا، فسواء كان يؤدي إلى الضرر على الرجل نفسه أو الضرر على غيره، فإنه محرم وممنوع شرعاً. ولهذا حرم على الرجل أن يبذر ماله مع أن المال ماله، وكذلك حرام عليه أن يتلف مال غيره، فإن كان الضرر سواء واقعاً عليه أو على غيره، فإنه ممنوع شرعاً، وهو ممنوع أن يأتي به الإنسان قبل وقوعه، وأن يتقصد أضرار نفسه أو أضرار غيره، أو أن وقع الضرر لابد من إزالة هذا الضرر، إلا ما كان بحق وكان معتبراً شرعاً، القصاص في قتل في ضرر، لكنه ضرر مطلوب شرعاً، كذلك الحدود، من سرق قطع يده إلى غير ذلك.

أما تطبيقات القاعدة: عدم جواز البناء في طريق المسلمين بما يضيق عليهم الطريق، تجد عنده أرض ثم بعد ذلك يخرج إلى الطريق فيضيق الطريق ويلحق الضرر بالمسلمين، أو يجعل ميزاب الماء على طريق المسلمين على الطريق، فإذا سقط المطر أو جاء ماء سقط على الناس. كذلك أن يعتدي على ملك غيره بأي نوع من أنواع التعدي، فإن وقع وتعدى، لا ضرار، وجب إزالة الضرر. إن جعل ميزاباً على الطريق وجب إزالة الميزاب. المعروفون بالفساد يحبسون، أي من كثر منه الفساد وتأذى الناس منه، فإنهم يحبسون لاجل رفع دفع الضرر، وإن كان هو سيلحقه ضرر لأنه يحبس، لكنه مطلوب شرعاً لمراعاة المصلحة العامة على المصلحة الخاصة، إلى غير ذلك من الأمثلة الكثيرة.

ثم قال: "وحكم العادة بالتقرر". وهذه هي القاعدة الرابعة: العادة محكمة. وهنا هذه القاعدة لابد من التنبه إلى هذه القاعدة وإنزال القاعدة إنزالاً صحيحاً، وأصل القاعدة إنما قوله تعالى: "وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف"، وقوله تعالى: "قال وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف"، كم المعروف على حسب ما تعارف عليه الناس. "إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم من أوسط ما تعرف عليه الناس". لما اشتكت هند إلى النبي عليه الصلاة والسلام، هند بنت أبي سفيان رضي الله عنها إلى النبي عليه الصلاة والسلام أن زوجها شحيح، فقال لها: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف". قول عمر رضي الله عنه: "لا جناح على من وليها إن كان يأكل بالمعروف". هذا في حال من ولي اليتيم.

فهنا ننظر إلى الأدلة أن المعتبر هنا العرف فيما لم يرد فيه نص شرعي في تحديده، ولهذا بعض أهل العلم ذهب إلى أن لما نقول أحكام السفر ولم يأت في الشرع تحديد بمسافة أو مدة أو وقت، فإنه يرجع فيه إلى العرف، فما سمي سفراً أخذنا برخص السفر، وما لم يسم سفراً لا نأخذ فيه برخص السفر، أي رجعنا فيه إلى العرف لأنه لم يأت تحديد من الشارع نصاً صريحاً. الفقهاء هنا تأتي مسألة قضية العادة والعرف، فالعادة تكرار الأمر بعد مرة تكراراً يخرجه عن كونه واقعاً بطريق الاتفاق، يتكرر الأمر، ومحكم أي يرجع فيه، أي إلى العرف للحكم عند النزاع أو التحديد أو غير ذلك. وفرق أهل اللغة، أما بالنسبة للفقهاء فلا يفرقون، الجمهور منهم بين العرف والعادة، وإنما يجعلونه بمعنى واحد، لكن لغة قالوا: العادة قد يكون الشيء المالوف المتكرر من شخص، فنقول: عادة فلان، أما العرف فلا، فهو الشيء المالوف الخاص عند قوم، فهو عرف عندهم وتعارفوا عليه. والمعنى العام للقاعدة أن العرف والعادة معتبرة في الشرع، فكل حكم علق به علق به الشارع شيئاً ولم ينص على حده ولا تفسيره، رجع فيه إلى العرف والعادة، كذلك عند حصول النزاع في أمر بين الناس لم ينص عليه الشرع، يرجع فيه إلى العرف.

