Transcription
هو أبو يزيد ولي الدين عبد الرحمن بن خلدون الحضري الأشيبيلي، والمعروف اختصارًا باسم ابن خلدون. كان ابن خلدون فيلسوفًا ومؤرخًا من تونس، أصبح لاحقًا واحدًا من أشهر الكتاب في التاريخ الإسلامي.
كان العالم الإسلامي يعيش فيما سُمي باسم الفترة المتوسطة خلال ولادة ابن خلدون، حيث كانت الخلافة العباسية قد حكمت منذ عام 750 حتى 1258 فيما عرف باسم الفترة الكلاسيكية. لكن بانهيار الخلافة العباسية، وصل المغول إلى بغداد وأنهوا على الخلافة.
ولد ابن خلدون في هذه الحقبة من الفترة المتوسطة، والتي جاءت بعد سقوط العباسيين وقبل صعود العثمانيين. عاش ابن خلدون في فترة كان العالم الإسلامي مشتتًا، وتحكمه العديد من الممالك والسلاطين في أقاليم صغيرة.
وُلِد ابن خلدون في عام 1332 في تونس، ونشأ في أسرة طويلة من الدبلوماسيين والسياسيين من الأندلس. كان والده مشهورًا بالعلم في ذلك الوقت، ولهذا أشرف على تعليم ابنه خلال فترة طفولته. تعلم العلوم الدينية والفلسفة والقرآن والرياضيات والمنطق وعلوم الفلك.
بدايته كانت هادئة، لكن الأمر تغير عندما وصل الطاعون الأسود إلى تونس. وصل الطاعون الأسود إلى شمال إفريقيا وتونس، وتسبب في وفاة أسرة ابن خلدون بالكامل باستثناء بعض إخوته.
عمله في بداية حياته كخطاب، لكنه ترك هذا العمل في النهاية. سافر إلى مناطق مختلفة من أنحاء شمال إفريقيا وعمل لملوك وسلاطين مختلفين. عمل لفترة في المغرب ثم الجزائر وغرناطة. أثناء عمله كمستشار للملوك والسلاطين، تعلم السياسة وخباياها، وتعلم كيف تظهر الدول وتنهار، وهو ما كتبه في المقدمة.
كان اسم ابن خلدون منتشرًا بين الملوك، والأغلب أراد بجانبه كمستشار. بل إن الملك المسيحي بيدرو من إشبيلية طلب منه الانضمام إليه لكنه رفض.
أمضى ابن خلدون آخر سنوات حياته في مصر، حيث حكم المماليك من القاهرة وعمل كقاضي، وكان من علماء مصر في الشريعة. في مصر، أرسل ابن خلدون رسائل يمدح فيها القاهرة ومصر، حيث قال: "ثم وافينا مرسى الإسكندرية يوم الفطر، ولعش ليالي من جلوس الملك الظاهر على التخت، وأقمت بالإسكندرية شهرًا لتهيئة أسباب الحج، ولم يقدر عما أذن، فانتقلت إلى القاهرة أول ذي القعدة، فرأيت حضرة الناس وبستان العالم ومحش الأمم ومدرج الذر من البشر وإيوان الإسلام وكرسي الملك، تلوح القصور والأوا في جوه، وتزهر الحواني والمدارس بأفا وتضيء البذور والكواكب في علمائه، قد مثل بشاطئ بحر النيل نهر الجنة ومدفع مياه السماء، ومررت في سكك المدينة التي تغص بزحام المارة وأسواقها التي تزخ بالنعم".
لكن في مصر، تعرضت عائلة ابن خلدون لحادث فيه توفيت زوجته وبعض أطفاله في حادث بحري. وبعد فترة، عاد ابن خلدون وعمل كمدرس في مصر.
توفي ابن خلدون في السابع عشر من مارس من عام 1406، بعد أن قضى حياته في خدمة عدد من السلاطين والملوك. من خلال كتاباته وتعاليمه، قام بترسيخ نفسه في سجل التاريخ.
وعبر سنوات الخبرة وتجربته ورؤيته الواقعية للعالم السياسي والاجتماعي، كان قادرًا على فهم كيفية عمل المجتمعات. المقدمة هي مجرد الفصل التمهيدي لعمل أكبر بكثير، وهو كتاب العبر.
الاسم الكامل للكتاب هو "كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر". في المقدمة، حاول ابن خلدون تقديم لمحة شاملة عن الحضارة والثقافة والسياسة بشكل عام.
يعتبر هذا الكتاب من أهم كتب التاريخ، والذي أثر على العالم منذ وقت كتابته، وأثر على المجتمع العثماني، بل إن تأثيره مستمر حتى اليوم. يعتبر ابن خلدون والد علم الاجتماع.
في المقدمة، يقدم ابن خلدون رؤية للتاريخ كانت فريدة لعصره، وهي أنه ببساطة لا يريد إعادة سرد التاريخ كمجرد إعادة سرد للأحداث، ولكنه يريد فعلاً أن يدرس التاريخ بنقد، وأن ينظر إلى الأمور من وجهة نظر منطقية، وأن يحاول شرحها في سياق علمي أوسع.
الغربيون اليوم يجدون المقدمة من أهم الكتب التي شرحت فكرة العصبية القبلية عند القبائل الشرقية. يجادل ابن خلدون بأن الأسر والإمبراطوريات تتبع جميعًا نمطًا مشابهًا من الصعود والانهيار في النهاية، وذلك بسبب العصبية.
فعندما يأتي حاكم إلى السلطة، يفعل ذلك بمساعدة العصبية، بمساعدة قبيلة واحدة أو أكثر، تنتمي أحيانًا لبعضها البعض. دعمهم السياسي، بين العوامل الأخرى، هو ما يساعدهم على الصعود. يمكن أن تكون العصبية أيضًا تعني التضامن القبلي أو الانتماء الاجتماعي. قد تكون هناك عوامل أخرى مثل الدين، لكن يجادل ابن خلدون بأن العصبية هي الأهم.
يقول بشكل مباشر إن السلطة لا توجد بدون عصبية. بعد ذلك، يجادل في التعمق في هذه النظرية، في أن كل أسرة تصعد وتسقط وتمر بمراحل معينة، والتي يشير إليها باسم الأجيال.
يمكن أن تكون مختلفة وفقًا للظروف، لكن بشكل عام يقول إنها لا تستمر لأكثر من ثلاث أجيال. الجيل الأول هو الذي لا يزال متصلًا بقوة العصبية، والذي لا يزال يتذكر كيف تبدو الحياة القبلية، وما زال يخدم الناس في هذا السياق. هو متصل بالعالم الاجتماعي والواقع.
أما الجيل الثاني فيكون في منتصف الطريق، وهو لا يزال لديه بعض الذكريات من الحياة القبلية التي عاشها والده، لكنه بدأ في الاعتماد على بعض الرفاهية والتفرغ لأمور أخرى من القبلية، لذلك هو في منتصف الطريق.
في حين أن الجيل الثالث يعيش عندما تلاشى كل شيء. منذ ذلك الوقت، يكون الحاكم مهووسًا بالرفاهية والتفرغ للعيش الفاحش، بحيث يفقد كل صلة بالعصبية، وبالتالي دعم الناس.
قلقه الرئيسي هو البقاء في السلطة وليس خدمة الناس، وبالتالي يكون قد فقد كل اتصال بالواقع. عندما يحدث هذا، يبدأ الانهيار ليأتي حاكم آخر بالعصبية والدعم القبلي ويتولى السلطة، وبالتالي تتكرر هذه الدورات إلى ما لا نهاية.
بعبارة أخرى، من خلال الفقدان التدريجي للعصبية القبلية، يفقد الحاكم سلطته، وفي نهاية المطاف يسقط. يقدم ابن خلدون نظريات وأفكار حول لماذا يحدث الارتفاع والسقوط الحتمي لكل إمبراطورية وأسرة.
يقول ابن خلدون في كتابه إن الإنسان اجتماعي بطبعه، وإن لم يحب ذلك. فالحياة عبارة عن علاقة تترتب بعضها على بعض، سواء بين البشر أو بين الحيوانات. من المستحيل أن يستطيع الإنسان أن يعيش بمفرده تمامًا، لأن الحياة تحتم عليه التعامل مع الغير.
وإن بطريقة غير مباشرة، فإن حاول أن يكتفي بنفسه، لن يفلح. مثلاً، إذا أراد أن يأكل، فهو يحتاج إلى الخبز، والخبز يحتاج لمن يزرعه، ثم يسقيه، ثم من يحصده، ثم من يجعله طحينًا، ثم من يجعله خبزًا.
