Transcription
السلام عليكم. في ظل الحرب القائمة الآن وما يعانيه أهلنا في غزة من انتقام عدو جبان يحاول ترميم صورة جيشه المهزوم عن طريق قصف الأطفال والنساء، وذلك لأنه فاشل في المواجهات المباشرة على الأرض. رغم كل العتاد المتطور الذي يملكه، يستمر هذا القصف والقتل بدعم من الدول الغربية المتحضرة التي تتغنى بالإنسانية في أفلامها وإعلامها الزائف.
في ظل هذه الظروف، من الطبيعي أن مشاعر الحزن والغضب تتملك أي مسلم، بل وأي إنسان ما زال عنده قدر حقيقي من الإنسانية. هذه المشاعر طبيعي جداً تجعلنا غير قادرين على التركيز في العمل أو الدراسة. ومع استمرار الحرب وتدفق الأخبار ليل نهار، يجد كثير منا صعوبة أن ينعزل عن هذه الأخبار ولو لساعات في اليوم ينجز فيها أعماله. الشيء الأكيد أن توقفنا عن العمل لن يفيد إخواننا في غزة بشيء، بل للأسف هو ممكن يزيد من الضغط النفسي علينا ويقلل من قدرتنا على مساعدتهم، مساعدة حقيقية تتخطى مجرد التعاطف.
وبعدين، لا يخفى عليكم أن سبب من أسباب الوضع الحالي هو ضعف الأمة علمياً وتقنياً واقتصادياً. والمفروض أن الأحداث الحالية تكون دافعاً للتخلص من هذا الضعف وليس تعميقه بالتوقف عن العمل أو الدراسة. طيب، ما الذي يمكن أن نفعله؟ هل ننسى القضية تماماً ونرجع لحياتنا؟ يعني، ولا نعمل إيه؟
ليس المقصود أن تنسى القضية وتتخلى عن إخوانك، ولا أظن أن هذا نفسياً ممكن أصلاً. لكن المطلوب قدر من الاعتدال والتوازن. في فيديو اليوم سنعرض نصيحتين بإذن الله تساعدك في تحقيق ذلك.
النصيحة الأولى: تجنب إرهاق التعاطف. لو بتتابع الأحداث بعين العاطفة فقط بدون فهم سنن الله في الكون، فالمتابع دي غالباً ستعم شعورك بالعجز والإحباط، وممكن تعرضك لحالة نفسية تسمى إرهاق التعاطف أو أعياء الشفقة. وهي حالة لها أعراض جسدية ونفسية تجعل صاحبها في حالة إرهاق جسدي وضغط عصبي ونفسي مع انعدام القدرة على التركيز. وممكن مع استمرارها يحاول الجسم حماية نفسه بأنه يصبح أكثر بلادة ويبدأ تعاطفه ويقل مع نفس المشاهد والأحداث، بمعنى أنه يعتاد على هذه المشاهد والأخبار وتأثيرها عليه يصبح أقل أو معدوم. وطبعاً كل الأعراض دي أعراض سلبية وغير مطلوبة. نحن لا نريد أن نصاب بالعجز، ولا نريد أن نفقد تعاطفنا مع إخواننا. فايه الحل؟
أول خطوات الحل هي أن تصحح نظرتك للأحداث، وما تكونش بتنظر إليها بنظرة العاطفة فقط. وهنا بقترح عليك مشاهدة بعض المواد التي بإذن الله تساعدك على ذلك. منها حلقة "متى نصر الله" من بودكاست "النقطة" للشيخ عبد الله العجيري. الحلقة دي فيها تفصيل عن مفهوم الابتلاء والنصر في الإسلام، ومهم جداً تكون واضحة في ذهن كل مسلم، وستساعدك على رؤية معتدلة لهذه الأحداث والابتلاءات. كمان هناك مجموعة من الفيديوهات القصيرة عن الأحداث للدكتور إياد قنيبي، ومنها موجه للطلاب المحبطين غير القادرين على المذاكرة ومتابعة الدراسة بسبب الأحداث الحالية. ستجد روابط هذه المواد في وصف الفيديو.