كتحديد نوع العملة في البيع، كتحديد نوع العملة، قال: بعتك بعشرين دينار، طيب هل هو دينار بحريني ولا دينار عراقي ولا دينار كويتي؟ لما أنا أتكلم في البحرين أقول: عشرون دينار، فهي كلمة معهودة هنا، أو قال في البحرين: بعتك بعشرين، هل هو درهم أو دولار أو دينار؟ المتعارف هنا ماذا؟ جملة دينار، فنقول: العادة محكمة، والعرف معتبر، لكن بشرط، لا نعتبر العرف ولا العادة، لأن كثر الآن بعض الأشياء يقول لك: يا أخي هذه من العادات والتقاليد، الشرع اعتبر العادات والتقاليد صحيح، لكن متى نعتبر العادة ومتى نعتبر العرف؟ أولاً: إذا لم يوجد حكم للواقعة، فإن وجد حكم فإننا نأخذ بالنص الشرعي ولا نحيد عن غيره، لا يوجد حكم ولا يوجد نص. كذلك ألا يكون العرف مخالفاً للشرع، فإن كان مخالفاً للشرع أو لمقاصد الشرع، فإنه لا عبرة لنا بالعرف، ولا نقول إن تعارف الناس على ذلك، لا، أي عرف خالف الشرع لا يعتد به. أي مسألة وجدنا نصاً شرعياً لا نرجع ولا نبحث عن العرف أصلاً، بما أن هذا النص محدد وواضح، نرجع إلى العرف إذا لم يكن هناك نص أو احتجنا إلى فهم لفظه ولم تأت اللفظة محددة في الشرع واحتجنا إلى "بالمعروف".

السفر، ومن تطبيقات القاعدة: النفقة والكسوة للزوجة بحسب عرف البلد، فلا نقول إن النفقة الواجبة في البحرين كالنفقة الواجبة في الإمارات أو في العراق أو في المملكة أو في الكويت، كل بلد على حسب ما هو المعروف، وما زاد على ذلك فإنما فضل من الزوج. الزواج بدون تحديد المهر، نرجع إلى مثيلاتها، يثبت المهر والزواج يكون صحيحاً، لكن لها من المهر ما لمثيلاتها. اللباس، إن كان هذا اللباس متعارف أنه للرجال لا تلبسه المرأة، لأنه معلوم ومعروف في الشرع، لا يجوز أن يتشبه أن يتشبه الرجل بالمرأة أو المرأة تتشبه بالرجل والعكس كذلك. بر الوالدين، ما هو البر وبما يكون البر؟ على ما هو القدر الذي يكون البر؟ وصلة الرحم على حسب ما هو متعارف عليه في كل بلد دون بلد. كذلك من استأجر عاملاً لمدة يوم، كم ساعة مثلاً؟ في البحرين المتعارف علينا ساعات العمل ثمان ساعات، فإن لم يكن محدداً رجع فيه إلى العرف، لكن جئت إلى العامل قلت له: مدة اثنتي عشرة ساعة في اليوم، إذاً هنا تم التحديد ولا نحتاج نرجع إلى العرف، لكن استأجرته من دون تحديد فيرجع، يرجع فيه إلى العرف لمثله كم ساعة يعمل في اليوم.

