📱

Get Our Mobile App

Take your business learning on the go!

Download on the App StoreGet it on Google Play

مفهوم السنّة في القرآن الكريم - دراسة استقرائية

د. يوسف أبو عواد27:06

Transcription

بسم الله الرحمن الرحيم.

أعزائنا المتابعين والمتابعات، شاع استخدام مصطلح "سنة" لدى الأصوليين والمحدثين لتدل ما روي عن رسول الله عليه الصلاة والسلام من قول أو فعل أو تقرير أو صفة خلقية أو خلقية. أما المعجميون فإنهم يفسرون السنة بأنها الطريقة عموما، ومنهم من يحصرها بالطريقة المحمودة. وغرضنا في هذا الفيديو أن ندقق في هذا المفهوم في النص القرآني الحكيم، لنرى ما هي دلالته، وهل يتوافق مع ما قرره الأصوليون والمحدثون والمعجميون، أو أنه غير ذلك.

سنسلك في هذه الدراسة، اعزائنا المتابعين، منهج الاستقراء التام، فلا ندع آية في كتاب الله وردت فيها كلمة "سنة" مفردة أو جمعها "سنن" إلا وآتينا بها فدرسناها دراسة سياقية، وحللناها وفق قواعد اللسان العربي المبين ووفق منظومة الترتيل هذه، لنرى ما هي دلالتها. وبهذا فإن الخطوة المنطقية الأولى التي يجب علينا أن نخطوها لنصل إلى ذلك، أن نبين أن الأصل اللساني لكلمة "سنة" يرجع إلى الجذر الثلاثي السين والنون والنون، إذ من المعلوم، اعزائنا المتابعين، أن كلمات اللسان العربي تعود إلى أصل ثلاثي غالبا ورباعي نادرا. هذا من حيث العموم، وإن كان هناك ما هو أكثر تفصيلا في موضوع الجذر هذا، ولكن ليس هذا الفيديو محلا لبحثه.

والآن لو ذهبنا نبحث في النص القرآني الكريم عن الكلمات التي اشتقت من هذا الجذر الثلاثي السين والنون والنون، لوجدناها كلمتين اثنتين لا ثالث لهما. أما الكلمة الأولى فهي كلمة "سنة" مفردة وجمعها "سنن". وأما الكلمة الثانية فهي كلمة "مسنون". وقد وردت كلمة "سنة" 14 مرة في تسع آيات من القرآن الكريم مفردة، كما أنها وردت جمعا في آيتين. وبالنسبة لكلمة "مسنون" فإنها وردت ثلاث مرات في ثلاث آيات من القرآن الكريم. وهذا يعني أن بعض آيات القرآن الكريم وردت فيها كلمة "سنة" أكثر من مرة.

ومن هنا فقد قادنا البحث، اعزائنا المتابعين والمتابعات، إلى أن نبدأ بالآية التي وردت فيها كلمة "سنة" ثلاث مرات في آية واحدة، وهي آية واحدة لا ثاني لها في كتاب الله. فاعتبرنا هذا التكرار لورود هذه الكلمة في هذه الآية دليلا على أن هذه الآية بالنسبة لكلمة "سنة" تمثل الآية الأم، أي الآية المحكمة التي يمكننا أن نبني بها قاعدة للبحث لنفهم معنى هذه الكلمة في كتاب الله. وقد جاءت هذه الآية الكريمة في سورة فاطر في سياق قوله تعالى: "وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم، فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفورا، استكبارا في الأرض ومكر السيء، ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله، فهل ينظرون إلا سنة الأولين، فلن تجد لسنة الله تبديلا، ولن تجد لسنة الله تحويلا".

ويمكننا، اعزائنا المتابعين والمتابعات، أن نلاحظ ثلاثة أمور غاية في الأهمية في هذا النص الكريم. أما الأمر الأول، فقد أضيفت السنة في الآية إضافتين. فقال تعالى: "فهل ينظرون إلا سنة الأولين"، فأضاف السنة للأولين. ثم قال في آخر الآية: "فلن تجد لسنة الله تبديلا، ولن تجد لسنة الله تحويلا"، فأضاف السنة إلى اسمه سبحانه. فإن قلت لي: ما دلالة ذلك؟ قلت لك: هذا يدل أن السنة بإضافتها إلى الله تشير إلى أن الله منشئ السنة وفاعلها والمؤثر بها على مخلوقاته. أما إضافتها إلى الأولين، فهي إشارة إلى أنهم متأثرون بها، أي أن أثر السنة واقع عليهم، فهم منفعلون بالسنة وليسوا فاعلين لها. فمنشئ السنة إذا وفاعلها والمتحكم بها هو الله جل جلاله. أما الأولون فإنما يقع عليهم أثر هذه السنة ونتيجتها.

