Transcription
في ملاحظة ذكرتها إحدى دوائر المرور في دولة خليجية، أن هناك مفارقة غريبة جداً تحصل في الحوادث التي على الطرق الصحراوية الهاي واي، ألا وهي أن السيارة التي يفقد الراكب السيطرة عليها لأي سبب ما، يصطدم بالإنارة، وهي الأعمدة التي على الطريق. يقولون إن النسبة الأكبر تصطدم، أو في نسبة كبيرة تصطدم، بالرغم من أن وجود مسافة ما بين كل عمود وعمود يخلي نسبة الاصطدام المفترض أن تكون أقل من ذلك بكثير، لدرجة أنه يعني هذا لو تعمدت، لو تعمدت، لما كانت بهذه الدقة.
وهذا يطرح علامة تساؤل وتعجب: لماذا يصطدم الناس بالعمود، رغم أن المسافة بينه وبين الآخر أمتار كبيرة؟ ونحن أطفال صغار، زمان، كنت عندما أتفرج على أحد يتعلم ركوب العجل لأول مرة، كان هناك مشهد شبه متكرر. الولد راكب، يبص على الأرض، يعني يبص على رجله وهو يبدل كده، وبعدين العيال كلهم: "حاسب، حاسب، حاسب!" يرفع عينه فيلاقي حد على يمينه أو على شماله بعيد عنه، اللي هو لو مشي مستقيم في طريقه عادي مش هيجي عليه، بس تلاقي المقود يحود ويروح يخبط في الرجل، ويبقى الوضع صعب جداً، ولا أحد يفهم لماذا يحدث هذا.
حتى أنا وأنت، حتى أنا وأنت لا نعرف لماذا عندما يكون لدينا موعد مهم في الصباح، لا نعرف أن ننام؟ تأتي لتقوم بعمل شيء، فيقول لك جسمك: "لا، أنا مهدود، لن أفعل." "طب نام؟" يقول لك: "لا، لن أنام، لن أنام." طب خلاص، نقعد لحد ما الفجر يؤذن ونصلي، ويبقى قد كسبنا الصلاة، فتنام قبل الأذان بدقائق. شيء غريب جداً.
بتوع المرور، والواد بتاع العجلة، والذين لديهم مواعيد الصبح، يسألون سؤالاً منطقياً: لماذا في أوقات جسمنا يعمل عكس المطلوب منه في أشياء حساسة مثل موضوع الحوادث مثلاً، وممكن تتعلق بحياتنا؟
هذا يحدث في سيارات العجل، الناس لا تعرف أن تنام، يحدث ويحدث كثيراً، لأنه يوجد قانون مهم جداً، قانون كثير جداً منا لا يعرف عنه أي شيء، اسمه قانون الجهد المعكوس. القانون هذا يقول ماذا؟ يقول لك إنه عندما تكون رغباتك، ما تريده، مثل أنك لا تريد أن تصطدم، مثل أنك تريد أن تنام، لا، رغباتك وخيالك، الشيء المسيطر عليك، متعارضين، خيالك يكسب. أي جهد مبذول لصالح الرغبة، يصب في صالح الخيال. ستحاول أن تبعد عن العمود، فتلبس فيه.
إسقاطاً على الأمثلة السابقة، في حالة السيارة مثلاً، السيارات التي تصطدم بالأعمدة، السائق يكون بداخله في خياله، في روحه، صوت يصرخ: "سنصطدم بالعمود!" وعنده إرادة أنه لا يريد أن يصطدم. ما الذي يحدد؟ ما الذي يجعله يصطدم، رغم أنه المفروض يهرب منه؟ ما الذي يجعل جسمه يعمل عكس ما يريده؟ لأنه متأكد أنه سيصطدم، لأن خوفه يعيشه في أنه سيصطدم، فبالتالي تكون إرادته، رغبته، أضعف من مخاوفه، فينجذب لدرجة أنه يذهب إليها بنفسه. ساعتها يقول لك: "ارتبكت، يدي تجمدت، اتشليت، لم أفهم ما الذي حدث، لم أعرف أن أفعل شيئاً." سيقول ذلك، ولكن في الحقيقة، مخاوفه سيطرت عليه.
