Transcription
اللعبة انتهت أو ربما بدأت الآن بقواعد جديدة تماماً. لسنا أمام بيان روتيني لمجلس الوزراء، ولا أمام مجرد عفو رئاسي في مناسبة وطنية. ما حدث في الاجتماع الأخير برئاسة عبد المجيد تبون هو تغيير لقواعد الاشتباك مع الخارج. الدولة الجزائرية بقرار سياسي وأمني شامل، تقرر سحب الورقة الأخيرة التي تبتز بها جهات أجنبية الجزائر، ورقة المنفيين والحراقة. القرار نزل كالمطرقة، تسوية شاملة، عودة للديار، وطي للملفات. لكن ليس للجميع. هناك رؤوس ستسقط، وهناك أبواب ستظل مغلقة في وجه الخونة إلى الأبد.
في هذه الحلقة سنفكك شفرة بيان الرئاسة كلمة بكلمة. من هم المعنيون بهذا الصلح؟ لماذا الآن بالذات في مطلع 2026؟ وما هي قصة التوافق التام بين المؤسسات التي ذكرها البيان؟ وهل نحن أمام صفقة سياسية لترتيب البيت الداخلي قبل الاستحقاقات القادمة؟ القصة ليست مجرد عودة شباب، القصة أعمق بكثير. أنتم تشاهدون قناة صوت الجزائر على يوتيوب، واليوم نحن نكشف لكم كواليس الفرصة الأخيرة. اربطوا الأحزمة، الكلام سيكون ثقيلاً ومباشراً. دعونا نتحدث بصراحة.
لسنوات استخدم ملف النشطاء في الخارج والحراقة كوقود دائم لإشعال الفتن، وكأداة في يد منظمات وتقارير دولية لجلد الظهر الجزائري. البيان الرئاسي الأخير لم يأتِ ليداري هذه الحقيقة، بل واجهها بعين مفتوحة. الرئيس تبون وضع يده على الجرح مباشرة. هناك شباب دفع بهم إلى الخطأ عمداً. ركزوا على كلمة عمداً. السلطة هنا لا تتهم الشباب، بل تتهم المحركين. هؤلاء الشباب، سواء كانوا نشطاء يوتيوب صغاراً أو مهاجرين غير شرعيين، وجدوا أنفسهم كما يصفهم البيان، يعانون تحت الفاقة والعوز ليتم استغلالهم من أوساط إجرامية، مافيوية، ومخابراتية. الدولة اليوم تقوم بحركة التفافية ذكية. بدل مطاردة هؤلاء أمنياً وقضائياً، قررت احتوائهم. الرسالة التي خرجت من قصر المرادية واضحة: أنتم وقود لمعركة ليست معركتكم، عودوا وسنطوي الصفحة. هذا التكتيك يسمى في السياسة تجفيف المستنقع. عندما تسحب الجنود المشاة الشباب المغرر بهم من ساحة المعركة، سيبقى الجنرالات المحرضون وحدهم في العراء، مكشوفين وبلا أدوات.
الآن نترك الكلام العاطفي ونتحدث لغة الإجراءات. كيف سيحدث هذا؟ هل يعود الناشط الذي كان يشتم بالأمس ليجلس في المقهى اليوم؟ البيان كان دقيقاً وتقنياً. العملية كلها ستدار عبر القنصليات. القنصلية هي نقطة الفرز، هي الغربال. الناشط أو المهاجر يتقدم، يعلن رغبته في التسوية، ويوقع على التزام بعدم العودة. هذا الالتزام هو العقد القانوني بينه وبين الدولة. بمجرد توقيعه، تتحرك الماكينة. المؤسسات القضائية تسقط المتابعات التي كانت غالباً تهم إهانة هيئات نظامية، تجمهر، أو مساس بالنظام العام. والأجهزة الأمنية ترفع إشارات الترقب من الحدود. نحن لا نتحدث عن تكهنات. البيان ذكر بوضوح بالتوافق التام بين كل مؤسسات الجمهورية. هذه الجملة هي الضمانة. هذا يعني أن الجيش، المخابرات، العدالة، والرئاسة، الجميع على قلب رجل واحد في هذا القرار. لا يوجد فخ. الدولة لا تحتاج لاستدراج يوتيوبر صغير لتسجينه. الدولة تريد غلق الملف نهائياً وتبييض الساحة. لقد رأينا البروفة مسبقاً. عودة أسماء مثل أحمد سقلاب، وقبله قياديون سابقون في تنظيمات محظورة بشروط، تؤكد أن السيستم بدأ يعمل بالفعل. وما نراه اليوم هو تعميم لهذه الآلية لتشمل الجميع.
هنا يقف الهزل، وهنا يتحول العفو إلى وعيد. الدولة رسمت خطاً أحمر عريضاً بالدم. هناك فئات لن تشملها هذه التسوية حتى لو قبلوا أستار الكعبة. البيان حددهم بدقة جراحية:
واحد: أصحاب الدم. من تلوثت يده بقتل جزائري أو شارك في أعمال إرهابية دموية. هذا ملفه عند القضاء العسكري والجنايات الكبرى، ولا تسوية معه.
