Transcription
ان الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور انفسنا وسيئات اعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. واشهد ان لا إله إلا الله وحده لا شريك له، واشهد أن سيدنا ونبينا وحبيبنا محمداً عبد الله ورسوله وصفوته من خلقه وأمينه على وحيه، صلى الله تعالى عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحابته المباركين الميامين، واتباعه بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً.
عباد الله، أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله العظيم، ولزوم طاعته، كما أحذركم وأحذر نفسي من عصيانه ومخالفة أمره، لقوله سبحانه وتعالى: {من عمل صالحاً فلنفسه، ومن أساء فعليها، وما ربك بظلامٍ للعَبيد}. ثم أما بعد أيها الإخوة المسلمون الأحباب، أيها الأخوات المسلمات الفاضلات، يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العظيم، بعد أن أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: [موسيقى] {وَعِبادُ الرَّحمٰنِ الَّذينَ يَمشونَ عَلَى الأَرضِ هَوْناً، وَإِذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً، وَالَّذينَ يَبيتُونَ لِرَبِّهِم سُجُوداً وَقياماً، وَالَّذينَ يَقُولُونَ رَبَّنا اصْرِف عَنّا عَذابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذابَها كانَ غَراماً، إِنَّها ساءَتْ مُسْتَقَراً وَمَقاماً، وَالَّذينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا، وَكانَ بَيْنَ ذلكَ قَواماً، وَالَّذينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ، وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتي حَرَّمَ اللهُ إِلا بِالْحَقِّ، وَلا يَزْنُونَ، وَمَن يَفْعَلْ ذلكَ يَلْقَ اثَاماً يُضَاعَفْ لَهُ العَذابُ يَوْمَ القِيامَةِ وَيَخْلُدْ فيهِ مُهَاناً، إِلا مَن تابَ وآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صالِحاً فأُولٰئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ، وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحيماً، وَمَن تابَ وَعَمِلَ صالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلى اللهِ مَتاباً، وَالَّذينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ، وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً، وَالَّذينَ إِذا ذُكِرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمّاً وَعُمْياناً، وَالَّذينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ، وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقينَ إِماماً، وَالَّذينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ، وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقينَ إِماماً}. آمين. صدق الله العظيم، وبلغ رسوله الكريم، ونحن على ذلك من الشاهدين. اللهم اجعلنا من شهداء الحق القائمين بالقسط، آمين، اللهم آمين.
أيها الإخوة الأفاضل، أيها الأخوات الفاضلات، هناك طريقة مُستطرف في الإنسان من موازنة أولوياته، وتقويم أعماله وتفضيلاته، إنها طريقة التوهم أو التخيل بأنك على فراش الموت، على ماذا ستندم؟ وعلى ماذا ستتحسن؟ قطعا أيها الإخوة، لن يندم واحد منا على أنه لم يعمل ساعات أطول، على أنه لم يستهلك البقية الباقية من حياته في العمل، في الإنجاز المادي، في مراكمة الثروة، لن يندم أحد على هذا، وحتمًا سيندم كل أحد على أنه لم يولي أهله، زوجته، أولاده، أبنائه وبناته وقتاً أطول، لم يجلس معهم ساعات أكثر. أيها الإخوة، لم يمنحهم من عطفه، من رعايته، من اهتمامه، من حدبه، من عنايته قدرًا وكما أكبر، الكل سيندم على هذا، طبعاً هناك أشياء كثيرة أيضاً لن نندم عليها، وأشياء أخرى كثيرة سنندم عليها، نسأل الله أن يجنبنا عاقبة الندامة.
أمّا المهم أيها الإخوة، هذه مقدمة بين يدي حديث أحببت له أن يكون عن علاقاتنا داخل الأسرة، علاقاتنا مع أزواجنا ومع أولادنا، وهذا الموضوع جدير أن يكون موضوع الساعة وموضوع كل ساعة، لأنه موضوع متجدد. وقد برهن الإنسان بامتياز أيها الإخوة، على أنه للأسف، للأسف في معظم الحال أو في أغلبه، كائن يفشل في أن يتعلم من الآخرين فضلاً عن أن يتعلم من التاريخ، ويبدو أن على كل أحد أن يخوض مغامرة بل حماقة تكرار الأخطاء. بعض الناس أيها الإخوة يكرر حماقة تكرار أخطائه هو ويعجز أن يبلور قدرة أو منظورًا يتجاوز فيه أيها الإخوة أخطائه وذاته القديمة، يعيش ويموت هكذا، يكون قد حطم نفسه، وساهم بامتياز أيضاً في تحطيم أكثر الذين حوله للأسف الشديد. يقول المؤرخ الإنجليزي الكبير أنرول تومبي: "يمكن أن نلخص درس التاريخ في جملة واحدة: لا شيء يفشل مثل النجاح". عجيب أن يقول هذا هذا المؤرخ الكبير الذي درس 27 حضارة في أكثر من 40 سنة، كلام له وزنه: "لا شيء يفشل مثل النجاح".
النجاح أيها الإخوة، امتياز، امتياز لطائفة قليلة جداً من البشر. النجاح، ستقولون ليه هذا غير صحيح، ستقولون هذا غير صحيح، هناك الكثير من الناجحين، نجحوا في شؤون علمية وفكرية وسياسية وعسكرية واجتماعية. نعم، ولكن في شؤون أيها الإخوة، في شؤون مفردة. وليس معنى أن تنجح في شأن ما، وليكن مثلاً شأناً علمياً، حتى تتحصل على جائزة نوبل في هذا الميدان، أنك ناجح في كل شيء. أنت نجحت في هذا بامتياز، وربما في نفس الوقت وفي معظم الحال فشلت ورسبت بامتياز في ميادين أخرى كثيرة، لعل في مقدمتها الأسرة، العلاقة الزوجية. كثير جداً من هؤلاء النوبليين مطلقون أيها الإخوة، مطلقون. اينشتاين كان أكبر فاشل آه في حياته الأسرية، فشل مع زوجاته، وفشل مع أبنائه. المعنى إلى هذا آه برتان رسل، من أكبر الفاشلين، مع أنه من أكثر الذين تحدثوا عن السعادة وعن النجاح. أيها الإخوة نعم، فليس معنى أن تنجح في ميدان أنك ناجح في كل شيء.
الناجحون أيها الإخوة الحقيقيون لا يذبون، ليس ذبهم أن يركزوا على النقاط التي تقرر فيها امتيازهم ونجاحهم، هذا معروف، لكنهم دائماً يركزون على نقاط ضعفهم. مشكلة بعض هؤلاء أيضاً أنهم يركزون في مرحلة الإعداد والمنافسة، حتى إذا اقتدوا مكانتهم وحققوا غايتهم، أضوا مثل الناس العاديين، حمقى أيضاً يركزون على نقاط قوتهم ويغفلون نقاط ضعفهم. ما أحببت أن أقوله مثلاً، رجل يُريد أن يُشارك في مسابقة أيها الإخوة، محلية أو إقليمية أو حتى عالمية، مثل مصطفى حسنين مثلاً، هذا البطل الكبير آه زاده الله، قطعا هو لا يركز في أيام استعداده على نقاط قوته، هذه مقررة، انتهى، يركز على نقاط ضعفه، لأن هذه النقاط بالذات هي التي ستشطب على نقاط قوته، وسيخرج مباشرة فاشلاً. لذلك هو المقرر، مقرر إنما يركز على نقاط الضعف. من يريد أن يأخذ مسابقة فكرية مثلاً أيها الإخوة، نفس الشيء، لا يركز على نقاط تفوقه، إنما على نقاط، من يريد أن يدخل امتحاناً، يلتحق بامتحان أيها الإخوة، لا يركز على ما يجيد، إنما على ما لا يحسن، على ما لا يحسن. هذا هو الناجح الحقيقي، صاحب الإستراتيجية أيها الإخوة، القاهر، وليست المقهورة، كما يقول علماء الإدارة. هذا هو، وليس الأول، لكن أكثرنا أيها الإخوة اعتاد أن يركز وأن يستهل نفسه وغيره في تقرير حقائق امتيازه في نقاط بائعة، عرفنا هذا، لكن عليك أن تلتفت كثيراً وأن تستثمر البقية الباقية من الفرص في تقوية نقاط الضعف أو تلافيها بحسب نوعية الضعف، المشكي منه، المشكي منه. هذه واحدة أيها الإخوة.