بتاع العجلة مرعوب أنه يصطدم بالرجل ويقع، وممكن الرجل يضربه أو يهزقه أو يفعل فيه شيئاً، فثقته بنفسه أصلاً صفر، لأنه لا يعرف أن يسوق، لسه يتعلم. خياله، المخاوف، مقتنعة أنه سيصطدم. ما هو لسه يتعلم، وبالتالي سيصدق أنه سيصطدم، فيجد المقود يلف، جسمه الذي يحرك المقود، ليس شيئاً آخر، ويصطدم بالرجل، رغم أنه، رغم أنه هو لا يريد أن يصطدم. الجسم يطيع المخيلة. آه والله، الخوف يسيطر.
تريد أن أوضحها لك بشكل أبسط بسيط؟ هات لوح خشب 3 أو 4 أمتار طول، وعرضه 50 سم، حطه على الأرض بين قالبين طوب. هات قالبين طوب وحط لوح الخشب هذا ما بينهما، وتفضل عدي عليه. لا تخف، عمرك ما تخاف، ستعدي عادي، ستنجح، لا توجد أي مشاكل. تخيل الآن لو وضعنا نفس اللوح هذا بين عمارتين في الدور الـ 30 أو الـ 40 أو الـ 50، وقلنا لك: "تفضل عدي عليه." يقيناً ستخاف، مع أنك مشيت عليه مليون مرة وهو على قالبين طوب، وهو على الأرض.
ما الفرق؟ الفرق أن خيالك حضر. الفرق أن خيالك حضر. الخيال الذي كان مسيطراً عليه إرادتك وثقتك أنه عادي. في المرة الأولى كنت واثقاً أنه عادي، تعرف أن تعدي. ماذا سيحدث؟ وحتى المخاطرة، ماذا سيحدث؟ لكن في المرة الثانية، خيالك استبدل سيناريو أنك تمشي بكل طمأنينة وحاطط يدك في جيبك، بشكل آخر مرعب، مرعب. حط افتراضات وفرضها عليك، لدرجة أنك عندما تنظر نظرة كده لتحت وتتخيل أنك تقع من فوق، ستخاف أكثر، وتتشكل. هو الذي يكون مسيطراً. فاهم كلامي؟
طب اسمع، فاكر عندما الوالدة، ربنا يديها الصحة، كانت تقول لك: "اللي يخاف من العفريت، يطلع له." علم النفس يا سيدي، يصغر بشكل شيك، يقول لك: الإنسان يواجه في الحياة شيئاً من اثنين: إما أحلامه، وإما مخاوفه. إما أحلامه، وإما مخاوفه. من يغرق فيهم على مخيلته، سيسوق الطرف الأقوى، والغالب، والمسيطر عليه. سيسوق الصوت الذي سيصدقه، هو الذي سيصدر الأوامر.
طب نعمل إيه؟ وكلنا بداخلنا مخاوف. ما دام المخاوف لو كبرت تسوق، نعمل إيه؟ أول حاجة، لازم نعرف ونتأكد أن ليس كل المخاوف التي بداخلنا حقيقية. هناك مخاوف تنتجها، أو ينتجها القلق، قلق غير مبرر. أوقات الإنسان لا يسلم بأشياء خارج إرادته، فيكون خائفاً، ما يكون موكلها على ربنا سبحانه وتعالى، يكون خائفاً من أشياء مثل صورته الاجتماعية مثلاً، حكم الناس عليه، تقدير الناس له. كل هذا، كل هذا يوصل الإنسان منا إلى التفكير بشكل خاطئ. وعندما يأتي ليأخذ قراراً، يلبس، عشان مخاوفه غلبته، وتشغل الجهد المعكوس.
أهلنا بتوع التنمية البشرية، إخواننا وأصحابنا وحبايبنا، عندما يأتون ليكلموا إنساناً يريد أن يغير حياته، يتكلمون على فكرة الثورة الشاملة. والحقيقة أن الحياة، الإنسان، أو ما نسميه، لا يعمل بسخن وبارد، أزرار تغير بها الإنسان فتجعله يكسر الدنيا. عندما يكون لديه مشكلة يريد أن يغيرها، الناس الأذكياء لا يعملون ثورة شاملة أبداً. الناس الأذكياء يتغيرون كل يوم، ليس بين يوم وليلة. آه والله، في طبعاً ناس تقلب حياتها، بس هذا استثناء. أنا دائماً أحب أن أعمل على الناس العاديين مثلي.