في نهاية المطاف، وكذلك يحتاج الإنسان إلى من هم حوله لتحقيق الأمان، وذلك لأنه لا يملك القوة الكافية التي يستطيع بها الدفاع عن نفسه وحقوقه بمفرده. على عكس الكثير من الحيوانات، فعلى الرغم من أن العديد من الحيوانات أقوى منه، كالأسد والحمار والفرس والفيل، إلا أن الله عز وجل قد وهب الإنسان العقل.
فقوة العقل تضاعف قوة الجسد بمئات المرات. تمت طباعة المقدمة لأول مرة في عام 1857 في مطبعة بولاق في القاهرة، كمجلس من إعداد نصر الحروي، بدعم من الطهطاوي، وكجزء من مجموعة مؤلفة من سبع مجلدات لكتاب العبر.
استنتج عبد الرحمن الشديدي أن المساهمة العلمية الدقيقة لابن خلدون في مجال التاريخ والعلوم الاجتماعية لم تعترف بها بالكامل في العالم الإسلامي حتى أواخر القرن التاسع عشر. وتم اكتشاف المقدمة لأول مرة في فرنسا من خلال الترجمة التركية لمحمد بيرزاده، والتي يعتقد بأنها كتبت في القرن الثامن عشر.
وفي عام 1858، في العام التالي للنشر الأول في القاهرة، قام إتيان مارك كارت مير بطبع نص المقدمة باللغة العربية في ثلاث مجلدات في باريس تحت عنوان "مقدمات ابن خلدون".
نشر وليم ماكوجين دي سلين ترجمة فرنسية في ثلاث مجلدات في عام 1863، في حين نشرت ترجمة إنجليزية من قبل فرانس روزنتال في عام 1858.
اجتماع البشر وتعاونهم ضرورة ملحة لاختيار فيها، فأساس بقاء الإنسان هو الطعام، والطعام لا يمكن تحصيله بالاعتماد على فرد واحد، مما يجعل الجماعية حتمية ولا بد منها لبقاء البشر.
وهذا الأمر جعل كل من يحاول الخروج من هذه الحتمية يكون خارجًا من الفطرة الإنسانية، وهو الأمر الذي سينقلب عليه ماديًا ونفسيًا. ولهذا يصنف علماء النفس الميل للعزلة كمرض نفسي.
أكد ابن خلدون أن هذه الحقيقة تظهر لماذا بعض الحيوانات أقوى من الإنسان، فمنها من هو قادر على العيش بمفرده بسبب طبيعته التي تمكنه من الحصول على الطعام، والتي تمكنه من حماية نفسه بشكل منفرد. لكن نقطة ضعف الإنسان هذه ليست إلا قوة، لأنها أجبرته على التعاون، والذي كان أساس عمران الأرض والتطور الواضح للجنس البشري عن غيره من الكائنات.
مع مرور العصور، ربط ابن خلدون نشوء الحضارة والعمران المتقدم في بعض المناطق وغيابها عن البعض الآخر بدرجة الحرارة، حيث رأى أن المناطق ذات الحرارة العالية تتعرض للجفاف أكثر، وتكون فرصة البنيان فيها أقل، في حين أن المناطق الباردة نسبيًا تكون بيئتها أفضل للحياة والإنتاج بشكل عام، والإنتاج الغذائي بشكل خاص.
أما المناطق الباردة جدًا، فهي صعبة كذلك بسبب صعوبة إنتاج الغذاء فيها. لهذا وجد ابن خلدون أن الغذاء مهم لإدارة عجلة التقدم، وأن اعتدال الجو يلعب الدور المباشر في التصنيع الغذائي.
ومنها استنتج ابن خلدون أن ارتفاع حرارة الأرض سيؤدي حتمًا للنقص الغذائي، وبالتالي إلى تراجع الحضارة البشرية، والتي قد تكون سببًا في الحروب.
ورأى ابن خلدون أن هناك علاقة مباشرة بين الطقس السائد في بلد ما وأخلاق أهله. فاهل المناطق الباردة أكثر تخطيطًا للمستقبل وتخوفًا من العواقب، عكس أهل المناطق الحارة والمناطق القريبة من البحر.
وأهل المناطق الباردة يخافون غدر الجو ويخشون نقص غذائهم، لهذا تراهم أكثر حرصًا وتفكيرًا. ويرى ابن خلدون أيضًا أن سكان المناطق الأكثر فقرًا هم الأكثر تدينًا، وأن أهل المدن تتغير نسبة تدينهم حسب ظروفهم المعيشية.
فكلما تحسنت الظروف وظهر الترف، سادت الغفلة، في حين لو ضاقت الظروف، عاد الناس إلى ربهم سائلين إياه الرحمة. كما أكد أن التدين الناجم عن الفقر فقط هو تدين خارجي من حيث العبادات، أما التصرفات فقد تحيد عن المسار الصحيح وتسقط في الخرافة أحيانًا.
وإذا لم يتحمل فقراء ظروفهم، سيتحولون للتصرف مثل الكفار من خلال قطع الطرق أو الغارة على القبائل للانتقام من الظلم الاجتماعي.
أيد ابن خلدون أيضًا فكرة أن نوع الطعام ينعكس على المدى البعيد على أخلاق من يأكله، فهو يرى أن أهل البادية الذين يتغذون على لبن الإبل ولحومها يملكون صفاتها في التحمل والصبر.
اليوم، هذه النقطة خلافية بين المهتمين. طرح ابن خلدون كذلك مسألة كرامات الأولياء والصالحين في هذا الباب، وعرض آراء المذاهب فيها، وكيف أن البعض يرفضها إجمالًا ويرى أنها لا تجوز إلا للأنبياء والرسل، وكيف يرى الآخرون بأنها تجوز لأولياء الله الصالحين.
في الكتاب، حاول ابن خلدون أن يكون على الحياد. صنف ابن خلدون البشرية من حيث الإدراك الروحي إلى ثلاث أصناف، حيث حث أن الصنف الأول هو النفس المرتبطة بالبدن بشكل كلي، وتكون معتمدة بالتفاعل مع العالم الخارجي على الحواس والخيال والذاكرة، وهذا هو الصنف العام.
أما الصنف الثاني، فهو يعتمد على التعقل الروحاني، حيث تنسلخ نفسه تدريجيًا عن الجسد، وهذا الصنف أسماه ابن خلدون بالكهان.
بالنسبة للكهان، لا يقر ابن خلدون بأن الكهانة انتهت تمامًا بعد النبي محمد عليه الصلاة والسلام بسبب رجم الشياطين بالشهب، حيث يرى أن ذلك المنع لم يكن مطلقًا، وإنما كان فقط عن أخبار البعثة والوحي.
كما يرى أن الكهانة ليست مجرد اتصال مع الشيطان، بل وجود قدرات لدى أصحابها تكون كامنة.
وأخيرًا، الصنف الثالث هو نفس راقية تمامًا تصل إلى حد الملائكية بالتخلي عن كل ما هو محسوس والاعتماد على الذات الروحية، وهم الأنبياء والرسل.
أما عن الأحلام، فقد فسر ابن خلدون الرؤى بإرجاع الأمر إلى النفس الروحية بالأصل، وبالتالي فإنه في بعض الأحيان، وعند النوم، تطالب هذه الروح التي تعلم ما سيقع، ويعود الأمر إلينا بشكل حلم مباشر أو رمزي.
يذكر كتاب ابن خلدون أن اختلاف أحوال البشر ينتج عن اختلاف طريقتهم في العيش، واجتماعهم يكون نتيجة تكاتفهم معًا. فمثلًا، منهم من يقوم بأمور الفلاحة في الغرس والحصد، ومنهم من يقوم بخدمات الحيوانات كتقديم الطعام.
وهذان النوعان يجبرهم الطبيعة على اللجوء إلى البداوة لما فيه من المسافات الشاسعة التي تمكنهم من توفير أماكن جيدة للحيوانات، على خلاف الأماكن الضيقة كالمدن.
وقد ترتب عن ذلك أنهم حققوا التكامل والاكتفاء دون الحاجة لما هو خارج محيطهم، وما لبثوا حتى توسعت إنتاجاتهم ليصلوا للثراء.