أريد أيضاً كمقدمة أن أقول: مثل هذه الأفكار لن يفيد منها أيها الإخوة كل من لم يطور مهارة الوعي بالذات. على فكرة، هي أقل المهارات نمواً لدى البشر. لو عملنا اختباراً، وقد قام بهذا علماء النفس مئات المرات إن لم يكن آلاف المرات، ودائماً تكون النتيجة أن البشر جميعاً أضعف ما يكونون في هذه النقطة بالذات، الوعي بالذات. الوعي بالذات، ما معنى الوعي بالذات؟ الوعي بالذات أن تحاول، أن تحاول أن تتجاوز ذاتك. كيف أتجاوز ذاتي؟ أن أتجاوز إطار المعهود المصطنع في التفكير. كل إنسان منا له إطار أيها الإخوة في التفكير، إطار في المعتقدات، إطار في السلوكيات والتعاملات، تعود عليه، اكتسبه بمرور الأيام آه يسمونه بالألمانية "إرادى جما"، بالإنجليزية "بايم"، هذا الدايم عليك أن تحاول أن تتجاوزه، طبعاً لن تتجاوزه من خلاله، إنما من شيء أوسع من، من شيء أوسع من، يعني أن تحدث فراغاً أو فاصلة بينك وبين، وبين إطار لتتأمل أولاً أفعالك. هذا يعرف أيها الإخوة في المنطق أو في المصطلح الديني بحساب النفس. على فكرة، يعني الصورة الفلسفية والسيكولوجية لمحاسبة النفس هي هذه، أن يكون لك ولديك وعي بذاتك، أن يكون لك لحظات استبصار أيها الإخوة ناجمة عن لحظات تركيز مكثفة من تحليل الذات، بإنشاء الفاصلة هذه، ومحاولة مراجعة أفعالي. ثم إذا أردت أن أقيم هذه الأفعال لابد أن أراقب وأن أحاكم، ماذا دوافعها وحوافزها؟ حقيقة هذه الدوافع، أحياناً الإنسان أيها الإخوة يقسم أعظم وربما أصدق الأقسام على صحة نيته، وهو صادق في حدود الشعور، لكنه فيما وراء الشعور غير صادق بالمرة، لأنه ليس مُستبصراً، بما أنا متناقض لهذه الدرجة؟ مشاعري متناقضة، مشاعري ليست متناقضة إذًا حال واحدة، أمبلانس يعني لا، هذا معروف، إنما متناقضة أيها الإخوة بطريقة أخرى، مصداق لتناقض منطقي. لاحظنا هذا، نلاحظه يومياً حتى في الناضجين، في الراشدين، في من دخلوا في العقد الرابع والخامس والسادس من أعمارهم، يكون له اليوم موقف مثلاً من قضية معينة أو من فلان الفلاني، موقف مؤسس على الإعجاب والمديح والإطراء والإشادة، غداً نعم، في يوم واحد هذا حصل عدة مرات، أنا أراقب هذا آه يختلف الموقف بالكلية، يصبح هذا القديس إبليساً أيها الإخوة، كيف هذا؟ كيف؟ لأن هذا الشخص أيها الإخوة غير واعٍ بذاته. الشخص الجاهز لإصدار الأحكام السلبية والإيجابية وإشهاد الله عليها غير واعٍ بذاته، هذه مشكلته، هو مسكين صادق لكنه غير واعٍ بذاته.
كيف؟ إلى الآن الأمر لم يضح، سنوضحه أكثر. حين تكون واعياً بذاتك، تقوم وتحاكم أفعالك ودوافعها وحوافزها آه، وبأكثر من طريقة، وبأكثر من مقاربة لكي تصل إلى درجة مقبولة من الشفافية مع النفس. ما الذي يحصل؟ تتبرا من حيلة خطيرة جداً جداً، كلنا تقريباً مصاب بها، حيلة الإسقاط. الذي لا يستطيع أيها الإخوة أن يحقق هذا، يتعامل مع الكون ومع المجتمع ومع العلاقات على أساس إسقاط ذاته على كل من وما حوله، فيرى كل ما ومن حوله من خلال ذاته، وهذه حالة نرجسية بلا شك، هذه حالة نرجسية، تمركز حول الذات. فالناس عنده طيبون أو خبيثون بحسب الموقف الراهن منه، اليوم طيبون، غداً خبيثون، اختلف موقفهم آه منه، لا يستطيع أن يحاسب نفسه، لحظة، وضعه أيضاً اختلف، شخصيته اختلفت، مواقفه اختلفت، والناس بدؤوا يختلفون، لا هم خبيثون آه، هم غير جديون، حتى بالثقة هم ملاعين آه، هم ليسوا طيبين، هم معقدون، هم مفسومون، هم مرضى، هم مختلون، وهكذا، في الحقيقة هو آه غير الطبيعي، هو الجاهل بذاته، هو الجاهل بنفسه. لذلك من قديم، من أيام سقراط، عبارته المشهورة التي كتبت على واجهة معبد دلفي: "اعرف نفسك". يقولونها: "اعرف نفسك"، بنفسك غير ضروري هذا الحشو، اعرف نفسك. مهم جداً أن تعرف نفسك، من عرف نفسه وعرف ربه له تفسير، لكن لا نستطيع أن نذكره الآن، في منتهى العمق والطيف، لكن ما نذكره اليوم سيمهد لفهم هذا التفسير، لكنه عميق جداً جداً وغير مسبوق آه. طيب، الآن تسقط نفسك على آه على من ومن حولك، ما النتيجة؟ انتبهوا، وهذه النتيجة معهودة فينا وهي كارثية، ستحاسب نفسك من خلال دوافعك، ودائماً أنت بريء، دوافعك نزيهة، دوافعك طيبة، وكما قلت تشهد وتقسم عليها بالله تبارك وتعالى، وستحاسب الآخرين أبداً ليس من خلال دوافعهم، إنما من خلال أفعالهم، يا ما شاء الله على آه الآخرون يحسبون من خلال أفعالهم، وأنت تحسب من خلال دوافعك، هذه الفوضى، ما هذا الظلم؟ ما هذا الحيف؟ انتهى، وهذا يشير إلى عدم الوعي بالذات، إلى شخصية غير مكتملة، غير ناضجة، بالمختصر غير واعية بنفسها. أما الشخصية التي اصطنت هذه الفاصلة، وادمنت أن تصطنع هذه الفاصلة لكي تكون على مبدأ، وتقتحم عقبة النرجسية والإسقاط، وتقيم أفعالها ودوافعها وحوافزها بنوع من الصدق والشفافية أيها الإخوة، قريب ما الموضوعية الحقيقية، وإن كان إلى حد ما، فإنها شخصية أيها الإخوة يمكن أن تؤدي الدور المعاكس تماماً، تحاسب نفسها من خلال مواقفها أيها الإخوة، وتحاسب الآخرين بافتراض دوافع طيبة لهم، وهذا أيضاً موجود وحاضر في تراثنا الديني أيها الإخوة، يقولون: انتبهوا، هذا الآن هي الصيغة الصوفية العرفانية لهذا الكلام السيكولوجي الفلسفي العميق، ربما على بعضنا، ماذا يقول العارفون: "إذا عاملت نفسك فتشرع، بمعنى ماذا؟ لا تتكلم عن الدوافع، تكلم عن المواقف والأفعال، عن الوقائع، تشرع الشريعة، وإذا عملت الخلق فتحقق"، يعني حاول أن تكتسب بقدرك، بقدر نضجك، بقدر وعيك بذاتك منظوراً إلهياً، منظوراً إلهياً، حاول أن تفترض لهم الافتراضات الطيبة، حاول أن تتقمص حالات ضعفهم وهشاشته آه، مرارات عقدهم، ربما مشروطية ظروفهم والتي ربما أجبرتهم أن يكونوا آه بهذا الضعف وبهذه الهشاشة، بهذا الحرز، بهذا الطمع، بهذا بهذا بهذا.