الأصل، الإنسان يجب أن لا يعيش نفسه. عنده مخاوف، يختبرها، لا ينكرها، لا يجلس يقول: "أنا جدع وأنا جامد." لا، اختبر مخاوفك، شوفها بجد ولا لا. عندك منطقة راحة، عندك لا تريد أن تخرج من منطقة الراحة هذه عشان لا تتعب؟ تفاوض مع منطقة الراحة. والله تفاوض في حجمها. اليابانيون عندهم فلسفة في غاية الجمال اسمها "الكايزن". الكايزن، هذه الفلسفة قائمة على ماذا؟ هذه فلسفة تطور للمؤسسات والأشخاص. يقول لك إن التغيير الفعال للأشخاص والكائنات أو المؤسسات، يعني، يحدث بالتغييرات البسيطة المستمرة. لا تقلب نفسك. المهم أن اليوم أنت أفضل من الأمس، حتى لو بخطوة، وغداً تكون أحسن من اليوم، حتى لو بخطوة.
سيبك من حوار "حرر المارد واخرج العملاق بداخلك". والله هو جيم، جيم ستلعبه مع نفسك، من غير ما قوانين القوة المعاكسة تعطلّك. الهدف من الحلقة هذه يا صاحبي، الهدف من الحلقة هذه أن أنبهك لنقطة، عشان مخاوفك ما تهزمك، أو لكي تتعلم أن تتفاوض مع نفسك وتكتشف مخاوفك. المخاوف بنت الظن، المخاوف التي في دماغك بنت الظن وحديث النفس، وكشفها يحدث من خلال التجربة والممارسة. وقتها تعرف فعلاً، هل نحن قدها؟ ولا فعلاً المفروض أن نخاف؟
ها، خلي بالك، العمود الذي يوضع، الخشب الذي يوضع في الدور الـ 30 والـ 40، يمشي عليه صنايعية، ناس يشتغلون. من أين جاء؟ من التدريب. جرب، وجدها لا تخيفه.
ثانياً، عكس ما يخبرك أهل التنمية البشرية ورجال المبيعات والتسويق واللايف كوتشينج ومن يبيعون لك. عكس ما يقول لك. أنا جاي أقول لك: لا تركز أكثر من اللازم مع أي شيء. آه والله. اللامبالاة. عيب، عيب، عيب. تبقى رجل كبير كده ومسؤول وكبير دماغك، عندك لامبالاة؟ لا، لا، ليس هذا الذي أقصده. الذي أقصده أن كمية النصائح التي تتكلم عن موضوع التركيز، تركيز، ليس صحيحاً، ويحرق الشمعة من الطرفين، وللأسف نخلص بسرعة.
علم النفس، في بداية الثورة الصناعية، في بداية الهيصة هذه كلها، ما حصلت قبل المهرجان الذي نعيشه. بداية السرعة بدأت من الثورة الصناعية. فعلم النفس لفت النظر أن دفع البشر، أنتم يا جدعان، يا بتوع المصانع، أنتم يا بتوع الرأسماليين، دفع البشر للجري المستمر بتوتر وقلق ومهام وشغل، هو هذا الذي كبر فكرة المرض النفسي والضغوط التي تواجه البشرية لحد اليوم. آه والله. وقتها زمان طرحوا حلاً، يقول: "اجري على قدك." اللي هو الجهد الذكي.
لما بدأوا يصطدموا مع التوتر وحالة القلق وحالة الكآبة التي عند الناس، طلعوا كده بنظرية، ما كانت لسه التنمية البشرية قامت بشغلها. قال لك: "في حاجة عندها اسمها الجهد." قالوا إن الإنسان يجب أن يراجع مراجعة تامة لأولوياته وللهموم والقضايا الشخصية، لأن الضغط جاي من مخاوف المنافسة، تحقيق النجاح، التميز. وهذه المفردات تحتاج أن يشرحها الإنسان بينه وبين نفسه، ويعمل جهد، جهد مبني على احتياجات رئيسية وعلى مخاوف رئيسية. عشان كده يا جماعة، سنلاقي النقطة المركزية التي اتفق عليها الدين والفلسفة وعلم النفس وعلم الاجتماع، أن الإنسان عشان يعيش هانئاً، هانئاً، لابد أن يكون واعياً بنفسه، مصحصحاً لها. لأننا في أوقات نجري من غير ما نعرف لماذا نجري، ونتضايق من غير ما يكون عندنا مبرر حقيقي للضيق.