أما الملاحظة الثانية، فهي ما أشارت إليه الآية الكريمة من أن سنة الله لا تبدل، فقد قال تعالى: "فلن تجد لسنة الله تبديلا". والتبديل هو وضع شيء مكان شيء آخر. فإن قلت لي: ما الدليل على أن هذا هو معنى التبديل؟ قلت لك: قوله تعالى: "وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر". فواضح من السياق هنا أن التبديل هو وضع شيء مكان شيء آخر ليكون معوضا عنه. ولست أريد الخوض هنا في معنى هذه الآية الكريمة، وإنما الغاية منها أن نستدل ما هو معنى التبديل. فلو رجعنا إلى الآية التي نتحدث عنها، فهمنا أن سنة الله لا يمكن أن ترفع فيحل مكانها سنة أخرى، لأن الله سبحانه وتعالى قال: "فلن تجد لسنة الله تبديلا". هذا من جهة.

أما من جهة أخرى، فإن الآية الكريمة عادت فقالت: "ولن تجد لسنة الله تحويلا". والتحويل معناه النقل من موضع إلى آخر. فالتبديل إذا هو تعويض شيء مكان شيء آخر، أما التحويل فهو تغيير موضع الشيء من مكان إلى آخر. فإن قلت لي: ما الدليل على أن هذا هو معنى التحويل؟ قلت لك: قول الله تبارك وتعالى: "قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويله". فكشف الضر رفعه، وتحويله نقله إلى غيرهم. ولو رجعنا إذا الآن إلى الآية الكريمة محل البحث، لعلمنا أن سنة الله لا تحول عن مقصودها وعن من يستحقها أو ما يستحقها إلى غيره، فهي تقع فقط على من يستحقها ولا يمكن تحويلها إلى من ليس مستحقا لها.

أما الأمر الثالث، اعزائنا المتابعين، فهو أن نلاحظ أن السنة التي تتحدث عنها الآية الكريمة هي أن المكر السيء لا يحيق إلا بأهله. لنتدبر السياق مرة أخرى: "فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفورا، استكبارا في الأرض ومكر السيء، ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله". إذا معنى الآية أنهم قابلوا النذير بالاستكبار والمكر السيء، وأن هذا مقتضى لسنة من سنن الله، أي أنه سبب قد وضع الله في سنته الأولى أن من قام به وفعله، فلا بد أن تكون نتيجته أن هذا المكر السيء لن يحيق إلا بأهله. فتلك إذا قاعدة كونية وقانون لا يتبدل ولا يتحول. ومعنى أنه لا يتبدل أي أن هذا القانون لن يحل غيره محله، فلن يكون للمكر السيء والاستكبار عقوبة أخرى. ومعنى أنه لن يتحول أي أن المكر السيء لا يمكن أن يحيق بغير أهله، بل سيحيق بأهله حصرا.

كما ذكر السياق القرآني الكريم، أن هذا الفهم المضيء لهذه الآية الأم في هذا المفهوم، اعزائنا المتابعين، سيسهل علينا إلى حد كبير دراسة الآيات الأخرى التي ورد فيها ذكر هذا المصطلح. والمنطق الآن يقتضينا أن نذهب إلى الآيات التي تكرر فيها ذكر كلمة "سنة" مرتين اثنتين، وهي ثلاث آيات. آيات في كتاب الله. أما الآية الأولى فهي قوله تعالى: "سنة الله في الذين خلوا من قبل، ولن تجد لسنة الله تبديلا". وأما الآية الثانية فهي قوله تعالى: "سنة الله التي قد خلت من قبل، ولن تجد لسنة الله تبديلا". وأما الآية الثالثة فهي قوله تعالى: "سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا، ولا تجد لسنتنا تحويلا".