أمس قلت لأحد إخواني، رجل وعلى مراه من الناس يجتهد أيها الإخوة في إحراجك وفي تحقير آه وفي تسوية وجهك، تستطيع ببساطة أن ترد عليه بجملة واحدة، لأنه هو مثابة لما يُحرج ولما يُسوّد الوجه، لكنك لن تفعل لأنك أكبر وأنضج، بالعكس، هو يحاول أن يُسيء إليك وأنت ترحمه، تقول: "المسكين، يحاول أن ينفس بطريقة خاطئة عن مشاكله التي أعرفها جيداً، التي نعرفها جيداً، لن نكون أعواناً أيها الإخوة لنفسه وشيطانه ولزمان عليه، بالعكس سنُمهل، ونعطيه الآن ما يحب لعله يتزن قليلاً، المسكين، إنه يُجبر بدموعنا أيها الإخوة، وليس بضربنا، لكن هذا لا يفهمه إلا من نضج أيها الإخوة، إلا من نضج. حقيقة، رجل أراد أن يشتري سيارة أيها الإخوة، وهي السيارة الأولى في حياته طبعاً، فرحته بها كبرى، وفرحة أسرته، لكن أحد أصدقائه الأثير لم يكلف خاطره أيها الإخوة أن يبارك له سيارته مع عائلته مثلاً في الأيام الأولى، تأخر عليه جداً حتى ذهبت بهجة إيش الجديد، وأوشك الجديد أن يكون قديمًا، وتدور الأيام دورتها، ويفكر هذا الآخر يبدو أنه غير ناضج بما فيه الكفاية أن يشتري سيارة وهي ليست الأولى في حياته، ويصر على الآخر أن يحضر أيها الإخوة آه برنامج التحضير لشراء السيارة قبل أن تشتريها هو وذووه، ويلبي الآخر مباشرة من باب الشفقة ومراعاة الحالة النفسية لهذا الذي لم ينضج. انظروا الفرق بين البشر أيها الإخوة، فرق كبير. طبعاً حصل وتم دون أن يعي الأول المسكين آه أيًا من تلك الأمور، عنده طبيعية أيها الإخوة، عنده نمط معين أيها الإخوة وهو غير واعٍ بذاته، غير واعٍ بذاته، مسألة خطيرة جداً جداً.
أنا أود دائماً أيها الإخوة، وأحب لنفسي ولإخواني والله العظيم، وأتحسر، أنا أقول: هنيئاً للأجيال التي تلتنا والتي لديها فرصة أن تستمع هذا الكلام وأن تقرأه وأن تُعمق خبراتها وحياتها بمثل هذه المفاهيم. أما نحن، لعل ما بقي من بقية في أعمارنا يكون ظرفاً للاستدراك، لماذا؟ لأننا حقيقة كشعوب عربية، وربما مسلمة بشكل عام، للأسف نفتقر إلى العمق وإلى النضج، نحن سطحيون إلى درجة محزنة، هذا الذي تقرر عندي حقاً، سطحيون إلى درجة محزنة. المفروض أيها الإخوة على الأقل من علماء الدين الكبار أن يكونوا أبعد الناس غوراً، وأعمق الناس عمقاً ما تعلق الأمر بقضية الإنسان والمجتمع والعلاقات، لكنهم أبعد خلق الله من ذلك، وسوف ترون اليوم في خطبة اليوم مثلاً، سنبل فلسفات معينة للإثم، للخطيئة، للتوبة، هي غير مطروقة بل وغير محببة ومتعاطفة معها أيها الإخوة في التراث الديني حتى المعاصر بالمرة، معناها حقائق قرآنية صلبة أيها الإخوة. المهم حتى لا نطول بالمقدمات، حتى لا نطول بالمقدمات، نأتي الآن إلى موضوعنا، والبداية أيها الإخوة ستكون مع المفاضلة بين أسلوبين أيضاً، أسلوب كيف نتصرف، وأسلوب كيف نفكر. وسأسالكم سؤالاً يا أحبابي: هل تظنون أننا متعاطفون أكثر مع الأسلوب الأول أو الثاني؟ واضح أننا أهل الأسلوب الأول، نحن أصحاب الفتوى وعقلية الفتوى، واستجداء الجواب، وتحميل الآخرين همومنا ومشاكلنا. نحن دائماً أيها الإخوة، حتى حين تنجم مشكلة لنا مباشرة، أول ما نهرع إليه: كيف نتصرف؟ ماذا نفعل في هذه الحالة؟ هذه الزوجة آه المشاكسة العنيدة، الخائنة، الكذا الكذا، ماذا أفعل بها؟ لقد عيل صبري معها، أطلقها آه أم أستبقي؟ ويسأل المفتي ويسأل أصدقائه ويسأل أباه وأمه ويسأل ذويه ومعارفه، والخيارات محدودة جداً، يطلق أو يستبقي. طيب، طلقت، خراب بيت كما يقال، استبقيت، نكد وغم متواصل عليك وعليها، طبعاً الطريقة فاشلة من الأول. هذا الولد المراهق الملعون آه الذي اختلف طبيعته، يختلف لأنه لم يعد ذاك الصبي الغر، صار مراهقاً، انتبه، بدأ يصبح رجلاً حقيقياً. إذا أردنا أن نفلسف كلمة تومبي: "لا شيء يفشل مثل النجاح"، بحسب نظرية تومبي نفسه في التحدي والاستجابة، في نشوء وفشل، نشوء الحضارات، نقول: النجاح هو أن تنجح دائماً، فرداً أو أسرة أو مجتمعاً أو حضارة، في ماذا؟ في أن تنتج استجابة تتلائم وتتواءم مع التحدي، كما وكيفاً، نجاح، ستنشئ الحضارة، ستستقر الأسرة، ستنضج شخصيتك، ستتكامل ذاتيتك، نجاح. لكن السؤال طبعاً: وإذا فشل؟ ستفشل، المهم الآن، لكن إذا اختلف التحدي وأصرت أنت على أن تبلور نفس الاستجابة، ستنجح أم ستفشل؟ طبعاً ستفشل، ولذلك نفشل نحن، نعتقد أننا نجحنا مع أولادنا وبناتنا أيها الإخوة أو أبنائنا وبناتنا وهم في سن آه الصغر، طبعاً بطريقة أو بأخرى، كلنا تقريباً ناجح، كلنا ذاك الناجح، لكن عند المراهقة أيها الإخوة، عندما تفتح الملكات الحقيقية العميقة والغريزية للشخصية، لا أتكلم عن الجنس وحده، هذا جانب من جوانب كثيرة جداً جداً، همنا كله هنا، نحن كله في هذه النقطة بالذات، فشلنا، نجحوا في هذه النقطة، هذا غير صحيح، هذا ابتسار واختزال مخيف جداً آه، هنا اختلفت التحديات واختلفت بعيداً وكثيراً، لكننا نصر على بلورة نفس الاستجابات، فنحن الفاشلون سنفشل، وسنحمل الزمان والمجتمع والبيئة والعادات والتقاليد والتلفزيون والفيديو وكل شيء والناس آه والقضاء والقدر المسؤولية، أما نحن فنحن براء، حاولنا واجتهدنا ولكن لم ننجح، طبعاً لأننا لم نحاول بالطريقة الصحيحة ولا بالجهد اللازم أيها الإخوة، ولم نتابع، نحن نعتقد أننا حاولنا آه، وفي الحقيقة نحن لم نحاول، نحن اعتبطنا، نحن تعسفنا، فالفشل بنا جدير، فالفشل بنا جدير. من هنا يأتي الفشل، انتبهوا، من هنا يأتي الفشل، فنحن أصحاب مزاج أيها الإخوة وعقلية كيف نتصرف، تسأل الطبيب: كيف أتصرف؟ أنا موافق معك، لأنه من الصعب أن يكون لكل منا طبه ونظرياته الطبية والعلاجية، صعب، هنا مقبول أن تتحرك بعقلية كيف أتصرف؟ ما علينا أي مشكلة وتلتزم حتى آه بالدواء الذي آه يكتبه الطبيب بالدقة متناهية، ما علينا مشكلة، لكن في مجالات أخرى أنت تسأل آه الآباء والأمهات والمعارف والمشايخ آه والمفتين والقضاة، وتسأل كل من حولك، والأساتذة والمعلمين، كيف أتصرف؟ هذا غير صحيح، وهذه مسألة مذهبية ستحتاج دائماً إلى فتوى، فتوى في الاجتماع آه، فتوى في الدين، فتوى في كل شيء ستحتاج إلى فتوى مستمرة، طبعاً، ألا تظن، ألا تعتقد، ألا تتوقع أنك في هذه الحالة لم تحل مشكلتك؟ أنت تتوسل من يحل هذه المشكلة لك طبعاً، وهل يستطيع هذا الأجنبي عنك وعن أسرتك وعن بيئتك وعن كل المشروطية، المفروض أن يكون الحالة أو الأمر أن يحل مشكلتك أحسن منك؟ تسأله: كيف أحل؟ ماذا أفعل؟ غير صحيح، الصحيح أن ننطلق من عقلية ومزاج كيف نفكر؟ ستقول لي: هذا صعب جداً، طبعاً هذا صعب وصعب جداً ويضعك أمام مسؤوليات جمة، في رأسها أن تنمي مهارة الوعي بذاتك، واحدة. أن تتغير أنت أولاً أيها الأب، أن تتغير أنت أولاً أيتها الأم، أن تتغير أنت أيضاً آه أولاً، بدل أن تحاول تغيير الآخر أو تغيير الموقف، غير ذاتك، ربما العيب كله منك، أَلَستَ أنت الذي ساهمت أكبر المساهمة في تشكيل هذه الشخصية العنيدة المشاكسة التي لا تصغي، لا تسمع، لا تلتزم آه بالأوامر، والتي لها أخطاؤها وخطاياها، نعم أنت، أنت أكبر المساهمين، أنت المسؤول، هناك مساهمات لأطراف أخرى، لكن أنت من أكبر إن لم تكن أكبر المساهمين، فتحمل مسؤوليتك، انتبه، تحمل مسؤوليتك. عليك أن تنمي ملكة الوعي بالذات، طبعاً كل جملة من هذه الأشياء تحتاج إلى محاضرات وليس أن تُكثف كلها في خطبة، لكن هذه مجرد ملامح. هذه واحدة، ثانياً أيها الإخوة، أن نتخذ أو نصطنع المبدأ المشار إليه قبل قليل، أن تكون البداية منا نحن. إذا أردت كما ادمنت على أن تحمل الكون كله المسؤولية، صدقني المشكلة ستبقى باقية، وسوف تتكرر بدرجات آه أشد وأخطر. إذا رجعت لتحمل نفسك المسؤولية، بدأت تضع أول خطوة في الطريق الصحيح في سبيل حل المشكلة، وستحل مهما كانت صعبة. الأفكار التي أقولها اليوم أيها الإخوة، وهي قليل من كثير، حاولت أن أطبقها وهمياً، ما يعرف بالتجربة الذهنية في علم الفيزياء، حاولت أن أعمل، اصطناع ذهني، ويعني تملكني حدس قوي جداً جداً أنها ستنجح، كما نجحت في حالات كثيرة، ستنجح في حالة نموذجية مخيفة وقعت، أنا رأيت أنها ستنجح بإذن الله تعالى، لكن علينا أن نتقن هذه الأساليب، أن يكون لدينا الجرأة والجُرأة، أن نتعمق وأن نفهمها، هذه الأساليب.
طيب، إذا أردنا أيها الإخوة أن نبدأ بعقلية ومزاجية كيف نفكر؟ أول ما ينبغي أن نفكر فيه، إعادة النظر في الموقف أيها الإخوة من معنى التربية. حين كنت شاباً، حين كنت صغيراً أولاً، ثم شاباً، ويبدو أنني كنت شاباً غراً أيضاً كغيري، كنت أنظر إلى أب حازم وأم حازمة، نجحا في تخريج أولاد، أبناء وبنات مستقيمين، مريحين، غير متعبين، نجحوا في اجتياز الامتحانات، وتحصيل الشهادات العليا، وبناء أسر مستقرة أيضاً، على أنهم أوفوا على الغاية، في ماذا؟ في تحقيق الأهداف التربوية. أعتقد أن أكثر من 90% منكم الآن، ومنّا جميعاً ينظر نفس النظرة. لكن حين آه كبرت أيها الإخوة، ونضجت، المسألة اتخذت وجوهاً أخرى، وصارت خاضعة لمحاكمة جديدة، وصرت أتساءل: جيد، نجحوا هذا النجاح الموصوف، لكن إلى أي حد نجح هؤلاء الحازم أو الحازمة في ترك أولادهم يخبرون الحياة بأعمق معانيها، بحلوها ومرّها، وأن تكون لهم أيها الإخوة أخطاؤهم التي تلد صوابهم أيضاً، كما كانت لنا نحن الآباء والأمهات أخطاؤنا التي تعلمنا منها؟ إلى أي حد؟ إلى أي حد أيها الإخوة تعمق هؤلاء المستقيمون؟ وعلى فكرة، مفهوم الاستقامة لدينا مشوش تماماً وهو غير ديني، غير قرآني، سوف يأتي لكم الآن مفهوم الاستقامة قرآنياً، عكس ما نتوقع. مفهوم الاستقامة لدى كل علماء ديننا ولدينا هو مفهوم خطي، بمعنى الصراط المستقيم، صراط حقيقي، وكم وكم أقول: تخدعنا المجازات، ليس العيب عيب آه من أتى بالمجاز، العيب عيب المسطح ذو البعد الواحد أيها الإخوة، الذي آه يذهب مع المجاز إلى آخر شوطه، فإذا المجاز ينقلب إلى حقيقة وتضيع الحقيقة، انتبهوا. وسأقول هذا حتى أوضح، لأن هذا معقد جداً، حتى أوضح هذا أيها الإخوة، مفهوم التقوى مثلاً، وبلا شك هو مفهوم آه يحدد المستقيمين، المستقيم لابد أن يكون آه من المتقين، وإن لم يكن من أئمة المتقين، على كل من المتقين. مفهوم التقوى عندنا يبدو أنه يشارف ويتأخر، إنسان بلا ذنوب بلا أخطاء، وإن كانت فلتكن أصغر الصغائر، وإن وقعت فلينز عنها حالاً، غير صحيح. القرآن يرى أن ارتكاب الفواحش نفسه لا يخالف مفهوم التقوى، بشرط طبعاً، عجيب، أين هذا؟ سوف نرى، سوف نرى. هكذا، إذا عدنا إلى القرآن: "واعد للمتقين الذين ينفقون في السراء والضراء، والكاظمين الغيظ، والعافين عن الناس"، إلى أن يقول: "والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون، أولئك جزاؤهم"، إلى آخره. عجيب جداً، ليس هذا فقط، ليس هذا فقط أيها الإخوة، مصطلح المصطفى والمصطفي، مصطلح الاصطفاء يعني يعادل في أذهاننا بحسب ثقافتنا الدينية السائدة ماذا؟ النبوة، صح، الرسالة، صح، لكن هذا غير صحيح بحسب القرآن الكريم، يعادل جميعاً محسن ومسيء، يا معشر الموحدين، حيا الله هذه الوجوه، أنتم جميعاً مصطفون، مصطفون. وهذا سؤال تحدٍّ، ثم: "وأورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا"، من هم يا رب؟ من هم؟ فمنهم ظالم لنفسه، مصطفى لكنه ظالم لنفسه، ومن المصطفين فمنهم ظالم لنفسه، ومنهم مقتصد، يجتزئ ويكتفي بالفروض دون أن يمعن في التزلف إلى الله بماذا؟ بنوافل الطاعات، هذا هو المقتصد. طبعاً الظالم لنفسه، بالعكس، المفرط في الطاعات، المتقٍ للآثام، كبائر وصغائر، لكنه مؤمن وهو من أهل الكتاب، مش اليهود والنصارى، نحن يعني الذين ورثهم الله الكتاب، من أهل الكتاب، سنفهم ما معنى أنه ورث الكتاب أيها الإخوة، هذا هو مربط الفرس كما يقال، فمنهم ظالم لنفسه، وبدا به، والعجيب أنه بدا به، الله أكبر، لأن أكثر هذه الأمة هم من الذين ظلموا أنفسهم، لكنهم بعون الله في الأخير ناجون، انتبهوا، ناجون بمعنى أو بآخر، فمنهم ظالم لنفسه، ومنهم مقتصد، ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله، ذلك والفوز الكبير، الآية من سورة فاطر. كيف؟ كما قلت، هذا سؤال تحدٍ، كيف؟ كيف نكون من المصطفين ومنا وفينا الظلم لأنفسهم؟ تعرفون لماذا؟ لأن الاصطفاء والتقوى والاستقامة والعبودية لا تعني التزام خط أو مسار واحد لا يحيد عنه المر، كذب على الطبيعة البشرية، لن نستطيع ذلك، من نحن؟ نحن طين وماء أيها الإخوة، نفحة ربانية، لن نستطيع، لم نعد، لم نهيأ، لم نخلق لكي نكون كذلك، إذا كنا ملائكة، على فكرة فكرت في هذا الموضوع، أنا أرى أن الملائكة لا تُوصف بأنها لا تَكمُل ولا تتكامل، هي الملائكة وحسب، أما نحن فنحن الذين نتكامل أيها الإخوة، نحن الذين نتكامل.
طيب، الله تبارك وتعالى أيها الإخوة يريد أن يفهمنا، هذا هو سر الآية، مفتاح الآية، لغز الآية: "إن من كان عنده الرؤية"، ما معنى الرؤية التي تحدد له الهدف والغاية، وهو مؤمن ومن شرح الصدر أيها الإخوة، وعنده إرادة ونية، المسكين ظروفه معقدة كثيرة نعرف آه، عنده الإرادة أيها الإخوة أن يحقق الغاية، أن يصل إليها، ويصبو إلى هذا، لكنه يقوم مرة ويعثر مرات، يتقدم خطوة ويتأخر ربما آه أخرى أو يتقدم خطوتين يتأخر خطوة، في نهاية المطاف هو صاحب رؤية، وعلى هذا الأساس يبدو أن المج
بسرعة هذه الأفكار، على فكرة، قلت لها: حبكِ لإبنتكِ حبٌ مشروط، ولذلك هو يساهم في تدبيرها وتقوية شخصيتها دون أن تدري. قالت: كيف؟ قلت لها: طبعاً ابنتكِ إذا أحسنت في الدراسة، في الالتزام، في السمع والطاعة، في تنظيف البيت، في تنظيف غرفتها، فطبعاً تأخذ أحسن الجوائز: القبل والضم والعناق والإطراء. صحيح؟ قال: طبعاً. قلت: وإذا أساءت؟ تدعين عليها: الله يخلصني منكِ أنتِ يا كذا يا مشاكسة، الله يلعنكِ، البعيدة قرد يركبكِ، كالعرب متخلفون والله تخلف هذا، والله العظيم تدمير للشخصيات. قالت: هذا يحصل يومياً. قلت: طبعاً، والنتيجة يا مسكينة أن هذه البنت أصبحت غير آمنة، لا تشعر بالأمان. طبعاً هي لا تعرف هل هي محبوبة أو مكروهة في ساعة، الله يلعنكِ وقرد يركبكِ و٥٠ ألف شغلة، آه وفي ساعة تضمينها، البنت لا تشعر بالأمان مهما حاولت أن تضمينها وأن تقبليها، لا تصدق هذا هي المسكينة، لأنها تشعر أنها ليست محبوبة، لأنها فلانة، ليست محبوبة لذاتها، المحبوب سلوكٌ معينٌ فيها.
طيب، الإنسان أيها الإخوة، آه هو منتج سلوكات، هو مصنع سلوكات، والسلوكات تختلف. طبعاً يأتيني متفلسف، آه لا يستطيع أن يصل إلى هذا العمق ليقول لي: وهل الإنسان غير سلوكه؟ طبعاً يا سيدي، غير سلوكه. الإنسان أكبر من سلوكه، وأكبر من مجموع سلوكاته أيضاً، خليفة الله، هذا شيء أكبر مما تتخيل. حتى الطفل هذا، سيقول لي: لا، كيف أنا أصلاً؟ حين أُبني علاقة مع أي إنسان، سواء كان زوجتي أو زوجي أو ابني أو ابنتي أو صديقي أو أستاذي أو شيخي إلى آخره، أُبنيها على السلوك. طبعاً لأنك ناقص، أنت لا تستطيع أن تعطي حباً غير مشروط، لأنك لم تعطه، فاقد الشيء لا يعطيه. سأوضح هذا، ما معنى هذا يا إخواني؟ معنى هذا أن ابنك هذا الآن الذي فعل فعلاً استوجب مقتك وغضبك ولعنتك، بعد ساعة قادر على أن يفعل في نفس الصدد فعلاً يناقضه تماماً، أليس كذلك؟ هل ابنك هو السلوك الأول؟ لا، لأنه فعل نقيضه. هل ابنك هو السلوك الثاني؟ لا، لأنه فعل نقيضه. ما ابنك هو شيء غير هذا وغير هذا، لكنه مؤهل وبقدرته الكامنة، عفواً وليس الفعلية، بالقدرة الكامنة أيها الإخوة، قادر على أن ينتج كل هذه الضروب من السلوكات، وقادر أن يعزز، وأنت تعينه على أن يعزز سلوكاً منها أو آخر، سموه تعزيزاً في علم النفس، قادر وأنت قادر أن تعينه على أن يعزز السلوك الحسن، على أن يجتث السلوك السيء. فإذا هو أكبر من سلوكه، وبالتالي إذا أخطأ ابني أو ابنتي، حتى المراهق، أخطأ بأي طريقة، يعني خطأ عنّا نحن العرب، خلينا نكون صالحين، أنا أنا أحب أن أقدم رسالة هنا، ولا أحب أن أتفلّسف، ولا أن يقال: يتكلم بكلام جميل، والله لا أحب هذا، ليس هذا هدفي، هدفي أن أكتسب وأن أكسبهم أو أساعد في إكساب، أنا أيها الإخوة، أن نتعلم جميعاً سوية كيفيات عملية في مواجهة الحقائق والوقائع والمشاكل حتى لا نحطم أنفسنا ونحطم أولادنا في هذه الديار، الوضع مخيف هنا، طبعاً في بلادنا أيضاً مخيف، لكن ما يحصل أننا ننجح بتظاهر القوى الاجتماعية، آه على جميع المستويات، على قمع شخصية الناشئ المسكين، يقمع وكما قلنا يكون هو المستقيم، لكن المستقيم الغر البسيط المسطح بعمق ٢ سم نفسياً واجتماعياً وفكرياً وفلسفياً، ليس عنده خبرة حياة.
