Transcription
[موسيقى] بسم الله الرحمن الرحيم. تحياتي لكم. وصلنا إلى نقطة فارقة جداً في هذا التسلسل، وهي إعادة تشكل وتصورات المسلم، أو تصورات أهل الإيمان، عن مفهوم كلمة "الله". ولو نعمل إلى إعادة تشكل هذا التصور وهذا المفهوم، ستستمر الأزمة لا محالة، وستستمر المجافاة بين الإيمان وبين العلم. مفهوم كلمة "الله". وقبل أن أدخل في شرح هذا المفهوم، أريد أن أقرأ عليكم كلمات كتبها الأستاذ الدكتور مهند رحمة صديق سوداني، شخصيّاً. كتب هذه الكلمات من على صفحته بالفيسبوك، وهو دكتور في السيكولوجيست، في الطب النفسي. هذه الكلمات قد تختصر البرنامج كله، ولكن تذوق هذه الكلمات، أو تقويم مفهوم حولها، يتوقف على ثقافتك، على درجة إمامك، على خلفيتك، على خلفيتك المعرفية، على أفقك الواسع. ذكر بالنص قائلاً: "الله في ذاته واحد، لكنه مختلف عند كل منا". شوفوا يا جماعة دقة العبارة دي: "الله في ذاته واحد، لكنه مختلف عند كل منا". يختلف تصورك لله حسب درجة ثقافتك، ولغتك، وبيئتك، وخيالك. يختلف تصورك، ركزوا في هذه الكلمة، لله حسب درجة ثقافتك، ولغتك، وبيئتك، وخيالك. "الله الانفجار العظيم، وموجه تطور الحياة من مركب وحيد". هنا يتحدث عن تصور معين. "الله الانفجار العظيم، وموجه تطور الحياة من مركب وحيد، مهندس الكون، وعالم الكوانتم دون الذري، مصمم الـ DNA". بالتأكيد ليس هو "الاله البدوي الشاب الأمرد، صاحب الثعبان الأقرع، مرسل الملائكة لعن النساء التي ترفض زوجها في الفراش، يهتز عرشه لالتقاء الجنس بين الذكر والأنثى، وتاكل كلماته الأغنام". كلام خطير جداً. قال: "الله الانفجار العظيم، موجه تطور الحياة من مركب وحيد، مهندس الكون، وعالم الكوانتم دون الذري، مصمم الـ DNA". قطعا ليس هو "الاله البدوي الشاب الأمرد، صاحب الثعبان الأقرع، مرسل الملائكة لعن النساء، يهتز عرشه للجنس، وتاكل كلماته الأغنام". فالاول هو خالقنا، بينما الثاني نحن الذي خلقناه. والله هذا الرجل لخص الثلاثين حلقة دي! فالاول هو الذي خلقنا، أما الثاني فنحن الذي خلقناه. خلقناه وين في موروثنا، في تصوراتنا، في خطابنا الديني؟ تلقيناه من خطب المناظر الساذجة البسيطة. ذلك الإله الفوضوي الذي يتوعد خلقه بالشواء على الجمر والنار. قطعا لا يمكن أن نتصوره بهذه الطريقة. وهنالك من يتصور الله بالطريقة الأولى التي ذكرناها.
إذا يا أحباب، أستطيع القول باختصار، وهذه الكلمات التي سأعبر عنها عن مفهوم كلمة "الله"، تستطيع أنت أن تعبر بغيرها، ولكن يجب أن يظل الإطار الواسع، وأنا أقول الواسع والمحيط، لمفهوم هذه الكلمة يختلف تماماً عن التصور الموروثي عندك. فالله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام، والذي له خمس الغنيمة، والذي يجده التائه في الصحاري، والذي يعدو خلف السراب، وأدركه الموت، والذي فأينما نولي فثم وجهه، على حسب منطوق الآيات التي سردناها، هو القانون الواحد الأوحد القائم، القابض على أنظمة السنن الكونية. فمسك كلمة "قانون" دي قد لا تكون دقيقة، لكن أكثر كلمة مستخدمة في محيط الشهادة عندنا وجدتها هي كلمة "قانون". طيب، يجي واحد يحول لك ربنا قانون. القانون القائم، القابض على أنظمة السنن الوجودية، وهو واحد. ومن صفات هذا القانون أنه فاعل حيّ وقائم قيوم. يعني شنو قيوم؟ لا يغفل، ولا ينفصل، ولا ينقطع. مش عندنا أعظم آية في القرآن تقول: "الله، الله لا إله إلا هو الحي القيوم، لا تأخذه سنة ولا نوم"؟ لماذا أخذت هذه الآية أعظم آية في القرآن الكريم؟ أنت سألت نفسك؟ لو سألت أي أحد، ولو في المراحل الأولى من الدراسة، ما هي آية الكرسي، حيقول لك: "الله لا إله إلا هو الحي القيوم". ما هي أعظم آية في القرآن؟ يقول لك آية الكرسي. فتخيل أنه أعظم آية في القرآن وأنت ما فهمتها! ما ممكن عن السؤال عن الآية كأعظم آية في القرآن يعرف الإجابة أي حدّ. وطالما أنها هي أعظم آية، معناها أكثر آية عميقة ودقيقة وخطيرة. الله القانون الذي لا قانون غيره، إذا هو واحد، الحيّ، فاعل، حياته ذاتية غير مكتسبة. ما هو الفرق؟ شنو ما بين حياتك وحياة الله؟ أنا حيّ، وهذا المصور أمامي حيّ، وهذا المخرج حيّ، والله الحيّ. فرق شنو بين حياتي وحياتك؟ فحياة الله ذاتية غير مكتسبة. يعني الله ما محتاج استمداد طاقة من سواه لكي يحافظ على حياته. أنت حياتك مربوطه بالأكل والطعام والشراب. لو حبست منك الأكسجين ثلاث دقائق، حياتك راحت فيها. لو منعت منك النوم، بس النوم، النوم 16 يوم هتموت. الأكل أربعة خمسة يوم، ستة يوم بتموت. الماء ثلاثة يوم حتّموت. الله سبحانه وتعالى حياته ذاتية، صفة ذاتية لهذا القانون. يعني شنو القانون ده حي؟ وأنا لما أقول لك القانون حي بمعنى فاعل، بوعي منظم، مع عشوائي. فاعل عنده فعل، لا تأخذه سنة ولا نوم، غفلة. ليه؟ ليه هذا القانون القابض على أنظمة السنن الكونية لا تأخذه سنة غفلة واحدة؟ لأن انهيار الوجود، تخيل هذا القانون لو حصلت له فصله واحدة، سنة غفلة بس، القيومية بتاعته، لو غفلت لحظة، انهيار الوجود، لأنه قابض عليه. الوجود كله مبني عليه باختلاف تشكله ووسعه، مبني على هذا القانون الواحد. ولا نوم. ولما نقول لك نوم، طوالي خيالك بيذهب إلى الوسادة والسرير. نوم، خمول. فاعل على الدوام، يعني ما بيستكي، ما بيسترخي، ومتغلغل في كل ذرات الوجود، من الذرة إلى المجرة. ولكن المشكلة أن علماء الفيزياء أوهمونا بأن القوانين متعددة: قانون الجاذبية، قانون معارف رده الفعل، قانون الطفو، قانون الطيران، قانون التفاعل الفلزات، كلها سموها شنو؟ قوانين. هل هي مجموعة بتاعة قوانين تعمل مع بعضها كفريق؟ أنا أقول لك قوانين، بما في ذلك القوانين الكيميائية والقوانين الفيزيائية في الوجود ده كله، أي القوانين دي عباره عن فريق متجانس تعمل مع بعض، أم هي قانون واحد يختلف تشكل وظيفته في كل ذرة، بينما هو واحد؟ يعني القانون القائم على خاصية الشد والطرد المغناطيسي بين الكواكب والأفلاك هو نفس قانون تصلب الماس، هو نفسه القانون الفاعل أدى إلى تصلب الماس بدرجة هذه الصلابة، هو نفس قانون السيولة في الماء، هو نفس قانون رده الفعل، هو نفس قانون الجاذبية، هو نفس قانون الـ DNA. قانون واحد، لكن تشكل فاعليته بتختلف من كل مادة، من كل جزيء، من كل ذرة، ولكنه هو واحد، بل هو أحد. الآن عرفنا إلى أي درجة تغلغل هذا القانون في الوجود بكل ذراته. في الحلقة القادمة سنبتدي بسؤال خطير، أو سنجيب على سؤال خطير: هل الله عاقل؟ هذا القانون عاقل، له عقل أم لا؟ هذه قضية مهمة جداً عشان نشوف هل الوعي ينتج اللاوعي، أم أن اللاوعي قد ينتج الوعي؟ وهل اجتماع المتناقضات محكومة بالضرورة العقلية فقط؟ يعني الضرورة العقلية التي نحتكم إليها نفي المتناقضة، يعني لما تجيب لك حاجة تحاول تجمع متناقضين، فكلامك هذا غير منطقي، غير عقلي، أنت ما عاقل. لكن هل القانون القابض على أنظمة السنن الكونية تجتمع فيه المتناقضات؟ هو الأول والآخر، الظاهر والباطن، هو الرحيم وهو القهار، هو المنتقم وهو الغفور. كيف هذا؟ ما سنفصل فيه في الحلقة القادمة. استودعكم الله الذي لا تضيع عنده الودائع. شكراً جزيلاً. [موسيقى]