تركيز حلو، الحاجات المهمة بس. وأريدك أن تجتهد أن تتعلم اللامبالاة. اللامبالاة تجاه قيم المجتمع، تقييمهم لك، اللامبالاة تجاه قضايا الترند التي جننت الناس، اللامبالاة تجاه سباق أو سبق مشارك فيه أصحابك عشان يجددوا سياراتهم، أو مركزين مع حاجات مرهقة وتضغط، بس بالنسبة لك ما تسوى. حتى لو هم كلهم مركزين فيها، خلي عندك لامبالاة. حاجة باظت في بيتك وظروفك المادية أو الاقتصادية خانقة حبتين، ما تركزش قوي. خلاص، خلاص، قدر الله وما شاء فعل. وهي أصلاً عمرها كده. ستفعل ماذا؟ هذا الإنسان نفسه له عمر ويمر ويموت. اللامبالاة هذه في جانب منها شعور إيجابي وقيمة إيجابية. آه والله، ليس تهميشاً، ليس تكبيراً. أنت ضابط نفسيتك، ضابط مخاوفك، مستعد نفسياً لمواجهة أي واقع. هادئ، مستعد. تطلب السلامة، بس عارف أنه لا مفر من المكتوب. لا تأخذها على أعصابك، ولا بإحساس أن الدنيا تستقصدك، ولا حاسس بالضيق والنقمة طول الوقت. طنش. تعلم أن تطنش. طنش كلام كثير يقال، حاجات كثير تراها، هموم كثير ومشاغل كثير وتفاصيل كثير. طنش. طنش.
نقطة ثالثة: اتمرن. اتمرن. أقول لك شيئاً؟ تعرف الثقة بالنفس التي يعملون عليها كورسات ودورات وكتب؟ اختصرها لك في كلمتين: ثقة بالنفس في أصلها تمرين. آه والله، بس كده. خلصت. هي إيه الثقة بالنفس؟ أن تتمرن. الذين يولدون من بطن أمهاتهم قادة وموهوبين ومخترعين، الذين هم في المجال يعني، هؤلاء قياساً بمليارات البشر نسبة نادرة. الباقي بقى مثل حالاتنا، بتتميز بعد توفيق ربنا بالتمرين والممارسة والتعب. ما بيبقاش كله زي بعضه مهما جرينا، بس طالما، والله، طالما أثبتت الحياة أن التدريب والممارسة، الممارسة الحقيقية لأي شيء، خصوصاً لو تحبه، يعدي أكثر من الموهوبين.
تعرف حسام حسن؟ هداف مصر الأول عبر التاريخ. ليس الأحرف خالص والله، هو التمرين. تمرين. اتمرن على أي شيء. واجه أي شيء. اقتل من داخلك. خلي القانون يشتغل معك. أنت تعرف ميزة أنك تتمرن؟ أنك ستتفاجأ وتجد نفسك مركزاً، وستجد نفسك واثقاً من نفسك. ستكبر وأنت تعرف ماذا تقدر أن تفعل، وماذا لا تقدر أن تفعله. آسف، لا تفعله. وبالتالي تكون طول الوقت عندك تقييم حقيقي لنفسك. وبالتالي أي جهد تبذله تجاه شيء معين، فأنت تبذله تجاه الشيء الذي تعرف أن تفعله. وبالتالي لا يلعب ضدك الجهد المعكوس.
النقطة الأخيرة، وهذه دائماً أتكلم فيها وتزعل مني، ودائماً تتهمي بالسوداوية. أرجوكم ارفضوا، ارفضوا، ارفضوا دور الضحية. آه والله. والله لو حضرتك موجوع، اطلب العلاج. لو الدنيا تدوس عليك، حاول تتعالج. لا تستمرئ الدور. أظنه كان دوستويفسكي الذي مرة ضرب مثالاً غريباً، قال: الإنسان يتعامل مع الدنيا هذه وهو يتخيل أنها مثل أمه. أمه التي هو: سيفضل يشتم ويضرب ويجري ويخبط ويزعل طول اليوم، وهي بالليل ستأتي تطبطب عليه وتحط له الأكل وتأخذه في حضنها وتنامه. فيستويفسكي يقول لك: لا، لا، لا يا حبيبي، لا. الدنيا ستتركك تموت. والله ستتركك تموت من البرد والوحدة والشكوى والوجع. لا تعش مع الدنيا أن، أن، أن هي سترضيك ولا تهدئك خالص، خالص. فجأة ستجد عمرك جرى. والأسوأ من ذلك، والله، أنك ستجد هذا يصنع مخيلتك. ما أنت رجل مظلوم ومتهم طول الوقت، فتتوقع الأسوأ.