تعرفون أحياناً أتحسر أنا على الفكر العربي نفسي والإسلامي، أتمنى أن أقرأ لمفكر عربي الآن أو إسلامي عبارات يصح أن تكون استشهادات، ستات مثلاً، عبارات تقال هكذا للعالم، لا أجد، لكن صريحاً معكم وأنتم تعرفون هذا، لأنه لا عمق حقيقي لدينا، لا عمق حقيقي، سخافة وتسطيح وتبسيط لكل الأمور، يا أخي يكفي باستدعاء نصوص وأبيات شعر وأحكام، يظنون أنهم فهموا الحياة، وفي الحقيقة يساهمون في تحطيم الحياة والأحياء دون أن يدروا، وإن حسنت نواياهم، وإن حسنت نواياهم. قالت لي: يا سيدي هذا ما يحصل معي بالضبط. قلت: جربي أن تعطي أولادك حباً غير مشروط، إذا أحسن ابني سأضمُّه وأعتنقه وأقول له: أحبك، برافو، واستمر يا ابني، وفقك الله. إذا أساء في الدراسة سأقول له: يا ابني أتمنى لك التوفيق في المرة القادمة، أحبك يا ابني، واضمه أيضاً، وأقول له: أنت تستطيع أن تتحصل على أحسن من هذا، وأنا أعرف هذا، وأنت تعرف هذا، لعله شغلك ألعاب أو التلفزيون أو الأصدقاء، لكن ستكون في المرة الثانية أحسن، وقبله هذا الطفل صدقوني سيدفع، لا أقول ثمناً، لكن سيكاسر هذه الثقة وهذا الحب غير المشروط، بماذا؟ بالإنشاء في المرة القادمة أو الثالثة أو الرابعة.
شبه ستيفن كوفي أيها الإخوة، صاحب الكتب التي توزع بالملايين في شؤون التنمية البشرية، آه وتنمية الطاقات الذاتية، شبهها بشجرة البامبو أو البابوس الصينية، ما أحسن هذا التشبيه! قال: هذه الشجرة العجائبية توضع بذرتها في الأرض وتعاهد أيها الإخوة بالرعاية والسقي والتسميد أربع سنين، أربع سنوات دون أن يخرج شيء، باستثناء برعم صغير يخرج من البصلة، برعم صغير جداً، أربع سنين، ولكن في السنة الخامسة يا أحبابي، تبث هذه الشجرة لتبلغ ٣٠ متراً في عنان السماء في سنة واحدة! فاعمل واعمل بطريقة صحيحة وفكر بكيفية سليمة، وتصرف وفق ما تفكر وستأتي سنتك الخامسة، رسالة واضحة، ستأتي سنتك الخامسة مع زوجك، مع نفسك، مع أصدقائك، مع أولادك، فكروا بهذه الطريقة أيها الإخوة، فكروا بهذه الطريقة، هذا الحب غير المشروط من أروع ما يتوسل إليه علماء النفس.
ليضحي الحب المشروط وغير المشروط، قصة المجند الأمريكي المسكين البائس، يبدو أنه عاش بائساً ومات بائساً، الذي خاض غمار حروب عدة، وقدر له دائماً أن يعود منها سليماً معافى، حتى إذا كانت آخر هذه الحروب، قصفت الطائرة التي يستقلها ففقد إحدى يديه وإحدى ساقيه وعينه، يعني إحدى عينيه أيضاً، ودخل المشفى يعالج علاجا وعمليات جراحية، فاتصل أهله، أو هو اتصل بهم، فقالوا: هل صحيح ما سمعناه أنه حدث معك كذا وكذا وكذا، نحن مذعورون، نحن حزانى. قال: أبداً، أنا سليم ومعافى، لم أصب بسوء، لا يمسني سوء، ولكن لي صديق هو أعز الناس عليّ هنا، وليس له مساعد أو معين أو مواسٍ إلا أنا. قالوا: ما له؟ قال: فقد إحدى يديه وإحدى ساقيه وإحدى عينيه. هل تسمحون لي باصطحابه معي إلى البيت لكي أرعاه وأتوا معي؟ قالوا: أما أنت فأنت ابننا وحبيبنا وعلى الرحب والسعة، أما هو فنعتذر عن استقباله. قال: حسن، إلى الملتقى. أغلق السماعة، أخذ مسدسه، أنهى حياته، لأنه علم إذاً أنه حين كان محبوباً كان محبوباً لأنه عائل، لأنه يساهم مادياً، لأنه مكتمل جسمانياً، أما الآن هذه الأسرة ليس عندها القدرة العاطفية ولا النفسية أن تتقبل حاله التي وصفها، وفي الحقيقة هو كان يصف ذاته كما سمعتم، أخذ الطريق مختصراً وأنهى حياته، لا مكان له في عالم لم يتعلم الحب غير المشروط.
نحن بالذات لم نتعلم الحب غير المشروط أبداً، لم نتعلمه أبداً، لم نسمع به في المدرسة، كنا نعاني من هذا الكابوس الذي كان يعتادني في المدرسة، أيها الإخوة هو كابوس إنهاء عطلة صيفية وبدء يوم جديد في المدرسة، مع أنني كنتُ من الأوائل، وهذا كابوس المدرسة، كابوس لماذا؟ لماذا؟ لأن الأستاذ حين تجود في الإجابة يمر الجميع بالتصفيق، صفقوا له، وأحياناً يحتضنك أو يضع يده على كتفك، يربت عليك، آه وحين تخطئ يا أخي، طيب أنا أتعلم، طفل حين تخطئ، يصفعك مباشرةً على وجهك، وصفع على الوجه ممنوع، آه أو بالمسطرة أو بالخيزرانة بأي شيء. قلت لأحد إخواني: قال يا ليت، قال لدينا كان يقول: صفقوا وإذا أخطأت يقول لهم: دقوا الأرض آه بأرجلهم بنعالكم، يعني يا حمار، أكرمكم الله، الحمار، الحمار، ما هذا؟ ما هذا؟ ما هذه التربية؟ أين الحب؟ أين التشجيع؟ كلام فارغ ويتحدثون عن التشجيع، تشجيع ماذا؟ هذا ليس هذا تحطيم، كله تحطيم، تشجيعك تحطيم وعقابك تحطيم، يا محطم، لأنك أنت محطم، ومش يقول مدرس تربية وتعليم، لم يتربّ ولم يتعلم، لم يفقه شيئاً، هذا في أمه لم تفقه شيئاً، الآن للأسف الشديد في البيت نفس الشيء، كقصة هذه السيدة المسكينة المتيمة بابنتها والتي ابنتها أكثر صدقاً من حين تقول لها: لا أنت تكرهيني، لا تحبينني، ليس هكذا الحب.