وكأني بكم، اعزائي المتابعين والمتابعات، قد لاحظتم بكل ذكاء وحصافة أن الله سبحانه وتعالى وصف السنة مرة بأنها التي قد خلت من قبل، وأنه في مرة أخرى قال عنها: "في الذين خلوا من قبل"، وأنه في الآيتين الأوليين قال: "ولن تجد لسنة الله تبديلا"، وفي الآية الثالثة قال: "ولا تجد لسنتنا تحويلا". وكأنكم عرفتم الآن أيضا لماذا اعتبرنا أن الآية الأولى في سورة فاطر هي الآية الأم، فإنها قد جمعت التبديل والتحويل في آية واحدة.

إن دراستنا لهاتين الآيتين معا، اعزائنا المتابعين، تؤكد الأمور التالية: أولا، أن السنة تضاف إلى الله إضافة فاعلية، فالآيتان تؤكدان أن منشئ السنة والمؤثر بها هو الله وحده سبحانه. النقطة الثانية، أن الآيتين تؤكدان أن سنة الله لا تتبدل، فلا تحل سنة موضع سنة أخرى، لأنها إنما وضعت بحكمة الله وعدالته، فلماذا تتبدل بعد ذلك والله سبحانه حكيم تام الحكمة، عليم تام العلم؟ ولذلك فلا حاجة أن تبدل سنة الله.

يبقى أن يقال: لماذا جاءت آية سورة الأحزاب بالصيغة التالية: "سنة الله في الذين خلوا من قبل"؟ أما آية سورة الفتح فجاءت بالصيغة: "سنة الله التي قد خلت من قبل". وإن فهمنا لسبب ذلك سيجعلنا نقف على موضع من أجمل مواضع البيان القرآني وبديعه. فلو رجعنا إلى سياق آية سورة الأحزاب لوجدناه على النحو التالي: "لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا، سنة الله في الذين خلوا من قبل، ولن تجد لسنة الله تبديلا". فواضح إذا، اعزائنا المتابعين، أن السياق يتحدث عن حال المنافقين والمرجفين الذين لا يريدون الانتهاء عن نفاقهم وارجافهم، فسنة الله أن يغري بهم أهل الحق، فلا يبقوا في المكان الذي حل فيه الإيمان والإسلام بما لهما من أثر تحقيق الأمن والسلام. فسنة الله ماضية في أن لا يجاور هؤلاء المنافقون والمرجفون من حققوا مفهوم الإيمان والإسلام الشامل في مدينتهم. ولذلك قال تعالى: "سنة الله في الذين خلوا من قبل"، ومعنى ذلك أن هذه السنة قانون كان ماضيا في من خلوا من قبل، وعليه فإنه لابد أن ينطبق أثره على هؤلاء المنافقين والمرجفين الذين كانوا في عصر النبوة، وعلى كل من يمكن أن يسلك سلوكهم بعد ذلك إذا تحققت موازين المعادلة تماما.

فيلاحظ إذا، اعزائنا المتابعين، في هذا السياق أن السنة هي قانون من قوانين الله له أثر على فئة تكون ضمن مجتمع بشري، وهذا الأثر أثر سلبي عليهم، فإن نتيجته أن يحدث الله من أمره ما يضطرهم إلى ترك مجاورة المؤمنين المسلمين. أما في آية سورة الفتح، فإن السياق جاء كما يليه: "ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار ثم لا يجدون وليا ولا نصيرا، سنة الله التي قد خلت من قبل، ولن تجد لسنة الله تبديلا". فنلاحظ هنا، اعزائنا المتابعين، أمرين اثنين: أن الآية تتحدث عن شأن القتال بين المؤمنين الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة والذين كفروا، وهذا الشأن لم يكن في الذين خلوا من قبل إلا نادرا. فإن القرآن الكريم لا يذكر لنا أن قتالا حصل بين المؤمنين بالرسل ومن كفروا إلا في الملأ من بعد موسى وفي الحواريين مع من عاداهم من بني إسرائيل. هذا من جهة.

