📱

Get Our Mobile App

Take your business learning on the go!

Download on the App StoreGet it on Google Play

الجزائر: ليلة سقوط محافظ البنك المركزي.. ماذا كشف "التقرير السري" الذي عجّل بقرار الرئاسة؟

صوت الجزائر10:23

Transcription

أهلاً بكم أصدقائي في هذا الفيديو الجديد، حيث سنحاول اليوم فك شفرة حدث مفاجئ هز الأوساط الاقتصادية والسياسية في الجزائر. حدث يبدو في ظاهره مجرد تغيير إداري، لكنه في جوهره يحمل دلالات عميقة جداً حول إدارة المال والقرار في البلاد.

اليوم الأحد، خرجت الرئاسة الجزائرية ببيان مقتضب، أشبه ببرقية عاجلة، تعلن فيه إنهاء مهام محافظ بنك الجزائر المركزي صلاح الدين طالب. القرار لم يتوقف عند الإقالة، بل شمل فوراً تكليف نائبه معتصم أبو ضياف بمهام المحافظ بالنيابة. الخبر قد يمر مرور الكرام على المشاهد العادي، لكن بالنسبة لنا، نحن من نقرأ ما بين السطور، فإن هذا التغيير يحمل في طياته ألغازاً كثيرة، خاصة وأن البيان الرسمي اكتفى بإعلان الخبر دون تقديم أي توضيح أو ذكر للأسباب التي دعت لاتخاذ هذه الخطوة في هذا التوقيت بالذات.

دعونا نبدأ بتفكيك المشهد بأسلوب المحقق الذي يبحث عن الدوافع خلف مسرح الجريمة السياسية. وهنا لا نتحدث عن جريمة جنائية، بل عن جريمة في حق الاستقرار الإداري، إن صح التعبير. صلاح الدين طالب، الرجل الذي غادر مكتبه اليوم، لم يمضِ في منصبه سوى فترة قصيرة نسبياً، فقد تولى القيادة في شهر مايو من عام 2022، أي أنه لم يكمل ثلاث سنوات في هذا الموقع الحساس. لقد جاء خلفاً لرستن فاضلي، الذي هو الآخر لم يعمّر في المنصب أكثر من عامين. هذه الوتيرة المتسارعة في تغيير رؤوس الأموال وحراس الخزينة تطرح علامة استفهام كبرى: لماذا أصبح كرسي محافظ البنك المركزي في الجزائر كرسياً قاذفاً لا يستقر عليه أحد؟

إذا عدنا بالذاكرة قليلاً إلى الوراء، وتحديداً إلى ما قبل عام 2016، نجد أن محمد لكساسي استطاع الصمود في هذا المنصب لمدة 15 عاماً كاملة. لكن منذ رحيله، دخلت هذه المؤسسة السيادية في دوامة من عدم الاستقرار الإداري. تداول الأسماء أصبح سريعاً ومقلقاً، فمن محمد لوكال، الذي أدار الدفة لثلاث سنوات وانتهى به المطاف خلف القضبان في قضايا فساد، إلى سلسلة التغييرات اللاحقة. يبدو أن هناك أزمة حقيقية في العثور على الشخصية التي يمكنها قيادة السياسة النقدية للبلاد في ظل عواصف اقتصادية لا تهدأ.

التغيير الأخير يعيدنا إلى المربع الأول، ويجبرنا على البحث في الكواليس عن الأسباب الحقيقية التي عجلت برحيل طالب. الخيط الأول في قضيتنا اليوم يقودنا إلى خارج الحدود، وتحديداً إلى تقارير المؤسسات المالية الدولية. ففي شهر ديسمبر الماضي، أصدر البنك الدولي تقريراً حمل نبرة تحذيرية واضحة تجاه الوضع المالي في الجزائر. التقرير لم يكن مجرد أرقام جافة، بل كان بمثابة جرس إنذار يشير إلى تأكل الاحتياطيات الأجنبية للبلاد. الخبراء في واشنطن رصدوا تراجعاً ملحوظاً في الهوامش المالية، مؤكدين أن الاعتماد شبه الكلي على عائدات النفط والغاز لتغطية الإنفاق وتمويل الواردات بات يشكل خطراً دائماً، خاصة مع تذبذب أسعار الطاقة في الأسواق العالمية.