طيب، بما أننا في الأسرة، حتى حديث الأزواج والزوجات يقول: نعم، أخذتها يوم أخذتها كنت أحبها جداً، كذبت، أبعد كذب؟ لماذا؟ في الحقيقة أنت لم تحبها، وأنت لا تعرف معنى الحب أبداً، أنت ربما حبك بمدخل جنسي، أحببت صدرها الناهد، آه وقوامها الخمسان، ووجهها المنظر، شعرها المرسل المهفهف، هذا ما أحببته، أنت لا تعرف كيف تحب الإنسان لذاته، لمقومات شخصيته الثابتة التي كما قلنا في خطبة قريبة، تنضج كلما مر الزمن ولا تبهت بحمد الله تبارك وتعالى، الزمن أيها الإخوة يعطب الثمرة، يعفن، إلا الإنسان، الإنسان الذي يتكامل بالزمن حتى وإن أصبح ثمانينياً أو تسعينياً يزداد جمالا، لكن جمال الباطن، مش جمال الجلد والتجاعيد، يزداد جمالا ورواءً وحكمةً ونضارة، جزاك الله خيراً، وعظمةً وقلقاً. قال في البداية أحببتها، وبعدين رتَّ لك بطنها أربعة خمسة ستة، ما شاء الله، وفرحت ببيت ورفعت رأسك، الفحل الذي لا يجدع أنفه، ما شاء الله، وبعد ذلك شعرت أنني لم أعد أحبها، طيب هذا ينطلق، انتبهوا نحن لازلنا الآن في مسألة كيف نفكر وليس كيف نتصرف، هذا المسكين يخضع لمزاج، كيف نتصرف، والمشكلة الآن عنده كيف أتصرف مع امرأة كففت عن حبها وعندي ستة منها وأريد أن أطلقها بغير مشاكل، غير مشاكل، يحب أن يطلقها وأن يأخذ التركه والأموال والبيت وكل شيء ولا يأس عليها أن تعود إلى حيث ألقت بلا شيء، أين الإنسانية، أين الأخلاقية في هذا الموقف؟ هل هذا يقول موقف شرعي يا أخي؟ موقف شرعي هكذا يفهم الشرع؟ لا، كان هذا الشرع الذي يفهمه أمثال هؤلاء الأقسام هؤلاء سيكفرون الناس بشرع الله، انتبهوا والله سيدة أقسم بالالله وجعلتني واسطة في قضيتها، قالت لي: يا سيدي جاءتني في الساعة الحادية عشرة ليلاً تستنجد بي وبزوجي، وأنا أقمت لها عذراً ولم أنظر نظر لان سيدة محترمة وجزلة ورصينة ومتعلمة أكاديمية، قالت لي: يا سيدي أنا جئت لكي أطرح سؤالاً، وثقتي بك وافرة. قلت: تفضلي. قالت: هل الدين بخصوص هذه القضايا الزوجية هو كذا وكذا؟ قلت: أبداً. قالت: الحمد لله أنقذتني من الكفر، كان بينها وبين نفسها تحدي، إذا كان هذا الدين فكفر به، ترد وتقول لها: لا يمكن أن يكون هذا الدين، وإذا كان هذا دين محمد، إذا هذا الدين كذب، صادقة معها الحق، قالت لي: يقول لي دائماً هذا هو الشرع وسأخضعك للشرع. قلت لها: يكذب على الشرع، ويأخذ من الشرع كيف يشاء ويشوّه لكي يبرر أيّ نزواته وشهواته وشخصيته أيّ الملتفة التي تحتاج إلى علاج يا أخي، ليس عنده أدنى درجات الوعي بالذات، شيء يضع العقل كما يقولون في الكف، شيء عجيب يا إخواني، فالحمد لله، قالت: أنقذتني من الكفر، السلام عليكم، وعادت في الساعة الحادية عشرة ليلاً، مأساة حقيقية.
طيب، فهذا سؤاله الآن، كيف أتصرف؟ طبعاً، كيف يحطم الآخر دون أن يناله أذى، ما شاء الله على مستوى الإنسانية والأخلاق، كيف عشت مع هذه السيدة ٢٠ سنة؟ ماذا أفادك الزواج؟ كيف كانت العلاقة الزوجية أصلاً؟ ألم تنضج في هذه ٢٠ سنة؟ كيف كنت أباً؟ كيف ادعيت أنك كنت أباً ولم تنضج إنسانياً ولذلك أنت أب فاشل قطعا، أنت أب فاشل قطعا، أولادك فاشلون، أنت لم تنجح، لم تعرف كيف تنجح للأسف. طيب، أما عقلياً أيها الإخوة، كيف نفكر؟ فهذا سينظر المسألة من زاوية مختلفة بالمرة، الأول صاحب كيف نتصرف الآن مع الزوجة التي ما عاد يحبها، يظن أن الحب مشاعر، ستقولون: وهل هو غير ذاك؟ طبعاً، جوهر الحب ليس مشاعر فقط، هذه تمظهرات الحب يا إخواني، جوهره حقيقته، فلسفته ليست مشاعر، طبعاً الأفلام العربية بالذات ما شاء الله، لا حياها الله ولا حيا مخرجيها، كله، حتى أفلام هوليوود تفهم أن الحب مشاعر توجد فجأة وتختفي فجأة، طبعاً لأنها مشاعر قد تتولد مثل يعود الثقاب هكذا النار، آه وتختفي فجأة، كنت أحبها وكفى، كل شيء فلنفصل وليكن ما يكون. الحب عند من يفهمه هو سلوك، وإذا كان سلوكاً فهو مسبوق بإرادة، والإرادة تعني ماذا؟ الاختيار، اخترت أن أحب ولستُ شراً على ذلك، أنا الذي اخترت هذا الطريق، أنا الذي اخترت هذه السيدة، آه اخترت أن أحبها، ولذلك لا بد أن أسلك لتعزيز أي خياري، صح؟ تماماً كما اخترت، أحببت الطب، آه أو الهندسة أو الفلسفة ودرست، لا بد أن تسلك وأن تقرأ قراءات إضافية كثيرة في الفلسفة أو الطب أو الهندسة لكي تعزز ماذا؟ حبك للطب يا حبيبي، وإلا لن تتخرج من كلية الطب. كذاك العربي الذي كان معنا في غزلافيا وحدثنا عنه أنه الآن في السنة الخامسة عشرة يدرس الهندسة المدنية، قلنا له: أب، سولفنت يعني؟ قالوا: لا، في السنة الثانية في أولها، قلنا له: ماذا يفعل هذا؟ شاخر على ٧٠ من عمري بإذن الله، لماذا؟ قال سألنا: قال: أحبها يا زلمة، أحبها يا رجل، بحب الهندسة المدنية من الحب من قتل ومن الحب من قتل، يحب ١٥ سنة لسة في أول السنة الثانية يحبها، على كل حال هو أصدق التزاماً في حبه من هؤلاء الأزواج الفاشلين، الحب سلوك، الحب سلوك مسبوق بخيار إرادي، لا بد أن تتصرف بما يعزز خيارك أنت وليس خيارها هي، أنت الذي أحببتها وهي أيضاً بدلتك خياراً بخيار صحيح لم يفرضها عليك أحد، أنت الذي اخترتها ودفعت فيها دم قلبك كما تقول، فتصرف. فتقول لي: طيب يا سيدي بدل هذه الفلسفة المتعبة هذه، أنا الآن لا أشعر بحبها، ماذا أفعل؟ أقول لك: تبنى فلسفتنا، الحب سلوك، اسلك الآن بناءً على اختيار متجدد، أنا أنظر إلى زوجتي وأرى أنها أيش ضحت بحياتها معي، نثرت لي أيش ثمار بطنها، صحيح، زوجتي هي أيش موضع سري وعيبتي، وهي أم أولادي، حبي لأولادي يقتضيني أيضاً أن أعظم حبي أيش لزوجتي، يبدو في نهاية المطاف مهما طرت مهما عششت مهما أيّ فررت لن أجد أبهج ولا أسعد من أسرتي ومن بيتي من هذا العش، آه الذي مكثنا فيه ٢٠ سنة، سأسلك بناءً على هذه الخواطر والأفكار، وستعود وأنت في منتهى التعب لتطرق الباب، انتبه وحاذر حين يفتح لك أن تسأل: ماذا طبختِ؟ طبختِ؟ أنت تخذلها، ممكن ما طبخت المسكينة، ممكن مريضة عندها ألم عندها صداع، ممكن ابنك مريض في المستشفى، آه فأنت الآن خذلتها، ستقول لك: لم تعد تحدث مشكلة، وهذه طبعاً شرطية، أنت لن تستحسن ولن تطري ولن تعبر عن مشاعر الحب إلا إذا طبخت، قضية البائكة لا، انتبه هذا كلام علمي، أول ما تدخل: السلام عليكم، كم أنا مشتاق إليكم، بالعامي طبعاً مش هنقولها لكن بالعامي، انتبه مش تعمل زي هي هبل أبونا هذا هبل الشيخ، آه كم أنا مشتاق إليكم يا أبنائي الأحبة، يقول لك: عيب من بروف التمثيل، بالعكس وين يا أحبابي يا أولادي، كذا، مش وين أمكم؟ وين أم فلان؟ يا الله اشتقنا لكم يا جماعة، كذا، قبلة على كل واحد، إياك سواء كنت أنت الداخل أو المدخول عليك لا تسأل: ماذا فعلتم؟ ماذا أنجزتم؟ ماذا كان في الامتحانات؟ ماذا كان في الشارت؟ ماذا فعلتم في الكذا؟ لا تسأل هذا، انتبه هذا يجعلك أباً مكروه الحضور ها ومكروه الظهور نفسياً، دائماً اسأل: كيف حالكم؟ ها كم أنتم جميلون اليوم؟ كان كم أنا يعني أيّ مشتاق إليكم فقط، واكتفي بهذا وقبلة على جبين كل واحد أو أيّ خذ كل واحد واجلس، وكل شيء يأتي في وقته، سياق ماذا طبختِ؟ لابد منه، عفواً، سؤال ماذا طبختِ؟ لابد منه وإلا تفقد أيضاً أيش وتحدث مشاكل، لكن في سياق آخر حين تقول لك: يا أبا فلان، آه أضع لك الأكلة، أجهز لك المائدة، قل: ماذا طبختِ؟ ما شاء الله، انتظر هذا الآن ممتاز، ليس حين تفتح الباب لعله لم تطبخ، الأول يؤكد الشرطية أن كل شيء مشروط، والحب مشروط، الطريقة الثانية تؤكد اللا مشروطية، طبختِ لم تطبخي، نجحتم لم تنجحوا، امتحنتِ لم تمتحني، كله مقبول، أنتم أبنائي في نهاية المطاف.
هل فكرتم وأختم بهذا، للأسف ما زلنا في بداية الموضوع لعلنا نتابع، هل فكرتم يا أحبابي وأخواتي في قصة نوح، في قصة لوط، لوط مثلاً كان مع زوجته، صحيح، الزوجة الكافرة والكافرة بالله، الكافرة بنعمة الزوجية والكافرة بنبي الله لوط، زوجها والتي تفشي أسراره وتبث خبره وتثني سره، صحيح؟ طيب ومع ذلك العجيب جداً وهذا ما لم يلتفت عليه المفسرون، أن لوطاً لم يفصم علاقته بها وظل زوجاً وفياً لها حتى القارعة التي أصابتها، بل ظل حريصاً كما تقول رواية على ألا تهلك، لكن الله قال له: إلا امرأتك وستهلك، لا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك، قال: حتل التفت وستهلك، وقال: لا تلتفتي فإنك إن تلتفتي آه تهلك، ما صدقت، كافرة فالتفتت فانتهت، ما هذا المنطق الذي أيش كان يتمتع به لوط حتى أيش يكتفي بامرأة كهذه وحتى يفي، يبدو أن سر الزواج وعهد الزواج أكبر وأقدس مما نتخيل يا إخواني، ويبدو أن نضج هؤلاء الشخصيات الأنبياء أكبر مما نتخيل، شوف لوط هذا، نوح نفس الشيء مع زوجة ومع ابنه الكافر ويبكيه في آخر لحظة: إن ابني من أهلي، تعرفون لماذا؟ لأن الحقيقة أننا نحب أولادنا وأهلنا حباً غير مشروط في الباطن، ونفشل للأسف أن نسلك وفق أيش هذه الحقيقة الغرّز وأن نعبر عنها كيف؟ طبعاً مثل الأب الذي يقول لك: كنت أضربه وقلبي يتقطع، طبعاً لأنه يحبه، كنت أدعو عليه وقلبي يقول: لا آمين، ويتقطع، إذا هو المسكين أيش يعيش في مشاكسة وجدانية في الداخل، يحبه حباً غير مشروط حتى وإن عصاه، حتى وإن أخطأ، حتى وإن زلت ابنته وفعلت ما فعلت، يحبها. طيب يا حبيبي، أنا نصيحتي لك: أبرز لها هذا الحب غير المشروط، في البداية ستمتحن صدقك، ستقول: هذا يكذب عليّ، يستدرجني يريد مني كذا، إذا صدقت أمامها في الامتحان واجتزته هو سوف تبدل موقفها كلياً معك، ما رأيكم؟ نصيحة هذه ذهبية وخطيرة جداً جداً، لكن ابنك سيمتحن وابنتك سيمتحن صدقك، هل أنت صادق فعلاً في الـ وفي منح هذا الحب غير المشروط، حتى وإن أخطأ، حتى وإن كسر رأيك ولم يدخل الكلية التي تحب، دخل قال: موسيقار بدّه يصير موسيقى مش حصير، مزيكار بدّه يصير مزيك ممزق، آه أنت بدك إيّاه طبيب قد الدنيا عشان باه في مصر وفي فلسطين وفي تونس، ها قد الدنيا، لا هو بدّه مزيك، أنت ممزق مش حصير فاجن ولا المهم، خليه، من حقه، من حقه، إذا فعلت هذا ونجحت وربما يعود عن قراره وعن قناعته هذه المرة، يدرس ربما ربما ربما لا، ويفعلها هو حر في النهاية، من حقهم أن يستفيدوا من أخطائهم، تقول: لا أنا لا أريد له أن يكرر أخطائي، أنا أحب له أن يتعلم من أخطائي أيضاً، لم تصب، تقريباً مستحيل يتعلم من أخطائك، آه أكثر ما يتعلم يتعلم من أخطائه، أفدح الأشياء ثمناً هي التي تأتي بلا ثمن، كل قيام وبادء أشياء نوهب، نعطيها عفواً وسماحة صدقوني ضعيفة الأثر فينا، كل ما نستخلصه بأنفسنا وعبر المعاناة يكون عظيماً الأثر فينا. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه، الحمد لله، الحمد لله الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون، ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله، والكافرون لهم عذاب شديد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله الطيبين وصحابته الميامين واتباعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً، اللهم اهدنا واهد بنا وأصلح بنا، اللهم اجعلنا مفاتيح الخير ومغاليق الشر، هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين، سلماً لأوليائك وعدواً لأعدائك، نحب بحبك من أحبك ونعادي بعداوتك من خالفك، اللهم إنا نسألك أن تهب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين، اللهم اجعلنا جميعاً من أئمة المتقين بفضلك ورحمتك يا أرحم الراحمين، أسعدنا في الدنيا والآخرة نحن وأهلنا وذوينا وإخواننا وإخواتنا برحمتك يا أرحم الراحمين، عباد الله إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون، اذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه يزدكم، واسألوه من فضله يعطكم، وقوموا إلى صلاتكم، يرحمني ويرحمكم الله.