Transcription
أتذكر وأنا صغيرة دخلت بيت واحدة من معارفنا. البيت كان واسع، لكن الإحساس العام خانق. أغراض في كل زاوية. الأواني لهم مخزن خاص، ومعظمها مغلفة بإحكام بما يوحي أنها لم تستخدم من أعوام طويلة. وفي غرفة كاملة نصفها مليان شنط سفر، مو للسفر طبعًا، للتكديس. والدواليب كانت مليانة عن آخرها علب، أكياس، اكسسوارات منزلية، أدوات فوق أدوات. كنت أتعجب كيف يعيشون وسط هذا التقديس. كيف يستمرون في جمع أشياء لا يستخدمونها.
كبرت واكتشفت أني أسوي الشيء نفسه. لكن مو في بيتي، في عقلي. اكتشفت أن كل زاوية في ذاك البيت لها نسخة داخل عقلي. مخزن الأدوات المغلفة صار يشبه كم المعلومات اللي أحتفظ فيها للاستخدام لاحقًا وما أرجع لها، بس أكدس فوقها كل يوم مجموعة جديدة. وجوالي يشهد، تلقى في حسابي مئات المقاطع المحفوظة في تيك توك ويوتيوب لأفكار ونصائح وتوصيات نادرًا ما تستخدم. وشنط السفر المقدسة تذكرني بالكتب والدورات اللي أخذتها بدون ما أعطي نفسي المجال أني أرحلها من عقلي إلى أرض الواقع. والدولاب المليان فوضى بأشياء بلا ترتيب ولا سياق يمثل عشرات من آلاف الأفكار والمحتوى المشتت اللي أجمعه خلال يومي بدون فرز. شوية أفكار عن ريادة الأعمال، نصائح جمال، توصيات سفر، تحليل لزواج مشهورة، خليط محتوى متناثر بدون سياق. وهذا التكديس أمارسه في عقلي يوميًا وعدة مرات في اليوم الواحد. وأعرف أني مو وحدي فيه.
لأنه صار مفروض علينا بحكم العالم اللي نعيش فيه. عندنا وصول عالمي مفتوح لمحتوى لا محدود. سيل متواصل من الأخبار والمقاطع والترندات والآراء. فنعبّي مساحات العقل بدون ما نوقف. نسوق، يلا نسمع بودكاست. ننتظر أحد، يلا نفتح التيك توك. تأخر الاجتماع، يلا نطالع الجوال نشوف آخر الأخبار. ما في دقائق تمر إلا والعقل يستقبل شيء جديد. ورغم الإمكانيات الهائلة للدماغ البشري، إلا أنه غير مصمم للتعامل مع هذا التكديس المتواصل. إلى أن نصل لحالة تعرف بسمنة المعلومات (إنفو أوبيسيتي).
ولما أقول معلومات، ما أقصد دائمًا معرفة عميقة. أحيانًا هي توصيات مطاعم، مقالب تضحك، خلافات مشاهير، آراء عابرة. نستهلكها وننتقل لغيرها. أشياء تبدو خفيفة، لكنها تتراكم تملأ مساحة العقل. فما يبقى مجال للتفكر، ولا للتركيز، ولا لعمل عميق وحقيقي. وتماثل مثل الأغراض المخزنة في ذاك البيت الواسع. المساحة موجودة، لكنها مثقلة، معطلة، وغير مستثمرة. سمنة المعلومات هي حالة يشعر فيها الإنسان بإرهاق ذهني وثقل داخلي نتيجة تلقي كمية هائلة ومستمرة من المعلومات تفوق قدرته على المعالجة والاستيعاب. فنطلع بحصيلة أكبر من المعلومات وحكمة أقل. نقرأ كثير، لكن ما نخصص وقت حقيقي للتفكر. ونعرف أشياء كثيرة بدون ما تتحول لتجربة نعيشها أو وعي أعمق.
المشكلة في سمنة المعلومات أنها ما تجي على شكل إنذار واضح. غالبًا هي تظهر في تفاصيل يومية نعتبرها طبيعية. بالعكس، أحيانًا نمدحها في ذواتنا. نحس أننا مطلعين على كل جديد وواعين بالأخبار وشغالين على أنفسنا. بينما اللي تتركه فينا يبان لاحقًا في ثقل تفكيرنا وتفاعلنا. ونستغرب بعدها ليش صرنا ننسى كثير وما نركز. عشان كذا في آثار معينة لو بدأت تتكرر عندك، فهي غالبًا مؤشر أن عقلك متخم أكثر مما يحتمل. خليني أشاركك ثلاث من الآثار الشائعة اللي لو لقيت نفسك فيها، فغالبًا أنت تعيش سمنة معلومات.