أما من جهة ثانية، فإن هذه السنة تأثير كثيرها مزدوج، أي أن الذين كفروا حين يقاتلون المؤمنين، فلا بد أن يولوا الأدبار إذا تحققت معطيات المعادلة، ثم لا يجدون وليا ولا نصيرا. فتأثيره عليهم إذا أن يولوا الأدبار ولا يجدوا وليا ولا نصيرا. ولا بد إذا أن يكون له تأثير إيجابي على المؤمنين بأن يتحقق لهم النصر. وبما أن هذه السنة إذا لها طرفان اثنان، وهما المؤمنون والذين كفروا، فقد جاءت الآية فجمعت الطرفين وجعلت الوصف للسنة نفسها، فقال سبحانه: "سنة الله التي قد خلت من قبل"، ولم يقل: "في الذين خلوا من قبل"، لأن تأثيرها على المؤمنين وعلى الذين كفروا، ولأنها لم تكن قد حصلت إلا نادرا قبل عهد الرسالة الخاتمة.

أما الآية الثالثة التي تكررت فيها كلمة "سنة" مرتين اثنتين، فهي قوله تعالى في سورة الإسراء: "وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلا، سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا، ولا تجد لسنتنا تحويلا". ونفهم إذا الآن أن إضافة السنة إلى "من قد أرسله الله من الرسل" إضافة انفعال، أي أن السنة في الأصل لله، فهو منشئها وهو المؤثر بها وهو فاعلها، ولكن من أرسله الله من الرسل متأثر بهذه السنة وتقع نتيجة السنة عليه وليس هو فاعلا لها، وقد أثبتنا ذلك من كل الدراسة للآيات السابقة. والسنة هنا أيضا لها تأثيران اثنان: فأما تأثيرها على من يستفزون الرسول ليخرجوه من الأرض، فهو أن لا يلبثوا خلافه إلا قليلا. وأما تأثيرها على الرسول، فكما كان تأثيرها على من قد أرسله الله قبله من الرسل، وهو أن يبقى فينصر وينجو بعد أن لا يلبث أعداؤه إلا قليلا.

ونلاحظ في ختام الآية الكريمة أن الله سبحانه قال: "ولا تجد لسنتنا تحويلا". وقد فهمنا الآن معنى هذا الكلام، أي أن أثر هذه السنة لن يتحول عن الذين يستفزون الرسول ليخرجوه من الأرض، فلا بد أن يقع عليهم هم لا على غيره، كما أن النجاة لن تتحول عن الرسول واتباعه إلى غيرهم، فلا بد أن تكون لهم هم. وبهذا، اعزائنا المتابعين، نكون قد رتلنا الآية الأم التي تكررت فيها كلمة "سنة" ثلاث مرات، والآيات الثلاثة التي تكررت فيها الكلمة مرتين اثنتين، ففهمنا أن مصدر السنة ومنشئها وفاعلها هو الله، وأن أثرها هو على العباد، وقد يكون هذا الأثر خيرا وقد يكون هذا الأثر شرا بحسب فعل الفاعل. كما أننا فهمنا أن السنة لا تتبدل، فلا يحل غيرها محلها، ولا تتحول، فلا تقع نتيجتها على غير مستحقها.

ويبقى لنا الآن أن نتدبر الآيات التي ذكرت فيها كلمة "سنة" مرة واحدة، ونبدأ بقوله تعالى: "فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا، سنة الله التي قد خلت في عباده، وخسر هنالك الكافرون". ونلاحظ في هذه الآية بصراحة إضافة السنة إلى الله فعلا، وإضافتها إلى الذين خلوا من عباده انفعالا وتأثرا: "سنة الله" فاعلا، "التي قد خلت في عباده" المنفعلين بها. وهذه السنة التي تتحدث عنها الآية الكريمة هي أن الإيمان حين يرى العباد بأس الله لا ينفع.