وما أن يحصل ذلك، يقومون بالميل إلى السكون والتعاون أكثر فأكثر لتزداد ثروتهم، وتتلألأ ملابسهم، وتتوسع منازلهم، وتبنى المدن، فيتحولون للحضر نتيجة الثراء، وتبنى الأبراج والقصور، ويزداد التباهي بالملبس، وتتنوع أصناف الحرير والديباج.
ولهذا يركزون على تزويد قصورهم من المتاع الفاخر، والذي يمكن أن يشمل الفرش والأواني، لتتحول مهنهم من الرعي للتجارة والصناعة.
يرى ابن خلدون أن بناء الحضارة يحتاج للتدرج، وأنه لا يمكن أن يقوم على نهج ثوري. حيث يبدأ هذا التدرج من تأمين الغذاء الأساسي، ثم يأتي بعد ذلك الاهتمام بالملبس والمسكن، وبعد ذلك تأتي الزينة المفرطة والاهتمام بمظاهر الحياة وكمالياتها.
ويجدد ابن خلدون هنا تأكيده أن الأمن الغذائي هو المرحلة الأولى والأساسية في العمران، ولا عمران بدونها. ومن هنا ينبغي لمن يريد بناء أي دولة البدء بتحقيق الأمن الغذائي قبل أي شيء.
فإذا غاب الغذاء، فلا يمكن المرور لأي مرحلة أخرى. يعتبر ابن خلدون أن البدو هم أساس الحضارة، لأنهم أكثر إنتاجًا وأقل استهلاكًا من أهل المدن، لاكتفاء البدو بالضروريات وحرصهم على الكماليات.
ويعرض ابن خلدون في الكتاب حقائق تاريخية تؤكد أن أصل معظم أهل المدن يعود للبدو، وبالتالي البدو هم أصل الحضارة.
إضافة إلى أن طبائع البدو أفضل من طبائع الحضر، وأنقى وأشجع وأقرب للفطرة البشرية. ولهذا يعتبر ابن خلدون أن بناء أي حضارة لا يتم إلا على أيدي البدو، وهي حقيقة تاريخية.
في الماضي، كانت القبائل هي التي تحدد الحاكم على أساس النسب، فإن حدث شك في نسب أحدهم، يستبعد من منصب السلطة مهما بلغت شجاعته أو حكمته. وقد توارث الناس هذه العقلية حتى في عهد الدولة، فلا يحظى عندهم حاكم وضيع النسب بالاحترام والتوقير مهما بلغت، والعكس بالعكس.
في التاريخ الإسلامي، ظهر ذلك جليًا في صعيد الموالي أثناء ضعف الدولة العباسية، ولهذا ادعى كثير منهم أنهم يعودون للنسب بالشريف في محاولة للحصول على القوة والسلطة.
يقول ابن خلدون إن الحسب يندثر مع أربعة آباء، فشرف يكون في الأول ويراه ابنه، ثم يعمل به، ثم يورثه لابنه التالي مع اندثار شيء ونسيان شيء من مكارم الأخلاق والأفعال النبيلة.
ثم يأتي الجيل الرابع لينال البقايا، وبعده ينتهي الشرف مرتبطًا بالنسب. فالأخلاق، حسب ابن خلدون، لا تنتقل عبر الدم ولا بالتوارث الجيني، ولكنها تنتقل بالقدوة والمثال.
ولهذا فإن الشرف والحسب يندثر بعد أربعة أجيال، والمطلوب يكون بتجديد هذا الحسب وليس العيش على أمجاد الماضي. أما العصبية القبلية، فهي أصلاً ليست إلا طريقة للسعي للفوز بالحكم.
وهنا يؤكد ابن خلدون أن كل حاكم يحاول أن يلعب بنار إشعال العصبيات القبلية والعرقية، فهو في النهاية يتسبب في ظهور عدو طامع في الحكم قد يظهر في يوم ما.
وهنا يقول ابن خلدون إن الترف هو بداية النهاية لأي حاكم عصبي قبلي، لأن الترف سيجعل المصلحة الفردية تتغلب على مصلحة الجماعة.
يقول ابن خلدون أيضًا: "لا تتوقع من جيل قبل الذل"، وهي قاعدة ذهبية أشار إليها، وذلك لأن الجيل الذي يقبل بالذل للمرة الأولى يقبله إذا اضطر في المرة الثانية.
واستشهد بقصة بني إسرائيل وقصة التيه لأربعين عامًا، وهي أن يذهب الجيل الذي كان قبل الذل من فرعون، ويأتي جيل لا يقبل بالذل.
بالنسبة لابن خلدون، النفس البشرية ترى الغالب كاملًا، وتستقر فيها عظمة المنتصر لتغلب عليها، أو تقوم بمغ الطه نفسها بتبرير الخسارة لكمال المنتصر.
وهذا التبرير يكون من قبل الفرد أو الأمة على حد سواء، فالنفس البشرية تميل لاختلاق الأعذار أكثر من الاعتراف بالتقصير والخطأ. ولهذا السبب تتبع الأمة المغلوبة الأمة الغالبة في كل شيء: اللباس والسلاح وطريقة الإدارة.
مثل تشبه الابن بأبيه لأنه يعتقد فيه الكمال. وهنا يتبين أن أهم وأصعب مراحل الانتصار هي محو الهزيمة النفسية للأمة.
يقول ابن خلدون: "الأمة المملوكة لغيرها ثانية لا محالة". فعندما تقع الأمة المملوكة أو المغلوبة بحالة الهزيمة، وتحيط بها حالة من فقدان الأمل وغياب الحافز، فإنها تسير نحو الفناء، لأن كل العاملين يمثلون السر خلف البناء والعمل.
وحتى كثرة النسل، فإن غلب الخمول على الأمة المغلوبة، تراجعت حتى تصبح لقمة سائغة لكل طامع، فيتدخل بهم الجميع ويتناسون ما بقي منهم حتى يفنى وجودهم، أما بالعبادة أو بالانصهار التام.
وذكر في هذا السياق الفرس بعد سقوط دولتهم على أيدي المسلمين، فقد كان عددهم كبيرًا جدًا، لكنهم تناقصوا وتشتتوا رغم العدل الإسلامي فيهم.
واعتبر هنا أن مسألة الانتثار مرتبطة بالتبعية وليست بالعدل. طبعًا، الموضوع تغير بعد عصر ابن خلدون بالنسبة للفرس، ولكن من الممكن إيقاع نفس المثال على القبائل الأصلية الأمريكية.
فالإنسان، حسب ابن خلدون، رئيس بطبعه، فإن فقد هذه الصفة خسر كيانه وأصبح أقرب للحيوان، ويصبح لا يهتم إلا بغرائزه وينسى وظيفته في الحياة، وهي الإعمار والإنجاز.
يقول ابن خلدون أيضًا إن العرب لديهم طريقة في الحرب، حيث إنهم لا يحبون الطرق الوعرة. فكل أمة خلف جبل أو بحر كانت في مأمن منهم.
فالعرب لم يكونوا أبدًا مهتمين بخوض الصعاب الطبيعية قبل الحرب، وحتى المرات القليلة التي خالف فيها التاريخ هذه القاعدة، نجد أن الجيش الذي قام بهذه الخطوة فيه من الشعوب الحليفة كالبربر والترك.
أما الحكم الديني، فهو أكثر مناسبة للعرب، وذلك بسبب طبيعة العربي المائلة للقيادة وصعوبة الانصياع لغير العرب. ولهذا، الحل الوحيد لجمع العرب هو الدين، لأنه من الله وليس من البشر.
يعتبر ابن خلدون أن هذه ليست بمسبب، بل العكس هو أحد أهم ميزات العرب، فهم الشعب الأقرب إلى الفطرة البشرية السليمة، وذلك ما جعلهم أسرع لقبول الحق حتى في الجاهلية.
ولذلك، لا يصلح لحكم العرب إلا الحكم الديني، ولا ينجح معهم سوى ذلك. يرى أيضًا أن أهل المدن لهم سيادة على أهل البدو، وذلك لسيطرة أهل المدن على معاش أهل البادية، لبحثهم عن الكماليات بالشراء، مما يجعل معاش البدو مرتبطًا بالمدن وأهلها.
يقول ابن خلدون إنه من المتعارف عليه أن الانقلاب والرفض عادة ما يكون بالتعصب والتذمر، وأن يسعى كل فرد في الاتجاه المعاكس للآخر.