أول أثر هو الإرهاق العقلي. كل ما أريد أدرس، أقول: "خلي أغير نفسيتي قبل لا أبلش دراسة". بس أقلب بالموبايل شوية، وما ألقى إلا الوقت ماخذني أكثر من ما تصورت. بالتالي، من أفتح الكتاب ما أقدر أركز أكثر من خمس دقائق. كأنه العقل مستنزف قبل لا يبدأ. الإرهاق العقلي يظهر كإحساس بتعب ذهني مستمر. كأن الرأس ممتلئ طول الوقت. تحس أن البدء بالمهمة صار ثقيل، وأن طاقتك خلصت قبل ما تبدأ العمل أصلًا. هذا الإجهاد الذهني الناتج عن كثرة المدخلات يخلي الواحد يماطل ويأجل. وحتى القرارات البسيطة تصير تحتاج طاقة ومجهود. دراسات كثيرة وصفت هذا الأثر بالحمل المعرفي. ووقتها يصير الأداء بطيء وثقيل حتى في الأشياء اللي نعرف نسويها ومتعودين عليها.
والأثر الثاني من آثار سمنة المعلومات هو وهم الإنتاجية. السنة الماضية شفت عشرات، ما أدري مئات المقاطع عن ريادة الأعمال. ولما أفكر فيها الحين، أستوعب أني لو طبقت فكرة واحدة أو فكرتين بس بعد ما أفهمهم زين، كان استفدت أكثر. كثرة المتابعة وتراكم المعلومات كانوا يعطوني إحساس أني أنجزت، بس بالحقيقة أنا ما تحركت ولا خطوة واحدة فعليًا تجاه فتح مشروعي. في وهم الإنتاجية تشعر أنك مشغول، مطلع، وقريب من التقدم لأنك تتابع وتجمع أفكار باستمرار. لكن هذا الشعور يبقى داخل رأسك فقط. لأن المعرفة تتكدس بينما التنفيذ على أرض الواقع قليل ومحدود. ونلاحظ هذا الوهم في أشياء كثيرة حولنا. عند شخص يحفظ عشرات المقاطع عن الأكل الصحي والعناية بالشعر والبشرة، بس ما يغير عاداته. أو عند من يقرأ عن تطوير الذات بدون ما يغير سلوك واحد في يومه. المتابعة هنا تبدو كأنها خطوة لقدام، لكنها فعليًا مجرد استعداد مؤجل.
أما الأثر الثالث من آثار سمنة المعلومات فهو غياب القدرة على التفكير العميق. تحس أن تركيزك ضعيف، وأن تفكيرك يتنقل بين أشياء كثيرة بدون ما يستقر. كلنا نعرف أن الإبداع والتفكر يحتاجون صفاء ذهني. لكن مع كثرة التعرض للمعلومات والمدخلات المستمرة، فأنت ما تعطي ذاتك الوقت الكافي للدمج، ولا للفهم، ولا للتأمل الحقيقي. يمر اليوم وأنت ما جلست مع أحداثه بذهن صافي. ومع غياب هذه الوقفة، يصير صعب الوصول لحكمة تحميك من تكرار الأخطاء. خلال عملي على الحلقة، كنت أبحث عن سلوكيات ثلاث من الكتاب اللي أشوفهم ملهمين بالنسبة لي. كل واحد منهم ذكر أن من أهم الأشياء اللي ساعدته ينجز أعماله الفكرية والإبداعية هو تقليل استخدامه للسوشيال ميديا إلى الحد الأدنى، وأنه ما يسمح لذاته يكون أون لاين طوال الوقت وسط هذا الضجيج الرقمي.
لهذا، مشكلة سمنة المعلومات مو أنها هدر للوقت فقط، بل أنها هدر للإمكانيات. كيف تنتج عمل عميق، أو تحل مشكلة معقدة، أو تطور فكرة ناضجة وأنت تعيش بين إرهاق عقلي، ووهم إنتاجية، وغياب القدرة على التفكير العميق؟ راجع في ذهنك الأشياء اللي تتمنى فعلًا تشتغل عليها. هواية كنت متحمس لها وتوقفت؟ فكرة تجارية مؤجلة لأنك لسه تجمع المعلومات؟ أو حل مشكلة مثل أنك تحلل مصاريفك عشان تحسن وضعك المالي؟ هذه كلها أشياء ما تحتاج ذكاء خارق، لكنها تحتاج مساحة ذهنية ووقت خالي من المقاطعة، وأنك تبقى مع الفكرة لحد ما تنضج.
