Transcription
[موسيقى] بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين. الأخوة الكرام، لكم التحية. لازلنا في هذا التسلسل من هذا الباب: السلطة التشريعية للروايات السنة، ووصلنا إلى ضرورة التفريق بين مفهوم البعث ومفهوم الإرسال.
إن الرسول صلى الله عليه وسلم، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، هل هذه الجملة صحيحة؟ ليست صحيحة. هذه النتيجة من النتائج: الصلاة والسلام على المبعوث للناس كافة، ليست صحيحة. إذًا، الرسول عليه الصلاة والسلام ليس مبعوثًا للناس كافة، وليس مبعوث رحمة للعالمين. وإن يقول بذلك فسيلزمه الدليل والبرهان. قال تعالى: {قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين}. والنظر إلى الآيات: قال تعالى: {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين}، {وما أرسلناك إلا للناس كافة بشيرًا ونذيرًا}. لم يقل: بعثناك. إذًا، كضرورة، لابد أن نفرق بين مفهوم الإرسال ومفهوم البعث، لنعرف ما هي وظيفة الرسول، وما هي وظيفة المبعوث.
أولًا: الإرسال هو نقل التكليف من المرسل إلى المرسل إليه عبر الرسول. هذا هو مفهوم الإرسال. أما مفهوم البعث هو نقل التكليف والسلطة من الباعث إلى المبعوث، وليس إلى المبعوث إليه. أكرر هذه الجملة مرة أخرى لأنها مهمة جدًا: الإرسال هو نقل التكليف من المرسل إلى المرسل إليه عبر الرسول، أما البعث هو نقل التكليف والسلطة من الباعث الأول إلى المبعوث، وليس إلى المبعوث إليه. بمعنى: صلاحيات الباعث ستؤول إلى المبعوث، فهو سيحل مكان الباعث الأول. بعث به يعني الحاجة الشاهلة، البعثوه بها، هو سيأخذ فيها صلاحيات وسلطات الباعثة الأول. كمان نحن نقول الآن: المبعوث الأمريكي لشؤون السلام، المبعوث الأمريكي لشؤون الشرق الأوسط. ماذا يعني؟ هو يأخذ سلطات وتكليف الجهة التي بعثته، وبالتالي له حق وضع التصورات وصياغة النتائج، الأخذ والرد حولها، التنازل. كل هذه الصلاحيات ستؤول من الباعثة الأول إلى هذا المبعوث.
أما الرسول: الإرسال يأتي في برقيات التعازي وبرقيات التهنئة بين الرؤساء. لما يقول لك: أرسل ببرقية التعزية إلى الرئيس الفلاني، أنت بتجيء كرسول، تجيب من السفارة، بتشيل برقية التعزية وبرقية التهنئة، بتسلم الرئيس الفلاني وتمشي. لا عندك حق تشوف فيها شنو، ولا أصلًا الرئيس هيفتحها، ولا هيجري ليه، ولا أنت عارف الحاصل فيها شنو. أنت بتوصلهم، بتمشي، لعنك رسول. أما المبعوث، لا، يجلس مع الجهة التي بعث إليها وهو يحمل صلاحيات البعثة الأول.
ماذا نريد أن نصل في هذه الجزئية؟ الأربع آيات التي تتحدث عن بعث الرسول صلى الله عليه وسلم: {حصلت أمره بالأمّيين}، بمعنى: أفراد الجيل الذين بعث فيهم ربنا، {وابعث فيهم رسولًا منهم}، {هو الذي بعث في الأميين رسول الله}، {لقد من الله على المؤمنين إذ بعثه}. كل هذه الآيات التي تتحدث عن الوظيفة الأخرى للرسول، بتعليم الكتاب والحكمة، في خاصة فقط بالأمّيين الذين بعث منهم وبعث فيهم، وبالتالي هم المكلفون بطاعته، طاعة مطلقة. لماذا؟ لأنه أخذ صلاحيات الباعث. أما وأن القرآن جعله بالنسبة لنا رسولًا، {وما أرسلناك إلا للناس كافة}، {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين}، وبالتالي كلما صدر عن النبي، عن الرسول صلى الله عليه وسلم في الصدر الأول من البعثة من قول وفعل وتقرير وأحكام وتشريعات، هي ليست نصوص دينية وليست ملزمة للإنسان اليوم إلا بما يتوافق منها مع كتاب الله سبحانه وتعالى، لأنها تخضع للظرف التاريخي. هذه النتيجة التي قد تبدو صادمة ولن يتقبلها الكثيرون: نعم، صدرت منه أقوال وأفعال وتشريحات، ولكنها ليست ملزمة للإنسان اليوم. هي ملزمة للذين بعث فيهم، لأنه بالنسبة لهم مبعوث، أما بالنسبة لنا فهو رسول، وجزاه الله عنا كل خير، فقد بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح لهذه الأمة وكشف الله به الغمة. هذا لا اعتراض فيه، ولكن جميع ما صدر منه هو يخضع للظرف التاريخي وتغير الزمان والمكان، وبالتالي لابد أن يخضع لسلطة النص القرآني والمعايِرة، فناخذ منه ما يصلح لواقعنا، أما الآخر فليس ملزمًا لنا، حتى ولو صح عن الرسول صلى الله عليه وسلم بالصورة والصوت، فيديو. حينئذٍ تسقط العبرة بالسند والإسناد.
يعني باختصار شديد وبَلُغة بسيطة أيها المشاهد الكريم، أقول لك أنا قد تجاوزت مسألة السند. يعني أنت شايف المسألة كلها بتتبنى على أن السنة تحدثنا عن فلان عن فلان فلان ثقة وفلان صدوق. لا يا سيدي، لو جبت فيديو، فيديو الآن، فيديو صورة وصوت، بعض الأحكام التشريعية ليست ملزمة وليست لها ساحة اتباع الآن، ليس لأننا أعلم من الرسول صلى الله عليه وسلم، بل لأنها استنفذت الغرض التاريخي الذي قيلت فيه.
في الحلقة القادمة سنتطرق إلى بعض النماذج التي صدرت عن النبي عليه الصلاة والسلام، ولكنها قد استنفذت أغراضها التشريعية وليست ملزمة للإنسان اليوم، بل ملزمة للذين بعث فيهم. ولا ننسى قوله تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولًا}. إذًا، ما هو الرسول الذي بعث فينا اليوم؟ سؤال أتركه للمشاهد وهو الذي يجب أن يبحث عنه، ويبطل الكسل. ربنا ربط العذاب بالبعث وليس بالإرسال. أنا أقول: ما هو الرسول الذي بعث فينا؟ على الأقل هو ليس النبي عليه الصلاة والسلام.
أيها الأخوة الكرام، إلى أن ألتقي بكم في حلقة قادمة في هذا التسلسل، أترككم في حفظ الله ورعايته. السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته. [موسيقى]