القاعدة الأخيرة والخامسة: "ولعل اتفي معذرة". لعل حدث اليوم بعض التحديات وبدأنا بشكل متأخر، واكتفينا بـ "الزوم". القاعدة الخامسة: "إن الأمور هن بالمقاصد". وهي القاعدة: الأمور بمقاصدها. من أهل العلم من عبر بقوله وهو تعبير أدق لأنه لفظ نبوي: "إنما الأعمال بالنيات". "إنما الأعمال بالنيات". قال تعالى: "ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله". وكان الله غفوراً رحيماً، أي مريداً للأجر، "ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم". "لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم". وهي الإرادة والعزم. وقول صلى الله عليه وسلم: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى". إلى غير ذلك من الأدلة الدالة على القاعدة.

الأمور وهو الحال والشان، تصرفات الإنسان في أقواله وأفعاله واعتقاده، المقاصد الإرادة المتوجهة إلى شيء، ذهبت لتغتسل بأي نية؟ نية النظافة، نية استبراء، نية رفع الحدث. الأمور بمقاصدها، فتصرفات المكلف من قول أو فعل أو اعتقاد تختلف الأحكام والنتائج باختلاف النية فيها. والمعنى أن أحكام التصرفات الصادرة عن الإنسان تختلف باختلاف قصده أو نيته، فيكون عبادة أو غير عبادة، طاعة أو معصية، والعقد يكون صحيحاً أو فاسداً على حسب أثر النية في الأعمال والأقوال.

فمثلاً لو أن رجلاً أعلن الصدقة، أي تصدق على نية وأشهر صدقته، فإن قصد بذلك تشجيع الناس على الصدقة فله أجر، وكل من تصدق بسبب كان له من أجرهم. أما إن قصد الرياء، فالفعل هو، لكن الحكم اختلف بسبب قصده ونيته. قام فصلى ركعتين وقت الفجر، فإن قصد بذلك سنة، تلك سنة، وإن قصد بذلك الفرض، فذلك فرض، نفس الأفعال، لكن اختلف الحكم باختلاف النية. ذهب ليغتسل، كان على جنابة، وهو متعود عند خروجه إلى العمل أن يغتسل، فذهب ودخل واغتسل من دون أن ينوي رفع الحدث عن نفسه، إنما على ما جرت به العادة أن يغتسل عند خروجه للعمل من باب النظافة، نقول: أنت ما زلت على النجاسة، قال: أنا اغتسلت، نعم، لكنك لم تنوِ رفع الحدث عن نفسك، فاختلف الحكم بسبب النية، فاختلف الحكم بسبب النية.

لو أن الرجل قال لزوجته: إن خرجت من البيت فأنت طالق، فإن قصد التخويف وألا تخرج من المنزل، اختلف الحكم عن أن كان قصد بذلك الطلاق، فالقول هو والفعل هو، لكن ما ترتب على القول وما ترتب على الفعل اختلف الحكم. "إنما الأعمال بالنيات". أعطاه مبلغاً من المال، مائة دينار، فقال: خذ هذه، فإن قصد بذلك التبرع كانت هبة، وإن أقرضه وجب عليه أن يرد، وإن كانت أمانة وجب عليه أن يحفظ هذا المال، فصورة الإعطاء صورة واحدة، إلا أن النية مختلفة فاختلف الحكم والأثر، وهذا مقصود بـ "الأمور بمقاصدها".

كان المفترض أن نكمل كذلك القواعد الكلية، لكن أكتفي بهذا القدر، فعندنا اليوم أخذنا القاعدة الأولى "فلا تزل بالشك ما تيقنا"، كان في الأمس، أخذنا اليوم "مشقة تجلب تيسيراً لنا"، و"لا تزل لضرر بضرر"، و"حكم العادة بالتقرر". أكتفي بهذا القدر، ونلتقي يوم غد إن شاء الله تعالى لنتمم ونكمل القواعد الكلية، وسيبقى معنا ثلاثة أيام نأخذ بمعدل 12 قاعدة و 13 قاعدة كلية لننتهي من النظم كاملاً بإذن الله جل وعلا. هذا وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.