أما الآية الثانية فهي قوله تعالى: "ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له، سنة الله في الذين خلوا من قبل، وكان أمر الله قدرا مقدورا". والآية تؤكد مرة أخرى أن السنة تضاف إلى الله فاعلا ومنشئا ومؤثرا، وتضاف إلى الذين خلوا أي إلى الناس والعباد متأثرين ومنفعلين ومقهورين بها. ويلاحظ في هذه الآية الكريمة أمر في غاية الأهمية، وهو الربط بين السنة وبين القدر الذي هو أمر الله. وقد شرحنا في مناسبات سابقة أن القدر يعود إلى المقادير والضوابط والمحددات التي وضعها الله سبحانه وتعالى في الكون، والتي التي بناء عليها تسير الأحداث، ولكنها مسارات كثيرة متعددة إلى الغاية القصوى. وبما أن القدر إذا يقوم على المقادير والمعطيات والمحددات الثابتة والمعلومة، فإنه مرتبط ارتباطا موضوعيا بالسنة بالمعنى الذي وضحناه من الآيات الكريمة السابقة. فسنن الله سبحانه وتعالى داخلة ضمن منظومة أقداره الكبيرة، وهذه الأقدار هي ما تمثل أمره الأول الذي قام الكون بناء عليه.

وإذا ذهبنا الآن، اعزائنا المتابعين، إلى باقي الآيات التي ذكرت فيها كلمة "سنة" مرة واحدة، وجدناها كما يلي: "قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف، وإن يعودوا فقد مضت سنة الأولين". وقد أضيفت السنة هنا إلى الأولين، ولكنها إضافة تأثر لا تأثير وانفعال وليس فعلا. وكذلك قوله تعالى: "لا يؤمنون به وقد خلت سنة الأولين". وهنا نوضح الفرق: فرق بين "مضت" و"خلت". فإن كلمة "مضت" تشير إلى سير الشيء في مساره إلى أقصى غاية ممكنة دون أن يخرج عنه أبدا. فإن قلت لي: ما دليل ذلك؟ قلت لك: قوله تعالى: "وإذ قال موسى لفتاه لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضي حقبا"، أن يسير في مساره الذي يريده من غير أن يخرج عنه مهما امتد ذلك المسار.

أما كلمة "خلت"، فإنها تشير إلى تفرغ الشيء لما هو له أو لما هو مناسب وملائم لحاله. فإن قلت لي: ما دليل ذلك؟ قلت لك: قوله تعالى: "وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا". ولاحظ أن المتكلم عنهم من المنافقين الذين ليس المؤمنون ملائمين لهم في حقيقة الأمر، ولذلك جاءت تتمة الآية: "وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم". وفي آية أخرى: "وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم". فالفعل "خلى" يشير إلى تفرغ الشيء لما هو مناسب وملائم لحاله.

وبهذا نفهم، اعزائنا المتابعين، أن تأثير سنة الله وفعلها ماض في طريقه إلى الغاية القصوى دون أن يخرج عنه، كما أن السنة تفرغ لمن يستحقها ومن يليق بها دون أن تذهب إلى غيره. فكان كلمة "مضت" تتوافق مع قوله تعالى: "فلن تجد لسنة الله تبديلا"، وكان كلمة "خلت" تتوافق مع قوله تعالى: "ولن تجد لسنة الله تحويلا".

كما أننا نقرأ قوله تعالى: "وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى ويستغفروا ربهم إلا أن تأتيهم سنة الأولين أو يأتيهم العذاب قبلا". وقد شرحنا "سنة الأولين"، ويبقى أن نبين دلالة اقتران "سنة الأولين" بالفعل "تأتيهم". والفعل "تأتيهم" فعل مستمر يشير معناه إلى توجه متحرك إلى ما هو ثابت. فإن قلت لي: ما دليل ذلك؟ قلت لك: قوله تعالى: "أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون، أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون". وفي ذلك إشارة إلى أن سنة الله مستمرة وهي دائمة التحرك دوما لتصيب من يستحقها بالخير أو بالشر بما يتوافق مع فعله طبعاً.

وبهذا، اعزائنا المتابعين، نكون قد تدبرنا جميع الآيات القرآنية التي وردت فيها كلمة "سنة" مرة واحدة، وفهمنا أنها لا تتعارض مع الفهم الذي استنتجناه من الآيات التي تكررت فيها أكثر من مرة، فهي لله فعلا، وهي على العباد أثرا، وهي لا تتبدل، فإنها تمضي في طريقه، ولا تتحول، فإنها تخلو في أصحابها.