يقول أيضًا إنه دائمًا ما يكون المنصب الملكي محببًا لدى الجميع، لما يشمله من رفاهيات عدة كالشهد الجسدية والخيرات المختلفة. فمن يجد للفرصة سانحة أمامه، لا يفكر ثانية واحدة ليقتنص، بل يفعل ذلك دون تردد، ولا يسمح لأي أحد أن يسرق منه هذا المنصب العظيم، إلا إذا لم يستطع على قهره.
لهذا، تندلع الحروب الكبرى من أجل اعتلاء عرش المملكة. وعلى الرغم من بداهة الصراع بين البشر، إلا أنه يصعب على عامة الشعوب استيعاب فكرة الحرب من أجل العرش، وذلك لأن بدايات الدول غير مهمة.
ففي كل الأحوال، هم لم يستفيدوا شيئًا، كما أنهم ليسوا الأجيال السابقة التي حضرت عصر بداية الدولة، فهم متتالية من بعدها لم يروا شيئًا من تمهيد الدول، ولكن كل ما يتوجب عليهم هو الرضوخ والاستسلام لملكهم والامتثال لأوامره.
شرح ابن خلدون حقيقة أن كل نظام حكم جديد يواجه مشاكل كثيرة في البداية، وعاد هذه الحقيقة إلى أن النفوس يصعب عليها الانقياد لهذه السلطة الجديدة. ومع مرور الزمن، يصبح حكمهم أمر واقع ومقبول، ويتأقلم الناس عليه.
شرح نقطة هي أن كل حاكم يبدأ في البداية بالاعتماد على أهله وأقاربه، ولكن بعد الاستقرار في الحكم، فإنه يستغني عن هذه الفكرة، ويصبح الأمر عائدًا للكفاءة والمصلحة. وهذا ينطبق على الأحزاب والجيوش.
يرى ابن خلدون أن الدول الدينية أكثر استقرارًا، ويعيد ابن خلدون هذا إلى أن الصبغة الدينية تجعل التنافس والتحاسد في أقل درجاتها، حيث إن الدول الدينية يقل فيها الاختلاف بين النخب، حيث تكون الأهداف والغايات موحدة.
وأوضح أن الدولة الدينية تقوم في البداية على عصبية قبلية، إضافة لعصبية الدين، واستدل على ذلك بقول الرسول عليه الصلاة والسلام: "ما بعث الله نبيًا إلا في منعة من قومه".
لكن ابن خلدون أيضًا حذر من أن بعض الدول قد تستغل الدين لتحقيق أهداف القبيلة فقط، بعيدًا عن أهداف الدولة والدين، وهذه الدولة لا يعتبرها ابن خلدون دولة دينية.
يرى ابن خلدون أن إفريقيا كانت ولا زالت مفككة، وأرجع ذلك لكثرة القوميات والقبائل والعصبيات في هذه القارة، وهو ما جعل الأهواء مشتتة والأهداف مختلفة، ولهذا كان هناك عدد كبير من المشاكل، ولا يوجد نظام يحل كل هذه المشاكل.
وصف ابن خلدون الملوك والحكام بشكل عام في حالة الاستقرار بعدة طبائع، من هذه الطبائع ميلهم للاستئثار بالمجد والإنجاز والسلطة المطلقة. كما أن من الطبائع المذكورة في المقدمة ترف الملابس والأبنية، وهي عادة تنتقل من الحاكم للمحكوم، فالناس على دين ملوكهم.
أما الطبع الثالث، فهو الميل للاستقرار والركون للراحة والابتعاد عن الأمور السياسية والحرب. ولهذا كان ابن خلدون أول من اقترح ما صار يعرف اليوم بالتداول على السلطة، لهدم تلك الحالة من الاستقرار وخلق مناخ من التدافع ليكون ذلك في صالح الأمم.
يذكر ابن خلدون أن أعمار الدول كأعمال الأشخاص، وتعد هذه القاعدة أشهر ما قدمه ابن خلدون لعلم الاجتماع والسياسة. فكل دولة يكون عمرها مساويًا لثلاث أجيال، حيث إن الجيل يمتد لأربعين عامًا، مما يعني أن العمر الحقيقي لأي دولة هو 120 عامًا لا غير.
لكن هذا لا يعني أن الدولة تندثر حتمًا بعد ذلك بشكل مباشر، بل تدخل في مرحلة ضعف متزايد إلى أن يأتي سبب مباشر لسقوطها، مثل الاحتلال أو الثورة.
بالنسبة للترف، فهو ليس دائمًا سببًا من أسباب السقوط، بل يمكن أن يكون من أسباب القوة إذا حسنت إدارته ووظف لصالح الاقتصاد والتحصيل العلمي، إذ قد يكون عاملًا على زيادة عدد السكان بالتكاثر، وتحسين المستوى الصحي، إضافة لتنوع الصناعات وتحسين مستوى التعليم، كما حصل في الأندلس في عصر عبد الرحمن الناصر.
فالترف يجب أن يُدار بشكل صحيح، وأن لا يتحول لمهلكتهم. في بعض الأحيان، يقلدون من سبقهم، وقد شرح ذلك فيما أسماه بأطوار الدولة.
فهذا التقليد الفاقد للتغيير يعني أن الدولة في طورها الرابع، بعد الطور فرض الحكم، وطور تركيز السلطة، والطور الرخاء، ثم يأتي طور القناعة والمسالم.
وفي هذا الطور الأخير، فإن صاحب الحكم يكون قانعًا بما وجده، فيكفي آثار من سبقوه خطوة بخطوة، لأنه يخشى أن يؤدي أي تغيير إلى إفساد عمل ما سبقه.
وبما أننا كما ذكر ابن خلدون في بداية الكتاب، لا يمكننا أن نعيش إلا في جماعات، فلا يمكن بالضرورة ترك هذه المجموعات بلا حاكم، لأن طبيعة الحيوانية ستطغى على المجموعة حينئذ، وينتشر الفساد والظلم داخل المجموعة.
وبالتالي، فإن وجود الحاكم هو نتيجة طبيعية، لأن الإنسان اجتماعي في الأصل، والحاكم ضروري لحماية أفراد المجموعة من بعضهم البعض، ولحماية المجموعة كلها من العدوان الخارجي.
يقول ابن خلدون أيضًا إن الذكاء والحكمة العميقة تعتبر عيبًا في صاحب السياسة، فالإفراط في الفكر والحكمة والفلسفة سيجعل الحاكم يحمل على شعبه ما لا يمكنهم استيعابه ولا الإيمان به.
واستشهد في هذا السياق بقصة عزل عمر رضي الله عنه لزيد بن أرقم، عندما قال: "لم أعزلك لعجز أو خيانة، ولكني كرهت أن أحمل فضل عقلك على الناس".
أيضًا، يصحح ابن خلدون مفهوم الخلافة الملتبس عند البعض، فهو ببساطة وجود حاكم يطبق الشريعة بما في مصلحة العباد في الدنيا والآخرة.
لم يشترط ابن خلدون وجود خلافة مركزية، وإنما ركز على هدف الحكم وطريقته. فالخلافة هي خلافة رسول الله في تطبيق دينه، ويرفض القول بأنها خلافة لله، بل ويستنكر.
ابن خلدون عاش في عهد سقوط الدولة العباسية في بغداد بيد المغول، والصراع الذي نشب بين صاحب تونس المنتصر الذي بويع بالخلافة خلفًا للمستنصر، وبيبر صاحب مصر والشام الذي أتى بأمير من البيت العباسي وبايعه بالخلافة في سوريا ليحبط بيعة المستنصر.
لهذا يعتبر ابن خلدون الخلافة هي إقامة الشريعة، ويستنكر الخلافة بين مصر وتونس، ويرى أن الأولى التفرغ لمواجهة عدو الأمة، فالخلاف لدى ابن خلدون هي الشريعة.
يرى ابن خلدون أن أي حاكم جديد لابد له من الاستعانة بالقوة العسكرية والأمنية لتركيز دعائم حكمه، وذلك حتى يستتب الحكم.
بعدها تصبح الأهمية للعلم والعلماء، والذين يصبحون الأقرب قربًا للحاكم، وذلك ليفرض الحاكم استقرار حكمه في العقول بعد فرضها على الأجساد.
وهذا يفسر أن التطور يبقى مرتبطًا بالانتقال من الاعتماد الكلي على الأمن إلى الاعتماد على العلم والقلم، ولا يمكن أن تتقدم الدولة التي تبقي القوة الأمنية والعسكرية.