ثاني خطوة هي أن تقلل قدر المتابعة، ولا تعرض نفسك لما تعرف أنه سيؤذيك وأنك لا تتحمله. يعني لو واضح من الصورة الثابتة للفيديو أنها لطفل مصاب أو عدد كبير من الشهداء، فاسأل نفسك: هل مشاهدة الفيديو ده هتفرق معاك في تصورك لمدى خسة وظلم وفجور العدو، أو في فهم شدة الابتلاء الذي يتعرض له أهلنا في غزة؟ في معظم الأحيان لا. أظن إذاً ما فيش داعي تشاهده. توثيق هذه المشاهد وحفظها مهم وضروري، خصوصاً بعد خفوت نيران الحرب التي سيظهر بعدها أصوات خسيسة تنادي بالتفاهم والتطبيع مع العدو ده. لكن في اللحظة الحالية مش ضروري أنك تشاهدها، خصوصاً لو ما كنتش تنوي أخذ فعل معين بعد مشاهدتها، زي مشاركتها بقطاعات من الناس ما عندهمش علم بالقضية مثلاً، أو بمدى إجرام العدو ده. لكن ما فيش داعي من مشاركتها مع أهلك اللي هم بالفعل عارفين ما يكفي عن الأحداث. تذكر أن مشاعرك في حد ذاتها مش هتفيد القضية بشيء. المفيد هو الفعل الناتج عن هذه المشاعر. فلو ناتج هذه المشاعر هو عجز وإحباط، إذاً من الأولى تجنب ما يسبب هذه المشاعر. تابع بالقدر اللي يسمح لك تساعد إخوانك، سواء بالدعاء أو المساعدة المادية أو الدفاع عنهم أمام كل جاهل أو ضلالي.
النصيحة الثانية: العمل قبل المتابعة. مهم جداً أن تجعل متابعتك للأحداث بعد ما تكون أنجزت قدر مقبول من العمل خلال اليوم. جزء كبير من مشاعرنا الملتهبة بتهدأ أثناء النوم. بعد الاستيقاظ بنكون في حالة ذهنية أفضل، والمفروض نستغل الحالة دي في إنجاز الأعمال المهمة قبل ما نعرض نفسنا لأي أخبار أو مشاهد تعيد تجيج مشاعر الحزن أو الغضب وتضعف قدرتنا على العمل. فالمطلوب هو أنك في بداية يومك تحدد لنفسك أهم المهام والأعمال المطلوبة منك خلال اليوم، خاصة الأعمال التي تتطلب مجهود ذهني، وتحدد لنفسك عدد ساعات معينة تنجز فيها هذه الأعمال قبل ما تبدأ في متابعة السوشيال ميديا ومواقع الأخبار. حتى لو كنت هتابع الأحداث دي بشكل معتدل ومتوازن، ده مش معناه أنك تتابعها قبل ما تكون أنجزت قدر مقبول من العمل أو الدراسة خلال اليوم، لأن زي ما قلنا هناك قدر من مشاعر الحزن والغضب يسعى تجنبها، والقدر ده كافي أنه يضعف قدرتك على العمل.
في مقولة مهمة حابب أختم بها وهي أن المؤمن لا ينتظر صفو الدنيا، فهذا من الحمق، ليس من الحكمة ولا العقل أن تنتظر أن الحياة تصفو عشان تقوم بما عليك من أعمال دنيوية وأخروية. تتابع الابتلاءات على المستوى الشخصي والعام هو طبيعة الحياة. لو هتوقف عن العمل مع كل ابتلاء، فده معناه أننا هنضيع معظم أعمارنا التي هنسأل عنها في النهاية.
نسأل الله لإخواننا في غزة وفلسطين كلها أن يتقبل شهداءهم، ويحقن دماءهم، ويسدد رميهم، ويشفي جراحهم، وأن ينصرهم على عدونا وعدوهم. آمين.