هذا التحذير الدولي ربما وضع ضغطاً هائلاً على صانع القرار في الجزائر، وجعل الأعين تتجه صوب البنك المركزي باعتباره المسؤول الأول عن حماية هذه الاحتياطيات. عندما نغوص أكثر في لغة الأرقام التي أوردها التقرير، نجد تفاصيل مثيرة للقلق. احتياطيات النقد الأجنبي، التي تعتبر صمام الأمان لأي دولة، واصلت منحنى الانكماش خلال العام المنصرم. التقديرات تشير إلى أنها تراجعت لتغطي ما يعادل 15 شهراً فقط من الواردات مع نهاية عام 2024، بعد أن كانت تغطي 16 شهراً ونصف الشهر قبل عام واحد فقط. هذا التراجع ليس مجرد رقم عابر، بل هو مؤشر على تقلص القدرة المالية للحكومة على امتصاص الصدمات الخارجية.

والأخطر من ذلك، أن توقعات البنك الدولي لا تتوقف عند هذا الحد، بل تتنبأ بمزيد من الانخفاض خلال النصف الأول من العام الحالي 2025. السبب اتساع العجز في الحساب الجاري وهبوط العائدات الطاقوية مقابل ارتفاع فاتورة الواردات المرتبطة بالمشاريع الاستثمارية الضخمة التي أطلقتها الدولة.

هنا نصل إلى نقطة الاحتكاك المباشر بين المحافظ المقال والواقع الاقتصادي. يبدو أن صلاح الدين طالب حاول اتخاذ إجراءات لكبح جماح هذا النزيف، لكن هل كانت هذه الإجراءات هي السبب في إقالته، أم أنها لم تكن كافية؟ أحد آخر القرارات التي وقع عليها الرجل كان تشديد جديد لشروط صرف المنحة السياحية السنوية بالنقد الأجنبي للمواطنين. هذا القرار، الذي صدر في الـ 15 من ديسمبر الماضي، جاء كرد فعل على تقارير حكومية كشفت عن أساليب احتيالية واسعة النطاق لتهريب العملة الصعبة.

تخيلوا معي شبكات تقوم باستغلال أشخاص عاطلين عن العمل يستخدمون جوازات سفرهم للحصول على المنحة، ثم يعيدون بيع اليورو والدولار في السوق السوداء للاستفادة من الفارق الكبير في السعر. هذه الظاهرة لم تكن هامشية، بل تحولت إلى عبء حقيقي على الخزينة العمومية. البيانات تشير إلى أن التكلفة الإجمالية التي تتحملها الدولة لتغطية نفقات هذه المنحة السياحية تفوق ملياراً و120 مليون يورو سنوياً، في أدنى تقدير. هذا الرقم الضخم دفع السلطات للتحرك بصرامة وفرض شروط مشددة أثارت جدلاً واسعاً في الشارع.

لقد رأينا جميعاً صور الطوابير الطويلة للمواطنين الجزائريين على المعابر الحدودية مع تونس، والتي قالت السلطات إن الغالبية العظمى منهم كانوا يسعون للاستفادة من حقهم في منحة السفر. هذا المشهد، بكل ما يحمله من دلالات اجتماعية واقتصادية، ربما كان أحد العوامل التي سرّعت في اتخاذ قرار التغيير على رأس البنك المركزي.