يرى أيضًا أن هناك خطورة أن يصبح الحاكم تاجرًا، فالحاكم يصبح حينها صاحب الصلاحيات والمال، مما يعني أن كل متاجرة ضده تجعل خصومه خاسرين، وهذا يدخلهم في مشاكل ويتحولون لأعداء للدولة.
أما بالنسبة لهبات الدولة والعطايا، فهي تعود لها، فالدولة هي صاحبة الفضل دائمًا من ناحية توفير الأموال بين أيدي رعاياها.
وعندما توزع الدولة المال على هؤلاء على شكل هبات أو منح، فالامر يعود إليها على شكل جباية. وما يزيد من أهمية منح المواطنين المال من قبل الدولة، أنها تقتضي في النهاية دفع المواطن للضرائب.
وفي حال قامت الدولة بحبس المال لديها، فإن كمية السيولة المالية ستقل، وهذا يهدد استقرار السوق، وسيؤدي إلى انكماشها وتراجع الإنتاج وخسارة فرص العمل، مما يؤثر على الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.
يقول أيضًا: "الظلم قاطرة التخلف"، فالظلم سواء كان ماديًا أو معنويًا يثني الناس عن العمل والإنتاج، لأنهم سيرون أن إنتاج كل أعمالهم سيكون من نصيب الظالمين، وأن جهدهم سيذهب سدى، حتى وإن كان ذلك غير مؤكد.
وهذا الأمر سيعيد الدولة للخلف، وينعكس ذلك على التنمية، وعلى ضعف الجيش، وعلى مستوى التعليم.
أول علامات انهيار الدولة، حسب ابن خلدون، هو الانقسام، سواء كان فعليًا بالشقاق أجزاء من الدولة على السلطة المركزية، أو معنويًا بأن تستأثر الطبقة الحاكمة بالسلطة وتعيش ضمن قوانين خاصة بهم، والشعب يعيش وفق قوانين ومعايير أخرى.
وإذا بدأت الدولة بالانحدار تدريجيًا، ودخلت مرحلة الهرم، فلا يمكن إصلاح الأمر أبدًا.
فالامر يصبح حينها حتميًا، ولا قدرة للبشر على مقاومته، ولا يمكن إصلاحه مهما بلغت تلك المحاولات، وسيستمر المنحنى ينحدر حتى انهيار النظام، وربما الدولة كاملة.
أما عوامل الخلل في أي دولة، فهي أحد أمرين: إما الخلل في النظام الأمني، سواء كان ذلك بوجود رق أو طائفة تسيطر عليه، أو عصبة منتفعة تجمعها مصلحة معينة، أو خلل مالي قد يصنع فئة أغنى من الدولة ذاتها، فلا يرون سببًا للتقيد بأوامر الدولة، وسيحاولون تشكيل قوانين على مزاجهم، وقد يتحالف هؤلاء مع الدولة.
وهذا التزاوج بين رأس المال والحكومة سيتسبب في أن يصبح فيها القانون والمال والأمن في يد فئة من أصحاب الأموال.
يقول ابن خلدون إن بناء المدن من أهم العوامل التي يدعو إليها الثراء في الحضارات، والذي يعد المفهوم المعاكس للبداوة.
تفاصيل طمعًا في ثواب الملك، وعندما تقوم الدولة بتشييد أحد المدن، فإنها تقوم بتعمير لمدة معينة من الوقت إلى أن تنتهي الدولة، فتنتهي معها المدينة ويعم الخراب.
أما إن كان عمر الدولة طويلًا، فإنها تحظى باهتمام كبير طوال فترات قوة الدولة.
في الكتاب، يدرس ابن خلدون المدن والأمصار من وجوه متعددة ومنوعة، حيث يظهر علاقتها بالدول من ناحية، وبالقلم من ناحية أخرى.
كما يبين شروط تخطيط المدن والأمصار، ويتتبع كيفية ازدهارها من ناحية، وانهيارها من ناحية أخرى، ثم يعرض خصائصها الاقتصادية والسياسية.
ولا يهم الأمر لغات أهلها أيضًا. يرى ابن خلدون أن اختطاط المدن من متنازع الحضارة، ويلاحظ أن المباني القائمة في المدن لا تكون كلها خاصة بالأفراد، بل إن قسمًا منها يكون من المرافق العامة التي يشترك فيها ويستفيد منها جميع السكان.
ومن الطبيعي أن هذه المرافق العامة تحتاج لرعاية الدولة، لهذا يقول ابن خلدون: "لابد من تمصير الأمصار واختطاف المدن من الدولة والملك".
كما يقر بأن الملك يدعو إلى نزول الأمصار والاستيلاء عليها، فإن كل دولة تقوم في قطر من الأقطار تضطر إلى الاستيلاء على المدن المؤسسة قبلاً، وقد لا تكتفي بذلك، بل تقدم على تأسيس وتخطيط بعض المدن الجديدة أيضًا.
تفعل ذلك بوجه خاص عندما تقوم بفتوحات كبيرة، وتكون هناك حاجة إلى استحداث بعض المدن والثغور لأواء حاميتها وحماية حدودها من غارات الدول المجاورة.
المدن التي تخططها الدولة بهذه الصورة لا يمكن أن تزدهر ما لم تستجمع بعض الشروط التي تضمن البقاء والاستمرار.
يشرح ابن خلدون هذه الشروط في فصل خاص يحمل عنوان "فصل فيما يجب مراعاته في أوضاع المدن وما يحدث إذا غفل عن المراعاة".
ويستهل هذا البحث بقوله: "اعلم أن المدن قرار تتخذه إلا عند حصول الغاية المطلوبة من الترف ودواعيه، فتؤثر الدع والسكون، وتتوجه إلى اتخاذ المنازل للقرار".
ولما كان ذلك القرار والماوى، وجب أن يراعى فيه دفع المضار بالحماية من طوارق، وجلب المنافع وتسهيل المرافق لها.
يقسم ابن خلدون بهذه الصورة شروط بقاء المدن إلى نوعين أساسيين: الشروط التي تضمن الحماية من المضار، والشروط التي تتكفل بجلب المنافع.
ثم يسرد تفاصيل هذين النوعين من الشروط. الحماية من المضار تكون أولًا باستكمال وسائل الوقاية من غارات الأعداء، وبملاحظة العدو، ويتضاعف امتناعها وحصنها.
أما الوقاية من الآفات، فلا تتم إلا إذا روعي طيب الهواء للسلامة من الأمراض، وذلك لأن الهواء إذا كان راكدًا خبيثًا أو مجاورًا للمياه الفاسدة أو قريبًا من منافع متعفنة أو مروج خبيثة، أسرع إليها العفن، وأسرع المرض للحيوان الكائن فيه، كما تتفشى الأمراض بين السكان.
أما جلب المنافع والمرافق للبلد، فيقتضي استكمال الوسائل اللازمة لضمان حاجة الناس من المياه والحطب والمزارع والمراعي.
ويجب أن يكون البلد على نهر أو بالقرب من عيون عذبة، فإن وجود المياه قريبًا من البلد يسهل على السكان الوصول للمياه، فالمياه ضرورية.
ويجب أن يكون في جوار المدينة مراعي طيبة، فصاحب كل قرار لابد له من الحيوانات للنتاج والركوب، ولا بد لهذه الحيوانات من المرعى، فإن كانت المراعي قريبة، كان ذلك أرفق بحالهم.
ويجب أن تكون المدينة قريبة من المزارع، فإذا كانت مزارع البلد بالقرب منها، كان ذلك أسهل في تحصيل الثمار.
ويجب أن يكون بالقرب من المدينة مشاجر للحطب والبناء، فإن الحطب مهم لوقود النيران والطبخ، والخشب أيضًا ضروري لسقف وكثير مما يستعمل فيه الخشب هو من الضروريات.
بعد هذه الشروط العامة التي تشمل جميع المدن، يضيف ابن خلدون بعض الملاحظات على شروط اختطاط المدن الساحلية بوجه خاص، لأن هذه المدن تكون عرضة إلى غارات تأتي من البحر بواسطة الأساطيل، ولذلك فهي تحتاج إلى شروط خاصة فضلاً عن الشروط العامة المذكورة سابقًا.
حسب ابن خلدون، يجب أن تكون في جبل وعر المسالك، أو تكون مجاورة لقبائل قوية تستطيع أن تلبي صريخها وتساعدها في دفع العدوان الذي قد يأتي من الخارج.