أما كلمة "سنن"، اعزائنا المتابعين، بصيغة الجمع، فقد وردت في آيتين من كتاب الله. الأولى قوله تعالى: "يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم". ويلاحظ في هذه الآية أن الكلمة اقترنت بفعل "يهديكم"، والهداية هنا هي هداية تعليم وإرشاد. فإن قلت لي: ما دليلك على ذلك؟ قلت لك: قوله تعالى: "فأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى". وإذا فإننا نستفيد من ذلك أن الله سبحانه وتعالى من سنته أن يهدي عباده للسنن قبل أن يقع تأثيرها عليهم، لئلا تكون لهم حجة بعد ذلك.

وقد وردت كلمة "سنن" جمعا في موضع آخر من القرآن الكريم، وهي قوله تعالى: "قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين". وما نلاحظه هنا، اعزائنا المتابعين، أن كلمة "سنن" لم تأت مضافة لا إلى الله ولا إلى الأولين، فكان القرآن الكريم يعلمنا بطريقة متدرجة: مرة يضيف السنة إلى الله باعتباره فاعلا، ومرة يضيفها إلى الأولين أو إلى الذين خلوا باعتبارهم مفعولين، ومرة يأتي بها مجردة من الإضافة، حتى نكون قد فهمنا أن السنة حتى لو جردت عن الإضافة، فإن الله فاعلها دوما، وأن عباده هم المنفعلون والمتأثرون بها.

بقي أن يقال، اعزائنا المتابعين، أن الأصل الثاني الذي ورد فيه الجذر اللغوي السين والنون والنون هو كلمة "مسنون"، وقد وردت هذه الكلمة في ثلاثة مواضع من القرآن الكريم، واقترنت بالحماء الذي منه الصلصال الذي منه خلق الإنسان، وذلك في قوله تعالى: "ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حما مسنون"، وقوله تعالى: "وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من صلصال من حما مسنون". فإذا كلمة "مسنون" مقترنة بالحماء الذي كان منه الإنسان والذي كان منه بعد ذلك البشر. وقد حار المفسرون كثيرا في تفسير كلمة "مسنون" هنا، فذهبوا فيها أقوالا كثيرة. فإذا ما فهمناها بدلالة الأصل اللساني السين والنون والنون بعد أن فهمنا دلالة كلمة "سنة" في كتاب الله، فإننا سنعرف الآن أن كلمة "مسنون" هي اسم مفعول من الفعل "سَنَّ"، وهي بالتالي ما وقع عليه السن، أي ما وقع عليه تأثير السنة. فالحماء المسنون الذي خلق الله منه الإنسان، وضع فيه منذ اللحظة الأولى السنة التي سيسير عليها هذا الخلق للإنسان أو للبشر بعد ذلك. وقد بينا في مناسبة سابقة أن رتبة البشر أعلى من رتبة الإنسان، ويمكن أن نقول أن كلمة "مسنون" تعادل ما يعرف اليوم بالجينوم البشري، الذي هو النظام الدقيق المحكم الذي يسير عليه خلق الإنسان. وصحيح أن هذا الخلق يتفرع إلى ما لا نهاية له من الاحتمالات، إلا أنه في الحقيقة راجع إلى نظام السن، أي خاضع لسنة الله. فالله واضع سنة خلق الإنسان ثم البشر، والإنسان والبشر متأثرون بهذه السنة وسائرون عليها لا محالة، وهي سنة لا تتبدل ولا تتحول.

وبهذا، اعزائنا المتابعين، نعرف أن الأصوليين والمحدثين لم يكونوا موفقين حين أطلقوا على ما روي عن رسول الله عليه الصلاة والسلام من قول أو فعل أو تقرير أو صفة خلقية أو خلقية بأنه "سنة". وقد يقول قائل: إن هذا من باب التوسع اللغوي، أي أخذ المعنى الواسع للمفردة كما قرره المعجميون أنه الطريقة. فيقال: إن الالتزام باللسان العربي المبين الذي جاء به القرآن الكريم أولى من أن نتوسع في المفردة فتستخدم فيما لا ينبغي أن تستخدم فيه، وتحرف الدلالات عن معناها الأصيل الذي أراده رب العالمين. والله سبحانه وتعالى أعلى وأعلم بالصواب. والسلام عليكم ورحمة الله.