اثنان: تجار الموت. بارونات المخدرات وتجار الأسلحة. هؤلاء ليسوا معارضين سياسيين. هؤلاء مجرمون يهددون الأمن القومي، ومكانهم السجن، لا طاولات الحوار.
ثلاثة: الخيانة العظمى وهي الأخطر. ركزوا جيداً في عبارة "كل من تعاون مع الأجهزة الأمنية الأجنبية بغرض المساس بوطنه". هذه النقطة هي الفلتر الحقيقي. الدولة تفرق بين شاب غاضب كتب بوست أو خرج في فيديو يشتم بسبب البطالة، وبين عميل جلس في مكاتب مخابرات أجنبية وقبض الثمن باليورو والدولار ليسرب معلومات أو يضرب استقرار الجزائر. الفئة الأولى: مرحباً بك في وطنك. الفئة الثانية: أنت عدو، والتعامل معك سيكون تعاملاً مع عدو.
هذا الفرز ضروري جداً لأنه يضع كل شخص أمام مرآته. هل كنت معارضاً وطنياً أخطأ الأسلوب، أم كنت مرتزقاً؟ الجواب سيحدد مصيرك. السياسة لا تعرف الصدفة. توقيت هذا القرار يصرخ بالدلالات. نحن على أعتاب مرحلة سياسية جديدة. الحديث عن الانتخابات التشريعية وعن تحالفات نيابية كما ذكر بن قرينة في تحركاته لدعم الرئيس، يشير إلى أن الجزائر تريد الدخول إلى 2026 بملفات نظيفة. هناك رغبة واضحة في تصفير المشاكل. الدولة تريد التفرغ لمعارك حقيقية: الاقتصاد، الغذاء، والسيادة الرقمية. لا يعقل أن تظل الأجهزة الأمنية والدبلوماسية مشغولة بمطاردة فيديوهات تيك توك بينما العالم يغلي والحروب تحيط بالمنطقة. هذا القرار هو بمثابة هدنة داخلية لتوحيد الجبهة. الجزائر تقول لأبنائها: المعركة ليست بيننا، المعركة مع من يتربص بنا في الخارج. عودوا لتبنوا، أو عودوا لتعيشوا بسلام. المهم أن تخرجوا من دائرة الاستخدام الوظيفي ضد بلدكم.
الرئيس تبون، وبنفس النبرة الحادة، فتح ملفين لا يقلان خطورة عن ملف المعارضة: الجوع والمعلومة. في الفلاحة، التعليمات كانت أوامر عملياتية. الهدف: 3 مليون هكتار مزروعة. استيراد عتاد الحصاد فوراً وبشكل استعجالي. الرئيس يدرك أن من لا يملك قوته لا يملك قراره. عودة المعارضين لن تفيد إذا كانت الجبهة الداخلية جائعة أو تعتمد على القمح المستورد. هناك حالة طوارئ فلاحية لضمان السيادة الغذائية. وفي الرقمنة، وصلنا لمرحلة الحقيقة. التقرير المرحلي يكشف أن الجزائر قطعت شوطاً كبيراً. الرقمنة هي العدو الأول للفساد والبيروقراطية. عندما تكون البيانات واضحة، ينتهي زمن التلاعب. الدولة الآن تبني ذاكرتها الرقمية بدقة، وهذا سيرتبط مباشرة بملفات الدعم، السكن، وحتى متابعة القضايا الأمنية والسياسية.
إذاً، الصورة واضحة الآن وبدون فلاتر. الدولة الجزائرية وضعت العرض على الطاولة. هو عرض قوة لا عرض ضعف. هي تقول للذين في الخارج: نعلم أنكم تعانون، ونعلم أنكم نادمون، ونحن نفتح الباب، لكن بشروطنا. هذا الاختبار الأخير. من سيلتقط الإشارة ويعود، سينجو بنفسه وبمستقبله. ومن سيكابر ويستمر في الرهان على الوهم ووعود الأجهزة الأجنبية، سيجد نفسه وحيداً، منبوذاً، وملاحقاً بقوة القانون، ووصمة الخيانة التي لا تُمحى. الأسابيع القادمة ستكون حاسمة. سنشهد نزوحاً عكسياً للكثيرين، وسنسمع صراخاً عالياً من رؤوس الفتنة الذين يدركون أنهم يفقدون جنودهم. الجزائر 2026 تتشكل الآن بحدودها، بأمنها الغذائي، وبجبهتها الداخلية الموحدة.
السؤال المطروح لكم في التعليقات، وأريد إجابات صريحة: هل ترون أن هذا الإجراء كافٍ لطي صفحة المعارضة في الخارج؟ وهل تثقون في التزام هؤلاء العائدين بعدم العودة للتحريض؟ شاركونا آراءكم، فالنقاش سيكون ساخناً جداً. لا تنسوا دعم المحتوى باللايك والنشر ليصل الصوت للجميع. تحيا الجزائر، والمجد والخلود لشهداءنا الأبرار. سلام.