لكن القصة لا تنتهي عند المنحة السياحية، فهناك فيل في الغرفة لا يمكن تجاهله، وهو السوق الموازية للعملة. القانون في الجزائر صارم جداً، فهو يحظر على البنوك بيع النقد الأجنبي للمواطنين إلا لفئات محددة جداً، مثل المستوردين والحجاج، ووفق شروط دقيقة. هذا الانغلاق خلق فجوة هائلة، أو ما يمكن تسميته بالثقب الأسود المالي. الفارق بين السعر الرسمي والسعر الموازي يتجاوز 80%. لنتخيل الموقف: السعر الرسمي لليورو في البنوك يدور حول 150 ديناراً، بينما يقفز في السوق السوداء، أو ما يعرف بـ "سكوار"، إلى نحو 280 ديناراً. هذا الفارق المغري هو المحرك الأساسي لكل تلك الممارسات التي حاولت السلطات محاربتها، وهو الدافع الرئيسي للمسافرين للبحث عن أي ثغرة للاستفادة من هذا الهامش الربحي الكبير.

وفي خضم هذه المعركة النقدية، اتخذ بنك الجزائر الشهر الماضي قراراً آخر أثار الكثير من اللغط والتساؤلات. القرار يقضي بمنع إيداع الأموال نقداً في الحسابات البنكية التجارية، في بلد لا تزال فيه المعاملات النقدية، أو "الكاش"، هي سيدة الموقف. يبدو هذا القرار وكأنه سباحة عكس التيار. المراقبون والمحللون وقفوا حائرين أمام هذا الإجراء: كيف تمنع الناس من وضع أموالهم في البنوك، في الوقت الذي تسعى فيه الدولة لاستقطاب الأموال المتداولة في السوق الموازية وإدخالها في المنظومة البنكية الرسمية؟

هذا التناقض الصارخ في السياسات ربما كان القشة التي قسمت ظهر البعير، وأعطى انطباعاً بوجود تخبط في الرؤية لدى إدارة البنك المركزي. إننا أمام مشهد معقد تتشابك فيه الضغوط الخارجية المتمثلة في تحذيرات البنك الدولي وتراجع أسعار النفط، مع الضغوط الداخلية الناتجة عن شح السيولة وتغول السوق السوداء، ومحاولات المواطنين الحثيثة للحفاظ على قدرتهم الشرائية.

في وسط هذه المعمعة، يقف بنك الجزائر كمؤسسة سيادية هي المسؤولة الأولى عن إصدار النقد وضمان الاستقرار المالي. ومهمتها ليست سهلة أبداً، فهي مطالبة بإدارة العملة والقرض وسعر الصرف في بيئة اقتصادية شديدة التقلب. إن إقالة صلاح الدين طالب وتعيين معتصم بوضياف بالنيابة ليست مجرد تبديل وجوه، بل هي رسالة بأن السلطة العليا في البلاد غير راضية عن الأداء الحالي، وأنها تبحث عن مقاربة جديدة للتعامل مع هذه الملفات الحارقة.

السؤال الذي يبقى معلقاً ونحن نختم هذا التحليل: هل سيتمكن المحافظ الجديد، ولو كان بالنيابة، من فك هذه العقد الشائكة؟ هل يملك العصا السحرية لردم الهوة بين السعر الرسمي والموازي؟ وكيف سيتعامل مع تأكل الاحتياطيات في ظل التوقعات باستمرار انخفاض عائدات الطاقة؟ الأيام القادمة كفيلة بالإجابة، ولكن المؤكد هو أن ملف الدينار واليورو سيظل هو الشغل الشاغل للشارع الجزائري ولصناع القرار على حد سواء.

نحن سنبقى هنا نراقب، نحلل، ونكشف لكم ما وراء الأخبار الرسمية، لأن الحقيقة دائماً تكمن في التفاصيل التي يتم تجاوزها. شكراً لكم على المتابعة، ولا تنسوا أن الاقتصاد هو الوجه الآخر للسياسة، وفهم لغة المال هو المفتاح لفهم تحركات الدول. دمتم في رعاية الله، وإلى لقاء قريب في تحليل جديد يكشف المزيد من الأسرار.