يوضح ابن خلدون رأيه في هذا الصدد كما يلي: "إن المدينة إذا كانت حاضرة البحر، ولم يكن بساحتها عمران للقبائل أهل العصبيات، ولا موضعها متوع من الجبل، كانت غرة للبيات، وسهل على عدوها طرقها في الأساطيل البحرية.
ولكن متى كانت القبائل والعصائب موطنة بالقرب منها، بحيث يبلغهم الصريخ والنفير، كانت متوع المسالك على من يمها، وكان لها بذلك منع من العدو، ويأس الأعداء في طرقها لما يكابدون من وعرها، وما يتوقعونه من إجابة صريخها".
هنا يربط ابن خلدون أحوال المدينة بأوضاع القبائل المجاورة لها، ويشير إلى اشتراك تلك القبائل في الدفاع عن المدينة.
يلاحظ ابن خلدون الدور الذي تلعبه المدن المحصنة في حياة الدول، لأنه يرى أن الحصون تقوم مقام عدد كبير من الجنود، لأن الحامية تدافع عن المدينة من وراء الأسوار، ولذلك لا تحتاج إلى عدد كبير من الجنود.
يقول ابن خلدون: "لا تبقى المدن بعد تأسيسها جامدة على حالة واحدة، بل تتطور وتنتقل من حال لحال، تارة تتوسع وتزدهر، وفي وقت آخر تتراجع وتسير نحو الخراب".
وابن خلدون يتتبع هذه التطورات بكل اهتمام، حيث يقول: "ثم إذا بنيت المدينة وكمل تشيدها بحسب نظر من شيدها، وبما اقتضته الأحوال السماوية والأرضية فيها، فعمر الدولة حينئذ عمر لها.
فإن كان عمر الدولة قصيرًا، وقف الحال فيها عند انتهاء الدولة وتراجع عمرانها وخربت، وإن كان أمد الدولة طويلًا ومدتها منفسة، فلا تزال المصانع فيها تشتا، والمنازل الرحيبة تكثر وتتعدد، ونطاق أسواق يتباعد وينفس إلى أن تتسع الخطة وتبتعد المسافة، كما وقع ببغداد وأمثالها".
أما بعد انقراض الدولة المشيدة للمدينة، فتتغير الأمور بطبيعة الحال، وهذا التغير يتبع حالة المدينة وأوضاعها العامة.
يقول ابن خلدون في عنوان أحد الفصول: "إن الأمصار التي تكون كراسي للملك تخرب بخراب الدولة وانقراضها".
ويستهل الكلام في الفصل المذكور بقوله: "الدولة إذا اختلت وانتقضت، فإن الدولة التي تكون كرسيا لسلطانها ينتقص عمرانها، وربما تندلع انتفاضة وتخرب".
ويذكر ابن خلدون لهذا الانتفاضة أسبابًا عديدة، ويتلخص أهمها بما يلي: "إن معظم آثار العمران في أمثال هذه المدن يأتي من كونها كراسي للملك، لأن رجال الدولة ورؤساء الحامية وأتباعهم الكثيرون يجتمعون ويقطنون هناك، كما أن معظم ما تجيبه الدولة من جميع الأقطار والأمصار تدخل في حوزتها وينفق هناك".
"فإذا لم تعد المدينة كرسيا للملك، انتفت منها جميع هذه العوامل الهامة، ولذلك تراجع عمرانها وتناقصت ثروتها".
لكن تراجع العمران لا يقف عند هذا الحد، بل يزداد لعوامل أخرى أيضًا، لأن أعيان الدولة يعتبرون شيعة للدولة التي نشأوا فيها، وإن لم يكونوا شيعة لها بالشوكة والعصبية، فهم بالميل والمحبة والعقيدة.
ولذلك تخشى الدولة الجديدة الهجوم عليها من قبل الشعب مستندين إلى اتباعهم الموجودين في المدينة، فترى من حسن السياسة أن تنقلهم إلى مدن أخرى كان حكمها فيها مستقر، ولتطمئن على ثبات حكمها في المدينة التي كانت كرسيا للدولة السابقة لها.
ولذلك، فإنها تنقل أعيان المدينة بعضهم على نوع التغريب والحبس، وبعضهم على نوع الكرامة والتلطف.
وإذا لم تكن المدينة كرسيا للملك، فإن تأثيرها في انقراض الدولة يكون أخف وأقل بطبيعة الحال.
ويرى ابن خلدون أن هذا التأثير يختلف باختلاف وسائل العمران التي تحيط بالمدينة، حيث يقول: "وأما بعد انقراض الدولة المشيدة للمدينة، فإما أن يكون لضواحي تلك المدينة أو ما يقاربها من الجبال يمدها العمران دائمًا، فيكون ذلك حفاظًا لوجودها، ويستمر عمرها بعد الدولة، كما تراه بفاس وبجايه في المغرب، وبعمر العجم من المشرق الموجود لها العمران من الجبال".
"لأن أهل البداوة إذا انتهت أحوالهم إلى غايتها من الرفاه والكسب، تدعو إلى الدع والسكون الذي في طبيعة البشر، فينزلون المدن والأمصار ويتأهلون".
"وأما إذا لم تكن لتلك المدينة المؤسسة مادة يفيدها العمران بتراف ساكنها من بدوها، فيكون انقراض الدولة خرقًا لسياج، فيزول حفظها، ويتناقص عمرانها شيئًا فشيئًا، إلى أن يذعر سكانها وتخرب، كما وقع بمصر وبغداد والكوفة بالمشرق، والقيروان والمهديّة وقلعة ابن حماد بالمغرب، وأمثالها".
ابن خلدون يشير هنا أيضًا إلى علاقة المدن بالبوادي، ويلاحظ أن أهل البادية ينزعون إلى نزول المدن والأمصار، وأن البادية كثيرًا ما تمد المدن بالسكان.
وأن تراجع عمران المدن لا يظهر في تقلص مساحتها وتناقص سكانها فقط، بل يظهر في تغيير أحوال مبانيها أيضًا، لأن المدن التي تكون موفورة العمران وكثيرة الأعمال والمكاسب، تكثر فيها المباني المشيدة بالحجر والجير والمنمنمات من الرخام والفسيفساء.
في كتاب ابن خلدون، يوضح أنه يجب على المرء أن يكون على دراية تامة بأن الإنسان بطبعه محتاج إلى الماء في كل الأحوال، منذ يولد حتى يموت.
وقد سخر الله كل ما في الكون لخدمة متطلبات الإنسان، وقد قال ذلك في كتابه الكريم في عدة مواضع.
وقد جعل الله للبشر الاستخلاف في الأرض فضلاً منه، فمتى سعى المرء وجاهد نفسه، وجد الله تعالى يكافئه بأعظم الهدايا والعطايا.
وقد يمن الله عليه دون أن يسعى، ومثال على ذلك هطول الأمطار الذي يعيد للزرع الحياة.
ودائمًا ما يكون الكسب هو النتاج الطبيعي عن الجد والاجتهاد والسعي ومحاولة الاقتناء، وحينها لن يرد الله له شيئًا.
لكن هناك فرق بين الرزق والكسب، وهو أن الكسب يكون الناتج عن السعي، وأما الرزق فهو ما لم يسعى العبد لتحصيله، كالارض.
وقد اشترط في صحة وصفه بالرزق أن يكون مما يصح تملكه.
آراء ابن خلدون في الحياة الاقتصادية كثيرة ومتنوعة، بل إنه خصص لها 50 فصلًا. الباب الخامس مثلاً يحمل اسم "المعاش ووجوهه من كسب وصناعة".
كما أن فصلًا من فصول الباب الثاني، وعشرون من فصول الباب الثالث، وستة من فصول الباب الرابع أيضًا تحوم حول أمور الاقتصاد والمال.
وعدد غير قليل من الفصول الأخرى تتضمن بعض الأبحاث التي لا تخلو من صلة وثيقة بالأمور الاقتصادية.
كل ما كتب عن الأمور الاقتصادية في بلاد الغرب طوال القرون الأولى والوسطى وعصور النهضة هو بمثابة أجوبة عن هذه الأسئلة، مثل: كيف يجب أن توزع الأراضي والأموال بين الأهالي؟ وهل يجوز بيع السلع بسعر يزيد عن تكاليفها الحقيقية؟ وهل يتفق ذلك مع مكارم الأخلاق؟ وهل يسوق أخذ الفوائد في القروض؟ وهل يتفق ذلك مع تعاليم المسيح؟
أما الاعتقاد بأن الأمور الاقتصادية تتبع قوانين ثابتة مثل سائر الأمور الطبيعية، والسعي وراء اكتشاف هذه القوانين وتدوينها، فإن ذلك لم يبدأ إلا في النصف الأخير من القرن الثامن عشر.