فلما توضع في الموقف، دائماً مخيلتك يفرض عليها خيالك التشاؤمي الأسود القاتم الكئيب، رؤية سوداء. فبالتالي تجد نفسك عندك مشكلة. زمان، خليني أختم معك بقصة مهمة. هذه القصة زمان كان فيه اثنين إخوة، أبوهم كان مدمناً وسوابق، وهم عايشين مع أمهم المغلوب على أمرها. الأب اتسجن في تهمة الاتجار في المخدرات ومات في السجن. الولدين كبروا، كانوا قريبين جداً من العمر. أمهم ربتهم، ويعني، قعدت عليهم لحد ما الولدين كبروا. كان لهم صديق في الفترة هذه اشتغل صحفياً. بعدين لفت نظره أن حال العيال هذه لما كبرت، حالها تباين. الاثنين حالهم تباين. واحد بقى دكتور كبير جداً، رجل كبير محترم، الناس كلها تحترمه وتحبه. والثاني، أخوه الثاني، دخل السجن نفس أبوه بالضبط، مخدرات ودنيا وص. دخل السجن، عارف ومبهدل. الناس كلها وراه. فالصحفي قرر أن يذهب ويسأل. قال لهم: "هو إيه اللي وداك، أوصلك للحالة دي؟ إيه اللي وداك للوضع ده؟" قالها للطبيب، وقالها لأخوه اللي في السجن. زارهم الاثنين. تفاجأ الصحفي بالإجابة. الاثنين جاوبوا نفس الإجابة. الاثنين قالوا له: "أظن يا أستاذ، أن أي حد عاش حياتي بنفس ظروفي، بنفس الواقع اللي أنا فيه، منطقي يكون هذا طريقه، وتكون هذه نتيجته."
الطبيب، اللي هو الطبيب، الأخ الأكبر أو الأول، قالها بمنطق: "أنا شفت المخدرات بتوصل لفين، والجريمة بتوصل لفين، وإزاي السكة دي بتخلي الواحد يظلم نفسه ويظلم أهل بيته، وفي الآخر بينتهي مكللاً بالعرض. فبالتالي أنا مش همشي في الطريق ده." الرجل هذا، الطبيب، إرادته متسقة مع خياله، وبالتالي حصل. وشايف أنه قي. طب والتاني؟ الثاني قال لك: "على رأي اللمبي كده، واحد مصاحب علي علوكه، وأبوه مدمن وسوابق ومات في السجن وسابني مع أم بتشتغل في البيوت، هطلع إيه؟ طيار؟" لا، "كان لازم أطلع زي أبويا." هنلاقي هنا الإرادة، إرادته متسقة مع خياله، أنه لا يوجد غير طريق واحد. خيال الأول أن الطريق هذا مستحيل أمشي فيه، وخياله الثاني أن الطريق هذا هو الوحيد المنطقي أن أمشي فيه. وانحازت إرادة كل واحد لمخيلته.
عرفت بقى أن ذهنية الضحية قادرة أن تخدع صاحبها وتخلي مخيلته متسقة مع قراراته الغلط، وتلاقي لها مبرراً. اللمبي فيلسوف اللمبي، الذي يقول لك: "علاقة وأشرف كخ، واحد مصاحبه، ما يطلع إيه؟" على فكرة، هذه فلسفة. الرجل هنا، الممثل، اللمبي، كان يطرح فلسفة عند ناس كثير تتكلم. يقول لك: "قاعد عايش في بلد بالشكل ده، متخيل يطلع إيه؟ واحد عايش بأخلاق محترمة في زمن زي ده، متخيل إيه؟ واحد عايش بضمير وسط الناس، متخيل إيه؟" فبيدي مبرراً للسوق الذي هو فيه. "هيطلع إيه؟" "هيطلع سعيد أكيد." "هيطلع مجروح وموجوع و..."
اللمبي، منطق اللمبي، منطق عند ناس كثيرة جداً. مارك توين، الكاتب الساخر، يقول عندما جاء يموت: "عشت حياتي خائفاً من أشياء كثيرة، معظمها لم يحدث." آه والله. كل خوف منهم كان يقطع حتة من عمري. كل خطوة خفت أن أخطوها كانت تؤثر من حياتي. كل حاجة عملتها بدفع الخوف، أدتني في مكان. الفترة نعيش خائفين من أشياء كثيرة لا تحدث، بحجة الحذر والسلامة. فيعيش الخيال محبوساً، محبوساً في قمقم الخوف، وتفضل المخيلة دائماً تسوقنا، تسوقنا، وتسوقنا، ونموت ألف مرة ونحن عايشين.