أحيانًا حتى بعد إدراكنا لهذه الآثار، يصعب علينا التخفف من سمنة المعلومات. فليش نفشل في التقليل ونرجع دائمًا؟ وليش ننصدم في النهاية من استهلاكنا لمحتوى ومعلومات أكثر بكثير مما خططنا؟ أعترف أن لي تقريبًا سنتين وأنا أحاول أقلل هذا التعرض المستمر للمحتوى. البداية كانت لما قررت أشوف عدد ساعات استخدامي للشاشة، والرقم كان صادم لدرجة أني أخجل أشاركه معكم. وقتها حطيت هدف أني أنزل إلى أربع ساعات في اليوم. ومعظم الحلول ما نفعت معي. جربت تطبيقات تقفل الشاشة بعد مدة معينة، لكن اللي يصير أن تطبيقي يقفل علي وأنا في نص مقطع شدني فعلًا. فأقول: "خلاص بلغي القفل عشان بس أكمل هذا المقطع وبعدين أكمل اللي بعده واللي بعده". وما أحس بالوقت. جربت أوقف الإشعارات، ألغي المتابعات، وكلها حلول تخفف لفترة، وبعدين أرجع.
كيف أقدر أقاويم خوارزمية تفهمني أكثر من نفسي وتعرف بالضبط نوع المحتوى اللي راح يجذبني لساعات وكل المواضيع اللي تثير اهتمامي؟ لذلك، كال نيوبورت، مؤلف كتاب "التقليل الرقمي" (ديجيتال مينمالزم)، يفسر سببين رئيسيين يخلون أغلب محاولات التقليل تفشل. السبب الأول أن السوشيال ميديا مصممة بحيث تكون إدمانية. خلفها استثمارات ضخمة وأبحاث سلوكية وتقنيات دقيقة هدفها الوحيد أنك تبقى أطول وقت ممكن. وقدام هذا كله، مو منطقي تلوم ذاتك على الفشل المتكرر وأنت تحاول تقاوم أنظمة مكرسة للاستحواذ على انتباهك. أما السبب الثاني فهو أن تفقد الجوال يتحول مع الوقت إلى وسيلة لملء الفراغ، أو لتهدئة القلق، أو للهرب من التفكير. وهنا يصير التلهي بالجوال حل سريع لكل لحظة صمت أو ثقل داخلي. وعشان كذا التخلي عنه يكون مربك لأنه صار يخدم حاجة نفسية عندك. لذا تستمر في النظر لجوالك ويستمر شعور عدم الارتياح.
طيب، هل معناها نرجع للعصر الحجري أو نكتفي بجوال أبو كشاف؟ أكيد لا. بناءً على توصيات الخبراء، هنا نصيحتين مهمين. الأولى: حدد غايتك من استخدام التقنية. تحتاج يكون عندك وضوح في سبب استخدامك للجوال. بدون هذا الوضوح، يصير وضعك مثل اللي يدخل السوبر ماركت بدون قائمة تسوق. ممكن يطلع بعربة مليانة أشياء ما كان محتاجها، ويمكن حتى ينسى الغرض اللي دخل عشانه. كثير منه مر بتجربة مشابهة. تفتح الجوال عشان تبحث عن موضوع معين، وبعد دقائق تلقى نفسك تتابع خبر طلاق مطربة وتحليل أسبابه. ويمر الوقت أكثر مما كنت مخطط، ويمكن تنسى الموضوع اللي دخلت عشانه. تحديد غايتك من استخدام الجوال يعني أنك تحدد الجوانب المهمة في حياتك، وبعدين تسأل ذاتك: "هل استخدامي للتقنية يخدم هذه الأمور اللي تهمني أو يبعدني عنها؟".
فإذا كان التواصل الحقيقي مهم عندك، يمكن استخدامك للتقنية يكون مكالمة طويلة مع شخص قريب بدل متابعة صامتة لحياة ناس ما تعرفهم. وإذا تنمية أموالك تهمك، فهل تستخدم التقنية لتحسين دخلك، ولا مجرد متابعة حسابات تستعرض أسلوب حياة أغنى منك؟ وإذا تحب التعلم، يمكن تختار محتوى أطول وأعمق بدل التمرير العشوائي بين مقاطع قصيرة. الآن، خذ لحظة وطالع جوالك واسأل: "ليش فعلًا أتصفح؟ إيش هدفي؟". يمكن تقول: "أستخدمه للترفيه". طيب، هل فعلًا تطلع من التصفح مرتاح ومبسوط، أو بإحساس خفيف؟ بعدم الارتياح اللي يصير غالبًا. تمر خلال دقائق على مقطع ضحكك، بعدها خبر عن كارثة إنسانية، بعدها صورة لحياة مثالية مرتبة بعناية. هذا التنقل السريع بين مشاعر متناقضة يسبب خدر عقلي وإرهاق عاطفي.