لكن ابن خلدون سبق كتاب الغرب ومفكريهم في هذا الاعتقاد منذ أربعة قرون.
ومما يلفت نظر أن علم الاقتصاد تكون ونشأ قبل علم الاجتماع بنحو نصف قرن.
فعندما شرع كونت في وضع أسس علم الاجتماع، كان علماء الاقتصاد قد قطعوا أشواطًا كبيرة في أبحاثهم المختلفة.
لكن ابن خلدون كان يعرف بالدور الذي يلعبه قانون العرض والطلب في الأسواق والأسعار، وذكر بأن الأسعار ترتفع عندما يزداد الطلب، وتنخفض عندما يقل الطلب.
وأيضًا حدد العوامل الاجتماعية التي تؤدي إلى زيادة الطلب، كما أنه اتبع النتائج الاجتماعية التي تنجم عن زيادة الطلب وارتفاع الأسعار.
حيث قسم الأشياء والسلع إلى ضروريات وكماليات، لكنه لاحظ في الوقت نفسه أن الحدود الفاصلة بين هذين الصنفين لم تكن مطلقة ولا ثابتة، بل هي نسبية ومتحولة.
فإن ما يعتبر من الكماليات بالنسبة إلى السواد الأعظم من الناس قد يصبح ضروريات بالنسبة للبعض، كما أنه ما يعد من الكماليات في بعض المدن قد يكون من الضروريات في المدن الأخرى.
لأن ازدياد العمران واستحفاظ الكماليات إلى حاجات ضرورية، حيث يقول: "إن البلاد كثيرة العمران يكثر فيها الترف، وتكثر حاجيات ساكنيها من أجل الترف، وتعتاد تلك الحاجات، فتنقلب إلى ضروريات، وتصبح فيه الأعمال كلها مع ذلك عزيزة، والمرافق غالية بازدحام الأغراض عليها من أجل الترف".
ويضيف: "ويعظم الغلاء في المرافق والأقواس والأعمال، فتكثر لذلك نفقات ساكنين كثرة بالغة عن نسبة عمرانها".
لكن النتائج التي تولد من زيادة الطلب وازدحام الطالبين لا تنحصر في ارتفاع الأسعار، بل تشمل أمور اجتماعية أخرى، من أهمها إقبال الناس على الصناعات التي تنتج السلع المطلوبة، وازدهار تلك الصناعات.
يتكلم ابن خلدون في فصل خاص أن الصناعة إنما تستجاب وتكثر إذا كثر طالبيها، ويوضح رأيه بالتفصيل بقوله: "إذا كانت الصناعة مطلوبة وتوجه إليها الناس، كانت حينئذ الصناعة بمثابة السلعة التي تنفق سوقها وتجلب للبيع، فيجتهد الناس في المدينة لتعلم تلك الصناعة ليكون منها معاشهم، وإن لم تكن الصناعة مطلوبة، لم تنفق سوقها، ولا يوجد قصد إلى تعلمها، فاختص بالترك وفقدت للاهمال".
ويقول ابن خلدون في فصل آخر: "إن الصنائع إنما تستجاب إذا احتيج إليها وكثر طالبيها، وإذا ضعفت أحوال المصر وأخذ في الهرم بانتفاضة، وقلة ساكنيه، تناقص فيه الترف، وتراجعوا إلى الاقتصار على الضروري من أحوالهم، فتقل الصنائع التي كانت من توابع الترف".
بهذه الصورة، يربط ابن خلدون مسائل العرض والطلب بالأحوال الاجتماعية العامة، ويبحث في عوامل الأحوال الاقتصادية ونتائجها بنظرات شاملة، ولا تتوقف في حدود الاقتصاديات المحصنة وحدها، بل تتعداها إلى آفاق الحياة الاجتماعية الواسعة.
يلاحظ ابن خلدون أن قيم الأشياء تتبع العمل الذي يبذل لإنتاجها، ويقرر ذلك في عنوان الفصل الأول من الباب الخامس، حيث يقول: "إن الكسب هو قيمة الأعمال البشرية".
يكرر ابن خلدون رأيه في عدة مواضيع في المقدمة بمختلف العبارات، مثل: "الأعمال هي سبب الكسب، وكثرة الأعمال سبب الثروة، وأن المكاسب إنما هي قيم الأعمال، ولابد من الأعمال الإنسانية من كل مكسوب ومتمون، ولا بد في الرزق من سعي وعمل، ولو في تناوله وابتغاء من وجوهه".
والرزق والكسب إنما هو قيم أعمال أهل العمران. لكن ابن خلدون لا يكتفي بتثبيت هذه الحقيقة الأساسية، بل يلاحظ في الوقت نفسه أن العمل أيضًا يتبع قوانين العرض والطلب، وأن قيمة العمل ترتفع عند زيادة الطلب.
لذلك تكون أجور المتعلمين مرتفعة في المدن المستبحرة في العمران، لأن مستوى المعيشة يكون في تلك المدن مرتفعًا بوجه عام، فيحتاج العامل فيها إلى نفقات أزيد من التي يستطيع أن يكتفي بها أمثال المدن الصغيرة والأرياف.
ثم إن المترفين في المدن يترفعون عن خدمة أنفسهم، فيستخدمون جماعة من بني جلدهم لقضاء حوائجهم.
وفي الأخير، فإن كثرة المترفين في المدن المذكورة تجعلهم يتنافسون لآداب العمال، ويعرضون عليهم أجورًا مغرية.
ولذلك كله، ترتفع أجور العمل ارتفاعًا كبيرًا. ويقول أيضًا: "إن الصنائع والأعمال أيضًا تكون غالية في الأمصار الموفور العمران، والسبب في ذلك أمور ثلاثة: الأول كثرة الحاجة لمكان الترف في المصر بكثرة عمران، والثاني اعتزاز أهل الأعمال لخدمتهم وامتهان أنفسهم لسهولة المعاش في المدينة بكثرة أقواتها، والثالث كثرة المترفين وكثرة حاجاتهم إلى امتهان غيرهم، وإلى استعمال الصناع في مهنهم، فيبذلون في ذلك لأهل العمال أكثر من قيمة أعمالهم، مزاحمة ومنافسة في الاستئثار بها، فيعزل العمال والصناع وأهل الحرف، وتغلو أعمالهم".
ويرى ابن خلدون أن الرزق والثروة نتيجة الأعمال من حيث الأساس، لأن قيمة الأعمال تختلف باختلاف الأحوال الاجتماعية العامة.
يلاحظ ابن خلدون أن بعض الظروف الاجتماعية تجعل بعض الناس يزدادون ثروة دون أن يعملوا شيئًا، وذلك يحدث جراء تملك بعض الأراضي والعقارات.
لأن الدولة عندما تأخذ في الانحطاط والانحلال، تقل رغبة الناس في امتلاك الأراضي والضياع، وذلك يؤدي إلى انخفاض أسعارها، فيستطيع عندئذ بعض الأغنياء أن يشتروا تلك الأراضي بأسعار بخسة.
لكن إذا تغيرت الأحوال بعد مدة، وتوفرت للمدينة أسباب العمران، ارتفعت أسعار تلك الأراضي والضياع، وأصبح من جراء ذلك بعض الملاك من كبار الأغنياء دون أن يكونوا قد قاموا بعمل يستوجب هذا الغنى.
يقول ابن خلدون: "إن أصل العقار والضياع الكثيرة لأهل الأمصار والمدن لا يكون دفعة واحدة ولا عصر واحد، إذ ليس يكون لأحد منهم من الثروة ما يملكه به الأملاك التي تخرج قيمتها عن الحد، ولو بلغت أحوالهم من الرفاه ما سعى أن تبلغ، إنما يكون ملكهم تدريجيًا، إما بالوراثة من آباء وذوي رحم، حتى تتآلف أملاك الكثيرين منهم إلى الواحدة وأكثر، وذلك يكون بحوالة الأسواق".
"فإن العقار في آخر الدولة وأول الأخرى، عند فناء الحامية وخرق السياج، وتداعي المصر إلى الخراب، تقل الغبطة به لقلة المنفعة فيها بتلاشي الأحوال، فترخي قيمتها، وتتملك بالأسعار اليسيرة، وتتخطى بالميراث إلى ملك آخر".
