Transcription
وتعيها أذن واعية. أذن واعية مع الشيخ الدكتور صالح سندي.
البرهان السادس من براهين نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم كمال الشريعة ومحاسنها. لقد حوى الإسلام من المحاسن والجلال والجمال والكمال ما يقتضي إذعان المنصف بالشهادة لله سبحانه بالحكمة، ولنبيه محمد صلى الله عليه وسلم بصدق النبوة.
فعقاب الإسلام تسكو بها القلوب، وأخلاقه تتهذب بها الأرواح، وأعماله تصلح بها الأحوال. لقد جاء الإسلام بإصلاح الدين والدنيا، والجمع بين مصلحة الروح والجسد، وأعطى كل ذي حق حقه. عقيدته سهلة واضحة، موافقة للعقل والفطرة، لا تناقض فيها ولا غموض. لم يأت الإسلام بما تحيله العقول أو يناقض العلم الصحيح. أخباره صادقة لا تناقض فيها، أحكامه موافقة للحكمة.
لم يأمر الإسلام إلا بخير خالص أو راجح، ولم ينه إلا عن شر خالص أو غالب. فاروى الغليل، وشفى العليل، وأنار السبيل، واستقام به المعاش. توافق فيه المعقول والمنقول. ما أمر بشيء فقال العقل: ليته لم يأمر به، ولا نهى عن شيء فقال العقل: ليته لم ينه عنه.
لم يصنع حاجزًا بين الدين والدنيا، بل مزج بينهما فصار متوافقين. الأصل فيه أن الأشياء والمعاملات مباحة. اشرب، تاجر، تعلم، اصنع، ازرع، افعل ما تريد، ولكن تجنب ما حرم الله عليك، وهو قليل بالنسبة للمباح. إنه دين الرحمة والإحسان. حث على الرفق والرحمة، وقضاء الحاجات، وتفريج الكربات، كف المظالم. وضع للجرائم حدودًا تردع عن مواقعتها.
بل لم يغفل الرحمة بالحيوان والإحسان والرفق به، بل ومراعاة مشاعره حتى إنه نهى عن اتخاذ شيء منه هدفًا مجرد الرمي. فحياة الحيوان أولى من العبث. نهى أن تتخذ الدواب كراسي للجلوس أو أن تلعن أو أن تفجع الطير في أفراخه.
لم يغفل فقه الشريعة حق الشهيد في عدم تعذيبها نفسيًا، فمنع أن تذبح شاه والأخرى تنظر إليها، أو أن تحد السكين أمامها، أو أن يقطع منها عضو بعد ذبحها قبل أن تبرد.
وأوجب الفقهاء على مالك دود القز تحصيل ورق التوت الذي يقتات به ولو شرائه، أو أن يخلى سبيله لئلا يهلك. حشرة صغيرة حياتها في الإسلام محترمة. حكم الفقهاء بوجوب أن يبقي صاحب العسل شيئًا من العسل لتقاتل، ونص على وجوب أن يقص حالب الدابة أظافره حتى لا يؤذي رأسها. وإذا كان هذا إحسان الإسلام بالحيوان، فكيف بالإنسان؟
لقد جعلت شريعة الإسلام الناس سواسية، لا يفضل أحدًا أحد بل لون أو عرق أو حسب. فمعيار التفاضل التقوى لا غير. إنها شريعة العدل، العدل في كبار الأمور وصغارها، حتى إنها عدلت بين قدميك فنُهٍ أن تنتعل في قدم دون الأخرى.
لقد وضعت هذه الشريعة نظامًا اقتصاديًا أخلاقيًا بديعًا لم تعرف له البشرية نظيرًا. إنها شريعة الجماعة وجمع الكلمة وقطع أسباب النزاع. فمنعت أسباب الشحناء، وتقطع الصلاة، حتى إنها منعت خطبة المسلم على خطبة أخيه، أو البيعة على بيعة.
إنها شريعة النظافة والنظام والتعامل الراقي والذوق الرفيع، ومراعاة المشاعر. حتى إنها لم تغفل النهي عن أن يتناجى اثنان دون ثالث. إن تنظيف الأسنان في الإسلام عبادة، والسواك أول ما يستحب أن يفعله المسلم إذا دخل بيته.
شريعة الإسلام جامعة الأخلاق السامية والآداب الرائعة. منعت الغيبة والنميمة والكذب والسخرية والكبر والحسد، وحثت على أضدادها. إنها شريعة التكافل الاجتماعي. فعلاوة على الزكاة والصدقات، قالت الشريعة إن صلة الرحم لا تقتصر على السلام والهدايا وزيارة فحسب، بل يجب على من عنده قدرة مالية أن ينفق على قريبه الفقير، وهو حق له لا منّة فيه.
إنها الشريعة الكاملة التي لم تغفل شيئًا من أمور الدين أو الدنيا بدقة متناهية وتنظيم بديع. من علاقة المرء بربه إلى علاقته بنفسه إلى علاقته بغيره من إنسان أو حيوان أو جماد. لقد نظمت للمسلم كيف يخالط الناس ويحييهم ويجالسهم، ويبايع ويقاضي، بل كيف ينام ويأكل ويلبس حذاءه.
لم تدع شاذة ولا فاذة إلا ولها فيها توجيه بديع ونظام متقن بلا خلل ولا اضطراب. إنما هو الإسعاد والتيسير. لقد نظمت كل شيء في حياته، بل نظمت له كل شيء بعد وفاته في الإرث والحقوق وغيرها.
إن هذا غيض من فيض. سؤال بعده: من أين أتى النبي صلى الله عليه وسلم بكل هذه التشريعات الباهرة البديعة؟ وكيف بين يديك شريعة محكمة شاملة مفصلة دقيقة شافية كافية، لا خلل فيها ولا عوج، ولا يمكن الاستدراك عليها؟
أرجل أمي واحد مهما بلغ من الذكاء قادر على أن ينظم كل مجال، ويضع حلاً لكل مشكلة، ويرسي دعائم السعادة في الدين والدنيا، أم أن العقل يقتضي أن يقال إنه كان صادقًا مصدوقًا ورسولًا نبيًا. فاللهم صل عليه وسلم تسليمًا.