ويمكن تقول: "أحتاج أعرف آخر الأخبار والترندات". لكن هل فعلًا لازم تكون أول من يعرف؟ مو مطلوب منك سبق صحفي. والأخبار المهمة غالبًا بتوصل لوحدها بدون ما تتفقد المنصات عشر مرات في اليوم ولساعات طويلة. ويمكن تقول: "أحتاج السوشيال ميديا لمشروعي". لكن إذا هذا هدفك الحقيقي، فالتعامل معها يكون مثل أي مهمة عمل لها وقت محدد في جدولك، مو تفتح التطبيق عشان الشغل وتلقى ذاتك بعد نص ساعة تتصفح الترندات بدون ما تحس. غالبًا بعد ما تراجع غايتك من استخدام الجوال، تبدأ خيارات تتغير تلقائيًا. شخصيًا، صار واضح عندي أن الترفيه يحتاج بدائل ما تكون معتمدة على السوشيال ميديا فقط. حتى لو على الأقل أتابع حلقة من مسلسل كوميدي، لأنه بيكون محتوى واحد وشعور واحد بدون قفزات عاطفية خلال ثواني، وبدون تعويد الدماغ على المقاطع القصيرة اللي تضعف التركيز. وكذلك متابعتي لجديد أخبار الذكاء الاصطناعي صارت عبر نشرة بريدية اسمها "أسبوعية" بدل التصفح العشوائي في منصات التواصل.
التقليل الرقمي يبدأ من صورة واضحة للحياة اللي تبغى تعيشها. لما تحدد إيش يهمك فعلًا، يصير استخدامك للتقنية واعي. ويكون سؤالك الدائم: "كيف أستخدمها بطريقة تخدم اهتماماتي مو تبعدني عنها؟".
بعد وضوح الغاية، تجي النصيحة الثانية اللي تساعدنا نستفيد من التقنية بدون ما نقع في سمنة المعلومات، وهي: صعب وصولك لهذه البرامج. طالما أن هذه المنصات مصممة لتكون إدمانية، ففكرة أنه إذا دخلت بطلع بسرعة غالبًا ما تمشي. الدخول سهل جدًا، بالمقابل الخروج يأخذ أكثر مما نتوقع. عشان كذا الحل ما يبدأ بعد ما تفتح التطبيق، الحل يبدأ قبل ما تفتحه أساسًا. لأن سهولة الوصول وكون التطبيقات متاحة طول الوقت يخلي ترك العادة أصعب بكثير. تخيل شخص يحاول يخفف سكريات بينما جيبه مليان حلويات طول الوقت، وبعدين نستغرب ليش ما قدر يخفف. أكيد لا. لذا المنطقي أنك تبعد المحفز عنك، مو تعتمد فقط على قوة الإرادة.
تصعيب الوصول له أشكال كثيرة تقدر تختار اللي يناسبك. ممكن حذف التطبيق وإعادة تثبيته عند الحاجة. بهذا الشكل، الدخول ما عاد حركة لاواعية، صار سلسلة خطوات: تنزيل، ثم انتظار التحميل، ثم تسجيل دخول. هذا الحاجز البسيط ينفع شخصيًا في تطبيقات التواصل مثل سناب، بما أنه صديقاتي يتواصلون هناك. بس صرت أحمله مرتين في اليوم للرد، بعدين أحذفه. والنتيجة توفير وقت أكثر مما كنت أتخيل. وحتى لو كان الاستخدام استخدام للترفيه، يكون بالكثير مرتين في الأسبوع. ومن طرق تصعيب الوصول أنك تحدد فترات في اليوم تفصل فيها الإنترنت عن الجوال، وتخلي شبكة الاتصال مفتوحة، وتخبر المقربين أنه لأي طارئ اتصلوا. والبعض يثبت تطبيقات التواصل على جهاز آخر مثل اللاب توب أو الآيباد، بحيث ما يكون الوصول لها سهل عبر الجوال. عمومًا، مو لازم تأخذ الأمثلة حرفيًا، لكن الفكرة أنك تخلق حاجز يصعب وصولك لها. مهم جدًا تنظم طريقة وصولك للتقنية بحيث يكون القرار حاضر ومقصود، مو مجرد سلوك إدماني.
ختامًا، سمنة المعلومات أكبر من مجرد وقت ضائع على الشاشة. هي ضياع للإمكانيات الكامنة فيك. لأن كل لحظة مدفونة في ضجيج رقمي هي لحظة ما قضيتها في خلق شيء جميل، أو حضور كامل مع من تحب، أو بناء شيء يبقى أثره عندك. حياة واحدة لا تضيعها في التمرير اللانهائي. شكرًا لاستماعكم. كانت معكم كوثر الناصر، بودكاست البحث عن معنى.