"لكن المصر إذا استجد شبابه بعد مدة باستفحال الدولة الثانية، وانتظمت له الأحوال الرائقة الحسنة، تحصل معها الغبطة في العقار والضياع لكثرة منافعها حينئذ، فتعظم ثروتها، ويكون لها خطر لم يكن في الأول، وهذا معنى الحوالة فيها، ويصبح مالكها من أغنى أهل المصر، وليس ذلك بسعيه واكتسابه".
يلاحظ ابن خلدون اختلاف مستويات المعيشة بين المدن الكبيرة والمدن الصغيرة، وبين هذه المدن وبين القرى. كما يلاحظ تطور هذه المستويات بتطور الحضارة.
في الواقع، إن مستوى المعيشة يختلف في المدينة الواحدة أيضًا باختلاف طبقات الناس، ولكن الطبقات المتماثلة في المدن المختلفة تعيش في مستويات تختلف باختلاف عمران المدن المذكورة.
حيث يقول: "ما كان عمرانه أكثر وأوفر، كان حال أهله في الترف أبلغ".
يبحث ابن خلدون هذه الأمور على وجه التفصيل في الفصل الذي يحمل عنوان "إن في تفاضل الأمصار والمدن في كثرة الرزق لأهلها ونفاق الأسواق إنما هو تفاضل عمرانها في الكثرة والقلة".
يقرر ابن خلدون في هذا الفصل أن الدخل والخرج يتكافلان في الأمصار، متى عظم الدخل، عظم الخرج، وبالتالي متى عظم الدخل والخرج، اتسعت أحوال السكان.
فإننا إذا قارنا مختلف طبقات الناس في مدينة وافية العمران مع أمثالهم الساكنين في مدينة قليلة العمران، وجدناهم أوسع حالًا وأكثر ترفًا منهم بوجه عام.
نلاحظ ذلك بوضوح عندما نقارن القاضي مع القاضي، والتاجر مع التاجر، والصانع مع الصانع، والسوقي مع السوقي، والأمير مع الأمير، والشرطي مع الشرطي في مختلف المدن.
يقول ابن خلدون: "واعتبر ذلك في المغرب، مثل حال فاس من غيرها من الأمصار، مثل بجاية وتلمسان وسبتة، تجد بينهما فرقًا كثيرًا في الجملة، ثم على الخصوصيات، فحال القاضي بفاس أوسع من حال القاضي بتلمسان".
"وهذا كله صنف مع صنف أهله، وكذلك أيضًا حال تلمسان مع وهران أو الجزائر، وحال وهران والجزائر مع دونهما، إلى أن تنتهي المدر الذين اعتلا في ضروريات معاشهم فقط، ويصرون عنها".
وما ذلك إلا لتفاوت الأعمال فيها، فكأنها كلها أسواق للأعمال، والخرج في كل سوق على نسبته.
فالقاضي بفاس دخله كفاءة خرجه، وكذلك القاضي بتلمسان، وحيث الدخل والخرج أكثر، تكون الأحوال أعظم، وهما بفاس أكثر لنفاق سوق الأعمال بما يدعو إليه الترف.
فالأحوال أضخم، ثم كذا في وهران وقسنطينة والجزائر، وبكثرة حتى تنتهي.
ابن خلدون يشمل ملاحظاته هذه أيضًا طبقة الشحاذين، حيث يقول: "واعتبر ذلك حتى في أحوال الفقراء، فإن السائل بفاس أحسن حالًا من السائل بتلمسان أو وهران".
"وقد شاهدتم بفاس يسألون أيام الأضاحي أثمان ضوحيه، ورأيتهم يسألون كثيرًا من أحوال الترف، واقتراح المأكل، مثل سؤال اللحم والسمن وعلاج المطبخ والملابس والماعون كالغربان والأواني، ولو سأل سائل مثلًا هذا بتلمسان أو وهران، ستكبر وعنف وزجر".
يتكلم ابن خلدون أيضًا عن مستوى المعيشة في القاهرة، فيقول: "ويبلغنا لهذا العهد عن أحوال القاهرة ومصر من الترف والغنى في عوائلهم، وما يقتضي منه العجب، حتى إن كثيرًا من الفقراء المغرب ينزعون من النقلة إلى مصر، كذلك لما يبلغهم من أن شأن الرفاه بمصر أكثر من غيرها".
ويعتقد العام من الناس أن ذلك لزيادة الإيثار من أهل تلك الآفاق عن غيرها، أو أموال مختزنة لديهم، وأنهم أكثر صدقًا وإيثارًا من جميع أهل الأمصار.
وليس كذلك، وإنما هو لما تعرفه من أن عمران مصر والقاهرة أكثر من عمران هذه الأمصار التي لديهم، فعظمت لذلك أحوالهم.
كتب ابن خلدون أيضًا فصلًا تحت عنوان "فصل في إنكار ثمرة الكيمياء واستحالة وجودها وما ينشأ من المفاسد في انتحاله".
ويتكلم في هذا الفصل عن صناعة الكيمياء، والتي تعني تحويل المعادن العادية إلى معادن ثمينة، حيث يتحول النحاس والقصدير إلى فضة، والفضة إلى ذهب، حسب تعبيره.
ينكر ابن خلدون آراء القائلين بإمكانية ذلك، ويسرد أدلة وملاحظات كثيرة لبرهنة استحالة هذا التحويل.
وفي الوقت نفسه، يحتري الأسباب التي تحمل بعض المفكرين إلى الاعتقاد بهذه الصناعة، وتدفع بعض الناس إلى الاشتغال بها.
فيقول في مستهل الفصل: "إن الكثير من العاجزين عن معاشهم تحملهم المطاعم إلى انتحال هذه الصناعة، ويرون أنها أحد مذاهب المعاش ووجوهه، وأن اقتناء المال منها أيسر وأسهل على مبتغي، فيرتكبون فيها المتاعب والمشاق ومعاناة الصعاب وعزف الحكام وخسارة الأموال في النفقات".
ويقول في آخر الفصل: "وإن أكثر ما يحمل على التماس هذه الصناعة وانتحالها هو العجز عن الطريقة الطبيعية للمعاش، وابتغاء من غير وجوهه الطبيعية، كالفلاح والتجارة والصناعة".
فيستصحب العاجز ابتغاء من هذه، ويبحث للحصول على الكثير من المال بطريقة غير طبيعية، من الكيمياء وغيرها.
ثم يطبق ابن خلدون نظريته هذه على العلماء والمفكرين أيضًا، ويذكر بهذه الوسيلة ابن سينا والفرابي.
كان ابن سينا عليه الوزراء، وكان من أهل الغنى والثروة، والفرابي في هذه القضية، بتعبير آخر، يعني أن ابن سينا أنكر الكيمياء وقال باستحالتها لأنه كان غنيًا، ولكن الفرابي اعتقد بالكيمياء وقال بإمكانها لأنه كان فقيرًا ومحتاجًا.
وكلما كان هناك عقل، كلما صارت ضرورة العلم على العقول الراجحة.
وقد يرغب المفكر في أن يبحث عن ما ليس عنده من المعلومات، ويدفع به في طريق العلم، ينهال من علمه، ثم يقوم بترتيب كل ما تعلمه، ويرتب الأمور على بعضها البعض ليستنتج المعاني المطلوبة.
وتعد الإحاطة التي هي سبب في ترتيب الأفكار بداخل العقل، وجمع المعلومات المتعلقة بالموضوع بأكملها، وتوصيلها بعضها ببعض، ملكة من عند الله.
وإن لم يرزق الإنسان بهذه الهبة، فإنه سيفتقد الكامل للأمور.
وكل الملكات متعلقة تعلقًا تامًا بالجسد أو العقل بصورة مباشرة، والأشياء كلها تبدو ناقصة بلا تفكير أو تعليم.
والعقول تتفاوت من شخص لآخر، كما أن الفكرة الواحدة قد تحمل أكثر من معنى في طياتها، فيختلف فيها الكثير.
بهذا أكون قد انتهيت من تلخيص مقدمة ابن خلدون.
أتمنى أن تكون الحلقة قد حازت على رضاك. شاركنا في التعليقات حول رأيك في هذه الحلقة، وإذا أعجبك محتوانا، ادعمنا من خلال الاشتراك.
وتجد في الوصف رابط لقناة "شيء" المتخصصة بالتقنية والبودكاست، وممكن تشوف فيديوهات أخرى من قناتنا والتي تطرح مواضيع حول التاريخ والثقافة.